الدرس : 13 - سورة القصص - تفسير الآيات 64 - 72 - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الدرس : 13 - سورة القصص - تفسير الآيات 64 - 72


1990-08-17

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد، الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علما، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
 أيها الإخوة المؤمنون، مع الدرس الثالث عشر من سورة القصص، لا زلنا في الآيات التي ردَّ الله بها على قول كفَّار مكة:

﴿وَقَالُوا إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا﴾

 ( سورة القصص: من الآية 57 )

﴿وَقِيلَ ادْعُوا شُرَكَاءَكُمْ﴾

 ( سورة القصص: من الآية 64 )

تذكير بما سبق:

 لو أن الإنسان أحجم عن الهدى أو رفض الهدى، أو لم يعبأ به، اتباعاً لكبراء القوم، وانصياعاً لسادتهم، وإرضاءً لأسياده، فالله سبحانه وتعالى قَصَّ علينا مشهداً من مشاهد يوم القيامة، حيث يتخلى هؤلاء الكبراء عن أتباعهم..

﴿ وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ (62) قَالَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ رَبَّنَا هَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَغْوَيْنَا ﴾

 ( سورة القصص )

 أي يدَّعون أننا أغويناهم..

﴿أَغْوَيْنَاهُمْ كَمَا غَوَيْنَا تَبَرَّأْنَا إِلَيْكَ مَا كَانُوا إِيَّانَا يَعْبُدُونَ ﴾

 ( سورة القصص )

 فليسوا مقهورين، بل هم مخيَّرون، وإنما وافقت شهواتهم دعوتنا فظلوا معنا، إذاً: يُسْتَنتج من هذه الآية أنه لا يستطيع أحد أن يُضِلَّ أحداً، لسببٍ بسيط هو أنه لا سلطان لأحدٍ على أحد من حيث التفكير والسلوك، والدليل:

﴿وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ﴾

 ( سورة إبراهيم: من الآية 22 )

﴿وَقِيلَ ادْعُوا﴾

 هذا شُرِحَ في الدرس الماضي.

﴿مَا كَانُوا إِيَّانَا يَعْبُدُونَ ﴾

 ( سورة القصص )

 ولكن الوقفة التي ينبغي أن نقف عندها..

﴿وَقِيلَ ادْعُوا شُرَكَاءَكُمْ فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ وَرَأَوُا الْعَذَابَ لَوْ أَنَّهُمْ كَانُوا يَهْتَدُونَ ﴾

 ( سورة القصص )

المفهوم الواسع للآية:

لَا طَاعَةَ لِمَخْلُوقٍ فِي مَعْصِيَةِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ:

 أي إذا جاء العذاب، فهذا الذي أطعته، وعصيت الله عزَّ وجل، هل يستطيع أن يصرف عنك العذاب ؟ وهذه الآية لو وَسَّعنا مفهومها في حياتنا اليومية، أي لو أن إنساناً أطاع شخصاً، وعصى الله عزَّ وجل، واقتضت هذه المعصية عقاباً من الله عزَّ وجل، فهذا الذي أرضاه، وأطاعه هل يستطيع أن يمنع عنه هذا العذاب ؟ الجواب: لا يستطيع، لذلك:

(( لَا طَاعَةَ لِمَخْلُوقٍ فِي مَعْصِيَةِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ ))

[ أحمد عن علي ]

 وقبل أن تطيع فلاناً، وتعصي الله فَكِّر ملِياً لو أن مرضاً خبيثاً عضالاً أصابك، هل بإمكان الذي أَرْضَيته، وعصيت الله عزَّ وجل أن يصرفه عنك ؟ ولو أن فقراً شديداً قَدَّره الله عليك فهذا الذي أطعته، وأرضيته، وعصيت الله فهل بإمكانه أن يصرفه عنك ؟ فأجمل تعليقٍ يقال في هذه الآية حينما قال أحد التابعين لوالٍ من ولاة يزيد، وقد جاءه توجيهٌ من يزيد بخلاف ما أمر الله عزَّ وجل، فقال: ماذا أفعل ؟ فقال هذا التابعي الجليل: " إن الله يمنعك من يزيد، ولكن يزيد لا يمنعك من الله ".
 فقبل أن تعصي الله، وقبل أن ترضي الناس، وتُرضي شريكك، وزوجتك، ومَن هو فوقك، قبل أن ترضي مَن هو دونك، قبل أن ترضي جارك، ورفقاءك، أي حينما تُرضي أشخاصا، وتعصي خالق الكون، هؤلاء الأشخاص على كثرتهم وقوَّتهم، واتصالهم الشديد، وحبهم لك فهل بإمكانهم أن يمنعوا عنك مصيبةً قدَّرها الله عزَّ وجل ؟ لا، بل يتعاطفون معك بكلماتٍ معسولة، إذ يقولون لك: والله نحن تألَّمنا لهذا المصاب كان الله بعونك، وإذا كان الأجل أرسلوا إكليلاً من الورود وعليه عبارةٌ لطيفة، وانتهى الأمر، هذا كلُّ ما يفعله الناس إذا أرضيتهم، وعصيت الله عزَّ وجل..

﴿وَقِيلَ ادْعُوا شُرَكَاءَكُمْ فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ﴾

 ( سورة القصص )

عدم استجابة الشركاء لمتّبعيهم:

 هؤلاء الذين ادَّعَيْتُم أنَّهم آلهة، في عصر النبي عليه الصلاة والسلام قالوا: اللات والعُزَّى آلهة، وإذا كنتَ في عصرٍ آخر توَهَّمت أن شخصاً ما بيده الخير والشر، فبيده أن ينفعك أو أن يضرك، وأنت لم تقل: إنه إله، ولكنك أعطيته صفات الإله، فإذا توَجَّهت إليه بكليَّتك، ورأيت أن غضبه خطير، وأن رضاه كبير، فإنَّك جعلته إلهاً وأنت لا تدري، ليست العبرة أن تقول: هذا الإنسان إله، هذه لا يقولها أحد، وفي عصر النبي والعصر الجاهلي كانوا يقولون: إن ودّاً ويغوث ويعوق ونسرا آلهة، ولكن عَنْ شَدَّادِ بْنِ أَوْسٍ أَنَّهُ بَكَى، فَقِيلَ لَهُ: مَا يُبْكِيكَ ؟ قَالَ: شَيْئًا سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُهُ فَذَكَرْتُهُ فَأَبْكَانِي، سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ:

 

(( أَتَخَوَّفُ عَلَى أُمَّتِي الشِّرْكَ وَالشَّهْوَةَ الْخَفِيَّةَ، قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَتُشْرِكُ أُمَّتُكَ مِنْ بَعْدِكَ ؟ قَالَ: نَعَمْ، أَمَا إِنَّهُمْ لَا يَعْبُدُونَ شَمْسًا وَلَا قَمَرًا، وَلَا حَجَرًا وَلَا وَثَنًا، وَلَكِنْ يُرَاءُونَ بِأَعْمَالِهِمْ، وَالشَّهْوَةُ الْخَفِيَّةُ أَنْ يُصْبِحَ أَحَدُهُمْ صَائِمًا فَتَعْرِضُ لَهُ شَهْوَةٌ مِنْ شَهَوَاتِهِ فَيَتْرُكُ صَوْمَهُ ))

 

[ أحمد ]

 إذا اتجهت نفسك إلى الأشخاص لترضيهم، وهم في نظرك كبار جداً بيدهم نفعك وَضَرّك فهذا الشيء، هو الذي يعيق الإنسان عن طاعة ربه، فلذلك..

﴿فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ وَرَأَوُا الْعَذَابَ لَوْ أَنَّهُمْ كَانُوا يَهْتَدُونَ﴾

لَهُمْ وَرَأَوُا الْعَذَابَ لَوْ أَنَّهُمْ كَانُوا يَهْتَدُونَ

 لو أنهم كانوا يهتدون إلى الله عزَّ وجل لما عبدوهم، ولما أطاعوهم، ولا خضعوا لهم، واستسلموا لمشيئتهم، ولما رأوا حجمهم كبيرا، ولكن يرون الله أكبر، فهذه كلمة ( الله أكبر )، والله لو أن الإنسان قالها ألف مرة، وأطاع مخلوفاً، وعصى ربه ما قالها ولا مرة، لأنك لو رأيته أكبر من هذا لما عصيته، دائماً لو أنه جاءك أمر من شخص مهم وشخص أقل أهمية، ترعى حق المهم، لمجرد أن تطيع الله عزَّ وجل، وأن تعصي زيداً أو عبيداً، ولو لم تقل بلسانك: الله أكبر قلتها بنفسك، أما بمجرد أن تعصي الله عزَّ وجل كي تطيع إنساناً فأنت في أعماقك، بل في شعورك، بل لسان حالك يقول: فلانٌ أكبر من الله، لأنك أطعته، وعصيت الله، إذاً:

﴿ وَقِيلَ ادْعُوا شُرَكَاءَكُمْ فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ وَرَأَوُا الْعَذَابَ لَوْ أَنَّهُمْ كَانُوا يَهْتَدُونَ (64) وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ(65)﴾

 ( سورة القصص )

 وقفت في الدرس الماضي وقفةً أُخرى عند هذه الآية:

﴿مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ﴾

وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ

 ليست العبرة أن تجيب، فأنا أذكر طبيباً نصح مريضاً بترك التدخين، ونصحه في وجودي، وكنت معه، وبعد أشهرٍ عِدَّة أصابه مرضٌ عضالٌ بسبب التدخين، فهذا المريض سكت لم يجب، الطبيب نصح، والمريض سكت، ما هي الإجابة ؟ لو أنه هزَّ برأسه فليست هذه هي الإجابة، فما موقف هذا المريض من التدخين ؟ هل امتنع عنه ؟ إذاً: أجابه بالإيجاب، وهل تابع التدخين ؟ إذن أجابه بالسلب.
 فما موقفك من هذه الدعوة ؟ وما موقفك من هذا الأمر الإلهي ؟ ما موقفك من هذا الحكم ؟ ومن هذا التوجيه ؟ هذا معنى قوله تعالى:

 

﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ ﴾

 ما الموقف الذي وقفتموه ؟ هل ناصرتموهم ؟ وهل عاديتموهم ؟ أو صَدَّقتموهم ؟ أم كَذَّبتموهم ؟ واستجبتم لدعوتهم ؟ أم رفضتم هذه الدعوة ؟.

﴿ مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ (65) فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ الْأَنْبَاءُ يَوْمَئِذٍ فَهُمْ لَا يَتَسَاءَلُونَ (66) ﴾

 ( سورة القصص )

لا مخرج إلا بالتوبة:

 دائماً وأبداً الله سبحانه وتعالى يفتح باب التوبة، فما من شيءٍ يبُثُّ الأمل في النفس أشدَّ من أن الله سبحانه وتعالى جعل باب التوبة باب النجاة، فالتوبة صَمَّام أمان، فإذا زاد الضغط على الإنسان تأتي التوبة صمَّام أمان، وإذا غرق الإنسان في ذنوبه تأتي التوبة حبل نجاة، وإذا أُحْكِمَت عليه السبل كانت التوبة باب الخلاص، فكُلَّما ضاقت بك الأمور، وسُدَّت أمامك السبل فالله سبحانه وتعالى يفتح لك باب التوبة..

﴿فَأَمَّا مَنْ تَابَ وَآَمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً فَعَسَى أَنْ يَكُونَ مِنَ الْمُفْلِحِينَ ﴾

 ( سورة القصص )

 إن كلمة ( عسى ) تفيد الرجاء، وترجيح الرجاء، وهذا الذي يبقى، والذي يُخِلُّ بصِحَّة التوبة وبصحة الإيمان هو عدم الإخلاص، فإذا كان مخلصاً:

﴿فَعَسَى أَنْ يَكُونَ مِنَ الْمُفْلِحِينَ ﴾

الردّ القرآني السادس على قول المشركين:

 والآن جاء الردُّ السادس على قول هؤلاء المشركين:

﴿وَقَالُوا إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا﴾

 ( سورة القصص: الآية 57 )

 ربنا سبحانه وتعالى يقول:

﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ﴾

 ( سورة القصص: الآية 68 )

مشيئة الله مطلقة صحيحة: وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ

 مشيئة الله عزَّ وجل مشيئةٌ صحيحة، لأن الإنسان أحياناً قد يختار شيئاً وهو مكرهٌ، ومضغوط عليه، وقد يختار شيئاً بدافع الرغبة والإغراء، فإذا كان الإنسان تحت تأثير الضغط أو الإغراء يختار شيئاً غير صحيح، وغير حكيم، وقد يكون جاهلاً، أو مُسَيَّراً، فمشيئة الإنسان ليست كمشيئة الله عزَّ وجل، فالله سبحانه وتعالى يخلق ما يشاء ويختار، وليس في الكون كلِّه جهةٌ تستطيع أن تمنع الله أن يفعل ما يشاء، ولا أن تدفعه إلى أن يفعل ما لم يشأ، والله حكيمٌ وعليمٌ وقديرٌ وغنيٌ، إذاً: مشيئته هي المشيئة الصحيحة.

﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ ﴾

 يخلق ماذا ؟ عندنا خلق تكويني، أي لا يقع في الكون فعلٌ إلا بمشيئة الله، فهذه الفكرة استيعابها سهل، أما أن تعيش هذه الفكرة فقد طهرت نفسك من كل قلق، فإذا شعرت أن هذا الكون العظيم بمجَرَّاته، وبسماواته وأرضه، وبالبشر جميعاً الأقوياء منهم والضعفاء، وبالذين يملكون أسلحةً فتَّاكة، فإذا شعرت أنه لا يقع شيءٌ في الكون إلا بمشيئة الله، والله سبحانه وتعالى هو الحكيم، وهو العليم، وهو العادل، وهو القدير، وهو اللطيف، إذاً: هذا التشعُّب، وهذا التشرذم والضيق والشرك هو الذي يأكل القلوب.

﴿فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آَخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ ﴾

 ( سورة الشعراء )

 أساساً: من علامات قيام الساعة كما قال الله عزَّ وجل:

﴿حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا﴾

 ( سورة يونس: الآية24 )

 أي شعر بعض البشر الأقوياء أنَّهم قادرون عليها، أن الأرض كلَّها في قبضتهم، يرون ما يشاءون، ويفعلون ما يريدون، ولكن الله سبحانه وتعالى كذَّبهم في آياتٍ كثيرة، فقال تعالى:

﴿يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾

 ( سورة الفتح: الآية 10 )

 قال تعالى:

﴿مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آَخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا﴾

 ( سورة هود: الآية 56 )

لا يقع شيءٌ في الكون إلا بإذن الله عزَّ وجل:

 الفكرة هنا أنه لا يقع شيءٌ في الكون، ولا يحدث حادث، ولا يتحرَّك متحرِّك، ولا ينطلق حجر، ولا يهبط بناء، ولا يتزلزل جبل، ولا ينفجر بركان، ولا يفيض نهر، ولا تشِحُّ الأمطار إلا بإذن الله عزَّ وجل، هذا هو جوهر الإيمان، إذا شعرت أن الله سبحانه وتعالى يخلق ما يشاء.
 أفعال العباد فيها للإنسان الكسب فقط، أو الانبعاث إلى العمل، فأنت تختار أن تذهب إلى المسجد، وعن هذا الاختيار الله سبحانه وتعالى يعطيك القوة كي تُحَقُّقه، فمجيئك إلى المسجد هو باختيارك، ولكنه بفعل الله عزَّ وجل، وإذا أراد إنسان أن يؤذي إنساناً، فالإنسان له المشيئة والاختيار، والكسب والانبعاث، ولكن القوة التي يؤذيه بها هي قوة الله عزَّ وجل، وهذا هو التوحيد، وهذه عقيدة أهل السنة والجماعة، أي أن الأشياء لا تفعل بذاتها، بل بمشيئة الله، عندها لا بها، وهذا معنى قول الله عزَّ وجل:

﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ﴾

 الأفعال كلها من خلق الله، فهذا الذي يقول:

﴿إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا﴾

 كأنَّه مُشْرك، وكأنه يرى أن الله عزَّ وجل لا دخل له بأفعال العباد، ماذا قال الله عزَّ وجل:

﴿وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ ﴾

 ( سورة الزخرف )

﴿وَقَالَ اللَّهُ لَا تَتَّخِذُوا إِلَهَيْنِ اثْنَيْنِ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾

 ( سورة النحل: الآية 51 )

 فحينما توَهَّم هؤلاء بقولهم:

﴿إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا﴾

 الفعل بيد من ؟ فلو كان بيد جهة أخرى غير الله عزَّ وجل، فالكلام مقبول وصحيح، ولكن الفعل كلَّه بيد الله، فكيف يُعْقَل أن تهتدوا إلى الله وأن تأتي جهةٌ، وتوقع فيكم الأذى ؟.
 مثلاً: لو أن مؤسسةً، أو وزارةً، أو معملاً، أو منشأة لها مدير عام بيده كل شيء، ولا يمكن أن يحدث شيء في هذه المُنْشَأة إلا بعد موافقة المدير العام، فإذا كان هذا المدير العام قد أرسلك في مهمَّة، تقول له: أخشى أن أُعاقب غداً بسبب الغياب عن الدوام ؟ يقول لك: من يعاقبك غيري ؟ أنا الذي أعاقب، وأنا أرسلتك بمهمة، أيعقل أن أعاقبك على أنَّك نَفَّذت هذه المهمة ؟ إذ لا ينفذ قرار عقابك إلا بتوقيعي، وإذا قال هذا الموظف لهذا المدير العام الذي بيده كلُّ الأمور: أخشى أن أنفذ هذه المهمة فأعاقب غداً لتخلُّفي عن الدوام ؟ يقول لك: عجباً ! هل في هذه الدائرة إلا مديرٌ واحد ؟ وهل ينفذ كتاب عقابٍ إلا إذا وقَّعته أنا ؟ أنا الذي أرسلتك.

﴿إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا﴾

 الله عزَّ وجل ردَّ عليهم فقال:

﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ﴾

 ( سورة القصص: الآية 68 )

الله خالقُ أفعال العباد:

 هو الخلاَّق، وهو الذي يخلق أفعال العباد، والعباد لهم الاختيار فقط، أما الذي يخلق أفعالهم فهو الله عزَّ وجل.
 فحينما توهَّم المعتزلة أن الإنسان خالق أفعاله، ضلُّوا ضلالاً مبيناً، فالإنسان لا يخلق أفعاله، بل ينبعث إلى أفعاله، ويكسب أفعاله فقط، أما فعلُ الإنسان فهو فعل الله عزَّ وجل، والإنسان له الثواب أو العقاب على انبعاثه لهذا العمل، وعلى كسبه له، وهذا معنى قوله تعالى:

﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾

 ( سورة البقرة: الآية 286 )

 فمعنى هذه الآية:

﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ﴾

 مشيئته هي النافذة.

﴿مَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَداً ﴾

 ( سورة الكهف )

﴿مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آَخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا﴾

 ( سورة هود: الآية 65 )

﴿ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾

﴿رَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ﴾

 ( سورة الفتح: الآية 10 )

﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾

 (سورة الأنفال: الآية 17)

﴿فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ﴾

 (سورة الأنفال: الآية 17 )

 هذه الآيات كلها تؤكِّد ذلك..

﴿لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ ﴾

 ( سورة الأعراف )

 إن الإنسان أحياناً يبيع طائرة، ولكن أمر هذه الطائرة ليس للشركة الصانعة، ولمن يركبها، وقد تهوي، وقد تقصِف، فهذا الشيء لا ينطبق على خلق الله عزَّ وجل، فكلُّ شيءٍ خلقه الله عزَّ وجل..

﴿لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ﴾

 ( سورة الأعراف )

 أي أن أمر هذا المخلوق بيد الله عزَّ وجل، الله خالق كل شيء، وهو على كل شيءٍ وكيل.
 لو أنكم تقرؤون كتاب الله عزَّ وجل، وتبحثون عن آيات التوحيد، فآيات التوحيد تَبُثُّ في النفس الطمأنينة، والشعور بالأمن، فالأمر بيد الله عزَّ وجل، كن مع الله ولا تبال.

 

كن مع الله تر الله معك  واترك الكلَّ وحاذر طمعك
***

 أساساً: ما يجري من الناس من خوف، ومن قلق، ومن شعور بالقهر، فهذه كلُّها مشاعر الشرك، لأنك ظننت أن زيداً أو عبيداً بيده كلُّ شيء، وبيده أن ينفعك، أو أن يضرُّك.
 عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كُنْتُ خَلْفَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمًا فَقَالَ:

 

 

(( يَا غُلَامُ، إِنِّي أُعَلِّمُكَ كَلِمَاتٍ، احْفَظْ اللَّهَ يَحْفَظْكَ، احْفَظْ اللَّهَ تَجِدْهُ تُجَاهَكَ، إِذَا سَأَلْتَ فَاسْأَلْ اللَّهَ، وَإِذَا اسْتَعَنْتَ فَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ، وَاعْلَمْ أَنَّ الْأُمَّةَ لَوْ اجْتَمَعَتْ عَلَى أَنْ يَنْفَعُوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَنْفَعُوكَ إِلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ لَكَ، وَلَوْ اجْتَمَعُوا عَلَى أَنْ يَضُرُّوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَضُرُّوكَ إِلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَيْكَ، رُفِعَتْ الْأَقْلَامُ، وَجَفَّتْ الصُّحُفُ ))

 

[ الترمذي ]

 هذا هو الاعتقاد الصحيح..

﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ﴾

 هذا الخلق التكويني، أي أنه خلق الشمس، وخلق القمر، والليل، والنهار، والأمطار، وشُحَّ الأمطار، بيده الأمر، فقد خلق الغنى والفقر، والقوة والضعف، وهو الذي خلق هذا الزلزال، وأجرى هذا البركان، وفاضت الأنهار، أو شَحَّت الينابيع، يخلق ما يشاء، هذا الخلق التكويني، وفلان تطاول على فلان، وفلان ذاق بأس فلان، والآية معروفة:

﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَاباً مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ﴾

 ( سورة الأنعام: الآية 65 )

﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ﴾

 هذا الخلق التكويني، خلق الكون، ومظاهره، وخلق الأفعال، فالأفعال كلها بيدِ الله، لذلك من أجمع عبارات التوحيد، أن كلَّ شيءٍ وقع أراده الله، وأن الله إذا أراد شيئاً وقع، فلك أن تفهم هذه العبارة على شكلين، شاء الله أن يكون هذا الأمر فكان، وكان هذا الأمر، إذاً: شاءه الله، ومادام هذا الأمر قد كان، إذاً: شاءه الله، مادام الله قد شاء هذا الأمر فلابدَّ من أن يكون، وهذا قول النبي الكريم:

 

(( وَمَا شَاءَ اللَّهُ كَانَ، وَمَا لَمْ يَشَأْ لَمْ يَكُنْ ))

 

[ أبو داود]

 ومشيئته متعلقةٌ بالحكمة، وحكمته متعلقةٌ بالخير المطلق، دائماً مشيئته حكيمة، وكل شيءٍ وقع لو لم يقع لكان نقصاً في الحكمة.

﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ﴾

معنى: وَيَخْتَارُ:

 والآن.. ويختار، أي يختار ماذا ؟ ويختار ما يشاء، قال العلماء: يختار أي يختار لكم التشريع المناسب، وربنا عزَّ وجل خلق الإنسان، وعلَّمه القرآن، وخلق السماوات والأرض، وأنزل على عبده الكتاب، فهناك خَلق وتوجيه، التوجيه أمر تكليفي، أما الخَلق فأمر تكويني، والخلق كن فيكون، ولذلك يوجد فرق كبير بين الأمر التكويني والأمر التكليفي، فربنا عزَّ وجل إذا قال لهذا الجبل: زُل يزول فوراً..

﴿كُنْ فَيَكُونُ ﴾

 ( سورة يس )

الأمر التكويني والأمر التكليفي:

 فوراً، هذا أمره التكويني، أما أمره التكليفي ؛ فقد أمرنا بغض البصر، وهناك آلاف الأشخاص يطلقون أبصارهم، إذا عُصِي أمر الله التكليفي فشيء طبيعي جداً، هو لم يأمر أمراً تكوينياً، بل أنه أمر تكليفي.. ونحن نضع إشارة منع المرور بلوحة صغيرة حمراء على عمود على يمين الطريق، فهل معنى ذلك أن هذه اللوحة تمنع المركبة من السير في هذا الطريق ؟ لا تمنعها، ولكن تُحَذِّر، فهذه اللوحة منع للمرور هذا أمر تكليفي، أما إذا وضع في عرض الطريق قطع إسمنتية كبيرة ومكعبات كبيرة جداً، فكل مكعب خمسة أمتار مكعَّبة مع إسمنت مسلح، نقول: هذا أمر تكويني، وهذه الحواجز تمنع مرور المركبات فهو منع تكويني، أما لوحة " ممنوع المرور " هذا أمر تكليفي، فيجب أن نفرِّق دائماً بين الأمر التكويني، والأمر التكليفي، الأمر التكويني:

﴿كُنْ فَيَكُونُ ﴾

 زُل فيزول، فليس في الكون كله شيءٌ يستعصي على أمر الله، فإذا استعصى إنسان على أمر الله، لأن الأمر تكليفي لا تكويني، ولو أن ربنا عزَّ وجل أراد لنا الهدى القسري لجعل تكاليفه أوامر تكوينية لا أوامر تكليفية.
 إذاً يمكن أن أمنع المرور من الطريق لا بأمرٍ تكويني بل بوضع مكعّبات من إسمنت مسلّح كبيرة لا.. لا، أنا أمنع المرور بأمر تكليفي بلوحة صغيرة، والإنسان بإمكانه أن يخترق هذا الأمر، أن يعصيه، لأنه أمر تكليفي، أما الأمر التكويني فهو المنع، فلذلك ربنا عزَّ وجل قال:

﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ﴾

 هذا الأمر التكويني، ويختار هذا الأمر التكليفي، ففي كل شيء الله خلقك، وأعطاك توجيهاً، فأنت مخير إما أن تستجيب أو لا تستجيب، فربنا عزَّ وجل نصحك بأن تستجيب، قال:

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾

 ( سورة الأنفال: الآية 24)

 إذاً:

﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ﴾

 ( سورة القصص: الآية 68 )

 المعنى دقيق جداً، هذا المعنى الأول ينطبق على قوله تعالى:

﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾

 ( سورة الأحزاب: الآية 36 )

المعنى الأول لقوله: مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَة

1 – وجوبُ الانقيادِ إلى حُكم الله ورسوله من غير تردد لا نقاش:

 إنّ الإنسان إذا أمره الله بأمر فالعاقل ليس له مع أمر الله رأي إطلاقاً، لأن الله عزَّ وجل اختار لنا هذا التشريع، فنحن ليس لنا خيار فيه، لأنه من عند حكيمٍ عليم، فأن تقول: أنا أفعل أو لا أفعل، أنت مخير، ولكن إذا اخترت ألاّ تفعل فهناك ثمن باهظ، وإذا كنت عاقلا تختار أن تفعل، في الأصل أنت مخير، لك أن تفعل أو ألا تفعل، ولكن رأي العبد الحادث الضعيف لا شيء أمام هذا التشريع الحكيم، وأنت أيها الإنسان ليس لك اختيار إذا كنت عاقلاً.

﴿مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ﴾

 إذا أعطى الله عزَّ وجل في موضوع حكماً فالأمر لله عزَّ وجل.

 

2 – مخالفة أحكام الله سببٌ في الهلاك:

 مثلاً أعطى حكمه في الربا، وقال:

 

﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا﴾

 ( سورة البقرة: الآية 276 )

 هذا حُكم الله عزَّ وجل، فتقول لي: رأي الشخصي، وقناعتي، وأنا قارئ مقالة، وفلان له رأي في الموضوع، فأقول: هذا كله كلام فارغ، رأي وقناعة ورؤية، وحقيقة، وقضية نسبية ظروف صعبة، فمعنى ذلك أنك تبدي مع الله رأياً، ومعنى ذلك أنك ترى أن حكم الله عزَّ وجل فيه خلل، وأنت ترممِّ هذا الحكم، لذلك الآية:

﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ﴾

 ( سورة الأحزاب: الآية 36 )

 والشيء اللطيف أن سيدنا عمر كان وَقَّافاً عند كتاب الله، هكذا يأمر الله عزَّ وجل فسمعاً وطاعةً يا رب، وهكذا يأمر النبي عليه الصلاة والسلام فسمعاً وطاعةً يا رسول الله، وهكذا الإيمان بالله العظيم، آمنت به رباً عظيماً، وخالقاً حكيماً، ورؤوفاً رحيماً، وهذا أمره، فكلما وقع الإنسان في مشكلة فهناك جواب مُسكِت، أتحب الله عزّ وجل ؟ نعم، فأنت واثقٌ من حكمته ؟ وواثقٌ من عدالته ؟ ومن رحمته ؟ نعم، ولطفه ؟ فهذه مشيئته، إن لم ترضَ بها فأنت لا تعرفه، وأنت لست مؤمناً به، وهذا هو الإيمان، ولذلك فالنبي الكريم إذا جاءت الأمور كما يحب كان يقول:

 

(( الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي بِنِعْمَتِهِ تَتِمُّ الصَّالِحَاتُ، وَإِذَا رَأَى مَا يَكْرَهُ قَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى كُلِّ حَالٍ ))

 

[ ابن ماجه عن عائشة ]

 وإذا جاءت على غير ما يحب يقول:

 

(( الْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى كُلِّ حَالٍ ))

 

[ ابن ماجه عن عائشة ]

 والحديث المعروف، عَنْ صُهَيْبٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

 

(( عَجَبًا لِأَمْرِ الْمُؤْمِنِ، إِنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ خَيْرٌ، وَلَيْسَ ذَاكَ لِأَحَدٍ إِلَّا لِلْمُؤْمِنِ، إِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ، وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ صَبَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ ))

 

[ مسلم ]

﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ﴾

 خلقك، واختار لك هذا الشرع الحكيم..

﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾

 ( سورة فاطر: الآية 1 )

﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾

 ( سورة الأنعام: الآية 1)

﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ﴾

 ( سورة الكهف: الآية 1)

 خلق الكون، وأعطاك التوجيهات، مثل بسيط ومبسَّط: شُقَّ الطريق، ووضعت الشاخصات ؛ فهنا منزلق خطر، وهنا تقاطع خطر، وهنا طريقٌ ضيِّقة، وطريقٌ صاعدة، ومنعطفٌ حاد، وهذه لوحات قبل مسافات، قبل ألف متر، قبل خمسمائة، شُقَّ الطريق وضعت الشاخصات، خلق الكون أُنزل الكتاب، خلق الله الكون ونَوَّره بالقرآن:

﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾

 ( سورة النور: الآية 35 )

 عندك آلة ومعها تعليمات، وشيء مادي ومعه توجيهات، فأنت آلة، مخلوق من أعقد الآلات في الكون، ومعك كتاب تعليمات الصانع، وهو القرآن الكريم:

﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ﴾

 ( سورة القصص: الآية 68)

المعنى الثاني للآية: مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَة

 هناك معنى آخر دقيق، والمعنى الآخر أنه عندما يختار الإنسان شيئا فاختياره جزئي لا كُلي، ولماذا جزئي ؟ لأن الفعل ليس له، لو فرضنا إنسانا اختار أن يقتل إنساناً، وهو اختار فقط، أما المشيئة فتحتاج إلى اختيار، وإرادة وقدرة، فهو يملك الإرادة، لكنه لا يملك القدرة، إذاً: مشيئته ناقصة حتى يسمح الله، فهذه عقيدة مريحة جداً، فلو كان لك عدو مخيف فقوته بيدِ الله عزّ وجل، قد ينوي لك هذا العدو شراً كبيراً، لكن لا يستطيع أن يوقع من شرِّه إلا بالقدر الذي يسمح الله له به.
 إذاً: أما أنتم أيها البشر فما كان لكم الخيرة الصحيحة الكاملة، لأن قوتكم بيدِ الله عزّ وجل، فتختارون شيئاً فالله عزّ وجل إما أن ينفِّذ أو لا ينَفِّذ، فلو وُجد مخلوق مربوط بزمام متين، وأنت أرخيت الزمام فيتحرك، وهو يبدو لك أنه حر، ويتوهم أن حركته حرة، لكن في أية لحظة يُشَدُّ الزمام فإذا هو في القبضة.
 فإذاً المعنى الأول: أن الإنسان لعلمه الناقص، ولعبوديته لله عزّ وجل، ولأنه كائن حادث محدود، علْمُه من علم الله، فما كان لهذا الإنسان أن يكون له اختيار مع اختيار الله عزّ وجل، وما كان له أن يبدي رأياً مع شرع الله عزّ وجل:

﴿مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ﴾

 لا في الخَلق، فخلق الله أكمل خلق، فأي تغييرٍ في خلق الله يدفع الإنسان الثمن باهظاً، والآن هناك، أمراض العصر كلها بسبب تغيير في خلق الله، فمثلاً: هذه الدجاجة يجب أن تنمو في أربعين يوماً، إذاً: يجب أن نعطيها الهرمونات التي تُسَرِّع النمو، ولكن هذه الهرمونات إذا تراكمت في جسم الإنسان فقد تسبب السرطان، فالإنسان خُلِقَ، ولكنه غير كامل، وأي شيءٍ صممه الإنسان على المدى البعيد فله أخطار وبيلة، ويبدو لأول وهلة وفي المدى القريب أنه رائع، ومريح، وكامل، لكن كل شيء يغيِّر الإنسان فيه خلق الله عزّ وجل فالثمن التلوث، والتلوّث الآن هو الطامة الكبرى في العالم، ما التلوث ؟ هو تغيير في تصميم الخلق، المركبة تسبب أمراضاً وبيلة جداً، أما الحصان فيقي من أمراض القلب، ومن أمراض الكبد، والكليتين.

 

خلاصةُ المعنيين في الآية:

 المعنى الأول: أن ربنا عزَّ وجل خَلَقَه الخَلقَ كاملاً، وربنا صمم طبيعة نظيفة، ونحن لوثناها بهذه الغازات والسموم، جعل طبقة أوزون تحمي الناس من أشعة الشمس القاتلة، خرقناها بالأقمار الصناعية إلى أن تخلخلت، وعندما تخلخلت ارتفعت نسبة سرطان الجلد إلى سبعين في المئة في أماكن التخلخل، وفي تلك البلاد، فالأوزون تخلخل، والحرارة ارتفعت، فأصبح في البلاد التي لم تألف المكيَّفات أصبح المكيف ضرورة، بسبب أن الحرارة في الأرض ارتفعت درجة، كلمة درجة شيء مخيف جداً، ارتفعت درجة بسبب ازدياد غاز الفحم في الجو، وهذا من تغيير خلق الله عزّ وجل، والبحث يطول، فهذه المبيدات نستعملها بشكل كبير جداً، هذه قتلت كل الكائنات الطبيعية، وكان يوجد توازن بين الكائنات، هذه الحشرة تقضي على هذا المن فلمَّا أبدنا الحشرات بالكيميائيات أصبح هناك خلل بالتوازن، أي أنه في الصناعة، والتجارة، والبيئة، والأجواء، حتى في مساكننا، الضجيج، والتلوث، وهذا كله خطأ أو تغيير لخلق الله، وربنا عزّ وجل قال ذلك قال:

 

﴿فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ﴾

 (سورة النساء: الآية 119)

 فالإنسان ما كان له أن يختار شيئاً أكمل من خَلق الله عزّ وجل، لله الكمال المطلق، وما كان له أن يختار شرعاً أكمل من شرع الله، فشرع الله هو الكامل، فأنت إنْ في الخلق، وإن في التشريع أمام كمال مطلق في الخلق، وكمال مطلق في التشريع، بل إن معظم الأمراض التي يعاني منها الناس اليوم إنما هي أمراض بسبب خلل في تطبيق منهج الله عزّ وجل، والدليل ربنا عزّ وجل قال:

﴿ الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ (78) وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ (79) وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ(80)﴾

 ( سورة الشعراء )

 ما قال: وإذا أمرضني فهو يشفين، بل قال: وإذا مرضت، المرض عُزِيَ إلى الإنسان لخلل في حياته.
 إنّ رجلا كان في بلد غربي فالتقى مع شخص فقال له: أنا من بلد مسلم، وسمى له اسم البلد، فمن حديث إلى حديث قال له: الإسلام سببُ تخلُّفِنا نحن، فهذا الشخص الأجنبي أخذه من يده إلى أضخم مستشفى في هذه البلدة في أوروبا، وقال له: اقرأ، كُتِبَ على هذه المستشفى بحرفٍ كبير: " نحن قومٌ لا نأكل حتى نجوع، وإذا أكلنا لا نشبع "، وكُتب تحتها: محمد بن عبد الله، قال له: هذه الكلمات هي الطبُّ الوقائي كلُّه.
 فأنت أولاً ليس لك الحق أن تصوِّر خلقاً آخر غير خلق الله عزّ وجل، هو الخلق الكامل، وحتى في التشريع فإن تشريع الله هو الكامل.
 فأول معنى:

﴿مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ﴾

 ما كان لهذا الإنسان أن يختار خلقاً آخر، أو أن يختار تشريعاً آخر فالخلق كامل.
 والمعنى الآخر: أن الإنسان اختياره جزئي، فالعمل يحتاج إلى إرادة وإلى قدرة، والإنسان يملك الإرادة، أما القدرة فلا يملكها، لذلك يأتي اختياره ناقصا:

﴿ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ سُبْحَانَ اللَّهِ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (68) وَرَبُّكَ يَعْلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَمَا يُعْلِنُونَ (69) ﴾

 ( سورة القصص )

 يا ترى عندما قالوا:

﴿وَقَالُوا إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا﴾

 ( سورة القصص: الآية 57 )

رَبُّكَ يَعْلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَمَا يُعْلِنُونَ

 أحياناً الإنسان يحتجّ، بأن يقول: أنا ليس عندي وقت لأن أحضر الدروس، فالله يعرف الحقيقة، أليس عندك وقت أم أنت لا ترغب ؟ فالإنسان له أن يقول ما يختار، وله أن يدَّعي ما يشاء، وأن يعلن ما يشاء، ولكن ما يكِنُّه صدره من الداخل يعلمه الله عزّ وجل:

﴿يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى ﴾

 ( سورة طه )

 يعلم السر الذي تكتمه عن الناس، ويعلم الشيء الذي يخفى عنك، هذا علم الله عزّ وجل، ثلاثة مستويات، يعلم علانيَّتك، أي ما تقوله، ويعلم سرك، ويعلم ما يخفى عنك:

﴿وَرَبُّكَ يَعْلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَمَا يُعْلِنُونَ ﴾

 ( القصص )

 ولذلك إذا شعر الإنسان أن الله يراقبه يستقيم قلبه، فالغِل، والحسد، والضغينة، والتنافس، والغيرة أحياناً، هذه كلها مشاعر مرضية يعلمُها الله عزّ وجل، فالإنسان رأس ماله القلبُ السليمُ:

﴿ يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ (88) إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ (89) ﴾

 ( سورة الشعراء )

 هذا الذي لا ينطوي على حقدٍ، ولا على ضغينة، ولا على شعورٍ بالعلو، هذا القلب السليم رأس مال الإنسان يوم القيامة، لأن كل شيء يفنى، فكل متاعه، وكل دنياه تفنى، ويبقى القلب السليم:

﴿ وَرَبُّكَ يَعْلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَمَا يُعْلِنُونَ (69) وَهُوَ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْحَمْدُ فِي الْأُولَى وَالْآَخِرَةِ ﴾

 ( القصص: الآية 70 )

وَهُوَ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْحَمْدُ فِي الْأُولَى وَالْآخِرَةِ وَلَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ

الله مصدر النعم في الدنيا والآخرة:

 في الدنيا وفي الآخرة هو مصدر كل النعم، له الحمد، لو قال الإنسان: الحمد له، تعني الحمد له ولغيره، أما له الحمد، فحينما قدمنا له على كلمة الحمد أصبح هنا معنى القصر، أي الحمد كلُّه لله عزّ وجل، وأيُّ نعمةٍ جاءتك من إنسانٍ إنما هي من الله في حقيقتها، ولذلك إذا جاءت الإنسانَ نعمةٌ من إنسان فأول شيءٍ يشكرُ الله عزّ وجل، لأنه خلق هذه النعمة، ومكَّن منها هذا الإنسان، وألهم هذا الإنسان أن يقدمها لك:

﴿لَهُ الْحَمْدُ فِي الْأُولَى وَالْآَخِرَةِ وَلَهُ الْحُكْمُ﴾

 الحكم له، أي الرأي الأخير له، كل شيء متوقفٌ على حكم الله عزّ وجل، المرض يشفى أو لا يشفى، له الحكم، يوفَّق هذا التاجر أو لا يوفَّق له الحكم، ينجح هذا الزواج أو لا ينجح، له الحكم:

﴿وَلَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾

 ( سورة القصص )

وَلَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ

 ما دُمت راجعاً إليه وسوف يحاسبك لابدَّ من أن تستقيم على أمره، أي لابد من أن تعبده، ولذلك قال بعض الفلاسفة:  "لا معنى للأخلاق من دون إيمانٍ بالله، وإيمانٍ بيوم الحساب، وحسابٍ في هذا اليوم "
 أي هناك إيمان بالله، واليوم الآخر، والحساب، فإذا اختل أحد هذه الثلاثة فإن الإنسان لا يستقيم على أمر الله، ولن يستقيم إلا إذا آمن بالله، وآمن باليوم الآخر، وآمن بالحساب الدقيق في هذا اليوم:

﴿لَهُ الْحَمْدُ فِي الْأُولَى وَالْآَخِرَةِ وَلَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ﴾

 أما آخر آية في هذا الرَدّ على قول هؤلاء المشركين:

﴿وَقَالُوا إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا﴾

 لماذا لا يطيع الإنسان الله عزّ وجل ؟ لأن معرفته بالله ضعيفة، أنت لا تطيع إنساناً إلا إذا عرفت قيمته، وإلا إذا عرفت ما عنده من خيرٍ وإذا أطعته، وما عنده من عقابٍ أليمٍ إذا عصيته، إذاً: معرفة الآمر يجب أن تكون قبل معرفة الأمر، فكيف تعرف الله عزّ وجل ؟ هذا الكون الذي أمامك ربنا عزّ وجل قال:

﴿ قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَداً إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِيَاءٍ أَفَلَا تَسْمَعُونَ (71) قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهَارَ سَرْمَداً إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَفَلَا تُبْصِرُونَ (72) ﴾

 ( سورة القصص )

الردُّ السابع على قول المشركين:

 كلمة أخيرة: ربنا عزّ وجل انتقل فجأةً إلى آيةٍ كونية، الحديث عن قول الكفار:

﴿وَقَالُوا إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا﴾

 واللهُ رد على هؤلاء أول رد، والثاني، والثالث، والرابع، والخامس، فجأةً:

﴿ قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَداً إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِيَاءٍ أَفَلَا تَسْمَعُونَ (71) قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهَارَ سَرْمَداً إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَفَلَا تُبْصِرُونَ (72) وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (73) ﴾

علاقة هذه الآيات بما قبْلها:

 قد يسأل سائل ما علاقة هذا الموضوع بالموضوع المتسلسل ؟ الحقيقة توجد علاقة متينة جداً، فهؤلاء الذين قالوا:

﴿وَقَالُوا إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا﴾

 لم يروا عظمة الله عزّ وجل، ولا وحَّدوه، كيف نعظمه، وكيف نوحده ؟ إذا فكرنا في مخلوقاته فربنا عزّ وجل رسم الطريق، أي أن هذا التوهُّم بأن الطاعة تضر والمعصية تنفع، وهذا الظن، وهذا الشرك، والخوف، والقلق، كلُّ هذه الأمراض الناتجة عن الشرك، وكل هذه المعاصي أساسها ضعف الإيمان بالله، فالآن خذ لنفسك مقياساً، حينما تعصي الله فاعلم علم اليقين أن معرفتك بالله لازالت قاصرة، وهي في حجمٍ لا يكفي لطاعته، ومتى يكون حجم المعرفة كافياً ؟ إذا حَمَلَتْك المعرفة على طاعة الله عزَّ وجل، فإذ وُجدت المعاصي فمعناه أن حجمَ المعرفة قليل، إذ لم تعرف الخالق العظيم، ولا المسيِّر الحكيم، ولم توحِّد خالقك، ولم توحِّد الألوهية، ولم توحِّد الربوبية، ولا رأيت رباً واحداً، ولا إلهاً واحداً، ولا خالقاً واحداً، ولكن رأيت زيداً وعبيداً، إذاً: هناك شرك، فإذا كان للطاعة والمعصية عداد أو مؤشّر فتأكَّد أن هذا المؤشر يتزامن ويتوافق مع مؤشِّر الإيمان، فكلما ازداد إيمانك ازدادت طاعتك، وازداد ورعك، وازداد خوفك، وازدادت خشيتك، وكلما ضعف الإيمان ضعفت الطاعة، والورع، والخشية، والشوق وما إلى ذلك، فربنا عزّ وجل دلَّنا على الطريق فقال: إنكم لن تستطيعوا أن تطيعوني إلا إذا عرفتموني، ولن تستقيموا على أمري إلا إذا خفتم مني، ولن تعملوا الأعمال الصالحة إلا رجوتم جنَّتي، فإذا لم تعرفوا قدر الله عزّ وجل، وما عنده من نعيمٍ مقيم ومن عذابٍ أليم، فقد تضعف الطاعة، فربنا عزّ وجل رسم الطريق طريق النجاة، أي فكروا في الليل والنهار.
 وإن شاء الله في الدرس القادم نفصّل في هذه الآية.
 مرة ثانية، إذا فكَّر الإنسان فيها فيما بينه وبين نفسه فشيء رائع جداً بعد صلاة الصبح:

﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهَارَ سَرْمَداً إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ﴾

سِرُّ الليلِ والنهار:

 ما سِرُّ الليل والنهار ؟ أي متى يصبح النهار سرمداً، والأرض تدور فتتوقف عن الدوران، أو الشمس انطفأت، أو دارت دورةً مع دورتها حول الشمس كالقمر، فيصبح الليل سرمداً والنهار سرمداً، أو دارت على محور أفقي، نهار وليل، موضوع دقيق جداً أي متى يكون الليل سرمداً والنهار سرمداً ؟ في أي الأحوال ؟ الأرض كرة لها محور مائل تدور حول نفسها، دورة حول الشمس، فهذه الموضوعات موضوعات علمية، فربنا عزّ وجل يُلْفِت النظر لهذا الموضوع:

﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهَارَ سَرْمَداً﴾

من قدرةِ وحِكمة الله في الخلْق:

 النهار سرمد، أي الحرارة ثلاثمائة وخمسون درجة، فوق الصفر، والليل سرمد أي الحرارة مئتان وخمسون تحت الصفر، فالحياة مستحيلة، فلو جعل الله الليل سرمداً أو النهار سرمداً لكانت الحياة مستحيلة، يقول الله عزّ وجل:

﴿مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ﴾

 فهل هناك جهة قوية في العالم تجتمع، وتتخذ قراراً، وتصنع الليل، لا يوجد عندكم ليل ؟ هذا ليل، فأية فئة، وأية دولة قوية، وأية مجموعة، وأية منظَّمة، تجتمع، وتقرر إحداث الليل، أو إحداث النهار:

﴿مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ﴾

﴿ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَفَلَا تُبْصِرُونَ (72) وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (73) ﴾

 إذاً: هذه الآية الكونية من هنا الطريق إلى الله عزّ وجل، فكِّر في خلق الله عزّ وجل حتى تعرفه، وتعرف عظمته، وربوبيَّته، وألوهِيَّته، ووحدانيته، وتستقيم على أمره، إذاً: هذه الآية فيها مفتاح الخلاص، لئلا يقول الإنسان:

﴿وَقَالُوا إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا﴾

 تأتي هذه الآية لتبيِّن للإنسان الطريق إلى معرفة الله عزّ وجل.

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018