الدرس : 10 - سورة القصص - تفسير الآيات 57 - 59 - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الدرس : 10 - سورة القصص - تفسير الآيات 57 - 59


1990-07-27

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد، الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علما، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
 أيها الإخوة المؤمنون، مع الدرس العاشر من سورة القصص، وصلنا في الدرس الماضي إلى قوله تعالى:

﴿ وَقَالُوا إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَماً آَمِناً يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقاً مِنْ لَدُنَّا وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾

 (سورة القصص)

مقدِّمــة ٌ:

 أيها الإخوة الأكارم، هذه الآية غنيةٌ جداً، كيف أن الله عزَّ وجل، بل كيف أن النبي عليه الصلاة والسلام حينما قال مثلاً:

 

(( لَا يَقْضِي الْقَاضِي بَيْنَ اثْنَيْنِ وَهُوَ غَضْبَانُ))

 

 ( ابن ماجه عن أَبِي بَكْرَةَ)

 لماذا نهى النبي عليه الصلاة والسلام القاضي عن أن يقضي وهو غضبان، لأنه مُغَوَّش، حكمه غير صحيح، رؤيته غير صافية، ذهنه غير صافٍ، لذلك جاء العلماء، وحملوا على هذا الحديث حالات كثيرة جداً، فالقاضي لا ينبغي أن يقضي وهو جوعان، ولا ينبغي أن يقضي وعنده قضيةٌ تشَوِّشُ ذهنه، ابنه مريض، عنده مشكلة، غضبان، جائع، مريض، كل هذه الحالات مأخوذةٌ من علَّة واحدة، كيف أن الله سبحانه وتعالى حينما قال:

﴿ فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا ﴾

 (سورة الإسراء: الآية 23)

 ما العلَّة في ذلك ؟
 العلَّة ألاّ تؤذي أمك وأباك، إذاً أيّ شيءٍ آخر غير كلمة أُف يؤذي أمك وأباك أمرٌ محَرَّم، يُحْمَل على هذا، القرآن إعجازه في إيجازه.
 نعود إلى هذه الآية:

 

﴿ وَقَالُوا إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا ﴾

 

 (سورة القصص: 57)

وَقَالُوا إِن نَّتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا

1 – مناسبة الآية وعلاقتها بواقع المسلمين:

 لهذه الآية مناسبة، ولهذه الآية سبب نزول، ولكن هذه الآية تُحَمَّلُ عليها حالاتٌ لا تعَدُّ ولا تحصى، فلمجرد أن تتوهَّم أن طاعة الله عزَّ وجل تَضُرُّك، وأن معصيته تنفعك، فيجب أن تحكم على نفسك حكماً قاطعاً أنك في جهالةٍ عمياء، بمجرد أن تتوهَّم أن طاعة الله تضرك، وأن معصيته تنفعك في شَتَّى الميادين، في كل الاختصاصات، في كل الظروف الجليلة والحقيرة، فيما يتعلَّق في رزقك، بعملك بمهنتك، بعلاقاتك الاجتماعية، حينما تعتقد أن الطاعة تضرك، وأن المعصية تنفعك، فاحكم على نفسك حكماً قاطعاً أنك في جهالةٍ جهلاء.

 

2 – الواقع يحكم على جهل الناس:

 فمثلاً: لو أنك طبيبٌ، ورأيت شخصاً يدَّعي أنه طبيب، ونصح مريضاً، قال له المريض: ضغطي مرتفع، قال له: هذا جيِّد، كلما ارتفع الضغط فهو حالة طيبة جداً، ألا تحكم على هذا المُدَّعي أنه جاهلٌ ؟ جهلاً قاطعاً، هذا الذي يدعي أنه طبيب، والذي يطمئن مريضه أنه كلما ارتفع الضغط كان إشارةً على صحة الجسم، تقول: هذا جاهل جهلا قاطعًا.
والقصة التي تعرفونها جميعاً ؛ أن الإمام أبا حنيفة رضي الله عنه كان يُلْقي درساً في الفقه مع طلابه، ويبدو أن التكلف مرفوع بينه وبين طلابه، كان متألماً من رجله فمدَّها مرةً، دخل شخصٌ طويل القامة، عريض المِنْكَبَين، ذو هيئة فخمةٍ، فأُخذ أبو حنيفة بهذا الشخص، فاستحيا أبو حنيفة النعمان رضي الله عنه، ورفع رجله، هذا الرجل الوقور جلس في حلقته، وفي أثناء الدرس طرح سؤالاً، طبعاً الموضوع في صلاة الفجر، هناك فجرٌ كاذبٌ، وفجرٌ صادقٌ، وهناك طلوع الشمس، وصلاة الفرض بينهما، فقال له هذا الرجل المهيب: يا سيدي، كيف نُصَلِّي الصبح إذا طلعت الشمس قبل الفجر، فنظر إليه وقال: عندئذٍ يَمُدُّ أبو حنيفة رجله، مِن كلمة واحدة حكم عليه أنه جاهل.
 لو أن مهندساً مثلاً قلتَ له: إن هناك شَقًّا في الدعامة الأساسية للبناء، وهذا الشق يتفاقم، قال لك: لا، هذا الشيء لا قيمة له إطلاقاً في البناء، ألا تحكم على هذا الشخص المهندس الذي يدَّعي أنه مهندس أنه جاهل ؟ لو قلت له: إن الحديد سعره مرتفع جداً، ما قولك يا أستاذ لو نلغي الحديد من البناء ؟ قال لك: لا مانع، ووجود الحديد أساساً ثانوي في البناء، ألا تحكم على هذا الإنسان أنه جاهل جهلاً قاطعاً ؟ ألم يعرف أن الإسمنت يتحمَّل قِوى الضغط، لكِنَّه لا يتحمل قِوى الشد، فعند الشد لابدّ من تسليح، فأيّ إنسان قد يتكلم كلمة واحدة فتحكم عليه حكماً قاطعاً أنه جاهل.
 لو أن إنسانًا قال لك: أنا مُخْتَص في اللغة العربية، فقلت له: أعرب كلمة جاء المعلِّمون، فقال المعلمون: فاعل منصوب، ما هذا المنصوب ؟ المعلمونَ، ألا تحكم على هذا الإنسان أنه جاهل ؟ دون مستوى الكفاءة، حتى دون مستوى الابتدائية.
 فالأمثلة كثيرة جداً، الصيدلي لو أن دواءً فيه مرهم اليود، وقال لك: هذا للاستعمال الداخلي، فإن هذا الصيدلي مجرم، وجاهل، وقد يقضي على هذا المريض، ففي كل المهن والحرف ؛ طبيب، مهندس، مدرس، محامٍ، تاجر، محاسب، مثلاً قال لك: أخي الربح أساسه ثمن الشراء + ثمن المبيع = الربح، ما هذا الكلام ؟ معنى ذلك أنه جاهل جهلاً قاطعًا في أمور المحاسبة.

 

 

3 – توهم ضرر الطاعة جهلٌ كبير:

 الآن: لِمُجَرَّد أن تتوهَّم أن طاعة الله تضرك، وأن معصيته تنفعك فهذا هو الجهل بعينه، مهما حَصَّلت من علوم، ومهما ارتفع مستواك العلمي، مهما درست، مهما اطلعت، تجد شخصًا يقول: أنا دَيِّن، والحمد لله، ويفتخر بأنه ديِّن، ولكن يتوهَّم أحياناً أنه إذا أطاع الله عزّ وجل في هذا الموضوع خَسِرَ، هذا هو الجهل بعينه.
 فمثلاً: إنسان أراد أن يتزوج، النبي عليه الصلاة والسلام يقول:

 

 

(( من تزوج المرأة لجمالها أذلَّه الله، ومن تزوجها لمالها أفقره الله، ومن تزوجها لحسبها أذله الله، فعليك بذات الدين تربت يداك))

 

[ ورد في الأثر]

 وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِي اللَّه عَنْه عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:

 

(( تُنْكَحُ الْمَرْأَةُ لأَرْبَعٍ ؛ لِمَالِهَا، وَلِحَسَبِهَا، وَجَمَالِهَا، وَلِدِينِهَا، فَاظْفَرْ بِذَاتِ الدِّينِ تَرِبَتْ يَدَاك))

 

 ( صحيح البخاري)

 وهو يخطب عثر على امرأةٍ غنيةٍ، لكن دينها ضعيفٌ جداً، قال: أنا أَحُلُّ مشكلتي بغناها، ولم يعبأ بقول النبي عليه الصلاة والسلام، ولا بقوله تعالى:

﴿ وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ ﴾

 ( سورة البقرة: آية 221)

 هذا إذا توهَّم أن هذه المرأة الغنية تُسْعِدُهُ بمالها، أو تسعده بجمالها، أو تسعده بوجاهتها وأسرتها ونسبها، على حساب رقَّة دينها، هذا الإنسان في الدين جاهل، لأنه لم يعبأ بقول الله تعالى، ولم يعبأ بقول النبي عليه الصلاة والسلام، بل توهَّم أن طاعة الله باختيار الزوجة ذات الدين خسارة، وأن اختيار الزوجة الغنية والجميلة ربحٌ كبير، وهذا هو الجهل.
 الآن: في معاملة الزوجة، تزوج امرأةً ما، في معاملتها لمجرد أن يعتقد أنه إذا قسا عليها قسوةً بالغةً سعد بها، ولم يعبأ بقوله تعالى:

﴿ وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ ﴾

 ( سورةالنساء: آية 19)

 فهذا إنسان جاهل، فيجب أن تنتبه في أي حركة من حركاتك، في أي سكنة من سكناتك، الزوجة لمجرَّد أن تُؤثِر خاطباً غنياً رقيقاً في دينه على خاطب فقيرٍ متينٍ في دينه، فهذه جاهلة، يقال لك: أخي، هي تصلي قيام الليل، وحافظة للقرآن، لمجَرَّد أن تختار الغنى مع رقة الدين، وتدع صلابة الدين مع الكفاف فهي فتاةٌ جاهلة، لا تعرف أن هذا الزوج المؤمن يسعدها، والله عزّ وجل معه، وإن كان فقيراً فسيغنيه الله، وأن هذا الزوج رقيق الدين سيستهلكها، وسيستمتع بها، ثم يلقيها لأدنى سبب، وسيحملها على معصية الله، وسيكون طريقاً لها إلى النار، هذا في الزواج.
 أما في تربية الأولاد: فمن أجل أن يكون ابنك في مركزٍ مرموق تُضَحِّي بدينه، فأنت غير مُرَبٍّ، ولا تعرف من التربية الدينية شيئاً، آثرت دنياه على دينه، آثرت دنياه على آخرته.
 مثلاً: أنت صاحب تجارة، وهذه البضاعة الآن رائجة جداً، وهي بضاعة محرمة، ماذا أفعل ؟

﴿ وَقَالُوا إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا ﴾

 ( سورة القصص)

 هذا الذي يصنع قِطَعًا مثلاً، ويوجد قطعة فيها تحريم، مثل النرد، أو التمثال، وهذا التمثال عليه إشكال في الفقه، فإذا صنعت شيئاً رائجاً، ولم تعبأ بحرمة ذلك، ولم تعبأ بأنه محظور عليك أن تفعله فأنت لا تعرف شيئاً، هذا في مجال الصناعة.
 الطبيب مثلاً: إذا اعتقد أنه إذا أَلْقَى في رُوع المريض أن مرضه خطير، وأنه عليه أن يزوره كل أسبوع، إذا اعتقد هذا الطبيب أنه بهذه الطريقة يجلب له رزقاً كثيراً فهو جاهل، أما إذا اعتقد أن هذا الإنسان يجب أن يخدمه، وأن يُهَدِّئ من روعه، وأن يَبُثَّ في نفسه الطمأنينة، وأن يعطيه العلاج المناسب في الوقت المناسب، فهذا طبيبٌ يعرف الله عزّ وجل، ويأتيه رزقٌ وفير من طريقٍ مشروع.
 المحامي مثلاً: إذا اعتقد أنه لو تَكَلَّم الحقيقة المرة للناس لمَا استلم دعوى واحدة، أما إذا أوهمهم، وإذا زيف الحقائق أمامهم فيربح ربحاً وفيراً، إذا اعتقد أن الكذب طريقٌ إلى سعادته، وإلى وفرة دخله، وإلى بحبوحته، وأن الصدق يصرف عنه رزقاً وفيراً، لمجرد أن تعتقد أن الطاعة تَضُرُّك، وأن المعصية تنفعك فأنت لا تعرف شيئاً، واحكُمْ على نفسك بالجهل المُطْبق.
 الآية واسعة جداً:

﴿ وَقَالُوا إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا ﴾

 إنّ منطق التاجر مثلاً الذي يبيع بضاعة، فإذا أراد أن يفرِّق بين الدَين والتقسيط، وأراد بهذا البيع أن يربح ربحاً وفيراً، بينما شعر أنه بهذه الطريقة ربما وقع في مخالفةٍ شرعية، لكنه يربح، فآثرها على الطريقة الشرعية المفضلة، إذاً: هذا التاجر لو صلى وصام فهو لا يعرف الله عزّ وجل، حينما يؤْثر معصية الله عزّ وجل على طاعته، حينما يؤثر أن يقترض بالربا، ويحُل مشكلته، ولا يعبأ بأمر الله عزّ وجل فهو لا يعرف الله عزّ وجل، فلاحِظْ أن هذه الآية تدور معك في كل أحوالك، في كل نشاطاتك، في كل شؤون حياتك، في كل مجالات الحياة، في قطاعات الحياة:

﴿ وَقَالُوا إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا ﴾

 أين الله ؟ أيعقل أن تطيعه ويتخلَّى عنك ؟ أيعقل أن تطيعه في كسب المال، وتكون فقيراً ؟ أيعقل أن تعصيه في كسب المال وتصبح غنياً ؟ أيجازي الله عباده الطائعين بالحرمان، ويكافئ عباده العاصين بالإحسان ؟ هل هذا شأن الله عزّ وجل ؟  هذا شأن الإله الذي تعبده ؟ الله سبحانه وتعالى يقول ؟

﴿ أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ﴾

 ( سورة الجاثية: آية 21)

 هذا الإله العظيم الذي تعبده أيعقل أن يتخلى عن عباده المؤمنين ؟ أيعقل أن تكون معصيته طريقاً إلى السعادة، وأن تكون طاعته طريقاً إلى الهلاك ؟

﴿ وَقَالُوا إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا﴾

 هذا كلامٌ فارغ، الإله ضامن، الذي يأمرك بكذا وكذا هو خالق الأكوان، بيده كل الأمر:

﴿ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ﴾

 ( سورة هود: آية 123)

 لا معنى أن تعبد الله عزّ وجل، ولن يحميك من خصومك، لا معنى أن تعبد الله عزّ وجل، وأن ترى في عبادته خسراناً مبيناً.
 إذاً: هذه الآية الكريمة:

﴿ وَقَالُوا إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا﴾

لا تكليف سبيلُه معصية:

 أي إنسان قال لك: ماذا أفعل ؟ هكذا السوق يحتاج، أو هكذا، ظروفنا صعبة، أو عندي أطفال كثيرون، أنا مضْطَّر لكسب هذا المال بهذه الطريقة، إذا قال لك: أنا مضطر فأجبه إجابةً حاسمة، قال الله تعالى:

﴿ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا ﴾

 ( سورة البقرة: آية 286)

 الله لم يكلفك من أجل كسب الرزق أن تعصيه، لم يكلفك من أجل أن تطلب ما أنت بحاجةٍ إليه أن تقع في مخالفةٍ لأمره، ففي الزواج، في معاملة الزوج، في اختيار الزوج، في اختيار الزوجة، في معاملة الزوجة، في تربية الأولاد، في المِهَن، فمثلاً تقول: إن هذا الصانع إذا علَّمته هذه الحرفة ربما نافسني، إذاً: يجب أن أبقيه جاهلاً، وقد جاء به أبوه إليك، وهو صديقك من أجل أن تعلِّمه هذه الحرفة، فإن تُطِع الله عزّ وجل وتكن معه مخلصاً، وتعلمه هذه الحرفة تقع في خسارة كبيرة، إذاً: لابدَّ من أن تعصي الله، وتخون صديقك، وتَدَع هذا الطفل الذي أخرجه من المدرسة، ووضعه عندك جاهلاً في هذه الحرفة، تستغله في خدماتك الشخصية، لن تفلح أبداً إذا فعلت هذا، كل واحد بحسب حرفته، بحسب اختصاصه، بحسب مهنته، بحسب عمله، يعلم كيف تكون الطاعة لله عزّ وجل، وكيف تكون المعصية.

 

بين منطق حياة ومقاييس الشرع:

 دائماً بمنطق الناس، بمنطق الحياة هناك مقاييس، وهناك منطق الإيمان، وهناك مقاييس أُخرى، يُمكنك في منطق الحياة كلما خَفَّضت أجر هؤلاء العمال ازداد ربحك، هذا كلام رياضي، كلما قَلَّت النفقات ازداد الربح، أما إذا أعطيتهم رواتب معقولة، ورفعت من مستواهم المعيشي بدافعٍ من إخلاصك لله عزّ وجل وحبِّك لعباد الله، الله سبحانه وتعالى في منطق الإيمان يُجْرِي الأمور على نحوٍ خاص، حيث تزداد أرباحك عما هي عليه قبل أن ترفع رواتبهم، المشكلة أن صاحب المتجر، وصاحب المعمل، والموظَّف، والطبيب والمحامي، والمهندس، والمدرس لا يتعاملون بهذا المنطق.
 المدرّس إذا ألقى في رُوع الطلاب أنهم ضعفاء جداً، وأعطاهم علامات متدنية جداً لعلهم يأتونه ليأخذوا دروساً خاصة منه فيربح، هذا منطق الناس، أما إذا أنصف الطالب الذي بذل جهداً كبيراً، وله أبٌ ظالم، أعطاه علامته المستحقة، وهو لا يرجو إلا أن يرضي الله عزّ وجل، لعل الله عزّ وجل يجري الأمور على نحوٍ آخر فيأتيه دخلٌ مشروع من طريقةٍ مشروعة، دائماً حينما يزداد إيمانك تَصْلُح قراراتك، كلما ارتفع مستوى الإيمان أصبحتَ موَفَّقاً في اتخاذ القرار، لأنك تتخذ القرار في ضوء قواعد الدين لا في ضوء قواعد الدنيا.

 

 

عند الله لا يُنال بالحرام:

 أيها الإخوة الأكارم، آيةٌ يجب أن نطبقها في كل شؤون حياتنا، يجب أن تعتقد أن ما عند الله لا ينال بمعصية الله، يجب أن تعتقد أنه " من ابتغى أمراً بمعصيةٍ كان أبعد مما رجا، وأقرب مما اتقى ".
 تقول: إذا كذبتُ على هذا الإنسان أربحُ منه أرباحاً طائلة، فإذا صدقت، النبي عليه الصلاة والسلام يقول:

 

 

(( كَبُرَتْ خِيَانَةً أَنْ تُحَدِّثَ أَخَاكَ حَدِيثًا هُوَ لَكَ بِهِ مُصَدِّقٌ، وَأَنْتَ لَهُ بِهِ كَاذِب))

 

[ سنن أبي داود عَنْ سُفْيَانَ بْنِ أَسِيدٍ الْحَضْرَمِيِّ ]

 هذه خيانة كبيرة جداً، وأنا أتمنى على كل أخ كريم في مهنته، وفي بيته، وفي كل علاقاته الاجتماعية، أن يضع هذه الآية نُصْبَ عينيه:

﴿ وَقَالُوا إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا ﴾

 ( سورة القصص)

لا مساومات في الدين:

 أي إذا كنت أريد أن أجعل السهرة غير مختلطة أتكلَّف أكثر، أما المختلطة ففيها ضيافة واحدة، أنت آثرت أن توفِّر شيئًا بالضيافة، آثرت ذلك على طاعة الله عزّ وجل، وإذا لم أجلس مع أخوات زوجتي فإنها تغضب، وإذا غضَبْت تعذبني، فسأرضيها، والزوجة إن لم تطع زوجها في معصية الله فإنه يطلقها، هذا هو الجهل بعينه..

 

(( لَا طَاعَةَ لِمَخْلُوقٍ فِي مَعْصِيَةِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ))

 

[ أحمد ]

 افعل ما بدا لك، قالت أم سعد لابنها: << يا بني، إما أن تكفر بمحمد، وإما أن أدع الطعام حتى أموت >>، هذه أم سيدنا سعد، فقال لها: << يا أمي، لو أن لك مائة نفسٍ، فخرجت واحدةً وَاحدةً ما كفرت بمحمد، فكُلي إن شئت أو لا تأكلي >>.
 إن المؤمن رجل مبدأ، عنده مسلَّمات في حياته، مستعد أن يضحي بالغالي والرخيص، والنفس والنفيس من أجل مبدئه، ليس عنده مساومات، رجال المبادئ ليس عندهم مساومات، ليس تاجرًا حتى نقول له: خفِّض لنا في السعر، فإنه لا مراعاة في الدين، لأن هذا شرع الله عزّ وجل.
 تصور لو أن مهندسا متفوِّقا في عمله، جاءه شخص، وقال له: أريد أن أعمِّر بناء، قال له: يلزمك خمسة أطنان من الحديد، وهذه للأقطار ستة ميلي، أو ثمانية ميلي، قال له: أبنيه بلا حديد، أو أنقص طُنا، هذا كلام فارغ هنا لا يوجد مساومة لأن هذه قواعد هندسية، هذا البناء لا يبقى متماسكاً إلا بهذه الأطنان من الحديد، وبهذه الأقطار، وبهذا التوزيع، هنا لا مجاملات.
 البَطْن مفتوح، والطبيب يجري عملية دقيقة، وأنت ترجوه أن يغلق البطن، لا يستطيع حتى تنتهي العملية.
 دائماً قواعد الدين قواعد قَطْعِيَّة لا يوجد فيها مساومة، واحد يقول لك: هذا التيار الكهربائي فيه خطر الموت، ستة آلاف فولط، مرسوم عليه جمجمة وعظمتان، هذا ليس قيداً، إنهم يقيدون حريتنا، وتجد أحد الناس أحب أن يتسلَّق العامود، وهو يقول: يقولون: ممنوع، هذا ليس تقييدا للحرية، بل ضمان لسلامتك، هذه قضايا قطعية، هذا شيء ثابت ليس فيه مساومات، إذا كان لا يرانا أحد هل نصعد ؟ التيار وحده يعاقبك حتى لو لم يَرَك أحد.

﴿ وَقَالُوا إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا ﴾

الطاعات سبب للسعادة والمعاصي سببٌ للشقاء:

 الله عزّ وجل جعل الطاعات أسبابًا لسعادتك، وجعل المعاصي أسبابًا للشقاء، فكل طاعة فيها بذور نتائجها، أي توجد علاقة علمية بين الطاعة ونتائجها، وتوجد علاقة علمية بين المعصية ونتائجها،ادفع الثمن، ربنا عزّ وجل قال:

﴿ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا ﴾

 (سورة البقرة: آية " 187 ")

 وفي آية أخرى:

﴿ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا ﴾

 ( سورة البقرة: آية 229)

كل أوامر الشرع لمصلحة الإنسان:

 ويجب أن تعلم أن كل شيءٍ أمرك الله به فهو لمصلحتك، فإذا أحببت نفسك، فإذا كنت مسرفاً في حب ذاتك، وإذا كنت كما فطرك الله عزّ وجل ؛ مفطوراً على حب وجودك وعلى سلامة وجودك وعلى كمال وجودك وعلى استمرار وجودك فعليك أن تطيع الله عزّ وجل، هذه الأشياء الفطرية لن تتوفر إلا في طاعة الله، والله عزّ وجل يحفظك من كل مكروه، ويطمئنك، ويكرمك، وتشعر أن الموت مرحلةٌ إلى حياةٍ أبديةٍ أشدُّ سعادةً من هذه الحياة، هذا الحال وحده يكفي أن تَسْعَد، فلذلك يمتحن الإنسان نفسه، ولا يتوهم أنه مؤمن إيمانا كاملا، سيدنا عمر قال: << من شاء صام، ومن شاء صلى، ولكنها الاستقامة>>.

 

الدِّينُ هو الاستقامة:

 يجب أن تكون تصَوُّراتك كلّها متوافقة مع مقاييس القرآن الكريم، لذلك ما الذي أهلك الناس ؟ أنهم جعلوا الدين صوماً وصلاةً وحجاً وزكاة فقط، وما سوى ذلك فهم واقعون في شرك، وفي توَهُّم، لكن الأمر الإلهي وهذا الشرع ماذا تفعل فيه ؟ فأيهما أهم غضب الله أم غضب أمك ؟ يشعر أنه إذا عصى الله عزّ وجل، وأطاع أمه يرتاح، يجب أن تقِيم موازنات، الله عزّ وجل قال:

 

﴿ وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً ﴾

 ( سورة الإسراء: آية: 23 ")

 الله سبحانه وتعالى له الطاعة وله العبادة، أما الوالدان فلهما الإحسان، والطاعة والعبادة شيء، والإحسان شيءٌ آخر:

﴿ وَقَالُوا إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا ﴾

معنى: ُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا

 إن القرآن الكريم فيه إعجاز، فالتخطف من الأرض إذا اتبعناك، فإما أن ينصرف الناس عنا فنفتقر، وإما أن نحارب فنموت، والحقيقة الإنسان في الحياة حريص على شيئين، على وجوده وعلى رزقه، والإنسان أحرص شيءٍ يحرص عليه هو وجوده ورزقه، والنبي عليه الصلاة والسلام قال:

 

(( كلمة الحق لا تقطع رزقاً، ولا تُقَرِّبُ أجلاً))

 

[ ورد في الأثر]

 يجب أن تعتقد أن رزقك مضمون، وأن عمرك لا يزيد ولا ينقص، إذا اعتقدت هذا كانت لك مواقف جريئة، وكانت لك مواقف مشرّفة، أما الخوف الشديد من نُقْصَان الرزق، والخوف الشديد من انتهاء العمر قبْل أوانه فهو أحد أكبر أسباب المعاصي.
 إنه بمنطق الناس، لو جاءك أمر ممن هو فوقك بأن تعصي الله، ومع الأمر تهديد، بمنطق الناس أنك إذا أطعت مَن هو فوقك سلمت ونجوت، وارتحت واسترحت، وأنك إذا عصيته سببت لنفسك كل المتاعب، هذا منطق الناس، لكن منطق القرآن:

﴿ إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آَمَنُوا ﴾

 ( سورة الحج: آية " 38 ")

﴿ وَكَانَ حَقّاً عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ ﴾

 ( سورة الروم)

﴿ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ ﴾

 ( سورة الأنبياء)

 فإذا جئت إلى منطق القرآن، وقلت:

 

(( لَا طَاعَةَ لِمَخْلُوقٍ فِي مَعْصِيَةِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ))

 عندئذِ تجري الأمور على نحوٍ غريب، ماذا يُلْقى في قلب هذا الإنسان الذي تحديتَه ؟ يشعر بقيمتك، يشعر بقوَّتك، يشعر بسموِّك، يصْغُر أمامك، يعتذر منك، أنت كنت متوقعاً غضبه، عنده حظوظ حمراء، لا مجال للرجاء وللمساومة والدلال، والطلب، ولا مجاملة في أمور الدين، ولا يوجد حل وسط، هذا أمر الله عزَّ وجل، وكلَّما عَظَّمت أمر الله عزَّ وجل أحبك الله.

 

﴿ ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ ﴾

 ( سورة الحج)

 كلما عَظَّمْتَ أمر الله عزَّ وجل، إذا أردت أن تعرف مالك عند الله فانظر ما لله عندك، فشأن الناس اليوم هان الله عليهم فهانوا على الله، أي طاعته ومعصيته سِيَّان، كسب المال الحلال كالحرام، يقول لك: لا تدقق، ما دام الله قد هان عليهم إذاً هم هانوا على الله، أي يسوق الله إليهم من الشدائد ما لا يطيقون.
 النبي عليه الصلاة والسلام جاءه أعرابي قال له: " عظني ولا تطل قال:

 

(( يا أعرابي قل: آمنت بالله ثم استقم، قال: أريد أخَفَّ من ذلك قال: إذاً فاستعد للبلاء))

 

[ ورد في الأثر ]

لابد من متابعة المقاييس الشرعية ومراعاتها:

 فأنا أتمنى من كل أعماقي أن كل أخ حاضر معنا، بكل حركة من حركاته يلاحظ مقاييسه، أي إذا أطاع الله عزَّ وجل يخسر ؟ يقول لك: هذا مطعم، مطعم درجة أولى، إذا لم نبع فيه الخمر لا نربح، ماذا نفعل، نحن مضطرون، إذا كنت كذلك فأنت جاهل، وإيمانك صفر، إذا كنت تعتقد أن الربح يأتي من معصية الله فأنت لا تعرف من الدين شيئاً، قيسوا أشياء كثيرة جداً.
 أحياناً يغش الإنسان، الكيلو في بعض المواد الغذائية سعره مرتفع إذا غششتها، بعض الأشخاص قالوا لي: يضعون مع الطحينة مادة (إسبيداج)لتبيضّ، ويزداد سعرها ليرتين، فيا صاحب معمل طحينة أتبيع مادة تُخَرِّش الأمعاء من أجل أن تربح ؟ وبعد ذلك يصلي في أول الصف، هذا جاهل عند الله عزَّ وجل، هذا ليس ديّناً إطلاقاً، إذا كنتَ تعطي المسلمين مادة غذائية تؤذيهم من أجل أن يزداد ربحك، وتصلي فالدين في واد، والحياة في واد آخر، الدين هو الحياة، الدين هو معملك، الدين في بيتك، الدين في متجرك، الدين في وظيفتك، الدين في عيادتك، الدين في مكتبك للمحاماة، هنا الدين، ليس الدين في المسجد، المسجد هذه عبادة شعائرية، هذه من أجل تقويم العبادة التعاملية، المسجد، الصلاة، الصوم الحج، هذه ثلاث ساعات امتحان.
 لو فرضنا أن طالبًا جاء إلى هذه الساعات الثلاث، وقد ارتدى أجمل الثياب، شيء جميل، جاء بشطيرة لعلَّه يجوع، وأربعة أقلام احتياطا، وحبوب من الأسبرين لعلَّه يتألَّم من رأسه، وماء بارد، ولكنَّه لم يدرس إطلاقاً، ما نفعُ هذه الأقلام الأربعة، وهذه الحبات الأسبرين، وهذه الشطيرة، وهذه الثياب الجميلة ؟ شيء مضحك، هذه الساعات الثلاث أساها الدراسة، أساسها عام دراسي بأكمله، فكلما كان هناك جهدٌ كبير في أثناء العام الدراسي، كانت هذه الساعات الثلاث مجدية ونافعة، هذه هي المشكلة، حينما فهم المسلمون أن الدين أن تصلي، وأن الدين تصوم مع الناس، هذا رمضان، وأن الدين أن تحُج البيت، وانتهى الأمر، هذا هو الدين، ثم لا تدقق، يفعل ما يشاء، يكذب كما يريد، يأكل مال كما يشتهي، ينفق كما يريد، علاقاته الاجتماعية كلها غير صحيحة، يعطي نفسه ما تشتهي، هذا الفهم للدين فهم سقيم، هذا الفهم للدين جعلنا في مؤخِّرة الأمم، هذا الفهم للدين جعل للكافرين علينا سبيلاً، أما حينما يستقيم الإنسان استقامةً تامةً في عمله، وفي علاقاته، وفي كسب ماله، عندئذٍ يعرف ماذا يعني الدين، الدين أخطر شيءٍ في حياة الإنسان.

﴿ وَقَالُوا إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا ﴾

 ( سورة القصص آية 57)

 قول آخر:

﴿ سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا ﴾

 ( سورة الأنعام آية 148)

احذر هذا النوع مِن الشرك:

 لابد أن ينتبه كل إنسان إلى كلامه، فلمجرَّد أن تقول: الله لا يريد أن يهديني، لم يشأ الله بعد، الله ما ألهمني أن أصلي، لمجرد أن تعتقد هذا فأنت مشرك.

﴿ سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا ﴾

 ماذا قال المشركون ؟ قالوا: إن الإيمان بيد الله إلى أن يشاء الله نؤمن، ولو لم يشاء لم نؤمن، نحن ليس لنا علاقة، هذه عقيدةٌ شائعة بين المؤمنين، إلى أن الله يأذن، إلى أن سيدك يأذن، إذا قلت له: ألا تصلي ؟ ألا تغض بصرك ؟ هذا العمل حرام ؟يقول: ليس بيدي، الله لم يأذن لي الآن، هذا كلام الشرك، هذا عين الشرك، انتبه إلى كلامك:

﴿ سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا ﴾

 بيده الأمر، الآن:

﴿ وَقَالُوا إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا ﴾

 ( سورة القصص: الآية 57)

 هذا كلام مشركي مكة، إذا قلت قولاً يشبه هذا القول فأنت مثلهم تماماً، أخي إذا أطيع الله عزَّ وجل سأخسر مركزي. فما هذا الكلام أنتظر، أو يقول: الله عزَّ وجل ليس في الأرض، ولكنه في السماء فقط، ماذا قال الله ؟:

﴿ وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ ﴾

 ( سورة الزخرف)

﴿ وَقَالَ اللَّهُ لَا تَتَّخِذُوا إِلَهَيْنِ اثْنَيْنِ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ ﴾

 ( سورة النحل: الآية 51)

 يقول لك: أنا مضطر، هكذا يجب أن أعمل لكي أحافظ على مركزي.
 لا تنسَ قول هذا التابعي الجليل لأحد ولاة يزيد، جاءه توجيه خلاف الحق، فسأل التابعي: ماذا أفعل ؟ قال: " إن الله يمنعك من يزيد، ولكن يزيد لا يمنعك من الله "، وأنت قس على هذا القول كل شيء.

 

الردُّ الإلهيُّ: أَوَلَمْ نُمَكِّن لَّهُمْ حَرَماً آمِناً

 ماذا ردَّ الله عليهم:

 

﴿ أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَماً آَمِناً ﴾

 ( سورة القصص: الآية 57)

 أي وأنتم في الكفر والشرك لكم حرمٌ آمن، فإن آمنتم بي تُتَخطَّفوا من أرضكم ؟! هكذا يفعل الله عزَّ وجل ؟ قبل المعصية كنت في بحبوحة، الآن بعد التوبة تفتقر ؟ حينما كنت على معصية الله يوفقك الله ويغفر لك، ويحلم عليك، فلما عرفته، واستقمت على أمره إذا فعلت هذا الأمر تخسر دخلك ؟! ما هذا المنطق ؟!! وأنت مقيم في المعصية لك دخل، فإذا أطعت الله عزَّ وجل تفتقر ؟ لا..

 

﴿ أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَماً آَمِناً وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ ﴾

 

 ( سورة العنكبوت: الآية 67)

﴿ أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَماً آَمِناً يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقاً مِنْ لَدُنَّا وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ ﴾

 ( سورة القصص: الآية 57)

 لا يعلمون، فأنت متى تعلم ؟ تعلم إذا جاءت تصوُّراتك وفق ما في القرآن، متى تكون مهتدياً ؟ إذا كان هواك قد وافق ما جاء به النبي عليه الصلاة والسلام، ماذا قال عليه الصلاة والسلام ؟ قال:

 

(( طوبى لمن وسعته السُّنَّة، ولم تسْتهوِه البدعة))

 

[ ورد في الأثر ]

 أي أن الشيء الذي أمر به النبي تحبه أنت مؤمن، أما تحبُّ البدَع، تحب الصرعات الجديدة، تحب المُلْهِيات، تحب الأماكن غير النظيفة، تحب العلاقات غير الشريفة، تحب ما يغشاه الناس، تُحبُّ ما هو فحشاء، قل لي ما تحب أقل لك من أنت، قال عليه الصلاة والسلام:

 

(( لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعاً لما جئت به))

 

[البغوي في شرح السنة عن عبد الله بن عمرو بسند ضعيف ]

لا بد من الأخذ بالمقاييس الشرعية:

 القضية دقيقة جداً، في مقاييسك، وازنْ بين مقاييسك ومقاييس القرآن، فهل تعظم أهل المال فقط ؟ وتهمل المؤمن الذي حالته المادية وسط، هذه مشكلة، هذا مقياس دنيوي، أما أن تقيس الأمور بمقاييس الشرع والقرآن، يجب أن تحترم هذا المؤمن كائناً من كان، بأي مرتبة اجتماعية، بأي مستوى اقتصادي، بأي درجة علمية، ما دام مؤمناً فهذا جدير أن تحترمه، فبتقييم الناس لاحظ مقاييسك قرآنية أم شيطانية، بطرق كسب المال أتتحرى الحلال ؟ فهل تفرح بكسب كبير حرام ؟ وتعدَّ نفسك ذكيًا، شاطرًا، دَبَّرت نفسك، ركزت وضعك، أمَّنت مستقبلك على معصية الله عزَّ وجل، أتفرح بدخل حرام حل لك كل مشاكلك ؟.
 فطبيبٌ مثلاً، طبيب ناشئ ليس عنده شيء في الحياة، عُيِّن طبيبًا شرعيًا، وكُلِّف بفحص جثة، إذا قال: الموت طبيعي، أعطوه خمسة ملايين، وإذا قال: الموت مشبوه بحادث قتل، لا يأخذ شيئًا، فهذا الطبيب حسب إيمانه، إذا كان مؤمنًا بالله عزَّ وجل، إذا أطاع الله عزَّ وجل الله سيكرمه، أما إذا قال:

﴿ وَقَالُوا إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا ﴾

 ( سورة القصص آية " 57 ")

 أي نصبح بلا شيء، في كل شيء، فالآية دقيقة جداً تدور مع كل الناس، مع كل المهِن، مع كل الحِرَف، مع كل الطبقات، مع كل الوظائف، مع كل العصور، والأمصار والبلدان، والأمكنة والأزمنة.

﴿ أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَماً آَمِناً يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقاً مِنْ لَدُنَّا وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (57) وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا﴾

 ( سورة القصص)

العلاقة بين الآيتين:

 هل هناك علاقة بين هاتين الآيتين ؟ لو فرضنا أن الإنسان لم يعبأ بشرع الله، ولا بأمر الله، ولا بالهدى، واتبع مصلحته، واتبع ما يكسبه مالاً وفيراً، وعاش خمس سنوات أو عشر سنوات إلى أن يأتيه الأجل، أليس هناك موت بعد هذا الغنى ؟ أنت حَصَّلت الغنى من معصية الله، وعشت حياةً مرَفَّهةً في بحبوحةٍ كبيرة، أليس هناك موت؟ هذا الموت ألا ينهي هذه الحياة القائمة على معصية الله عزَّ وجل، ماذا قال عليه الصلاة والسلام، والله حديث يقصم الظهر:

 

(( بَادِرُوا بِالأَعْمَالِ سَبْعًا: هَلْ تَنْتَظِرُونَ إِلا فَقْرًا مُنْسِيًا ؟ أَوْ غِنًى مُطْغِيًا ؟ أَوْ مَرَضًا مُفْسِدًا ؟ أَوْ هَرَمًا مُفَنِّدًا ؟ أَوْ مَوْتًا مُجْهِزًا ؟ أَوِ الدَّجَّالَ ؟ فَشَرُّ غَائِبٍ يُنْتَظَرُ، أَوِ السَّاعَةَ ؟ فَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ))

 

[ سنن الترمذي عن أبي هريرة ]

ثم ماذا ؟ وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا

 إن اتبعوا الهدى مع النبي يُتخطَّفوا من أرضهم، إذاً أنكروا الرسالة وكفروا بالنبي، حفاظاً على مكتسباتهم ومكانتهم وزعامتهم ودخلهم، وشهواتهم... إلخ، ثم ماذا ؟ هنا سؤال، فكِّر.
 قلت لإنسان: الجماد شيء له طول وعرض وارتفاع، له حيِّز، صخرة لها وزن، ولها أبعاد، طول عرض ارتفاع، والنبات شيءٌ يشغل حيزاً وينمو، الحيوان شيءٌ يشغل حيزً وينمو ويتحرَّك، الإنسان شيءٌ يشغل حيزاً، طول وعرض وارتفاع، وينمو، ويتحرَّك ويفكر.
 فلو أن إنسانًا غارقًا في المعاصي، هناك سؤال يوقفه عن حده، ثم ماذا بعد هذا ؟ إذا جاء ملَك الموت، فعلت، ما فعلت، أكلت، ما أكلت، شربت، ما شربت، سكنت، ما سكنت، ترَفَّهت، ذهبت، عُدت، سهرت، سَمُرت، استمتعت...إلخ، ثم ماذا ؟ " سبحان من قهر عباده بالموت ".
 كل مخلوقٍ يموت ولا يبقى إلا ذو العزة والجبروت.

الليل مهـما طـال  فلابدَّ من طلوع الفجر
و العمر مهما طال  فلا بدَّ من نزول القبر
***

 أي أنتم يا أيها المشركون تعتقدون أنَّكم إذا اهتديتم، أو اتبعتم الهدى مع النبي تُتَخطَّفون من أرضكم، إذاً اكفروا، وبعد أن تكفروا، ثم ماذا ؟

 

﴿ وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا ﴾

 ( سورة القصص: الآية 58)

 لو أن الإنسان أقام على معصية الله، وحَصَّل مالاً وفيراً، تمسَّك بالكفر ليبقى في مركزه الكبير، تمسك بالمعصية ليصبح ذا شأنٍ كبير، وهذا الشأن الكبير إلى متى ؟ إلى ما لا نهاية ؟ وهذا الغنى إلى متى ؟ بل كلّه إلى نهاية، انظر إلى سوق من أسواق دمشق الرائجة، كل خمسين سنة تجر جُدُد، المحل سلَّمه، أو أعطاه إلى ابنه، أو ابنه سلّمه، أو أعطاه إلى صهره، تجد تُجَّار سوق الحميدية من خمسين سنة غير الحاليين الآن، وبعد خمسين سنة قادمة، أو خمس وعشرون غير الحاليين، يختلفون، ثم ماذا ؟ ترك الدنيا، ثم ماذا ؟ القبر ؟ ثم ماذا ؟ الحساب، لو أنَّكم آثرتم الدنيا، آثرتم المال وأبيتم الهُدى، قال الله:

﴿ وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا ﴾

 (سورة القصص: الآية 58)

معنى: بَطِرَتْ:

 أي فسدت أُتْرِفَت، استعلت.

﴿ فَتِلْكَ مَسَاكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَنْ مِنْ بَعْدِهِمْ ﴾

 ( سورة القصص: الآية 58)

فَتِلْكَ مَسَاكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَن مِّن بَعْدِهِمْ

 عندك آلاف الأمثلة، يمكن أن يكون الهلاك الجماعي، يمكن أن يكون الزلازل، والفيضانات، والبراكين، حالات معينة، لكن في بكل بلدة حالات فردية، تحت سمعك وبصرك، كرجل عَمَّر بناء، ولم يسكنه، وعندنا رجل آخر اشترى بيتًا فلم يعجبه، فكسر البلاط، وكسر السيراميك، وغَيَّر التمديدات، وغيّر الأبواب، هذه الكسوة الكاملة خرَّبها كلها، فتح الحيطان، أنشأ أقواسًا، صنع أبوابًا جرارة، وستائر متحركة على الكهرباء، وطاولات رخام، وتحته إضاءة، سنتين ونصفًا وهو يكسو هذه البلاطة حتى أصبحت مثاراً للعجب، شيء لا يصدَّق، أقسم بالله جاره بعد أن انتهت بشهرين توفَّاه الله عزَّ وجل.
 تسمع عن أشخاص قد يعود أحدهم إلى بلده ومعه شهادة عُليا فلا يمارسها، يتزوَّج فلا يدخل، يعمر بيتا فلا يسكن، هذه حالات يومية:

﴿ وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا فَتِلْكَ مَسَاكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَنْ مِنْ بَعْدِهِمْ إِلَّا قَلِيلاً وَكُنَّا نَحْنُ الْوَارِثِينَ ﴾

 ( سورة القصص)

هذه هي نهاية الملكية: وَكُنَّا نَحْنُ الْوَارِثِينَ

 البيت في النهاية ليس لك، لاحِظْ في النعي: وسيشيَّع إلى مثواه الأخير، وبيت الدنيا مؤَقَّت، وهذا الذي هلكنا أنفسنا من أجله، اعتن به ما شئت، إن كان كبيرا فهو مؤقَّت، أو كان صغيرا فهو موَقَّت، أو مزَيَّنا فهو مؤقت...

﴿ فَتِلْكَ مَسَاكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَنْ مِنْ بَعْدِهِمْ إِلَّا قَلِيلاً وَكُنَّا نَحْنُ الْوَارِثِينَ ﴾

 ( سورة القصص)

الإهلاك الإلهي جزائيٌّ موافقٌ لحجم الجريمة:

 أما هذا الإهلاك ليس إهلاكاً عشوائياً، ولا مزاجياً، ولا خبطة عشواء كما يقول بعض الجهلة، قال:

﴿ وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا رَسُولاً يَتْلُو عَلَيْهِمْ آَيَاتِنَا وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَى إِلَّا وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ﴾

 ( سورة القصص)

 أنت تتألم أن قرية أصابها زلزال، قرية أصابها فيضان، بركان سار فقتل كل من في هذه البلدة، هذا هلاك، لكن هذا كلام الله، هذا كلام خالق الكون، هذا كلام الفعَّال الوحيد في الكون، تقول لي: زلزال مثلاً، تقول إن الزلزال حركات باطنية غير مستقرة، صحيح، لكن هذا التفسير العلمي لا ينفي التفسير الديني، أن هذا فعل الله عزَّ وجل، وأن الله عزَّ وجل يقول:

﴿ وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَى إِلَّا وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ ﴾

 ( سورة القصص)

 والآية المعروفة لديكم:

﴿ قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَاباً مِنْ فَوْقِكُمْ ﴾

 ( سورة الأنعام: آية " 65 ")

 هذا البراكين، هناك قرية في إيطاليا، الساعة الثانية بعد الظهر ثار بركانٌ اسمه ( فيزوف fethof )، هذا البركان ثار، وصَبَّ على قريةٍ تقع في سفحه هذا السائلَ البركاني، فغمر القرية، وغطَّاها بارتفاع ثمانية أمتار، بعد مئات السنين في أثناء التنقيب في هذه المنطقة وجدوا أحجارًا على شكل أشخاص، حقنوها بجبس سائل، ثم كَسَّروا هذه المستحثات، فإذا هي بلدةٌ جاءها هذا البركان، وقد مات أهلها عن آخرهم، حتى ملامح الناس، حتى الأم مع طفلها، حتى من في البيوت الغنية يجمعون الحلِي:

﴿ قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَاباً مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ ﴾

 ( سورة الأنعام: الآية 65)

 هذه الزلازل، أفسق مدينة في المغرب العربي ( أغادير )، في خلال ثلاث ثوانٍ انتهت، يقولون: سبع درجات على سُلّم ريختر، أي زلزال مدمِّر.

﴿ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ ﴾

 ( سورة الأنعام: آية " 65 ")

 هذا كلام خالق الكون، إن شاء الله في الدرس القادم نتابع هذه الآيات، الآية اليوم:

﴿ وَقَالُوا إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا ﴾

خلاصة الدرس:

 هذه آية هذا الدرس، وهي الآية تقريباً الوحيدة، وهذه الآية واسعة جداً غنية جداً، طبعاً النص محدود، أما العلة واسعة، علَّتها إذا توهَّمت أن معصية الله تنفعك، وأن طاعته تَضُرُّك فهذا منتهى الجهل، ومنتهى ضعف اليقين وضعف الإيمان، فإذا فهِم الإنسان هكذا فعليه أن يجتهد اجتهادًا كبيرًا، وعليه أن يجدد إيمانه، وعليه أن يسعى لكي تكون مقاييسه موافقةً لمقاييس القرآن الكريم.

 

أسئلة في الموضوع

 

1 ـ السؤال الأول:

 وردني سؤال ؟
 هل نستطيع أن نحكم على كل من نرى عليه مصيبة أن هذا من ذنبٍ فعله ؟

 

2 – الجواب:

 

أنواع المصائب:

1 – مصائب المؤمنين دفعٌ ورفعٌ وكشفٌ:

 هذا الحكم خاطئ، لأن المصائب أنواع منوَّعة، هناك مصائب، القصم، وهناك مصائب الردع، وهناك مصائب الدفع، وهناك مصائب الرفع وهناك مصائب الكَشف، كل مؤمن له مصيبة خاصة به، قد يكون مؤمنًا مستقيمًا على أمر الله، لكن ربنا عزَّ وجل يحبُّ أن يحثَّ الخُطى إلى الله، هذه دفع، قد يكون المؤمن لو جاءته مصيبة فصبر عليها يرتفع عند الله أكثر، هذه مصيبة رفع، وقد يكون الكمال منطوياً في نفس إنسان لا يظهر إلا بظرف صعب، هذه مصيبة كشف، هناك دفع، وهناك رفع، وهناك كشف، هذه مصائب المؤمنين.

 

1 – مصائب غير المؤمنين قصم وردعٌ:

 أما مصائب غير المؤمنين، إما قصم وإما ردع.

 

 

ليس من الشرع الحكمُ على الناس:

 فما كل إنسان شاهدتَ عليه مصيبة بإمكانك أن تحكم عليه، هذا من شأن الخالق، دائماً عوِّد نفسك الأدب، لا تحكم على الأشخاص، هذا ليس من شأنك، هذا من شأن خالق الأشخاص، فإذا رأيت إنسانًا مصابًا تقول: الحمد لله الذي عافاني مما ابتلى به كثيراً من خلقه، من دون أن تُسمعه هذا الدعاء، ومن منتهى الفظاظة أن تُسمعه هذا الدعاء.
 رأيت إنسانًا مبتلىً بعاهة، بمشكلة، بفقر، يجب أن ترحمه، يجب أن تعطف عليه، أن تساعده، هذا كلام العوام: ( إن رأيت الأعمى طُبُّه )، هذا كلام الجهلة، يجب أن تساعده إلى أقصى درجة، وأن تدعو هذا الدعاء، أما أن تحكم عليه فهذا منتهى الجهل.

 

 

موقف المؤمن إذا أصابته مصيبة:

 لذلك المؤمن الكامل إذا ألمَّت به مصيبة يتَّهِم نفسه، فإذا حلت بأخيه يحسن الظن به، هذه قاعدة، ومهما بالغت في اتهامك نفسك كان هذا أفضل، قل مع نفسك: " ما من عثرةٍ، ولا اختلاج عرقٍ، ولا خدش عودٍ إلا بما قدمت أيديكم، وما يعفو الله أكثر "، ومهما أسرفت في اتهامك فهو أفضل، أما أخوك فإيَّاك أن تفعل معه ذلك، أخوك لعل مصيبته رفعٌ له، لعلها دفع، لعلها كشف، لعلها رُقِيّ، لذلك ماذا قيل ؟ قال ابن عطاء الله السكندري: " رُبَّ معصيةٍ أورثت ذلاً وانكساراً خيرٌ من طاعةٍ أورثت عزاً واستكباراً".
 والحديث المعروف والمشهور عندكم، أي إذا الإنسان أخوه وقع بذنب، قال النبي الكريم:

 

 

(( الذنب شؤمٌ على غير صاحبه، إن ذكره فقد اغتابه، وإن رضي به فقد شاركه في الإثم، وإن عَيَّره ابتلي به))

 

[ الجامع الصغير عن أنس بسند ضعيف ]

موقف المؤمن إذا أصابت المصيبة أخاه المؤمنَ:

 خذ موقفًا دقيقًا جداً، إذا وقع أخوك بذنب أو بمصيبة، الله عزَّ وجل يحميني من أن أقع كما وقع، ادعُ لنفسك بالحفظ وله بالمغفرة، أما أن تشمت به فإنك تبتلى بهذا الذنب، أما أن تعَيِّره فإنك ستبتلى به، وإنْ تذكره للناس اغتبته، وإن ترضه عنه شاركته في الإثم.
 عندك آية:

﴿ وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ ﴾

 ( سورة البقرة: آية " 155 ")

 هذه مصائب المؤمنين.

﴿ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ (155) الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (156) أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ(157)﴾

 ( سورة البقرة)

 فليس لك حق أن تتهم إنسان بمشكلة أنه مذنب، لا تعرف، والدليل:

﴿ وَكَفَى بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيراً بَصِيراً ﴾

 ( سورة الإسراء )

 أنت لست الخبير الله الخبير، أنت لست خبيرًا.

 

1 ـ السؤال الثاني:

 ما المقصود بكلمة وردت في هذه الآية:

 

﴿ مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آَسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ﴾

 ( سورة محمد: آية " 15 ")

2 ـ الجواب:

 ليس لخمر الآخرة من خمر الدنيا إلا الاسم فقط، لا غولٌ فيها، خمر الجنة لا تغتال العقل، لكن هذا تقريب لأذهان الناس، ففي الجاهلية كانوا غارقين في شرب الخمر، وليس لخمر الآخرة من خمر الدنيا إلا الاسم فقط، وهو من نوع آخر.

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018