الدرس : 12 - سورة القصص - تفسير الآيات 60 - 67 - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الدرس : 12 - سورة القصص - تفسير الآيات 60 - 67


1990-08-10

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد، الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علما، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.

تذكير بحقائق مهمة:

 أيها الإخوة المؤمنون، مع الدرس الثاني عشر من سورة القصص، في الدرس الماضي كانت الآيات المتتالية رداً من الله تعالى على هؤلاء المشركين الذين قالوا:

﴿ وَقَالُوا إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا ﴾

 ( سورة القصص: آية " 57 " )

1 – توهُّ ضرر الطاعة جهلٌ مركَّبٌ:

 لقد ردَّ عليهم الله عزَّ وجل، هم توَهَّموا أن الهُدى يؤذيهم، ويضرُّهم ويخرجهم من ديارهم، ويجعلهم يخسرون مكتسباتهم، وبكلمةٍ مختصرة: هم رأوا أن الطاعة لله عزَّ وجل تضرهم، وأن المعصية تنفعهم، ومن توَّهم هذا فهو خِلْوٌ من الإيمان لا يفقه شيئاً.
 وفي الدرس الماضي خشيت أن يُظَنَّ أن اعتقادك أن الطاعة تضر، والمعصية تنفع، أي أن الطاعة مريحة، والمعصية متعبة، الحقيقة أن طاعة الله عزَّ وجل مُكْلِفَة، ومعصيته تتمشى مع الشهوات، هذه حقيقة.

 

2 – الإنسان بين الطاعة التكليفية والطباع الشهوانية:

 قلت لكم سابقاً: غضُّ البصر فيه كلفة، إطلاق البصر طبعٌ، يتمشى مع حب الإنسان لشهواته، إنفاق المال كلفةٌ، قبضه طبعٌ، حبس اللسان عن الغيبة كلفةٌ، إطلاقه في الغيبة طبعٌ، فإذا اعتقدنا اعتقاداً جازماً أن الطاعة تنفعنا، وأن المعصية تضرنا، ليس معنى هذا أن الطاعة سهلة، والمعصية صعبة، لا، الطاعة مُكْلِفة، والمعصية تتمشى مع طبيعة النفس، ولن ترقى إلى الله عزَّ وجل، ولن تستحق الجنة إلا إذا دفعت الثمن:

 

 

فأحبابنا اختاروا المحبة مذهباً وما  خالفوا في مذهب الحب شرعاً
***

 يقول أحد العارفين بالله:
 فما حبنا سهلٌ وكل من ادعى.. سهولته قلنا له قد جهلتنا
 أي أنْ تحب الله عزَّ وجل لا بدَّ من أن تدفع ثمن الحب، أن ترجو الجنة لا بدَّ من أن تدفع ثمنها.

 

 

الطاعة هي المربِحة:

 ملخَّص الدرس الماضي: من توهم أن الطاعة تضره، والمعصية تنفعه فهو جاهلٌ جهلاً مطبقاً، وليس معنى هذا أن الطاعة سهلة والمعصية صعبة، المعصية تتوافق مع رغبات النفس الأرضية، مع شهوات الإنسان، والطاعة تحتاج إلى جهدٍ، وإلى كلفةٍ، لكنها تتوافق مع العقل، وفي المدى البعيد، المعصية للحْظَتك مريحة، أما لمستقبلك في الدنيا والآخرة فالطاعة هي المريحة، هذه هي الحقيقة، فربنا عزَّ وجل ردَّ على هؤلاء الذين قالوا:

 

 

شبهة جاهلية والردّ الإلهي عليها:

 

الشبهة الجاهلية:

﴿ وَقَالُوا إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا ﴾

الردّ الإلهي:

 ردَّ عليهم:

 

الردُّ الأولُ:

﴿ أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَماً آَمِناً ﴾

 ( سورة القصص: الآية 57 )

 حينما كنتم في المعصية كنتم في حرمٍ آمن، فإذا آمنتم، واهتديتم فهل يعقل أن تفقدوا أمْنَكُم ؟ وأن تفقدوا بلدكم وأرضكم ؟ هذا هو الرد الأول.

 

الردُّ الثاني:

 أنتم إذا آثرتم مكتسباتكم، ومكانتكم، وأموالكم، وأرضكم، وأوطانكم، وأعرضتم عن الله عزَّ وجل، ثم ماذا ؟

﴿ وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا فَتِلْكَ مَسَاكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَنْ مِنْ بَعْدِهِمْ إِلَّا قَلِيلاً وَكُنَّا نَحْنُ الْوَارِثِينَ (58) وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا رَسُولاً يَتْلُو عَلَيْهِمْ آَيَاتِنَا وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَى إِلَّا وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ (59) ﴾

 ( سورة القصص )

 

الردُّ الثالث:

 دققوا في هذه الآية:

﴿ وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَى إِلَّا وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ ﴾

 ( سورة القصص )

 مِن أشد أنواع الظلم أن يظلم الإنسان نفسه، أن ينغمس في الشهوات حتى قِمَّة رأسه، ألا يبالي بالناس ولا بالفقراء، أن يهتم بذاته، بشهواته، برغباته، هذا ظلم، وإذا استخدم الإنسان نِعَمِ الله في معصيته، إذا استخدم نعم الله في الاستعلاء على خلق الله، إذا استخدم نعم الله في الضلال، هذا أشد أنواع الظلم:

﴿ وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَى إِلَّا وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ ﴾

 ( سورة القصص )

 فلا ينبغي للإنسان أن يمر دائماً بالأحداث مرًّا سريعاً، ولا ينبغي أن يفهمها فهماً ساذجاً، ولا فهماً بسيطاً، يجب أن يفهمها فهماً عميقاً، يجب أن يضع الميزان الإلهي في تفسير هذه الأحداث.

 

الردُّ الرابع:

 شيءٌ آخر، وهو ردٌ رابعٌ، هو أن الإنسان إذا اهتدى إلى الله عزَّ وجل، ولأنه اهتدى إلى الله فقد حياته، كما قال سحرة فرعون:

﴿ فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (72) إِنَّا آَمَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى (73) ﴾

 ( سورة طه )

 أي لو أنكم في سبيل هدايتكم وإيمانكم بالله عزَّ وجل خسرتم شيئاً من أموالكم أو حياتكم، فأنتم الرابحون، لأن الدنيا عرضٌ حاضر، والآخرة وعدٌ صادق، لأن الدنيا قصيرةٌ منقطعة، والآخرة خيرٌ وأبقى..

﴿ وَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَزِينَتُهَا وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى أَفَلَا تَعْقِلُونَ ﴾

 ( سورة القصص )

 وربنا عزَّ وجل يقول:

﴿ قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ ﴾

 ( سورة النساء: من الآية 77)

 الدنيا ساعة اجعلها طاعة.

﴿ أَفَمَنْ وَعَدْنَاهُ وَعْداً حَسَناً فَهُوَ لَاقِيهِ كَمَنْ مَتَّعْنَاهُ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنَ الْمُحْضَرِينَ ﴾

 ( سورة القصص )

 هذان لا يستويان:

﴿ أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًاً كَمَنْ كَانَ فَاسِقاً ﴾

 فرقٌ كبير بين المؤمن والكافر، بين مَن وعده الله وعداً حسناً، وبين مَن أعطاه الدنيا، ثم هو يوم القيامة من المحضرين، إلى هنا وصلنا في الدرس الماضي، ردَّ الله على هؤلاء رداً أوَّلياً، وثانياً، وثالثاً، ورابعاً.

 

الردُّ الخامس:

 إنكم أيها المشركون إذا امتنعتم عن الهدى، امتنعتم عن أن تؤمنوا بهذا النبي العظيم، إذا آثرتم الدنيا على الآخرة، إذا آثرتم زعماءكم، وكُبَراءكم، إذا آثرتم صناديد الكفر في مكة، أن ترضوهم، وأن تخضعوا لهم، وأن تكفروا مثلهم، إذا آثرتم كلَّ ذلك فانظروا ما مصيركم يوم القيامة.
 لو فرضنا أنّ إنسانًا خضع لإنسان وقع في مخالفة كبيرة للقوانين النافذة، ثم استحقَّ العقاب الأليم، وأن يودع في السجن سنواتٍ طويلة، فلما قيل لهذا الذي أرغمه وأجبره: انظر ماذا فعل فلان ؟ قال: ما شأني وشأنه، فليذهبْ إلى الجحيم، لو أن هذا المنظر، أو هذا الموقف الصعب اللئيم الذي فيه تخلٍ، لو أن هذا التابع عرف ما تبع سَيِّدَهُ، فربنا عزَّ وجل يردُّ على هؤلاء الذين قالوا:

﴿ وَقَالُوا إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا ﴾

 يردُّ رداً خامساً: إنكم إذا آثرتم الضلال، وآثرتم أن تعبدوا الأصنام، وآثرتم الكفر والشرك، وآثرتم شهواتكم، وأبيتم الهدى اتباعاً لكبرائكم وزعمائكم وقادتكم المشركين في مكة، إنَّكم إن فعلتم هذا فإليكم ما سوف تكون عليه حالكم وحالهم يوم القيامة، هذا الرد الخامس.

 

وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنتُمْ تَزْعُمُونَ

 

﴿ وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ ﴾

 ( سورة القصص: من الآية 62 )

 من كلمة:( يناديهم )يُفهَم أنهم بعيدون، وأنهم محجوبون، وأنهم صاغرون.

﴿ وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِيَ ﴾

 ( سورة القصص: من الآية 62 )

 هؤلاء الذين جعلتموهم آلهة أين هم ؟ هؤلاء الذين عَبَدتموهم مِن دوني أين هم ؟ هؤلاء الذين أطعتموهم ؟ هؤلاء الذين ابتغيتم رضاهم، هؤلاء الذين ظننتم أنهم يفعلون كل شيء، هؤلاء الذي ظننتم أن بيدهم كل شيء، هؤلاء الذين أسبغتم عليهم صفات الإله، الإله هو الفَعَّال هو المعبود، ولا معبود سواه، بيده الخير، بيده الشر، بيده العطاء، بيده المنع، بيده الرفع، بيده الخفض، بيده القبض، بيده البسط، بيده العِزّ، بيده الذُل، هذا هو شأن الإله، أنتم خلعتم على أشخاصٍ مثلكم صفات الإله، أولاً اعتقدتم أنهم يفعلون ما يشاؤون، وأن نفعكم وضركم بيدهم، لذلك انطلاقاً من هذا الاعتقاد عبدتموهم من دون الله، خضعتم لهم، أرضيتموهم وأغضبتم ربكم، أطعتموهم وعصيتم ربكم، رأيتم أنهم يفعلون كلَّ شيء، ربنا عزَّ وجل يوم القيامة:

﴿ وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ ﴾

 ( سورة القصص)

 هذا زعمكم هذا، وهمكم، هذا ادِّعاءكم، هذا ظَنُّكم، هؤلاء ليسوا شركاء.

﴿ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ ﴾

جواب الشركاء:

1 – البراءةُ من المتَّبِّعين:

 الجواب لهؤلاء الشركاء، هؤلاء الذين عبدوا من دون الله، هؤلاء الكبراء، هؤلاء الزعماء الذين خضع الناس لهم في الدنيا، وعصوا ربهم.

﴿ قَالَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ ﴾

 ( سورة القصص: من الآية 63 )

 أيْ حقّ عليهم قولُ الله عزَّ وجل، هؤلاء الذين ظهروا بحجمهم الحقيقي عبيدٌ لله لا يستطيعون أن يفعلوا شيئاً.

﴿ قَالَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ رَبَّنَا هَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَغْوَيْنَا ﴾

 ( سورة القصص: من الآية 63 )

 هؤلاء أتباعُنا الذين أضللناهم بزعمهم.

 

﴿ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَغْوَيْنَا أَغْوَيْنَاهُمْ كَمَا غَوَيْنَا ﴾

 

 (سورة القصص: من الآية 63 )

2 – الإنسان مخيَّرٌ:

 نحن كنا ضالين فضلّوا معنا، نحن ما عرفنا الحق ولَقَّناهم شيئاً آخر، نحن كنا ضالين، ودعوناهم إلى الضلال فضلوا معنا، هم مخيَّرون، وليسوا مجبرين، يا رب نحن ما فعلنا معهم شيئاً، وافقت رغباتهم رغباتنا، وافقت مصالحهم مصالحنا، ضلوا كما ضللنا، ضللنا كما ضلوا، تواُفق، لذلك يفهم من هذا الكلام أنه ليس إنسانٌ على وجه الأرض يستطيع أن يُضِلَّ إنسانًا، لأن الإنسان مخير.
 كنت أضرب هذا المثل المضحك دائماً: لو أن إنسانًا ذهب إلى قسم الشرطة، وكان يرتدي ثياباً بيضاء جميلة جداً، وقد وقع في حفرةٍ فيها ماءٌ آسن، ذهب إلى هذا المخفر، وادَّعى أن فلانًا هو السبب، فجيء بفلان، قال له المحقق: هذا الذي تدعي عليه دفعك إلى هذه الحفرة ؟ قال له: لا والله، لم يدفعني، قال له: شَهَر عليك سلاحاً، وأجبرك أن تقع فيها ؟ قال له: لا والله، الرجل لم يفعل هذا، قال له: أمْسَكَ بكلتا يديه، ورماك فيها ؟ قال: لا والله، قال: لماذا تدَّعي عليه ؟ قال: لأنه أمرني أن أنزل فنزلت بها، أين اختيارك ؟ أين إرادتك ؟ أين حريَّتك ؟ أين عقلك ؟ أين فكرك ؟ أين محاكمتك ؟ فاعتقدوا اعتقاداً جازماً أنْ ليس إنسان لا يستطيع أن يضلَّ إنسانًا، والدليل أن الشيطان يوم القيامة يقول:

﴿ وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي ﴾

 ( سورة إبراهيم: آية 22 )

﴿ مَا كَانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ ﴾

 لا يمكن أن يجعل الله لأحدٍ على أحدٍ سلطانًا، حتى الشيطان:

﴿ وَمَا كَانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ ﴾

 ( سورة إبراهيم: الآية 22 )

 لذلك إذا توَهَّمت أن فلانًا أضل فلانًا، هذا الذي أضلَّه عنده رغبةٌ في الضلال، توافقت رغبة الضَالِّ مع المُضِل، توافقت الرغبتان، لذلك هؤلاء الكبراء، هؤلاء عِلْية القوم، السادة، مَن بيدهم الحل والربط، هؤلاء إذا أمروا أتباعهم أن يعصوا ربهم، إذا عصى أتباعهم ربَّهم، وأطاعوا كبراءهم لا يستطيعون أن يعتذروا يوم القيامة، لأن الله عزَّ وجل أعطى كل إنسانٍ حرية الإرادة، وأعطاه حرية الكسب، وأعطاه عقلاً، وأعطاه فطرةً.
 مثلاً: لو أننا أعطيناك جهازًا إلكترونيًا، إذا وضعت فيه ورق النقد يكشف لك ما إذا كان مزوراً أو صحيحاً، هذا الجهاز صغير موضوع في جيبك، فإذا قبضت دراهم مزوَّرة، وانطلَتْ عليك، ومعك الجهاز لفحصها، ولم تفحصها، ألست مسؤولاً ؟ أين هذا الجهاز ؟ لمَ لمْ تستعمله ؟ يكفي أن تضع هذه الورقة النقدية عليه حتى يظهرُ على الشاشة ما إذا كانت هذه العملة مزوَّرة أو صحيحة، القضية سهلة جداً، والجهاز في جيبك، فهذا الذي يقول: أنا انطلى علي ذلك، هذا نقد مزور، ما كنت أعرف ذلك، نقول له: لا.. لا عذر لك، الجهاز معك، هذا مَثل، وكذلك العقل، الله عزَّ وجل أعطاك مفتيًا صغيرًا، وهو قلبك.
 عَنْ وَابِصَةَ بْنِ مَعْبَدٍ الْأَسَدِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لِوَابِصَةَ:

 

(( جِئْتَ تَسْأَلُ عَنْ الْبِرِّ وَالْإِثْمِ ؟ قَالَ: قُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ: فَجَمَعَ أَصَابِعَهُ، فَضَرَبَ بِهَا صَدْرَهُ، وَقَالَ: اسْتَفْتِ نَفْسَكَ، اسْتَفْتِ قَلْبَكَ يَا وَابِصَةُ، ثَلَاثًا، الْبِرُّ مَا اطْمَأَنَّتْ إِلَيْهِ النَّفْسُ، وَاطْمَأَنَّ إِلَيْهِ الْقَلْبُ، وَالْإِثْمُ مَا حَاكَ فِي النَّفْسِ، وَتَرَدَّدَ فِي الصَّدْرِ، وَإِنْ أَفْتَاكَ النَّاسُ وَأَفْتَوْكَ ))

 

[ أحمد، الدارمي ٍ]

 أعطاك عقلاً دقيقًا، معك ميزان عقلي، وميزان فطري، فإذا لم تستجب لهذا الميزان العقلي، ولا لهذا الميزان الفطري فأنت المسؤول، يقول أحدُهم: فلان أضلّني، لا.. وهذا الذي يقول: لَعَن الله الشيطان، هو الذي أغواني، هذا كلام فارغ، كلام غير مقبول إطلاقاً، لذلك هؤلاء الذين حقَّ عليهم القول:

﴿ قَالَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ رَبَّنَا هَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَغْوَيْنَا أَغْوَيْنَاهُمْ كَمَا غَوَيْنَا ﴾

 ( سورة القصص: الآية 63)

﴿ هَؤُلاَءِ الَّذِينَ أَغْوَيْنَا ﴾

 بزعمهم، هؤلاء الذين أضللنا بزعمهم.

﴿ أَغْوَيْنَاهُمْ كَمَا غَوَيْنَا ﴾

 نحن كنا ضالين، كنا غاوين فأضللناهم معنا، والدليل:

﴿ تَبَرَّأْنَا إِلَيْكَ مَا كَانُوا إِيَّانَا يَعْبُدُونَ ﴾

 ( سورة القصص )

 هم عبدونا في الظاهر، ولكن رغبتهم وافقت دعوتنا.

﴿ مَا كَانُوا إِيَّانَا يَعْبُدُونَ ﴾

مَا كَانُوا إِيَّانَا يَعْبُدُونَ

 أي ما كانوا مجبَرين يا رب، ما كانوا مقهورين، هم ضلوا باختيارهم، وافقت شهواتهم دعوتنا، فضلوا على أيدينا، ولكنهم هم المسؤولون، لو فرضنا إنسانًا يرغب أن يسرق، وجاءه صديق له، وقال له: أتسرق معي ؟ قال له: نعم، فإذا وقعا في قبضة العدالة فلا حجة لأحدهما، هذا لماذا قبلت ؟ أنتَ مخيَّر، بملءِ اختيارك قبلت أن تسرقَ معه، هل يقول: أنا لا علاقة به، هو الذي أمرني ؟ أيُقبل هذا ؟ لا يقبل هذا، لا يقبل لإنسان وقع في مخالفةٍ للقانون أن يقول: فلان أمرني، نقول له: أين عقلك ؟ أين اختيارك ؟ أين مُفتيك الصغير ؟ أين الميزان الذي أعطاك الله إياه ؟

﴿ وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ (7) أَلَّا تَطْغَوْا فِي الْمِيزَانِ (8) وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلَا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ (9) ﴾

 ( سورة الرحمن )

عامل الناس كما تحب منهم أن يعاملوك:

 سوف أعطيك ميزانًا صغيرًا، حديثٌ صغير جداً قاله النبي عليه الصلاة والسلام، هذا الحديث أنت لا تحتاج إلى شيءٍ كبير في تطبيقه، آخر قال عليه الصلاة والسلام:

 

(( عامل الناس كما تحب منهم أن يعاملوك ))

 

[ ورد في الأثر ]

 أنت بائع، يقول لك الله عزَّ وجل: لِمَ غششت فلاناً ؟ فبماذا تجيب ؟ لو أن الله عزَّ وجل قال لك: لو أنك أنت المشتري، وهو البائع، أترضى منه أن يغُشَّك ؟ تقول له: لا والله لا أرضى، لِمَ قلت هذه الكلمة لفلانة في الطريق ؟ لو أنها أختك، وإنسان قال لها هذه الكلمة أترضى منه هذا ؟ تقول: لا والله لا أرضى، هذا مقياس دقيق جداً، لِمَ تعامل زوجة ابنك هذه المعاملة ؟ لو أن ابنتك في بيتٍ أترضى أن تعامل هذه المعاملة ؟ تقول له: لا والله، هذا مقياس.

(( عامل الناس كما تحب منهم أن يعاملوك ))

 إذاً:

﴿ قَالَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ رَبَّنَا هَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَغْوَيْنَا أَغْوَيْنَاهُمْ كَمَا غَوَيْنَا تَبَرَّأْنَا إِلَيْكَ ﴾

 مِن مسؤولية غواياتهم، أي نحن يا رب لسنا مسؤولين، لأنهم ما كانوا إيَّانا يعبدون، هم أحرار في كسبهم، هم أحرار في اختيار سلوكهم، وعقيدتهم، ومواقفهم، ربنا سبحانه وتعالى يقول:

﴿ وَقِيلَ ادْعُوا شُرَكَاءَكُمْ فَدَعَوْهُمْ ﴾

 ( سورة القصص: الآية 64)

موقف عصيب بين الأتباع والمتبوعين: وَقِيلَ ادْعُوا شُرَكَاءكُمْ فَدَعَوْهُمْ

 الآن توجَّه الله عزَّ وجل إلى هؤلاء الأتباع الضالِّين قال لهم: ادعوا شركاءكم ليُنقذوكم من النار، ادعوهم ليدافعوا عنكم، موقف عصيب بين الأتباع والمتبوعين، بين الكبراء والصغار، بين عَلِيَّة القوم وبين الدهْماء، الإنسان يقول: الناس كلهم هكذا، هذا كلام باطل، ما أفعل ؟ " ضع رأسك مع الرؤوس " !!! هذا كلام الشيطان، كلام الجاهل، كلام الغبي، كلام التافه، كلام ضعيف الشَخْصِيَّة، أخي هكذا البيئة، هكذا التقاليد، هكذا العادات، أنا ابن بيئتي، ابن مجتمعي، ابن معطيات المجتمع، كله كلام مزخرف فارغ، الله عزَّ وجل قال:

﴿ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا ﴾

 ( سورة البقرة: من الآية 286)

 انظر إلى هذا الموقف، أنتم يا أهل مكة إذا رفضتم أن تؤمنوا بمحمد عليه الصلاة والسلام، إرضاءً لكبرائكم، وزعمائكم، وقادة الشرك فيكم، إذا رفضتم الهدى إرضاء لهؤلاء الكُبَرَاء، فانظروا ماذا سيكون بينكم وبينهم الموقف يوم القيامة، سوف يتبرءون منكم، وسوف يكفرون باتِّباعكم لهم، وسوف لا يعتذرون عنكم.

﴿ وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ (62) قَالَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ رَبَّنَا هَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَغْوَيْنَا أَغْوَيْنَاهُمْ كَمَا غَوَيْنَا تَبَرَّأْنَا إِلَيْكَ مَا كَانُوا إِيَّانَا يَعْبُدُونَ (63) ﴾

 ( سورة القصص)

 الإنسان حرٌ في كسبه، وربنا عزَّ وجل تَوَجَّه ثانيةً إلى هؤلاء الأتباع..

﴿ وَقِيلَ ادْعُوا شُرَكَاءَكُمْ فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ وَرَأَوُا الْعَذَابَ لَوْ أَنَّهُمْ كَانُوا يَهْتَدُونَ ﴾

 ( سورة القصص)

إنه مشهدٌ عظيمٌ: فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ وَرَأَوُا الْعَذَابَ لَوْ أَنَّهُمْ كَانُوا يَهْتَدُون

 تصوَّر جماعة من اللصوص لهم كبير، وكان يدَّعي ويَتَبَجَّح بقوله: لا تخافوا، أنا أحميكم، أنا أمنعكم، أنا، أنا، فإذا وقعوا في قبضة العدالة، وصُوِّروا أذِلاَّء حُقَرَاء، وجاء التحقيق الشديد، ماذا يقول هذا اللص ؟ يقولون له: أين وعودك لنا ؟ أين حمايتك ؟ أين هذه الحركة، دعوها لي ؟ إنه موقف مُخْزٍ، فالإنسان ليس معذوراً يوم القيامة، أخي والله استحييت، ما هذا استحييت ؟ أتستحي من الناس، ولا تستحي من الله عزَّ وجل، خجلت يا أخي، الناس كلهم هكذا، كل شيء تقوله بناءً على ضغط الناس، وعلى توجيههم، وعلى تقاليد بالية، وعادات مزيَّفة، وعلى ضغط اجتماعي، هذا كله باطل يوم القيامة، لذلك اسعَ لرضاء الله عزَّ وجل، ولا يهُمَّك شيء:

﴿ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ ﴾

 ( سورة الأحزاب: الآية 37 )

 أنا أعتقد أن هناك آلاف المعاصي يفعلها الناس حفاظاً على سمعتهم في المجتمع، لكي لا يتكلم أحد عليهم، آلاف المعاصي تقترف حفاظاً على مكانتهم، هذا الذي يعصي الله، ويُرْضي إنساناً ليكن هذا موقفه يوم القيامة، ربنا عزَّ وجل رحمةً بنا أعطانا مشهداً من مشاهد يوم القيامة، قبل أن يحْصُل، هذا موقفكم من كبرائكم إذا اتبعتموهم وعصيتم ربَّكم.

﴿ وَرَأَوُا الْعَذَابَ لَوْ أَنَّهُمْ كَانُوا يَهْتَدُونَ ﴾

 ( سورة القصص )

 ولكن لا ينفع الندم عند ساعة الندم.

﴿ وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ ﴾

 ( سورة القصص )

احذروا هذا السؤال: مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ

 فالإنسان جاءه من الله خطاب، جاءه قرآن، جاءته سنة، استمع إلى خطبة الجمعة، إلى توجيه الله عزَّ وجل، وإلى توجيه النبي صلى الله عليه وسلم، ماذا كانت إجابتك ؟ ماذا كان موقفك ؟ ماذا كان رد فعلك ؟ ماذا فعلت ؟ ماذا أعطيت ؟ ماذا منعت ؟ من وصلت ؟ من قطعت ؟ هل غضبت لله ؟ هل رضيت لله ؟ ما الموقف الذي وقفته في سبيل مبدئك ؟ ماذا أجبتم المرسلين ؟ الله عزَّ وجل يقول في كتابه العزيز:

﴿ قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ ﴾

 ( سورة النور: من الآية 30 )

 هذا القرآن اعتقده قرآنا أو غير قرآن، إن كان قرآنا فماذا فعلت ؟ إذا كان غير قرآن فهل بحثت في هذا الكتاب، وتأكَّدت أنه كلام الله ؟ هل معك حجةٌ قوية على أنه ليس كلام الله ؟ خُذْ موقفًا واضحًا، هذا الموقف المائع الضبابي الزئبقي، تبرُّك فارغ، تعصيه، وتتبَرَّك به، تمسك المصحف تقبله من ستة وجوه، لأنه كتاب الله، وفي التعامل اليومي لا تأخذ بأحكامه، في التعامل المادِّي لا ترعى له حقاً، في التعامل الأخلاقي لا تقيم له وزناً، في كسب المال لا تهْتَم بأوامره، في إنفاق المال لا تنضبط بنواهيه، في علاقتك بأهلك وأولادك تفعل الذي يحلو لك، ومع ذلك تتبَرَّك به، هذا موقف مائع، موقف ضبابي، موقف غير واضح، فإما أن تؤمن به على أنه كلام الله بالحجة القاطعة والدليل القاطع، وعندئذٍ أنت أمام موقف حرج، إما أن تعصي الله عزَّ وجل، وإما أن تطيعه، أما أن يكون إيمانك به إيماناً شكلياً، وأنت تخالف مضمونه فليس هذا من خلق المسلم:

﴿ وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ ﴾

 فلان دعاك إلى الله، قل له: إما أنك كاذب أو صادق، صادق افعل ما يقول لك، طالبه بالدليل، هذا الذي ينقل العلم ليس عنده شيء، << إنما أنا متَّبع ولستُ بمبتدع >>، هكذا قال سيدنا الصديق، << أطيعوني ما أطعت الله فيكم فإن عصيته فلا طاعة لي عليكم >>.
 لا يستطيع العالِم أن يفعل شيئاً إلا أن ينقل لك كلام الله وسنة رسول الله، وتنتهي وظيفته، ليس عنده شيء، ماذا أجبته ؟ما الموقف الذي وقفته ؟ ما المعصية التي تركتها بناءً على توجيهه ؟
 مرة ركبت مع أخ في سيارته، سألته عن هذه السيارة: متى اشتراها ؟ سؤال عابر، لكن الله ألهمني هذا السؤال، قال لي: أنا ليس عندي مركبة، وضاقت نفسي كثيراً، بيتي بعيد، وعملي بعيد وأولادي كُثُر، وليس عندي ذكور، وكنت لا أعرف أوامر الشرع اشتريت ورقة (يا نصيب) لعلّي أربح الجائزة الكبرى، أو أقلّ من الكبرى، فأقتني مركبة، بعد أن اشتراها بيومين دخل إلى مسجد ليصلي صلاة الجمعة، فإذا موضوع الخطبة عن اليانصيب، قال: والله حينما أيقنت أنها حرام سحبت الورقة من جيبي ومزَّقتها، يقول هذا الأخ: أنه بعد أيام وأسابيع جاءته صفقةٌ كبيرةٌ جداً ما كان يعهدُها من قبل، واستطاع أن يوفِّر ثمن هذه المركبة التي يركبها الآن، فأنا تأثَّرت، ودمعت عيني، قلت: كأن الله عزّ وجل يقول له: أنت يا عبدي، مزَّقت هذه الورقة خوفاً مني، وأنا أبقيك بلا مركبة ؟ أنت لماذا مزَّقتها ؟ خوفاً مني، ذكرت هذه القصة، هو حينما قال الخطيب: هذا حرام سحب الورقة ومزَّقها، هذا الجواب:

﴿مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ ﴾

 مزَّق الورقة، قيل لك: لا ينبغي أن تجلس مع نساء أجنبِيَّات، ماذا أجبت المرسلين بهذا الحكم ؟ يجب أن تمتنع عن كل سهرةٍ مختلطة، قيل لك: هذا الكسب فيه شبهة الرِبا، ماذا أجبت المرسلين ؟ الإجابة أن تمتنع عن هذه الصفقة، أو عن هذه الطريقة في التعامل، هذه الإجابة قيل لك: إن هذا العمل حرام، ماذا أجبت المرسلين ؟ قيل لك: يجب أن تؤدِّي زكاة مالك، ماذا أجبت المرسلين ؟ قيل لك: ينبغي أن تحرص على أن تكون زوجتك في مظهرٍ إسلامي، ماذا أجبت المرسلين ؟ الإجابة تعني رد فعلك، ما ردُّ فعلك ؟ ما موقفك ؟ ما العمل الذي فعلته تطبيقاً لهذا التوجيه الإلهي ؟ ما الشيء الذي تركته في سبيل الله ؟ ما الذي فعلته ؟ ما الذي أنفقته، ما الذي منعته ؟ لماذا رضيت ؟ لماذا غضبت ؟ لماذا وصلت ؟ لماذا قطعت ؟ أي:

﴿ مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ ﴾

 أي ما المواقف التي وقفتموها بناءً على توجيه الله لكم ؟ ماذا وقفت ؟ كيف اخترت زوجتك بعد أن قال الله لك:

﴿ وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ ﴾

 ( سورة البقرة: من الآية 221)

 هذا كلام الله عزّ وجل، وإذا بحثت عن امرأةٍ كي تكون لك زوجة كيف تختارها في ضوء هذه الآية ؟ يجب أن تختارها مؤمنةً قبل كل شيء، لأنها أمُّ أولادك، ربنا عزّ وجل قال:

﴿ قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ﴾

 (سورة النساء: من الآية 77 )

 أنت ماذا أجبت المرسلين بهذه الآية ؟ انهمكت إلى الدنيا ؟ غصت فيها ؟ أم بقيت فيها في حدود الشرع ؟

﴿ مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ (65) فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ الْأَنْبَاءُ يَوْمَئِذٍ فَهُمْ لَا يَتَسَاءَلُونَ (66) ﴾

 ( القصص )

هذا هو حالُهم: فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ الْأَنبَاء يَوْمَئِذٍ فَهُمْ لَا يَتَسَاءلُون

من التصوير البلاغي في القرآن: فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ الْأَنبَاء

 هذه صورة من أروع الصور، العمى يجب أن يصيبهم هم، قال: لا.. الأنباء عَمِيَت عليهم، أي جاءتهم الأنباء، ولكنها لم تصل إليهم، كانوا في عُزْلةٍ شديدة، أي أن شقاءهم، وخجلهم، ودناءتهم، وصغارهم كأنَّهم في معزلٍ عن الأخبار، لم تعمَ قلوبهم، بل عميت عنهم الأخبار.
 إنّ الإنسان أحياناً يكون في هم كبير جداً، وأخبار مثيرة جداً لا يسمعها، لا يفهم منها شيئاً، ألم نقل لك: أن فلانًا توفي ؟  يقول لك: والله لم أنتبه، معنى ذلك أنه داخل في عزلة شديدة، داخل في همّ كبير، داخل في قضية أنستْه كل شيء، هذه معنى قول الله عزّ وجل:

﴿ فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ الْأَنْبَاءُ ﴾

 الإنسان أحياناً يأتيه خبر ينسيه كل خبر، تأتيه قضية تنسيه كل قضية، تأتيه مشكلة تنسيه كلَّ مشكلة، حينما عرف أنَّه في شقاءٍ أبدي، وأن هذه الجنة التي وعد الله بها المؤمنين خسرها خسارةً أبدية، وأن كل خسارةٍ في الآخرة لا تعوَّض، في الدنيا التاجر يفلِّس، ومع ذلك بعد سنوات فإنه يعود كما كان، الطالب يرسب في صفه، ولكنه يعيد السنة فينجح، فكلما جاءت مشكلة في الدنيا فإن هناك تعويضا، وهناك تصحيحًا، أما يوم القيامة فإن هذه الخسارة خسارةٌ أبدية، فلما أيقن أنه خسر الآخرة، وخسر الجنة، وأنه في جهنم، وبئس المصير إلى أبد الآبدين، دخل في عزلةٍ شديدة، ودخل في ألمٍ شديد، لذلك إضافةً إلى العذاب المادِّي إلى عذاب النار الذي أَلْمَحْ به القرآن:

﴿ تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ ﴾

 (سورة المؤمنون )

﴿ كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُوداً غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ﴾

 ( سورة النساء: من الآية 56 )

 إضافةً إلى هذا العذاب المادي هناك عذابٌ نفسيٌ لا يحتمل، لقول النبي عليه الصلاة والسلام:

 

(( إن العار ليلزم المرء يوم القيامة حتى يقول: يا رب لإرسالك بي إلى النار أهون عليّ مما ألقى، وإنه ليعلم ما فيها من شدة العذاب ))

 

[ الجامع الصغير عن جابر بسند فيه ]

 إذا فاتَ الإنسانَ شيء ثمين جداً في الدنيا خسر خسارة كبيرة جداً، ضيَّع فرصة ثمينة جداً لا تعوَّض، يقول لك: أحسست أن قلبي سيقف، شعرت بضيق لا يحتمل، ضاقت عليَّ الأرض بما رحُبَت، هذا عذاب الدنيا فيكف بعذاب الآخرة ؟ فلذلك ربنا عزّ وجل سرَّب لنا هذا السؤال، في الآخرة توجد أسئلة، يوجد امتحان صعب، لكن رحمةً بنا فإن ربنا عزّ وجل هذه الأسئلة أسرَّبها لنا في الدنيا من خلال هذه الآيات، السؤال الخطير هو:

﴿ مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ ﴾

ماذا قدَمـتَ ؟

 أي ماذا فعلت ؟ قال له: يا عبدي ماذا فعلت من أجلي ؟ يا ربِ تركت الدنيا زهداً بها وحباً بك، وفعلت كذا، فقال له: أما زهدك فقد تعجَّلت فيه الراحة لقلبك، وأما كذا فلك، وكذا فلك، ولكن ماذا فعلت من أجلي ؟ تقول: أنا أغض بصري، هذا شيء جميل، بارك الله بك، ولكن أرَحْتَ نفسك، ودخلت في الصفاء والروحانية، أو تقول: أنا دخلي حلال، بارك الله بك، فأنت ضمنت أن يكون مالك محفوظًا، أو تقول: أنا ليس عندي اختلاط، بارك الله بك، كذلك ضمنت حياة مستقرة ليس فيها فتن ومشكلات، ولكن ماذا قدَّمت ؟ بماذا ضَحَّيت ؟ ماذا فعلت من أجلي ؟ ما الشيء الثمين الذي قدَّمته ؟ هذا هو السؤال: ماذا أفعل من أجلك ؟ يقول لك: هل واليت فيّ ولياً ؟ هل عاديت فيّ عدواً ؟ هل قدَّمت خدمة لمسجد ؟ ساهمت ببناء مجتمع مسلم ؟ قدمت لبنة في بناء خيريّ ؟ علَّمت الناس العلم ؟ عاونت على نشر الحق ؟ كنت دعمًا للحق ؟ وهَّنت الباطل وقويت الحق ؟ نصرت المؤمنين ؟ عاونتهم وساهمت بفعل خير ؟ ماذا فعلت من أجلي ؟ السلبيات جيدة جداً، ولكنها غير كافية.
 إذا كان الطالب في المدرسة طالبا ملائكيًّا، لا يؤذي أحدًا، ولا يضرب زميله، نظيف، ساكت، هادئ، ولكنه لا يدرس، في آخر السنة السلوك جيد جداً، والنتيجة رسوب، في الرياضيات ضعيف، في الفيزياء ضعيف، في العربي ضعيف، السلوك جيد، والنتيجة رسوب، ولكن ماذا فعلت من أجلي، ماذا قدَّمت ؟ السؤال دقيق، بماذا تلقى الله غداً ؟ قال له: يا فلان لا صدقة، ولا جهاد فبمَ تلقى الله إذاً ؟ هذا السؤال أخطر سؤال بالنسبة لنا، بماذا تلقى الله يوم القيامة ؟ ما العمل الذي تقدمه لله عزّ وجل ؟ يا ربٍ اشتريت بيتًا، آويت نفسك، ويا ربٍ زينته، عملت هكذا، ورتبت أموري، نظَّمت أموري، أنا أنيق بلباسي، مرتَّب، عندي أذواق في الطعام والشراب، لي أذواق بالرحلات والسياحة، هذا الكلام لا يُحكى كله، ولكن ماذا فعلت من أجلي ؟
 يقولون: إن أحد الصحابة جاء النبي عليه الصلاة والسلام ليجاهد معه، ولكن هذا الصحابي كان فقيراً لا يملك دابةً يركبها، فالنبي ردَّه لأنه لا يوجد دواب، حينما ردَّه انهمرت عيناه بالدموع، فربنا عزّ وجل إكراماً له ذكره في القرآن الكريم:

﴿ وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ﴾

 ( سورة التوبة: آية " 92 )

 عاد إلى البيت، فناجى ربه وقال: يا ربِ، أنا لا أملك شيئاً، لكنني تصدَّقت بعرضي على المؤمنين، فأي مؤمنٍ شتمني، أو نال مني أُشْهدك أني سامحته، يقال: إن النبي قال في اليوم الثاني: من تصدَّق الليلة ؟ هذا شخص لم يدفع شيئًا، ليس معه شيء، لأنه فقير جداً، النبي أُخبر من قِبل الله عزّ وجل أن الله قَبِل صدقته، الله عدَّها صدقة، تصدَّق بعرضه على المؤمنين، أي أن أي مؤمن شتمه أو نال منه قال: يا ربِ أنا أسامحه، وهذا الذي أملكه.
 القصد من القصة أنه يجب أن تقدم شيئاً، دعوة، عملاً صالحًا، خدمة، صدقة، معونة، مساهمة في بناء مسجد، مساهمة في خدمة الناس، رعاية لأولادك، خدمة لإنسان لا تعرفه، لابدّ من أن تقدِّم شيئاً، حجمك عند الله بحجم عملك الصالح، والعمل الصالح يرفعه: لا صدقة ولا جهاد، فبمَ تلقى الله إذاً؟.
 أحياناً أب مثالي ربىَ أولاده حتى كبروا، زوَّجهم وأرشدهم، علَّمهم، ربَّاهم، حتى جعلهم عناصر طيبِّة في المجتمع، ربىَ بنات على طاعة الله، على حفظ القرآن، على طاعة الزوج، حجَّبهم، إلى أن زوَّجهم، أي أن هذا حد أدنى، أولادك شهادتك، حد أدنى، بيت مسلم، بيت منضبط، اشتغل، عمل، قدَّم للمسلمين سلعة نظيفة، متقنة، سعرها معتدل، لم يكذب عليهم، ولا غشهم، ولا استعلى عليهم، ولا استغل حاجتهم لهذه السلعة، كان منصفًا، هذا عمل تَلْقى الله به، إنسان له والدان أكرمهما، النبي الكريم يقول:

 

(( رغم أنف عبد أدرك والديه فلم يدخلاه الجنة ))

 

[ مسلم عن أبي هريرة ]

 أي أنك إذا أكرمت والديك، وكنت باراً بهما فهذا العمل يكفي أن تلقى الله به.
 عندك بر الوالدين، هداية الزوجة والأولاد، إتقان العمل في صنعتك ومهنتك، عدم غش المسلمين، قلنا لك سابقا: إن حرفةَ الإنسان ومهنته إذا كانت مشروعة في الأصل، ومارسها بطريقةٍ مشروعة، لم يكذب، لم يغش، لم يدلِّس، وابتغى بها أن يكفي نفسه وأهله، وأن ينفق من المال الذي كسبه منها في طاعة الله، وابتغى منها نفع المسلمين، ولم تشغله هذه الحرفة عن طاعة الله ؛ لا عن صلاةٍ، ولا عن مجلس علمٍ، هذه الحرفة نفسها هي عبادة لله عزّ وجل، أي يجب أن تنقلب أعمالك من عادات إلى عبادات، قمنا الصبح وأكلنا، وذهبنا إلى الشغل، وفتحنا المحل، الظهر تغذينا ونمنا، وعشية عندنا سهرة، هذه عادات، يجب أن يكون الطريقُ واضحاً، إذا فتحت باب محلك التجاري لماذا أنا أعمل هذا العمل ؟ يجب أن أبتغي بهذا العمل وجه الله، يجب أن أخدم المسلمين، يجب أن أكسب مالاً أنفقه في طاعة الله، يجب أن أكفي أهلي وأولادي، يجب أن يكون عملك خالصاً لله، حتى مهنتك، حتى حرفتك، حتى تربية أولادك، حتى لو أخذت أهلك نزهةً، إنك بهدف أن تُدخل على قلبهم السرور، من لهم غيرك ؟ حتى إذا جلست مع أهلك مساءً هذه الجلسة من العبادة، حتى إذا اشتريت ثياباً لبستها إنَّك تمثل المسلمين، تمثِّل هذا الدين العظيم، لا ينبغي أن يكون في مظهرك نقدٌ، أو شيءٌ تنتقد فيه، لذلك المؤمن كل أعماله خالصة لوجه الله، حتى لو أخذت قسطاً من الراحة، النوم يُكتب لك عبادة، لأنك تنام لتقوى على طاعة الله عزّ وجل، إذا دخلت في هذه المعرفة انقلبت أعمالك كلُّها عبادة، إذاَ:

﴿ وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ (65) فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ الْأَنْبَاءُ يَوْمَئِذٍ فَهُمْ لَا يَتَسَاءَلُونَ (66) فَأَمَّا مَنْ تَابَ وَآَمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً فَعَسَى أَنْ يَكُونَ مِنَ الْمُفْلِحِينَ (67) ﴾

 ( سورة القصص )

آهٍ لولا رحمة ربي: فَأَمَّا مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً فَعَسَى أَن يَكُونَ مِنَ الْمُفْلِحِينَ

 تاب وآمن وعمل صالحاً، تاب عن كل ذنبٍ سبق منه، وآمن بالله، ومن مقتضيات الإيمان بالله أن يكون عمله صالحاً فعسى إن كان مخلصاً..

 

فَعَسَى أَن يَكُونَ مِنَ الْمُفْلِحِينَ

 

﴿ أَنْ يَكُونَ مِنَ الْمُفْلِحِينَ ﴾

 وكلمة ( عسى ) جاءت تحفظاً من أجل الإخلاص، فعسى إن كان مخلصاً..

﴿ أَنْ يَكُونَ مِنَ الْمُفْلِحِينَ ﴾

 

الردُّ السادس:

 الرد السادس على قول هؤلاء المشركين:

﴿ وَقَالُوا إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا﴾

 ( سورة القصص: من الآية 57 )

﴿ وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ سُبْحَانَ اللَّهِ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ ﴾

 ( سورة القصص )

 ربنا عزّ وجل يخلق ما يشاء، هو الخلاَّق، هو الخالق لأفعال عباده، هؤلاء الذين خافوا أن يخطفوا إذا اهتدوا، من هو الفعال ؟ هو الله عزّ وجل، هل هناك فاعل إلا الله عزّ وجل ؟ هل يقع فيه ملكه شيءٌ ليس من إرادته ؟ أنتم إذا خِفْتُم من بني البشر فإن هذا الخوف فيه شرك، لمجرَّد أن تخاف من إنسان، ولا تخاف من الواحد الديَّان فهذا أحد أنواع الشرك، لأنك اعتقدت أن هذا الإنسان فيه قوة، بيده أن يفعل شيئاً، بيده أن ينفع، بيده أن يضُر، هذا الاعتقاد شرك، فإذا خفت أن تتخطف من أرضك، وأن تفقد حياتك على يدِ هؤلاء الذين تخاف منهم فهذا نوعٌ من أنواع الشرك:

﴿ وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ﴾

وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ

 هو الخالق، هو خالقٌ لأفعال عباده، ماذا قال سيدنا هود ؟ قال:

﴿ فَكِيدُونِي جَمِيعاً ثُمَّ لَا تُنْظِرُونِ (55) إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آَخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (56) ﴾

 ( سورة هود )

 أي وحوش كاسرة كلها مربوطة بأزِمَّة محكمة بيدِ عليمٍ، حكيمٍ، قديرٍ، عادلٍ، منصفٍ، لطيفٍ، خبيرٍ، غنيٍ، قويٍ، فإذا خفت من هذه الوحوش، ولم تر تلك الأَزِمَّة التي تربطها بهذه اليدٍ العليمة الحكيمة فأنت لا تعرف شيئاً، لمجرد أن تخاف من إنسان فهذا الخوف فيه معنىً من معاني الشرك، يجب أن تعتقد أن هذا الإنسان ليس بيده شيء، الأمر بيدِ الله عزّ وجل، لذلك قال النبي عليه الصلاة والسلام:

 

(( وَاعْلَمْ أَنَّ الْأُمَّةَ لَوْ اجْتَمَعَتْ عَلَى أَنْ يَنْفَعُوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَنْفَعُوكَ إِلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ لَكَ، لَوْ اجْتَمَعُوا عَلَى أَنْ يَضُرُّوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَضُرُّوكَ إِلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَيْكَ، رُفِعَتْ الْأَقْلَامُ، وَجَفَّتْ الصُّحُفُ ))

 

[ الترمذي عن ابن عباس]

 إذاً علاقتك مع الله عزّ وجل:

﴿ وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ﴾

 لمجرَّد أن تخاف من إنسان فهذا نوعٌ من الشرك، أما هذا الإنسان إذا سمح الله له أن يصل إليك يصل إليك، أنت تخاف من الله قال له:

 

(( موسى خفني، وخف نفسك، وخف من لا يخافُني ))

 

[ ورد في الأثر ]

لا خيار لأحدٍ أمام أمر الله: مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ

 أن أسمح له أن يصل إليك طبعاً. ويختار من الشرع الحكيم، والتوجيه الصحيح، والأمر النافع، والنهي عن كل شيء ضار، يختار:

﴿ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ﴾

 (القصص: آية " 68 )

 فأمام أمر الله ليس لك اختيار، لا تقل: أنا رأيي كذا، أنا أرى كذا، لا أعتقد أن هذا الشيء لهذا الزمان صالح، أن تُدْلي برأيٍ مع أمر الله عزَّ وجل، ومع نهيه هذا بعيدٌ عن أن تؤمن بالله عزّ وجل:

﴿ وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾

 (سورة الأحزاب: من الآية 36 )

 الله عزّ وجل أمرك بغضِّ البصر، والله أنا رأيي أنه لا أغض بصري غضًّا كاملاً، أنا لا أنظر بشهوة، بل أنظر بلا شهوة، أنت عندك حل وسط، عندك رأي ثانٍ، فالآية لستَ مقتنعاً بها، فاتخذت حلاًّ آخر، هذا خلاف الإيمان كله:

﴿ وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾

 (سورة الأحزاب: آية 36 )

 مع أمر الله ليس هناك اختيار، هو الخالق، هو الصانع، هو الخبير، هو العليم، أنت لا شيء هو العالم، هو العليم، هو الحكيم، إذاً:

﴿ وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ﴾

 ويختار لهم من الشرائع:

﴿ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ سُبْحَانَ اللَّهِ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ ﴾

 ( سورة القصص )

 إن شاء الله نعود لهذه الآية مرة ثانية في الدرس القادم لأهميتها الكبيرة ولما تنطوي عليه من معانٍ دقيقة، ونتابع ردود الله عزّ وجل على مقولة هؤلاء الكفَّار:

﴿ وَقَالُوا إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا ﴾

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018