الدرس : 04 - سورة القصص - تفسير الآيات 29 - 40 - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الدرس : 04 - سورة القصص - تفسير الآيات 29 - 40


1990-06-15

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد، الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علما، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
 أيها الإخوة المؤمنون، مع الدرس الرابع من سورة القصص، وقد صلنا في قصة سيدنا موسى عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام في الدروس السابقة إلى قوله تعالى:

﴿ فَلَمَّا قَضَى مُوسَى الْأَجَلَ وَسَارَ بِأَهْلِهِ آَنَسَ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ نَاراً قَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آَنَسْتُ نَاراً لَعَلِّي آَتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ جَذْوَةٍ مِنَ النَّارِ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ ﴾

( سورة القصص )

مقدمة تذكيرية:

 قصة سيدنا موسى وردت في القرآن الكريم مراتٍ عديدة، وفي كل مرةٍ لها عرضٌ خاص، ولها زوايا خاصة، فالحلقةُ الأخيرة من قصة سيدنا موسى في هذه السورة بعد أن قضى موسى الأجل، والأجل هو مدة المهر الذي اشترطه عليه سيدنا شُعَيب، على أن يرعى غنمه ثماني سنوات أو عشر سنوات، وأغلب المفسرين على أن سيدنا موسى قد قضى الأجل الأَتَم والأكمل، أي بقي في رعْي غنم سيدنا شعيب عشرَ سنوات بالتمام والكمال.

﴿ فَلَمَّا قَضَى مُوسَى الْأَجَلَ وَسَارَ بِأَهْلِهِ﴾

( القصص: آية " 29 " )

فَلَمَّا قَضَى مُوسَى الأَجَلَ وَسَارَ بِأَهْلِهِ

1 – مِن قوامة الرجل السفرُ بأهله:

 مِن حقِّ الرجل، وله القِوامَةُ أن يسافر بأهله، يقول الله سبحانه وتعالى:

 

﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ ﴾

 

(النساء: آية 34 )

 التفضيل من جهتين ؛ من أن الرجل له القيادة بحكم بُعْد نظره في الشؤون العامة، وفي شؤون خارج البيت، وله حقِّ القوامة بسبب إنفاق ماله.

2 – معنى: أهلِه:

 فسار سيدنا موسى بأهله، وكلمة:

﴿ بِأَهْلِهِ ﴾

 تعني أنهم جمعٌ، أي زوجته وأولاده، ويبدو أنه في الطريق أصابه بردٌ شديد، وفوق ذلك أنه ضلَّ الطريق.

 

3 – معنى: آنَسَ:

 و:

 

﴿ آنَسَ ﴾

 بمعنى شاهد، رأى ما يؤنسه، ويُطمئِن نفسه.

﴿ آَنَسَ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ نَاراً﴾

( القصص: آية 29 )

4 – وصوله إلى جبل الطور:

 الطور جبل في سيناء، جبل الطور،

﴿ مِنْ جَانِبِ ﴾

 يعني أنه كان يسير بمحاذاته.

﴿ آَنَسَ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ نَاراً﴾

 أو هكذا بدا له..

﴿ قَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا﴾

5 – موعدٌ مع المناجاة:

 وهذه حكمة الله عزَّ وجل، أنه سيذهب إلى المناجاة، لعلَّ أهله في المناجاة يكونون عبئاً عليه، فلذلك ألهمه الله عزَّ وجل أن يبقيهم في مكانٍ من الطريق ليأخذ جذوةً من نارٍ، أو يأتي بخبرٍ عن الطريق، فضل الطريق، وأصابه بردٌ شديد.

﴿ وَسَارَ بِأَهْلِهِ آَنَسَ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ نَاراً قَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آَنَسْتُ نَاراً لَعَلِّي آَتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ جَذْوَةٍ مِنَ النَّارِ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ ﴾

6 – حرص رب البيت على سلامة أهله من كل أذى:

﴿ بِخَبَرٍ ﴾

 عن الطريق.

﴿ تَصْطَلُونَ ﴾

 أي تَسْتَدْفِئون بها، أيْ أنَّ حِرص رب الأسرة على أسرته، وعطفَه عليهم، وعنايته بهم، وحرصه على سلامتهم هذه من صفات الأبوة، والأنبياء كانوا قدوة لنا حتى في أسرهم، وقدوة لنا في معاملتهم لزوجاتهم، وفي معاملتهم لأولادهم.

 

﴿فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ مِنْ شَاطِئِ الْوَادِ الْأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ أَنْ يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ ﴾

(القصص: آية 30 )

المناجاة:

 حصلت المناجاة، والله سبحانه وتعالى يقول في سورةٍ أخرى:

﴿ وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْياً أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾

( الشورى: آية 51 )

 سيدنا موسى كَلِيمُ الله، كَلَّمه الله عزَّ وجل من وراء حجاب، والحجاب هو الشجرة.

 

﴿ فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ مِنْ شَاطِئِ الْوَادِ الْأَيْمَنِ﴾

 

(القصص: آية 30 )

1 – الشاطئ:

 الشاطئ الطرف، شاطئ البحر طرفه، وشاطئ الوادي طرفه.

﴿ نُودِيَ مِنْ شَاطِئِ الْوَادِ الْأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ﴾

2 – البقعة المباركة:

 البقعة مباركةٌ، لأن فيها حصلت المناجاة، والبركة الخير الكثير، فإذا كنت في بيتك مُصَلّياً صائماً قائماً مطيعاً لربِّك فهذا البيت مبارك، وإذا سخَّرت هذه المركبة لخدمة الخلق، ولخدمة الناس فهذه المركبة مباركة، وإذا أقمت في مكانٍ جميل، وتحدَّثت فيه عن الله عزَّ وجل فهذا المكان مبارك، وإذا استخدمت قلماً في كتابة العلم الشريف فهذا القلم مبارك، فأيُّ شيءٍ يكون موطَن الخير، أو موضع الخير، زمان الخير، مكان الخير، بيئة الخير، ظروفَ الخير، فهو الشيء المبارك.

﴿ فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ مِنْ شَاطِئِ الْوَادِ الْأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ﴾

3 – لمثلِ هذا أُمِرنا أن نصلي في المساجد:

 والنبي عليه الصلاة والسلام أمرنا أن نُصَلِّي في المسجد، وأمرنا أن نصلي في بيوتنا، فلك أن تصلي الفرض في المسجد، ولك أن تصلي بعض النوافل في البيت، لئلا يكون البيت قبراً، بل ليكون البيت مباركاً، البيت الذي يُقْرأ فيه القرآن بيتٌ مبارك، البيت الذي يُدعى فيه إلى الله بيتٌ مبارك، البيت الذي تقام فيه أوامر الله بيتٌ مبارك، المحل التجاري الذي تبيع فيه وَفْقَ العدل والاستقامة محلٌ مبارك، المكان الذي تدعو فيه إلى الله مكانٌ مبارك، الشيء الذي تستخدمه في سبيل الله شيءٌ مبارك، أي أنه كان سبباً لهذا الخير الكثير.

﴿ فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ مِنْ شَاطِئِ الْوَادِ الْأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ﴾

 فالله سبحانه وتعالى يتجلَّى على بعض مخلوقاته بشيءٍ من الجمال، فإذا بهذا الجمال يسبي العقول، فكيف إذا حصل هذا الاتصال بينك وبين مصدر الجمال ؟ كيف إذا كان الله هو المتكلِّم ؟ لذلك يوم القيامة ينظر أهل الجنة إلى وجه ربهم فيغيبون خمسين ألف عامٍ من نشوة النظرة، وأكبر عقابٍ يُعَاَقبه الكافرون يوم القيامة أنهم عن ربهم محجوبون.

﴿ كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ ﴾

( المطففين )

 وأعظم مقامٍ في الجنة:

﴿ وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (22) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ ﴾

( القيامة )

4 – ليست الدنيا أكلا وشربا ومتاعا فقط:

 قد يتوهم الإنسان أن الجنة طعامٌ وشراب، هي طعامٌ وشراب، وأنهارٌ من لبن ومن عسل، وفيها حورٌ عين، وولدان مخلَّدون، هذا كلّه صحيح، ولكن يجب أن تعلم علم اليقين أن الجنة في حقيقتها تسمو على ذلك ؛ فيها رضوانٌ من الله عزَّ وجل، فيها إقبال الله على قلب الإنسان.

 

5 – جنةُ الدنيا قبل جنة الآخرة:

 إن العمل الذي فيه شرك لا يقبله الله عزَّ وجل، والقلب المُشْتَرك لا يقبل عليه، العمل الذي في إشراك لا يقبلهُ الله عزَّ وجل، والقلب الذي فيه غير الله عزَّ وجل لا يُقبل عليه، فالجنةُ فضلاً على أن فيها من الثمرات والفواكه ما تشتهي الأنفس وتَلَذُّ الأعين، وفيها من الحور العين، وفيها ولدان مخلدون، وفي الجنة من الحور العين ما لو أطلت إحداهن على وجه الأرض لغلب ضوء وجهها ضوء الشمس والقمر، كلُّ هذا صحيح، وأصحُّ منه أن في الجنة أيضاً رضوانٌ من الله عزَّ وجل.
 قد تدخل بيتاً فتجد في البيت كل شيءٍ مريحًا، ولكن أين صاحب البيت ؟ أين الترحيب ؟ أين الاستقبال ؟ أين المؤانسة ؟ أين الشعور بأَنَّك أثيرٌ، وعزيز على صاحب هذا البيت ؟ إن كلَّ مظاهر الضيافة، وكلَّ الراحة، وكلَّ الطعام الطيِّب، وكلَّ الإكرام ليس بشيءٍ أمام ترحيب صاحب البيت، وإكرامه وتقريبه، وأن يَخُصَّك بشيءٍ من الودّ، فلذلك العقاب الأليم يوم القيامة هو الحجاب عن الله عزَّ وجل.

 

﴿ كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ ﴾

( المطففين )

 والعطاء العظيم أن تكون في رضوان الله، ورضوانٌ من الله أكبر، هكذا جاء في القرآن الكريم، ورضوانٌ من الله أكبر من كل هذه النِعَم التي أعدَّها الله، وذكرها في القرآن الكريم.
 فهذا النبي العظيم سيدنا موسى، وهو من أولي العزم، وهو كليم الله، وما استحق أن يكلِّمه الله عزَّ وجل إلا لشدة حبه لله، وشدة تعلُّقه بما عند الله عزَّ وجل، ولصبره وتحمله كل المشاق في سبيل الله.
 إن النبي عليه الصلاة والسلام وهو في الطائف لاقى من التكذيب، ولاقى من الإيذاء ما لا يستطيع بشرٌ على الإطلاق أن يتحمَّله إلا أن يكون نبياً، ومع ذلك ماذا قال ؟ قال:

(( ربِ إن لم يكن بك غضبٌ علي فلا أُبالي، ولك العُتْبَى حتى ترضى، لكن عافيتك أوسع لي ))

[الطبراني عن عبد الله بن جعفر]

 هذا حب، هل بعد هذا الحب من حب ؟ هل بعد خوف الجفوة من الحبيب من خوف ؟

 

مِن تفاصيل المناجاة:

 إنّ سيدنا موسى عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام من أولي العزم، واستحقَّ أن يكلمه الله عزَّ وجل، فهو كليم الله طبعاً، وفي أماكن أخرى قال تعالى على سبيل المؤانسة:

 

﴿ وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى ﴾

( سورة طه )

 وفي أماكن أخرى من كتاب الله قال تعالى مفسحاً المجال لسيدنا موسى أن يناجيه:

﴿ قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا﴾

( سورة طه )

 حينما سأله الله عزَّ وجل، واللهُ يعلم كل شيء، فكيف يسأله ؟ قال موسى مجيبًا:

﴿ قَالَ هِيَ عَصَايَ﴾

 يبدو أنه ذاب في هذه المناجاة من شدة الحب والوَجْد، فتابع الكلام، واستخدم أسلوب الإطناب:

﴿قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآَرِبُ أُخْرَى ﴾

 حينما قال:

﴿ وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي﴾

( سورة طه )

 ثم استحيا أن يكون قد أطال، فقال:

﴿ وَلِيَ فِيهَا مَآَرِبُ أُخْرَى ﴾

( سورة طه )

 فإذا أراد الله عزَّ وجل متابعة المناجاة يسأله: وما هذه المآرب يا موسى ؟ لكن الله سبحانه وتعالى أراد أن يُعْلِمَهُ أن هذه التي بيدك ما هي ؟ فقال:

﴿ هِيَ عَصَايَ ﴾

 لأنها بعد قليلٍ سوف تكون حيةً تسعى، لتكون الآية واضحةً عند سيدنا موسى.

 

﴿فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ مِنْ شَاطِئِ الْوَادِ الْأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ أَنْ يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ ﴾

 

(القصص )

 هذا قول العاشقين:

 

فليتك تحلو و الحياة مـريرةٌ  و ليتك ترضى والأنام غضابُ
وليت الذي بيني وبينك عامرٌ  و بـيني وبين العالمين خرابٌ
***

 

فلو شاهدت عيناك من حُـسننا  الذي رأوه لما ولَّـيت عنا لغيرنا
و لو سمعت أذناك حسن خطابنا  خلعتَ عنك ثياب العجب و جئتنا
ولـو ذقت من طعم المحبة ذرةً  عذرت الذي أضحى قتيلاً بحبنا
ولو نـسمتْ من قربنا لك نسمةٌ  لمُتَّ غريباً واشتياقاً لـــقربنا
***

ما هي العبرة من قصة موسى عليه السلام ؟!

1 – لابد لكل مؤمن من مناجاة لله عزوجل:

 فهذه القصة لماذا أوردها الله عزَّ وجل ؟ لماذا جعلها قرآناً يُتْلى إلى يوم القيامة ؟ من أجل أن يكون لنا نصيبٌ من هذه القصة، هل لك مع الله مناجاة ؟ هذا العبد المؤمن الذي سمع في دروس العلم أن كلَّ معصيةٍ تسبب حجاباً، وكلَّ معصيةٍ تسبب عقاباً، زلَّت قدمه، ووقع في مخالفةٍ، وقع في جفوةٍ مع الله عزَّ وجل، هو ينتظر العقاب، ينتظر التأديب، ينتظر وينتظر، مرَّ يومٌ ويومان، وأسبوعٌ وأسبوعان، وليس هناك عقابٌ ولا تأديب، فناجى ربه، وقال: يا ربِّ، لقد عصيتك ولم تعاقبني، فوقع في قلبه: أنْ يا عبدي، قد عاقَبْتُك ولم تدرِ، ألم أحرمك لذة مناجاتي ؟.
 أيْ: ألك مع الله مناجاة ؟ إذا وقفت في الصلاة أتشعر أنك واقفٌ بين يدي الله عزَّ وجل؟

(( لَوْ يَعْلَمُ المُصَلِّي مَنْ يُنَاجِي مَا انْفَتَلَ ))

[الجامع الصغير عن الحسن مرسَلاً]

2 – الصلاة مناجاة:

 الصلاة قربٌ، الصلاةٌ ذكرٌ، الصلاة وعيٌ، الصلاة مناجاةٌ، الصلاة دعاءٌ، الصلاة اتصالٌ، الصلاة نورٌ، الصلاة حبورٌ، لا خير في دينٍ لا صلاة فيه، الصلاة عمادُ الدين، فمن أقامها فقد أقام الدين، ومن هدمها فقد هدم الدين.
 إذاً هذه المناجاة ألك منها نصيب ؟ ألك مع الله ساعةٌ تناجيه ؟ ألك مع الله ساعةٌ تدعوه ؟ ألك مع الله ساعةٌ تقرأ كتابه فَيَقْشَعِرُّ جلدك ؟ ألك مع الله ساعةٌ تناجيه فتبكي ؟ أهطلتْ من عينك دمعةٌ من خشية الله ؟ أتحب الله عزَّ وجل حباً صادقاً صحيحاً ؟ ما ذَكَرَ الله لنا هذه المناجاة وهذا اللقاء إلا ليكون لنا منه نصيبٌ، ولو كان يسيراً على قدْر إيماننا، على قدر استقامتنا، على قدر ورعنا، على قدر إخلاصنا، على قدر معرفتنا، على قدر عملنا الصالح، لا بدَّ من اتصالٍ بالله عزَّ وجل، والله سبحانه وتعالى جعل الاتصال به منظماً.

﴿ كَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ فَسَقُوا أَنَّهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ ﴾

( يونس )

3 – المعصية حجاب من المناجاة فاحذروها:

 ما دُمْتَ متلَبِّساً بمعصيةٍ فبينك وبين الله حجاب، وسُمْك هذا الحجاب بقدر المعصية، كلما ازدادت واقتربت من الكبيرة كان الحجاب ثخيناً، وكلما كانت صغيرة كان الحجاب رقيقاً.
 من نتائج الحجاب: قد يَنْسى المرء بعض العلم بالمعصية، إذا غضضت البصر تماماً، وحرَرَّت الدخل تماماً، وضبطت سمعك وبصرك، ولسانك، ويدك، ورجلك، والتزمت أوامر الشرع تماماً، ووقفت عند حدود الله تماماً فلا بدَّ من أن تشعر أنك من الله قريب، لا بدَّ من أنْ تشعر أنَّ الطريق إلى الله سالك، لا بدَّ من أن تشعر أن الصلة بالله شيءٌ محبَّب، إنَّ أسعد لحظات المؤمن يوم يقف بين يدي الله ليصلي، هذه المناجاة، أنت إذا وقفت مُصلياً فإنك تناجي الله عزَّ وجل، والأنبياء في مناجاتهم حالاتهم حالاتٌ متفوقةٌ جداً.
 عَنْ حَنْظَلَةَ الْأُسَيِّدِيِّ قَالَ:

 

(( لَقِيَنِي أَبُو بَكْرٍ فَقَالَ: كَيْفَ أَنْتَ يَا حَنْظَلَةُ ؟ قَالَ: قُلْتُ: نَافَقَ حَنْظَلَةُ، قَالَ: سُبْحَانَ اللَّهِ ! مَا تَقُولُ ؟ قَالَ: قُلْتُ: نَكُونُ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُذَكِّرُنَا بِالنَّارِ وَالْجَنَّةِ حَتَّى كَأَنَّا رَأْيُ عَيْنٍ، فَإِذَا خَرَجْنَا مِنْ عِنْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَافَسْنَا الْأَزْوَاجَ وَالْأَوْلَادَ وَالضَّيْعَاتِ فَنَسِينَا كَثِيرًا، قَالَ أَبُو بَكْرٍ: فَوَ اللَّهِ إِنَّا لَنَلْقَى مِثْلَ هَذَا، فَانْطَلَقْتُ أَنَا وَأَبُو بَكْرٍ حَتَّى دَخَلْنَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قُلْتُ: نَافَقَ حَنْظَلَةُ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: وَمَا ذَاكَ ؟ قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، نَكُونُ عِنْدَكَ تُذَكِّرُنَا بِالنَّارِ وَالْجَنَّةِ حَتَّى كَأَنَّا رَأْيُ عَيْنٍ، فَإِذَا خَرَجْنَا مِنْ عِنْدِكَ عَافَسْنَا الْأَزْوَاجَ وَالْأَوْلَادَ وَالضَّيْعَاتِ نَسِينَا كَثِيرًا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، إِنْ لَوْ تَدُومُونَ عَلَى مَا تَكُونُونَ عِنْدِي وَفِي الذِّكْرِ لَصَافَحَتْكُمْ الْمَلَائِكَةُ عَلَى فُرُشِكُمْ وَفِي طُرُقِكُمْ، وَلَكِنْ يَا حَنْظَلَةُ، سَاعَةً وَسَاعَةً، ثَلَاثَ مَرَّاتٍ ))

 

[مسلم]

 جوهر الدين هذا الاتصال بالله عزَّ وجل، هذا الاتصال يحتاج إلى انضباط، يحتاج إلى أن تضع شهواتك كلها تحت قدمك، يحتاج إلى أن تؤثر الله في كل شيء، يحتاج أن تكون وَقَّافاً عند حدود الله، كي تذوق طعم المناجاة التي ذاقها بشكلٍ فائقٍ جداً.
 فأحياناً تشعر أن الله عزَّ وجل يحبك، تشعر أن الله راضٍ عنك، تشعر أنك غالٍ عند الله عزَّ وجل، تشعر أنك بأعين الله عزَّ وجل.

﴿ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا﴾

( الطور: آية 48 )

 قد تناجي ربَّك فتقول: يا ربِّ، هذا حالي لا يخفى عليك، يا رب، هذا جهدٌ مِن مُقِلٍّ.
 لا بدَّ من مناجاةٍ مع الله عزَّ وجل، إذا كنت محباً لله، إذا كنت مستقيماً على أمره.

 

وقفةٌ مع قصة موسى:

 أقف الآن عند هذه الآية كي نستفيد منها:
 ما شأنُنا في قصةٍ وقعت قبل آلاف السنين ؟ فالله سبحانه وتعالى ما أراد من هذه القصة أن نأخذ عِلماً أن الله قد ناجى سيدنا موسى، طبعاً ناجاه سواء أعرفت أم لم تعرف، صدَّقت أم لم تصدِّق، أأقررت أم لم تقرّ، ولكنَّ الله عزَّ وجل أراد من هذه القصة أن يكون لك نصيبٌ من هذه المناجاة، الله عزَّ وجل هكذا يقول:

 

﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً ﴾

(الكهف: آية 110 )

 هذه وصفة، اعمل عملاً صالحاً خالصاً لله عزَّ وجل، وإذا شككت أن نفسك تأمُرك، وتوسوس لك أنك غير مخلص فاكتم هذا العمل عن الناس، أنفقْ من مالك، أَعِنْ أخاك المؤمن، قدِّم شيئاً ثميناً تملكه في سبيل الله، ابذل من وقتك الثمين، ومن خبرتك، من مالك، من علمك، من جاهك، اعبُدِ الله عبادةً متقنةً، ثم انظر كيف أن الله سبحانه وتعالى يتجلى عليك، ثم ذُق طعم القرب.
 سألوا امرأةً كانت متهَتِّكَةً، فلما عرفتْ ربها، والتزمت أوامر الله عزَّ وجل، وتحجبَّت، سألها قريبٌ لها: كيف ضحّيتِ بحريتك وانطلاقاتك بهذا العمل ؟ فقالت: لو ذُقتَ من القرب من الله عزَّ وجل الذي ذقتُ أنا لضحَّيتَ بحياتك من أجله:
 لا يعرف الشوق إلا من يكابده ولا الصبابة إلا من يعـانيها
 إذاً:

﴿فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ مِنْ شَاطِئِ الْوَادِ الْأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ أَنْ يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ ﴾

(القصص )

 فأصحاب النبي عليهم رضوان الله ما الذي جعلهم لا ينامون الليل شوقاً إلى الله ؟ ما رأوا من عظمته، ما رأوا من كماله، ما رأوا من بديع خلقه، أقبلوا عليه، استقاموا على أمره، ووالوْا رسولَه.
 ثوبان، هذا المولى لرسول الله عليه رضوان الله رآه النبيُّ مُصْفَرَّ اللون قال: ما بالك يا ثوبان قد تغير لونك ؟ قال: والله مالي وجعٌ، ولكنني كلما رأيتُك ارتاحت نفسي، فإذا غبت عني اشتقت إليك، ثم ذكرت الآخرة فعلمت أنك مع النبيين والصديقين، وقد لا أكون معك، سكت النبي عليه الصلاة والسلام، فنزل قوله تعالى:

﴿ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقاً﴾

( النساء )

 ذلك الفضل من الله، أين الشوق ؟ هؤلاء الأصحاب كان الواحد منهم كألف، عشرة آلاف صحابي فتحوا أطراف الدنيا، والآن ألف مليون مسلم ليست كلمتهم هي العُليا، لأن الحب والإيمان متلازمان، وهذا ما ينقص مسلمي زماننا، لأن أرجحكم عقلاً أشدكم لله حباً.

 

معجزة عصا موسى:

 

1 – وَأَنْ أَلْقِ عَصَاكَ:

﴿ وَأَنْ أَلْقِ عَصَاكَ﴾

( القصص: آية 31 )

2 – انقلابُ العصا ثعبانًا يسعى:

 ألقى عصاه..

﴿ فَلَمَّا رَآَهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ وَلَّى مُدْبِراً﴾

3 – خوف موسى من هذا الوضع المفاجئ:

 خاف، وهذه بشرية سيدنا موسى..

﴿ إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعاً ﴾

( المعارج )

﴿ وَلَمْ يُعَقِّبْ﴾

 لم يلتفت..

﴿ يَا مُوسَى أَقْبِلْ وَلَا تَخَفْ إِنَّكَ مِنَ الْآَمِنِينَ ﴾

( القصص )

4 – اطمئنان موسى بكلام الله تعالى له: إِنّكَ مِنَ الآمِنِينَ

 أنت رسول، وأنا معك فلا تخف.

 

من صور اطمئنان قلب النبي عليه الصلاة والسلام: حادثة غار ثور:

 

 هذا الكلام ينقُلنا إلى موقف النبي عليه صلاة الله وسلامه في غار ثور، فقد وضع عليه الصلاة والسلام خطةً محكمةً للهجرة، سار مُساحِلاً، وبحث عن خبيرٍ للطريق، واختار ناقةً جيدة، واختار رفيقاً، وعَيَّن شخصاً يمحو الآثار، وشخصاً آخر يَتَّبع الأخبار، وشخصاً ثالثاً يأتي بالزاد، رسم خطةً دقيقةً جداً، غَطَّى كل شيء، أعطى لكل شيءٍ تقديره، ومع ذلك وصل كفار قريش إلى غار ثور، سيدنا الصديق أصابه خوفٌ شديد، قال: يا رسول الله،

(( لَوْ أَنَّ أَحَدَهُمْ نَظَرَ تَحْتَ قَدَمَيْهِ لَأَبْصَرَنَا ـ فماذا قال عليه الصلاة والسلام ـ قَالَ: مَا ظَنُّكَ يَا أَبَا بَكْرٍ بِاثْنَيْنِ اللَّهُ ثَالِثُهُمَا ))

[متفق عليه]

 بعد قليل قال الصحابي الجليل سيدنا الصديق: لقد رأونا يا رسول الله قال: يا أبا بكر ألم تقرأ قوله تعالى:

﴿ وَتَرَاهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ ﴾

( الأعراف)

 هنا السؤال: لماذا كان النبي عليه صلوات الله مطمئناً مع أن الخطة كلها انكشفت ؟ ما دام كفار قريش وصناديدُهم قد وصلوا إليه، وأصبحوا على مشارف الغار، فخطته لم تنجح، لو أن اعتماده على الخطَّة لأصابه الهلع، ولكنَّ اعتمادَه على الله، وأخذه بالأسباب، وتوكَّله على رب الأرباب حال بينه وبينهم، وكل واحدٍ منا إذا واجه مشكلةً فأخذ لها الأسباب، واعتمد على الأسباب، ثم جاء الخطر فإن قلبه يكاد ينخلِع خوفاً، أما إذا أخذ بالأسباب، واعتمد على الله عزَّ وجل فإنه يطمئن لوعد الله عزَّ وجل ويسْلَم، فسيدنا النبي عليه الصلاة والسلام أخذ بالأسباب وتوكلّ، والله سبحانه وتعالى طمأنه بأنه آمن، والآية الكريمة التي تُؤَكِّدُ أنه معصومٌ من أن يُقتَل، ورغم ذلك أخذ بالأسباب كاملة.

﴿ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾

(المائدة: آية 67 )

 هذه الآية تؤكد عصمته مِن أن يُقتَل، كذلك سيدنا موسى رسولٌ من أُولي العزم، فحياته مصونة، قال تعالى:

﴿ يَا مُوسَى أَقْبِلْ وَلَا تَخَفْ إِنَّكَ مِنَ الْآَمِنِينَ ﴾

 ولعَمري إذا كان الله سبحانه وتعالى قد طمأنك فأيُّ شيءٍ آخر يدخل إلى قلبك ؟ لن يدخل شيء، وستكون آمناً.

﴿ إِنَّكَ مِنَ الْآَمِنِينَ ﴾

لمَن يكون الأمن والأمان ؟!

 الآن أنتقل من هذه لآية إلى آيات كثيرة في القرآن الكريم، لقد قال الله عزَّ وجل:

﴿ مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً﴾

( النحل: الآية 97 )

 الآن نقول للشاب المتشائم السوداوي المِزاج اليائس، ضعيفُ الإيمان بكلام الله: خَالق الكون يعدك بحياةٍ طيبة ثمنها أن تؤمن بالله وتعمل صالحاً، ولن تخاف بعد ذلك !!.

﴿ وَلَا تَخَفْ إِنَّكَ مِنَ الْآَمِنِينَ ﴾

 إذا قال الله عزَّ وجل:

﴿ إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آَمَنُوا﴾

( الحج: الآية 38 )

 وأنت مؤمنٌ ورَبِّ الكعبة، أتخاف بعد ذلك ؟! إذا طمأنتك آيات الكتاب، تخاف بعدها ؟! لذلك إذا قرأت هذا القرآن، وعرفت أنه كلام خالق الكون فلا يدخل إلى قلبك الخوف، لقول النبي عليه الصلاة والسلام:

 

(( لا يحزن قارئ القرآن ))

 في قلب المؤمن من الطُمأنينة ومن الأمن ما لو وزِّع على أهل بلدٍ لكفاهم، من طمأنه ؟ الله سبحانه وتعالى:

 

﴿فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (81) الَّذِينَ آَمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ ﴾

 إن الله يعطي الصحة والذكاء والجمال والمال للكثيرين من خَلقه، ولكنه يعطي السكينة بقدرٍ لأصفيائه المؤمنين.

 

لا تخَف إلا من ذنبك:

 فهذا كلامُ خالق الكون، يجب أن تصدِّقَهُ، يجب أن يكون عندك له مصداقية، فإذا طمأنك الله في آيات القرآن فيجب أن تطمئن، وإذا خوَّفك في بعض الآيات فيجب أن تخاف، علامة إيمانك أنك تطمئنُّ إذا طمأنك الله عزَّ وجل، وتخاف إذا خوَّفك الله عزَّ وجل، فخَفْ مِن ذنبك.
 في الأثر:

 

(( يا موسى خف ثلاثاً: خفني، وخف نفسك، وخف من لا يخافُني ))

 خف نفسك أن تعصيني، فإن عصيتني تستحِق التأديب، هذا الذي لا يخافني خف منه، لأنه ليس منضبطا.

(( خفني، وخف نفسك، وخف من لا يخافني ))

 والنبي عليه الصلاة والسلام يقول:

(( لا يخافَنَّ العبدُ إلا ذنبه ولا يرجونَّ إلا ربه ))

[علل ابن أبي حاتم]

 القلق والخوف مرض نفسي مدمِّر، المؤمنون بحول الله معافون منه، آيةٌ أردِّدها دوماً على مسامعكم آلافَ آلاف المرات، لا أشعر أني شبعت منها:

﴿ أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾

(الجاثية: من الآية 21 )

 

 أيُعقل أن يعاملك الله عزَّ وجل وقد آمنت بالله، وعملت الصالحات كما يعامل الذين اجترحوا السيئات ؟ أنت منضبط، تحضر مجالس العلم، تصلي، تغضُّ بصرك، تنفق من مالك، ترجو الله، تخاف منه، تتقرب إليه، تعمل الصالحات، أتتوقع أن يعاملك الله عزَّ وجل كما يعامل أهل الدنيا
 الضائعين، الشاردين، التائهين، العُصاة، الفُسَّاق، الفُجَّار ؟

 

نعمة الأمن:

 إنك مستثنى:

﴿ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ ﴾

( الأنبياء )

﴿ وَكَانَ حَقّاً عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ ﴾

( الروم )

﴿ إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (30) نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآَخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ (31) نُزُلاً مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ(32)﴾

﴿ يَا مُوسَى أَقْبِلْ وَلَا تَخَفْ إِنَّكَ مِنَ الْآَمِنِينَ ﴾

 نعمة الأمن لا يعرفها إلا من فقدها.

﴿ الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآَمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ ﴾

( قريش )

 

 عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مِحْصَنٍ الْخَطْمِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

 

(( مَنْ أَصْبَحَ مِنْكُمْ آمِنًا فِي سِرْبِهِ مُعَافًى فِي جَسَدِهِ، عِنْدَهُ قُوتُ يَوْمِهِ، فَكَأَنَّمَا حِيزَتْ لَهُ الدُّنْيَا ))

[الترمذي، ابن ماجه]

 نعمة الأمن خاصةٌ بالمؤمنين، أما أهل الدنيا فقد يأخذون كل شيء، ولكن نعمة الأمن لا يعرفونها، لأنهم أشركوا ألقى الله، ففي قلوبهم الخوف والفزع والقلق.
 الآية الثانية:

﴿ اسْلُكْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ﴾

( القصص: من الآية 32 )

اسْلُكْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ

 أي ضع يدك في جيبك، جيب الثوب فتحته العُلوية، وهو غير الجيب الذي نعرفه نحن، الجيب فتحة الثوب من جهة العُنق، اسلكْ أي ضع..

﴿ اسْلُكْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ﴾

 أي متألفةً منيرة، كأنها مصباح، كأنها كوكبٌ دري.

﴿ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ﴾

 والله سبحانه وتعالى أشار بهذه الآية إلى ما قاله اليهود في تلمودهم، وكيف حرَّفوا التوراة، وقالوا: إن موسى عليه الصلاة والسلام حينما وضع يده في جيبه خرجت بَرْصاء..

﴿ اسْلُكْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ مِنَ الرَّهْبِ﴾

معنى: وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ منَ الرَّهْبِ

 

 الرَّهَب هو الخوف، لهذه الآية تفسيران:

 

التفسير الأول:

 

 أنه لما رأى الأفعى خاف، فمدَّ يديه ليدفع عنه خطرها، قال تعالى:

 

﴿ يَا مُوسَى أَقْبِلْ وَلَا تَخَفْ إِنَّكَ مِنَ الْآَمِنِينَ ﴾

 

 أي لن تؤذيك هذه الأفعى، فأنت من المؤمنين، إذاً هذا هو المعنى الأول.

 

﴿ وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ مِنَ الرَّهْبِ﴾

التفسير الثاني:

﴿ وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ﴾

 أي أن المؤمن إذا أراد أن يصلي يتطامَن، أي يَضمّ عَضُديه ويديه إلى صدره تأدُّباً مع الله عزَّ وجل، أما التمطي، وتحريك الأطراف هكذا أو هكذا فلا يتناسب مع الخشوع، أما أن يضم الإنسان عَضَدَيه ويديه إلى صدره، ويقف متطامناً فهذا نوعٌ من الخشوع، إذاً: هذا تعليمٌ من الله عزَّ وجل لنا أن الإنسان إذا صلَّى فعليه أن يقف في خشوع، لا أن يَتَمَطَّى، ولا أن يباعد بين أطرافه، ولا أن يتطاول، هذا لا يتناسب مع الخشوع، وقد علَّم اللهُ سبحانه وتعالى هذا النبي الكريم، وعلمنا من خلال هذه الآية.

﴿ وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ مِنَ الرَّهْبِ﴾

 من الخشية..

﴿ فَذَانِكَ بُرْهَانَانِ مِنْ رَبِّكَ إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ﴾

علة المعجزتين: فَذَانِكَ بُرْهَانَانِ مِنْ رَّبِّكَ إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلئِهِ

 

 هاتان آيتان من آيات الله لسيدنا موسى.
 وأما الذي كَرَّمَ الله به نبينا عليه الصلاة والسلام فهو أن معجزته ليست حِسِّية، إن معجزته باقيةٌ إلى يوم القيامة، إنها كتاب الله عزَّ وجلَّ، إن كتاب الله بين أيدينا، من أراد أن يُحَدِّث ربه فليصلِّ، ومن أراد أن يُحَدِّثَه ربه فليقرأ القرآن، إنه كتابٌ بين أيدينا، لكن معجزة النبي موسى عليه الصلاة والسلام الأفعى واليدَ البيضاء انتهت، وأصبحت خبراً.

 

﴿فَذَانِكَ بُرْهَانَانِ مِنْ رَبِّكَ إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْماً فَاسِقِينَ ﴾

إِنَّهُم كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ

 والفاسق هو الذي خرج عن أمر الله، هو الذي خرج عن إنسانيَّته، هو الذي جهل مهمته فتبع شهوته، جهل نفسه كما جهل نفسه فتبع شهوته.

﴿ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْماً فَاسِقِينَ ﴾

 

 لذلك حينما دَمَّرهم الله عزَّ وجل ما بكت عليهم السماوات والأرض.

 

موسى عليه السلام يتذكّر قتلَه القبطي، وخوفه من انتقام فرعون منه:

 سيدنا موسى قال:

﴿ قَالَ رَبِّ إِنِّي قَتَلْتُ مِنْهُمْ نَفْساً﴾

(القصص: 33 )

 تذكر أنه قتل قبطياً.

﴿ فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ ﴾

تعليقات لطيفة على خوف موسى عليه السلام:

التعليق الأول:

 هنا تعليق لطيف جداً: وهو أنه حينما ألقى السحرة عصيَّهم وحبالهم، وخُيِّل إليه من سحرهم أنها تسعى أوجس في نفسه خيفة موسى:

﴿ قَالَ بَلْ أَلْقُوا فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى * فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسَى ﴾

 خاف سيدنا موسى، لماذا خاف ؟ رغم أن الله طمأنه وقال له:

﴿ إِنَّكَ مِنَ الْآَمِنِينَ ﴾

 لكن هذا الخوف الثاني خوفٌ من نوع آخر، الخوف الأول بشري، لأنه بشر، أما الخوف الثاني فخوف الرسول من أن تُكَذَّبَ دعوته، خاف على الدعوة، ولم يخف على شخصه، قال عزوجل:

﴿ قُلْنَا لَا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلَى ﴾

( سورة طه )

 أيْ أنَّ هذا الذي فعله السحرة لا شيء أمام الآية التي معك، لذلك عصا موسى حينما ألقاها أكلت كلَّ حبالهم وعصيهم، فإذا هي تلقف ما يأفكون، إذاً:

﴿ وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ مَا صَنَعُوا﴾

( سورة طه: آية 69 )

﴿ قُلْنَا لَا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلَى ﴾

 

 إذاً: هذا الخوف كان على الدعوة لا على شخصه.

 

التعليق الثاني:

 وثمة تعليقٌ آخر:

﴿ قَالَ رَبِّ إِنِّي قَتَلْتُ مِنْهُمْ نَفْساً فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ ﴾

 هذا خوفٌ على الدعوة، لأنه إن قتلوه ضاعت الدعوة.

﴿ وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَاناً﴾

( القصص: آية " 34)

معنى: وَأَخِي هَارونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا

 فبعض المفسرين يقولون: إن سيدنا موسى معه حبسة، الحبسة أي حالة غير سوية في النطق.
 إنّ الإنسان أحياناً يضَّطرب نطقه، التأتأة، والفأفأة اسمها في علّم النفس الحبسة، الحبسة تزداد عليها الاضطراب النفسي، فسيدنا موسى خاف أن يكذِّبه فرعون فيضطرب فينعقد لسانه، وفي إشارة أخرى إلى أن الفصاحة فصاحة القلب، ولو أنَّ الفصاحة باللسان لكان المُرْسَل إلى فرعون هارون، لأنه كان فصيح القلب، فإذا كنت تعرف الله عزَّ وجل، ولك اتصالٌ به فأنت الفصيح، ولو لم تكن في مستوى فصاحة الآخرين، قال سبحانه:

﴿ قَالَ رَبِّ إِنِّي قَتَلْتُ مِنْهُمْ نَفْساً فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ (33) وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَاناً فَأَرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءاً يُصَدِّقُنِي إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ (34) ﴾

(سورة القصص )

فَأَرِسِلْهُ مَعِيَ رِدْءًا يُصَدِّقُنِي

1 – حرصُ موسى عليه السلام على الدعوة:

 فمن حرصه على الدعوة مرةً ثالثة خاف إذا ذهب وحده إلى فرعون أن ينعقد لسانه، أو أن يقتله فرعون بهذا القبطي الذي قتله سابقاً، فتنطفئ الدعوة، عندئذٍ قال تعالى:

﴿ وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَاناً فَأَرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءاً يُصَدِّقُنِي﴾

2 – معنى ردءا:

 أيْ معيناً، فإذا انعقد لساني يتكلَّم عني، إذا قتلني فرعون ينوب مكاني.

﴿ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ (34) قَالَ سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ وَنَجْعَلُ لَكُمَا سُلْطَاناً﴾

( القصص )

لا بد للدعوة من الحجة والسلطان:

 السلطان هنا إما القوة القاهرة، وإما الحجة الباهرة، أيْ يا رب، كن في عوني، وإذا كان الله معك فمن عليك ؟ وإذا كان الله عليك فمن معك ؟

﴿ قَالَ لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى ﴾

( سورة طه )

﴿ سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ وَنَجْعَلُ لَكُمَا سُلْطَاناً فَلَا يَصِلُونَ إِلَيْكُمَا بِآَيَاتِنَا أَنْتُمَا وَمَنِ اتَّبَعَكُمَا الْغَالِبُونَ ﴾

( سورة القصص )

العاقبة للحق المبين ن فعليكم بالصبر واليقين:

 

 حينما سار سيدنا موسى بقومه، وتبعهم فرعون، فرعون بكل قوته، وكل جيشه، وكل جبروته، وكل قسوته وراءهم، والبحر من أمامهم، وقال أصحاب موسى:

 

﴿ إِنَّا لَمُدْرَكُونَ ﴾

 كما قال رجل منافق في معركة الخندق حينما رأى اليهود قد نقضوا عهدهم، والأحزاب جاءتهم من كل حدبٍ وصوب، ولم يبق للإسلام إلا ساعات، وينتهي الإسلام عن آخره، انظر كيف أن الله سبحانه وتعالى أنقذ الدعوة الإسلامية كلَّها بالعنكبوت على غار ثور، هذا من عظمة الله عزَّ وجل، وأنه يدفع الخطر الكبير بالسبب الحقير، يدفع الخطر الكبير بشيءٍ صغير، هذا منتهى عظمة الله عزَّ وجل، وكذلك في الخندق جاءت الأحزاب من كل حدبٍ وصوب، وقد رمت العربُ كلها النبيَّ عن قوسٍ واحدة، كلها جاءت لتستأصل المسلمين، واتفقوا جميعاً، وجاءوا بخيلهم ورَجِلهم، وأسلحتهم، وطَوَّقوا المدينة، والصحابة الكرام حفروا الخندق، وظهرهم محميٌّ لمعاهدةٍ بين النبي وبين اليهود، فإذا باليهود ينقضون العهد كعادتهم، فانكشف ظهر النبي عليه الصلاة والسلام، ولم يبق للإسلام بحسب ما يبدو للعين إلا ساعات، وينتهي الإسلام مِن على الأرض، فما كان من أحد المنافقين إلا أن قال: أيعدنا صاحبكم أن تُفْتَح علينا بلاد قيصر وكسرى، وأحدُنا لا يأمن أن يقضي حاجته ؟!! أين كسرى وقيصر ؟ لا يأمن أحدنا أن يقضي حاجته من شدة الخوف، ومع ذلك أرسل الله رياحاً عاتية قلبت قدورهم، واقتلعت خيامهم، و أطفأت نارهم، ووقعوا في حيص بيص، وتبلبلوا، وذهبوا من حيث جاءوا.

﴿ وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ﴾

( سورة الأحزاب: آية 25 )

 فربنا أحياناً يؤخِّر النصر ليسمع ما تقول ؟ أحياناً ربنا عزَّ وجل يرسل شبح مصيبةٍ، فالمؤمن القوي عندئذٍ يصبر، قال ربنا عزوجل:

﴿ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً ﴾

( سورة الأحزاب )

 لكن هناك أشخاص ضعاف الإيمان إذا لاح شبح المصيبة يتزلزل إيمانهم، قال ربنا عزَّ وجل:

﴿ هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالاً شَدِيداً ﴾

( سورة الأحزاب )

 

 أحياناً بعض الناس يقوم بتحليلٍ في المخبر، فتكون النتيجة إيذاناً بمرضٍ خطير، ماذا يقول في نفسه ؟ ويكون التحليل خطأ، فالله امتحنه بأن لاح له شبح مصيبة، ماذا يقول في نفسه ؟ أيُنْكِرَ وجود الله عزَّ وجل ؟ أيُنْكِرَ رحمته ؟ أيُنْكِرَ عدالته ؟ أينكر حكمته ؟ الله عزَّ وجل يمتحنك، أنت في امتحان دائم، إذا كنت بطلاً، وجاءت الأمور على غير ما تشتهي فقل: الحمد لله على كل حال ولا حول ولا قوة إلا بالله، وإذا جاءت الأمور وَفْقَ ما تريد فقل: الحمد لله بنعمته تتمُّ الصالحات، هذا شأن المؤمن، والمؤمن مُبتلى، سُئل الإمام الشافعي " أندعو الله بالابتلاء أم بالتمكين ؟ فقال: لم تُمَكَّن قبل أن تُبْتَلى "، لأنه لا بدَّ من أن تبتلى ليمتحن الله إيمانك، ليمتحن الله صدقك، ليمتحن الله ثقتك به، ليمتحن الله اعتمادك عليه، ليمتحن الله علمك، ليمتحن الله معرفَتَك، ليمتحن الله صبرك، ليمتحن الله حسن ظنّك به، هناك ابتلاء، هناك امتحان، فقال أصحاب موسى:

 

﴿ إِنَّا لَمُدْرَكُونَ ﴾

 لأن فرعون وراءنا، والبحر أمامنا، ماذا قال سيدنا موسى ؟ قال:

﴿ كَلاَّ ﴾

 على أي شيءٍ اعتمد؟ ليس هناك أسباب مادية إطلاقاً، فرعون بقوته وجيشه وقسوته وراءه، والبحر أمامه،

﴿ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ (61) قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ (62) ﴾

(سورة الشعراء)

 أحياناً يتصور الإنسان أنَّه على أرض، وهو على شاطئ بحر، قد تخرج موجةٌ فتأخذه إلى البحر، هذه المصيبة، كلما كان في أعماق الإيمان أصبح في مَنجاةٍ عن أن يتزلزل، أما إذا كان على حرف فسريعاً ما ينهار.

﴿ وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةَ﴾

( سورة الحج: آية 11 )

 لا تكن ممن يسيرون على الحرف، كن بالأعماق، والحياة تحتاج إلى بطولة، تحتاج إلى صبر، إلى جَلَد، والابتلاء لا بدَّ منه.

﴿ فَلَمَّا جَاءَهُمْ مُوسَى بِآَيَاتِنَا بَيِّنَاتٍ قَالُوا مَا هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُفْتَرًى﴾

( سورة القصص: آية " 36 )

يوم الفصل بين موسى وفرعون:

 هذه الآية الصارخة، عَصَا تُصْبِحُ أفعى، يدٌ تتألق كأنها كوكبٌ دُرِيّ، فماذا قال أهل الكفر ؟ والكفرُ فيه مكابرة، فيه جحود، فيه شهوة طاغية، هذه الشهوة الطاغية تحمل على التكذيب.

﴿ فَلَمَّا جَاءَهُمْ مُوسَى بِآَيَاتِنَا بَيِّنَاتٍ قَالُوا مَا هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُفْتَرًى﴾

1 – الحُجّةُ بالحُجّة:

 هذا سحر، وهذا افتراء، وهذا اختلاق ليس له أساس من الصحة.

﴿ وَمَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي آَبَائِنَا الْأَوَّلِينَ﴾

( سورة القصص )

﴿ وَقَالَ مُوسَى رَبِّي أَعْلَمُ بِمَنْ جَاءَ بِالْهُدَى مِنْ عِنْدِهِ﴾

( سورة القصص: آية 37 )

2 – إِنّه لا يُفلح الظّالمون

 هو الذي يعلم، وعلْمُه تَمَثَّل بهاتين الآيتين:

﴿ وَمَنْ تَكُونُ لَهُ عَاقِبَةُ الدَّارِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ﴾

( سورة القصص: آية 37 )

3 – العاقبةُ للمتقين:

 العاقبة لمن ؟ للمؤمن، الأيام تدور، وتدور، وتستقر في صالح المؤمن، كن مع الله ولا تُبَالِ، كن مع الحق، ولا تكن مع الباطل، لأن الباطل زهوق، فلا تكن في خندقٍ ضد أهل الحق.

﴿ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ ﴾

( سورة القصص )

﴿ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ﴾

( سورة الأنفال: آية 36)

﴿ كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي﴾

( سورة المجادلة: آية 21)

﴿ وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ ﴾

( سورة الصافات )

﴿ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي﴾

( سورة النور: آية 55 )

﴿ بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ ﴾

( سورة الزمر)

 أي كفاك على عدوك نصراً أنه في معصية الله، ولابدَّ أن تكون العاقبة لك.
 أهل الدنيا لما رأوا قارون قالوا:

﴿ يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ ﴾

( سورة القصص)

﴿ وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ آَمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً﴾

( سورة القصص: آية 80 )

﴿ لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلَادِ (196) مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ (197) لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا نُزُلاً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِلْأَبْرَارِ (198)﴾

( سورة آل عمران )

﴿ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ ﴾

( سورة القصص )

 هذا الذي ظلم نفسه، وظلم غيره لا يفلح.

﴿ وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ﴾

( سورة القصص: آية 38 )

ذكاءُ الأغبياء:

 فرعون ذكي، ولكنه ذكاء غبي، الآن أراد حينما رأى هاتين الآيتين الصارختين، وشعر أن أتباعه وقعوا في ريب، وفي شك، وفي حيرة وقف موقفاً معتدلاً في الظاهر.

﴿ وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي﴾

( سورة القصص: آية 38 )

 كلام فيه تحفُّظ، فيه اعتدال، أي بحسب معلوماتي، وبحسب علمي المتواضع.

﴿ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي﴾

 هذا الذي جاء به موسى غير صحيح، وهذا الذي يدعيه أنه رب العالمين غير صحيح، ليس هناك إله غيره، لكن ليس لديه إصرار، قال:

﴿ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي﴾

 بتحفظ، لأن ربنا عزَّ وجل قال:

﴿ فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكَالَ الْآَخِرَةِ وَالْأُولَى ﴾

( سورة النازعات )

 العلماء قالوا: لمَ بدأ ربنا عزَّ وجل بالآخرة، كان الأَوْلى أن يقول:
 نكال الأولى والآخرة. قال:

﴿ فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكَالَ الْآَخِرَةِ وَالْأُولَى ﴾

 لأنَّه في الأولى ماذا قال:

﴿ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي﴾

 وماذا قال في الآخرة ؟

﴿ فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى ﴾

( سورة النازعات )

 أيُّهما أشد كفراً ؟ المقولة الثانية، فبدأ الله بها.

﴿ فَأَوْقِدْ لِي يَا هَامَانُ عَلَى الطِّينِ﴾

فرعون يتحدى الذات الإلهية:

 أيْ ابْنِ لي برجاً من الآجر، من الطين المُحَمَّى، أي اجعل هذا الطين مستوياً، وأوقد عليه ناراً، واصنع منه لبناتٍ، ثم اصنع منه برجاً..

﴿ فَأَوْقِدْ لِي يَا هَامَانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَلْ لِي صَرْحاً لَعَلِّي أَطَّلِعُ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ مِنَ الْكَاذِبِينَ ﴾

( سورة القصص )

 كأن الله عزَّ وجل في نظر فرعون شخص، أوقد لي على الطين، اجعل لي صرحاً لأصعد عليه، فأطلع إلى إله موسى.
بعضهم قال: ابنِ لي مرصداً أرصد به الكواكب، أخذاً من قوله تعالى:

﴿ وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحاً لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ (36) أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِباًً﴾

( سورة غافر )

 لعلي أرى النجوم فتنبئني إن كان هناك إلهٌ كما يدَّعى موسى، أم هو من الكاذبين، إنه تفكيرٌ سخيف، هزيل جداً، وتفكير غبي.

﴿ فَاجْعَلْ لِي صَرْحاً لَعَلِّي أَطَّلِعُ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ مِنَ الْكَاذِبِينَ (38) وَاسْتَكْبَرَ﴾

( سورة القصص )

هؤلاء لا يقبلون الحق أبداً:

1 – المستكبر لا يقبل الحقَّ أبدا:

 العلَّة هي الاستكبار، المستكبرون هم الكفَّار، استكبر عن أن يؤمن، أما النجاشي فلم يستكبر، النجاشي آمن، والله سبحانه وتعالى زاده عزاً ورفعةً، والنبي عليه الصلاة والسلام خدم وفد النجاشي بنفسه إكراماً له، والنجاشي ملِك، ومع ذلك خضع للحق، قال: " إن هذا الذي جئت به، والذي جاء به عيسى يخرج من مشكاةٍ واحدة "، هذه كلمة النجاشي، أما فرعون فاستكبر، والاستكبار دائماً بغير الحق، الاستكبار باطل، ولا استكبار عند أهل الحق.

﴿ وَاسْتَكْبَرَ هُوَ وَجُنُودُهُ﴾

( سورة القصص: آية 39 )

2 – الكافر باليوم الآخر لا يقبل الحق:

 لهم معه مصالح، وله منافعهم الدنيوية معه، وكلها بغير الحق.

﴿ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ إِلَيْنَا لَا يُرْجَعُونَ ﴾

( سورة القصص )

 ظنوا أنهم مُخَلَّدون في الدنيا، ظنوا أن هذه الدنيا باقيةٌ لهم، ظنوا أن الموت هو نهاية الحياة، فإذا هو بداية حياةٍ أُخرى، ظنوا أن الحياة طويلة.

﴿ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ إِلَيْنَا لَا يُرْجَعُونَ ﴾

﴿ فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ (21) لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُسَيْطِرٍ (22) إِلَّا مَنْ تَوَلَّى وَكَفَرَ (23) فَيُعَذِّبُهُ اللَّهُ الْعَذَابَ الْأَكْبَرَ (24) إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ (25) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ (26) ﴾

( سورة الغاشية )

﴿ فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ ﴾

( سورة القصص )

مِن سننِ الله مع الظالمين: الاستدراج ثم القصمُ:

 من سننِ الله عزَّ وجل أنْ يستدرج الكافر، اتبع فرعون سيدنا موسى، فلما صار الطريق في البحر يبساً تبعه، فلما خرج موسى وإخوانه من البحر أعاد الله الطريق اليابس بحراً.

﴿ حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آَمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آَمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ﴾

( سورة يونس: آية 90 )

 فربنا عزَّ وجل قال له:

﴿ آَلْآَنَ وَقَدْ عَصَيْتَ﴾

(سورة يونس: آية " 91 " )

 فكل واحدٍ من بني البشر سوف يؤمن عند الموت، ولكن بعد فوات الأوان، البطولة أن تؤمن في الوقت المناسب، لذلك ربنا عزَّ وجل نجاه ببدنه لأنه لشدة استكباره لا يصدِّق أحدٌ أنه غرق.

﴿ فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُنَ لِمَنْ خَلْفَكَ آَيَةً﴾

( سورة يونس: آية 92 )

 

 وأغلب الظن أن المومياء التي في مصر هي فرعون موسى، هذه إلى الآن موجودة، وقد أُخِذت إلى فرنسا لبعض الترميمات، أكرر وأقول: أغلب الظن أن هذه المومياء هي فرعون موسى، لقوله تعالى:

 

﴿ فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آَيَةً ﴾

﴿ وَاسْتَكْبَرَ هُوَ وَجُنُودُهُ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ إِلَيْنَا لَا يُرْجَعُونَ (39) فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ (40) ﴾

( سورة القصص )

﴿ قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ ثُمَّ انْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ ﴾

( سورة الأنعام )

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018