الدرس : 03 - سورة القصص - تفسير الآيات 14 - 28 - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الدرس : 03 - سورة القصص - تفسير الآيات 14 - 28


1990-05-25

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد، الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علما، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.

تذكير بالآيات السابقة:

1 – نقلة زمنية في قصة موسى:

 أيها الإخوة المؤمنون، مع الدرس الثالث من سورة القصص، وقد انتهينا في الدرس الماضي من الحلقة الأولى من حلقات هذه القصة، والآيات التي بعدها تنتقل فجأةً، وتخطو خطوةً واسعة فتغفل العمر الذي نشأ فيه سيدنا موسى.

 

2 – رجوع موسى إلى أمه:

 

﴿ فَرَدَدْنَاهُ إِلَى أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلَا تَحْزَنَ وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾

(القصص )

 كان موسى رضيعاً.

 

﴿ وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى﴾

 

( القصص: من الآية 14)

3 – بلوغُ موسى الأشدَّ وإتيانه حكما وعلما:

 أشده من حيث البُنية الجسمية، والاستواء من حيث النضج العقليِّ، وقال المفسرون: " هو سن الثلاثين "، وقال بعضهم: "سن الأربعين ".

﴿ وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى آَتَيْنَاهُ حُكْماً وَعِلْماً وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ ﴾

(القصص )

4 – خروج موسى من القصر:

 إذاً: كان في نشأته محسناً، هكذا وصفه الله عزّ وجل، يا تُرى هل بقي عند فرعون ؟ هل استطاع هذا النبي العظيم أن يحتمل ما في قصر فرعون من ادعاءٍ بالكفر والأُلوهيَّة والظلم ؟
 هناك استنباطاتٌ دقيقة تشير إلى أن سيدنا موسى لم يحتمل أن يبقى في قصر فرعون، بل خرج من قصره، وفي الآيات التالية إشاراتٌ دقيقةٌ إلى أنه خرج من قصر فرعون.
 على كلٍ، نحن الآن في القصَّة أمام فجوة، وهذه الفجوة يسميها كُتَّاب القصة: " الفجوة الفنية "، لأن الأحداث في القصة لا تُذكر إلا إذا كانت في خدمة مغزى القصة، فإذا كانت الأحداث عبئاً على القصة من حيث البلاغة، ومن حيث عمل الفن القصصي فلابدَّ أن تُغْفَل، لذلك ربنا سبحانه وتعالى بعد أن ردّه إلى أمه قال:

﴿ وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى﴾

 وحينما بلغ أشدَّه واستوى..

﴿ آَتَيْنَاهُ حُكْماً وَعِلْماً وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ ﴾

5 – قانون عام: وَكَذلكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ

 وهذا التعليق ـ كما قلت في الدرس الماضي ـ قَلَب القصة إلى قانون، بل قلبها إلى سنةٍ من سنن الله الثابتة، فالمحسن له عند الله مكافأةٌ عظيمة، من هذه المكافأة أن يعلِّمه العلم، ويؤتيه الحُكم.

﴿ وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ﴾

(القصص )

وَدَخَلَ المَدِينَةَ عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِهَا

1 – دخول موسى المدينة على حين غفلة من أهلها:

 لم يقل اللهُ عزَّ وجل: ودخل المدينة في غفلةٍ من أهلها، المقصود أن يدخلها على حين غفلةٍ من أهلها، لأنه يبدو أنه خرج من قصر فرعون، لأنه لم يحتمل ما يجري في هذا القصر، يبدو أنه خاطَبَهُ، وناقشه، يبدو أنه أُبعد، إذاً لم يستطع أن يدخل المدينة.

2 – ما هي المدينة المقصودة في الآية ؟

 المدينة هي العاصمة، قالوا: مصر، وقالوا: عين شمس، أي عاصمة فرعون، لم يستطع أن يدخل المدينة إلا على حين غفلةٍ من أهلها، في وقت القيلولة، والناس كلهم نيام، أو أكثرهم نيام.

﴿ وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِهَا فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلَانِ هَذَا مِنْ شِيعَتِهِ﴾

3 – سكان مصر من بني إسرائيل كانوا من سلالة يوسف:

 قلت لكم في درسٍ سابق: إن سيدنا يوسف عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام حينما استقدم أهله من الشام، من فلسطين، وأقام في مصر، فبنو إسرائيل توالدوا في مصر، وبلغوا أعداداً كبيرة، إلا أنَّهُم كانوا جميعاً يدينون بدين أبيهم إبراهيم، بينما فرعون كان يدَّعي الأُلوهية، وأتباعه معه يقبلون ذلك، إذاً هناك تناقضٌ بين بني إسرائيل في عقيدتهم الربَّانية، وبين فرعون وقومه في عقيدتهم الوثنية، هذا التناقض جعلهم مستضعفين في الأرض.

﴿ وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِهَا فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلَانِ هَذَا مِنْ شِيعَتِهِ وَهَذَا مِنْ عَدُوِّهِ﴾

حادثة قتل موسى للرجل الفرعوني انتصارا للإسرائيلي: دروس وعبر:

 من شيعته أي: أنه إسرائيلي، ومن عدوه أي: أنه قبْطي، وقد قال بعض المفسرين: " إنه يعمل في قصر فرعون "، بل إنهَّ طبَّاخ فرعون، وبعضهم قال: " نجارٌ في قصر فرعون أو خباز ".

﴿ هَذَا مِنْ شِيعَتِهِ وَهَذَا مِنْ عَدُوِّهِ فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ﴾

1 – موقف الإنسان من الظالم والمظلوم:

 فإذا وجد الإنسان ظالماً ومظلوماً فله موقفان: الموقف الأسهل أن يبتعد عنهما، ويقول: لا شأن لي بذلك، والموقف الأصعب والأقرب إلى الحق أن تكون مع المظلوم ضدَّ الظالم، إذاً: هذه بطولة من هذا النبي الكريم، بإمكانه أن يبتعد، بإمكانه ألا يستجيب، بإمكانه أن يقول: ما شأني بهما ؟ ولكنَّه أراد أن يحقَّ الحق، وأراد أن يعين المظلوم، وأراد أن يأخذ على يدي الظالم، لذلك النبي عليه الصلاة والسلام قال:

 

(( انْصُرْ أَخَاكَ ظَالِمًا أَوْ مَظْلُومًا ـ تعجَّب أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام ـ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَذَا نَنْصُرُهُ مَظْلُومًا، فَكَيْفَ نَنْصُرُهُ ظَالِمًا ؟ مظلوماً أمر واضح ـ قَالَ: تَأْخُذُ فَوْقَ يَدَيْهِ ))

 

[ صحيح البخاري عَنْ أَنَسٍ رَضِي اللَّه عَنْه ]

2 – طباع الأنبياء لا تخرج عن طباع البشر، لكن في الحق فقط:

 فسيدنا موسى أمام رجلين، واحدٍ من شيعته يبدو أنه مستضعف، وقيل: إن هذا القِبْطيِّ يريد أن يكلفه عملاً شاقاً بلا مقابل.

﴿ فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسَى﴾

 سيدنا موسى له طبعه، كان حادَّ الطبعِ،

﴿ وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ﴾

(الأعراف: من الآية 150)

 وهذا في سورة أُخرى، كان حاد الطبع، كان شديد الغضب للحق، طبعاً المؤمن إذا غضبَ غضِبَ للحق، والنبي عليه الصلاة والسلام لا تغضبه الدنيا، إلا أنه كان يغضب لله عزّ وجل، والمؤمن لا يغضب لأجل الدنيا، ولكن إذا رأى أن حرمات الله قد انتهِكَت فإنه يغضب، وهذا الغضب المقدس، والذي لا يغضب لله ليس مؤمناً، بل إنَّ من كمال الإيمان أن تغضب لله، وأن ترضى لله، وأن تُعطي لله، وأن تمنع لله، وأن تصل لله، وأن تقطع لله.

﴿ فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ﴾

3 – من مظاهر تخلُّف المسلمين نكوصهم عن نصرة المظلوم:

 إن من مظاهر تخلُّف المسلمين نكوصهم عن نصرة المظلوم، فلو فرضنا أنه كان في مركبة عامة إنسان معتدٍ، وإنسان معتدًى عليه، لا أحد يتكلم، ولا أحد ينبس ببنت شفة، ولو أن الناس نصروا الحق لرضي الله عنهم، وبعض الناس يقول: ما لي ولهذا الأمر ؟ من ترك الفُرَجْ نال الفَرَج، هكذا يقولون، لكن سيدنا موسى وقف الموقف المشرف.

﴿ فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ﴾

 لكن الإنسان ليس مكلفاً أن يلقي بيديه إلى التَهْلُكة، أما إذا كان بإمكانه أن ينصر الحق فليفعل، فإن الله سبحانه وتعالى يحبه، بل إن:

(( عَدْل ساعةٍ خيرٌ من عبادةِ ستين عاماً ))

(الترغيب والترهيب عن أبي هريرة بسند ضعيف)

4 – الأصل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر:

 ذلك هو الحد الأدنى، فأحياناً يجري حادث، حادث سير مثلاً، يُدعى أُناسٌ للشهادة بما رأوا فيرفضون، مع العلم أن الإنسان الذي ينسحب من المجتمع لا يقدِّم شيئاً، بلى إنه يضنُّ بالشهادة، يضن أن يشهد بما رأى، فإذا شهد بما رأى أحقَّ حقاً، وأبطل باطلاً، قد لا يفعل، وهذا الإنسان الذي لا يفعل شيئاً لا يقدِّم خدمةً، لا يُدْلي برأيٍ، لا يشهد بما رأى، فهذا إنسان انسحب من المجتمع، والأفضل أن تخالط الناس، وأن تصبر على أذاهم، وهذا أفضل ألف مرة من ألا تخالطهم، وألا تصبر على أذاهم، والنبي عليه الصلاة والسلام يقول:

 

(( اصنع المعروف مع أهله ومع غير أهله، فإن أصبت أهلَهُ أصبت أهله، وإن لم تُصِب أهله فأنت أهله ))

 

(الجامع الصغير بسند ضعيف)

 لا يُزَهِّدنَّك في فعل المعروف ألاّ يقَدِّر الناس هذا المعروف، سيدنا عمر رضي الله عنه حينما سأل عن معركة القادسية قال رسولٌ جاء منها قال: " يا أمير المؤمنين، مات خلقٌ كثير، فقال: من هم ؟ اذكرْ لي أسماءهم، قال: إنَّك لا تعرفهم، فبكى عمر بكاءً شديداً، وقال: وما ضرَّهم أني لا أعرفهم إذا كان الله يعرفهم ؟ ".
 ومن أنا ؟؟

 

(( اصنع المعروف مع أهله ومع غير أهله، فإن أصبت أهلَهُ أصبت أهله، وإن لم تُصِب أهله فأنت أهله ))

 سيدنا موسى وقف الموقف الصعب، وقف الموقف الذي له ثمن، وقد يكون الثمنُ باهظاً، وقد يكون الثمن أنه خرج من المدينة خائفاً، وهذا الذي حصل، وقد كان الثمن أنه قد أُهدِر دمه.

 

﴿ فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ﴾

5 – قوة موسى الجسمية:

 سيدنا موسى لم يُرِد قتله، لكنه كان قوي البنية، آتاه الله بُنيةً قوية، وآتاه نفساً حادةً، كان يغضب لله، والنبي عليه الصلاة والسلام يقول:

 

(( الْمُؤْمِنُ الْقَوِيُّ خَيْرٌ وَأَحَبُّ إِلَى اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِ الضَّعِيفِ، وَفِي كُلٍّ خَيْرٌ، احْرِصْ عَلَى مَا يَنْفَعُكَ، وَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ، وَلا تَعْجَزْ، وَإِنْ أَصَابَكَ شَيْءٌ فَلا تَقُلْ: لَوْ أَنِّي فَعَلْتُ كَانَ كَذَا وَكَذَا، وَلَكِنْ قُلْ: قَدَرُ اللَّهِ، وَمَا شَاءَ فَعَلَ، فَإِنَّ لَوْ تَفْتَحُ عَمَلَ الشَّيْطَانِ ))

 

( صحيح مسلم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ )

 والقوي.. لم يقل الغني، فالغنى قوَّة، والقوة العضلية قوة، والعلم قوة، والشهادة العُليا قوة، والمركز الحساس قوة:

 

(( الْمُؤْمِنُ الْقَوِيُّ خَيْرٌ وَأَحَبُّ إِلَى اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِ الضَّعِيفِ ))

 فكلما ازدادت قوَّتك اتسعت رقعة عملك الصالح.

 

﴿ فَوَكَزَهُ مُوسَى﴾

فَوَكَزَهُ مُوسَى

1 – معنى الوكز:

 معنى وكزه أي: ضربه بمجمع يده على صدره.. وشاءت القدرة الإلهية أن تكون هذه الضربة هي القاضية، لم يقل: فقتله، لأنه ما أراد قتله، لكن فقضى عليه، أي: وقع ميّتاً، قال تعالى:

﴿ فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ﴾

2 – قتلُ الخطأ:

 هذا اسمه القتل الخطأ، لأنه ليس هناك نيةٌ في القتل إطلاقاً، أراد أن يبعده عنه، أراد أن يدفعه عنه، فكانت هذه الضربة قاضية.

﴿ فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ قَالَ هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ﴾

هَذَا مِن عملِ الشَّيْطَان

1 ـ معنى: هَذَا مِن عملِ الشَّيْطَان:

 فالأكمل والأرجح أن نفسِّر هذه الآية بأن هذا الذي اعتدى، ولقي من هذا النبي الكريم هذه الضربة، هذا من عمل الشيطان، أي: أنه سار مع الشيطان، فخاصم هذا المستضعف، فاستحقَّ هذا الجزاء، هذه الآية تُقَاس عليها مشاهد كثيرة، إذا رأيت إنساناً قد أُعدم شنقاً لجريمةٍ ارتكبها، أو لسرقةٍ سطا فيها، فانتهت به هذه السرقة إلى القتل فأُعدم، فإن هذا من عمل الشيطان، وهذا الذي أَسْرَف في شهواته، فأصيب بالمرض العضال فقل: هذا من عمل الشيطان، وهذا الذي سرق فقُطعت يده هذا من عمل الشيطان، وهذا الذي شَرِبَ الخمرة، فضاع صوابه فقتل أحبَّ الناس إليه، هذا من عمل الشيطان.

 

2 ـ كل مشكلة ومصيبةٍ بسبب معصية الله تعالى:

 ما من مشكلةٍ أو مأساةٍ أو مصيبةٍ تقع في الأرض إلا بسبب معصيةٍ لله عزّ وجل، وما من معصية لله عزّ وجل إلا بسبب جهلٍ، وسببٍ آخر هو وسوسة شيطانٍ، فسيدنا موسى قال: هذا من عمل الشيطان، وكل واحد منا إن رأى إنساناً يدفع الثمن باهظاً لخطيئته، لجريمته، لانحرافه، لمعصيته، لاختلاس أموال الناس بالباطل فلك أن تقول قياساً على قول هذا النبي الكريم:

 

﴿ هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ ﴾

 الله عزّ وجل قبل أن يأتي بآدم عليه السلام إلى الأرض لقَّن ذرِّيته من بعده درساً لا ينسى.

﴿ أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آَدَمَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (60) وَأَنِ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ (61) ﴾

 أنت إما أن تكون عبداً لله، وإما أن يكون الإنسان عبداً للشيطان، إن لم تكن عبداً لله فلابدَّ من أن تكون عبداً لجهةٍ أخرى، وليست العبودية إلا لله، وما سوى الله فهو الشرك.

﴿ قَالَ هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ﴾

إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ

1 – الجهل من أعدى أعداء الإنسانِ:

 لكن لا تنسوا أيها الإخوة أن الجهل أعدى أعداء الإنسان، بل إن الجاهل يفعل بنفسه ما لا يستطيع عدوُّه أن يفعله به، "إذا أردت الدنيا فعليك بالعلم، وإذا أردت الآخرة فعليك بالعلم، وإذا أردتهما معاً فعليك بالعلم، والعلم لا يعطيك بعضه إلا إذا أعطيته كلَّك، فإذا أعطيته بعضك لم يعطك شيئاً ".

﴿ قَالَ هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ ﴾

﴿ الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ﴾

( سورة البقرة: آية "268 )

2 – الشيطان عدو الإنسان:

 الشيطان يقول على الله ما لا تعلمون، يوسوس، الشيطان يقول حينما يقع الإنسان، ويدفع الثمن باهظاً: إني أخاف الله رب العالمين.

﴿ وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾

( سورة إبراهيم )

﴿ قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي﴾

( سورة القصص: آية: " 16 )

قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي

 أي أوقعتها في مشكلة، أوقعتها في تهمة القتل، أوقعتها في الملاحقة:

﴿ قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ﴾

 الله سبحانه وتعالى ربّ النيات، فهو يعلمها، ولا تخفى عليه مع أنها نيات.

 

﴿ وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى ﴾

 

( سورة طه )

 يعلم أن هذا النبي ما أقْدَمَ على وَكزِ هذا القبطي إلا انتصاراً للحق، وإلا دفعاً للباطل، وإلا نصرةً لهذا المظلوم، يعلمُ النيَّة، وإن كان عمله قد انتهى بقتل هذا القبطي، ثم قال:

﴿ قَالَ رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيراً لِلْمُجْرِمِينَ ﴾

( القصص )

عدم إعانة الظالم: فَلنْ أَكُونَ ظهِيرًا لِلْمُجْرمِينَِ

1 – معنى: ظهيرًا:

 معنى ظهيراً: أي: معيناً، يقول ربنا سبحانه وتعالى:

﴿ وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ ﴾

(سورة المائدة )

2 – تحريمُ إعانة الظالم:

 إذا قدمت قلماً لإنسانٍ ظالم ليوقِّع به فقد شاركته في الإثم، إذا هززت برأسك، وقلت له: نعم افعل، يستحق ذلك فقد شاركته في الإثم.

 

(( من أعان ليدحضَ بباطله حقًّا فقد برئت منه ذمةُ الله و ذمّةُ رسولِه ))

 

[ الجامع الصغير عن ابن عباس بسند حسن]

(( من أعان ظالماً سلَّطه الله عليه ))

[ الجامع الصغير عن ابن مسعود بسند موضوع]

﴿ وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾

( سورة المائدة: من الآية 2)

 أي: أنك إذا قدمت بيتاً ليُفعل فيه الفاحشة تحت غطاء أُجرة فهذه معاونة، إذا قدمت بناءً ليكون مكاناً لمعصية فهذا تعاون على الإثم والعدوان، لا تُعِنْ أحداً على معصية الله، لا بلسانك، ولا بيدك، ولا بمالك.

﴿ قَالَ رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيراً لِلْمُجْرِمِينَ ﴾

( القصص )

 هذا هو المؤمن، هذا حال المؤمن.

 

3 – الخوف شيءٌ مِن جبلّة الإنسان:

 لكن حينما وقع هذا القبطي ميتاً إثر وكزةٍ من سيدنا موسى أصبح في المدينة خائفاً، هنا في هذا الآية إشارة إلى أن الخوف شيءٌ من جِبِلَّة الإنسان، ولا علاقة له بالإيمان، وموسى عليه الصلاة والسلام نبيٌ عظيم من أُولي العزم، ومع ذلك خرج خائفاً، الخوف يخلقه الله عزّ وجل، والأمن يخلقه الله عزّ وجل، لكن في الأصل في بعض الآيات ربنا عزّ وجل يقول:

 

﴿ فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (81) الَّذِينَ آَمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ(82)﴾

( سورة الأنعام )

4 – قد يخاف المؤمن:

 الأصل أن المؤمن يُنْعِمُ الله عليه بنعمة الأمن، ولكن هذا لا يعني أن المؤمن لا يخاف، قد يخاف، لأن الله عزّ وجل يريد أن يمتحنه.

﴿ إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعاً (19) إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعاً (20) وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعاً (21) إِلَّا الْمُصَلِّينَ (22) ﴾

( سورة المعارج )

 الأصل أن المؤمن لا يخاف إلا من الله عزّ وجل، الأصل كذلك أن المؤمن لأنه لا يقع في الظلم فلا يخاف، ولكن هذا لا يعني أن الله سبحانه وتعالى لن يبتليه بشيءٍ من الخوف، والله سبحانه وتعالى يقول:

 

﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ ﴾

 

(سورة البقرة )

 فالخوف أحياناً علاج للنفس، والخوف أحياناً يلجئُ الإنسان إلى طاعة الله، الخوف قد يلجئُ إلى باب الله عزّ وجل، إلى مزيدٍ من طاعته، على كلٍ، لا يُعَدُّ الخوف نقصاً في إيمان الإنسان، لأن هذا النبي الكريم من أُولي العزم.
 الآن ربنا عزّ وجل قال:

﴿ فَأَصْبَحَ فِي الْمَدِينَةِ خَائِفاً يَتَرَقَّبُ﴾

( القصص )

فَأَصْبَحَ فِي المَدِينَةِ خَائِفًا يَتَرَقَّبُ

الخوف بين العقاب والتربية:

 لكن هذا الخوف أراده الله عزّ وجل لحكمةٍ بالغة، أي: أن هناك خوف تَرْقية، كما أن هناك خوف عقابٍ، قال ربنا عزّ وجل:

﴿ سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُوا﴾

( سورة آل عمران: آية 151 )

 فالرعب أحياناً عقاب، وأما الخوف إذا أصاب الصالحين، وأصاب المؤمنين، وأصاب الأنبياء المرسلين فهو خوف ترقية، إما أن يكون عقاباً، وإما أن يكون ترقية، على كلٍ..

﴿ إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعاً (19) إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعاً (20) وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعاً (21) إِلَّا الْمُصَلِّينَ(22)﴾

( سورة المعارج )

 من طبيعته الخوف أن يدفع المؤمن إلى باب الله عزّ وجل.

﴿ فَأَصْبَحَ فِي الْمَدِينَةِ خَائِفاً يَتَرَقَّبُ﴾

 يترقب أن يُلقى القبض عليه، يترقب أن يُفضَح أمره، يترقب أن تكشف،هذه المشكلة التي حصلت.

﴿ فَإِذَا الَّذِي اسْتَنْصَرَهُ بِالْأَمْسِ يَسْتَصْرِخُهُ﴾

مفاجأة من غير ميعاد: فَإِذَا الّذِي اسْتَنْصَرَهُ بِالأَمْسِ يَستَصْرِخُهُ

 هو نفسه هذا الإسرائيلي.

﴿ فَإِذَا الَّذِي اسْتَنْصَرَهُ بِالْأَمْسِ يَسْتَصْرِخُهُ﴾

 سيدنا موسى استنبط أن هذا الرجل البارحة اعتدى عليه القبطي فنصره، واليوم يعتدي عليه قبطيٌ آخر، لعلَّه قد انحرف عن الطريق الصحيح حتى استحقَّ أن يُسَلِّط الله عليه هذا وذاك:

﴿ قَالَ لَهُ مُوسَى إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ ﴾

فما كان جوابُ موسى إلاّ أنْ قَالَ لَه: إْنَّكَ لَغَوْيٌّ مُبِينٌ

 قلنا: مرة واحدة، وهذه مرة ثانية !! لأن الظالم سوط الله ينتقم به، ثم ينتقم منه.

﴿ وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضاً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ ﴾

( سورة الأنعام )

 فعندما يقع تسليطٌ مستمرٌ يكون كما قيل: إذا عصاني من يعرفني سلَّطت عليه من لا يعرفني "، هناك تسليط، أمَّا المؤمنون..

 

﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً ﴾

 

(سورة النساء )

﴿ رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾

( سورة الممتحنة: آية 5 )

 أي: يا رب، نسألك ألا نقع في ذنب نستحق معه أن يُفْتَنَ بنا الذين كفروا، فيظلموننا، أي: أن سيدنا موسى استنبط من العدوان المستمر أن هذا الذي من شيعته غويٌ مبين.. قال له موسى:

﴿ إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ ﴾

 فقال هذا القبطي:

﴿ يَا مُوسَى أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْساً بِالْأَمْسِ﴾

من استنباطات الآية:

1 – انكشافُ أمرِ موسى في قتله القبطي:

 صاح بأعلى صوته، كيف عرف هذا القبطي أن موسى قد قتل قتيلاً البارحة ؟ قال بعض المفسرين: " إن هذا الذي من شيعة سيدنا موسى حينما استنصر سيدنا موسى فقتل هذا القبطي، فامتلأ قلبه فرحاً، وربما أشاع ذلك بين إخوةٍ له، بين أقارب له، هذا الخبر سرى، فلما رأى القبطي سيدنا موسى مقبلاً عليه تذَكَّر ما قد روي البارحة فقال:

﴿ قَالَ يَا مُوسَى أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ َفْساً بِالْأَمْسِ إِنْ تُرِيدُ إِلَّا أَنْ تَكُونَ جَبَّاراً فِي الْأَرْضِ وَمَا تُرِيدُ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْمُصْلِحِينَ ﴾

2 – موسى عليه السلام معروف بالصلاح:

 كذلك هناك استنباط آخر، هو أن سيدنا موسى هذا النبي العظيم قد عُرِف بالصلاح، والله سبحانه وتعالى يقول:

﴿ فَاتَّقُوا اللَّهَ َأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ﴾

(سورة الأنفال: آية 1 )

 أي: أصلح بيننا، لماذا تريد أن تقتلني ؟ وكلمة

﴿ جَبَّاراً فِي الأَرْضِ ﴾

 لا تعني أنه جبَّار، سيدنا موسى أراد أن ينتصر للحق، ولكن هذا القبطي خاف القتل والموت، فوصَمَ هذا النبي العظيم بأنه جبَّار، وهذا ليس صحيحاً، على كلٍ امتنع سيدنا موسى عن قتل القبطي، وسار في حال سبيله كما يقولون، وشاع الخير بعد أن قال القبطي بأعلى صوته:

﴿ قَالَ يَا مُوسَى أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْساً بِالْأَمْسِ إِنْ تُرِيدُ إِلَّا أَنْ تَكُونَ جَبَّاراً فِي الْأَرْضِ وَمَا تُرِيدُ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْمُصْلِحِينَ ﴾

 كان الخبر يُتناقل همساً، فإذا به صار خبراً عياناً، وصار حديثاً يُروى في أطراف المدينة، إذاً لابدّ من أن يلقى القبض على سيدنا موسى ليحاسَب.

﴿ وَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعَى﴾

( القصص: آية 20 )

بداية قصة فرار موسى من مصرَ:

نصيحةُ رجل لموسى بالخروج من مصر:

 هذا الرجل هو مؤمن آل فرعون، وقيل: إنه ابن عم فرعون، ويبدو أنه يعرف هذا النبي العظيم، ولم يكن بعدُ قد أُرسل.

 

﴿ وَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعَى قَالَ يَا مُوسَى إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ﴾

 أي: أن هناك تبييتٌ لقتلك.

 

﴿ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ ﴾

 أي: أصبح سيدنا موسى مهدورَ الدم، وسيدنا محمد عليه الصلاة والسلام حينما عاد من الطائف هُدِرَ دمه، فأرسل سيدنا زيداً إلى فلان وفلان وفُلان في مكة ليدخل في حمايتهم، فرفضوا جميعاً إلا واحداً، لم يرض أحدٌ غيره، وهو المُطْعِمُ بن عديّ قبل أن يدخل النبي في حمايته، والنبي كان وفياً له أشدَّ الوفاء، وقد بقي مشركاً، حينما استعرض أسرى بدرٍ قال:

 

(( لَوْ كَانَ مُطْعِمُ بْنُ عَدِيٍّ حَيًّا ثُمَّ كَلَّمَنِي فِي هَؤُلاَءِ النَتْنَى لأَطْلَقْتُهُمْ لَهُ ))

 

(أبو داود عن جبير بن مطعم )

 إكراماً له.
 سيدنا موسى الآن مهدور دمه.

﴿ فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفاً يَتَرَقَّبُ قَالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ﴾

 أي: يبدو أنه قد عاين من ظلمهم الشيء الكثير.

 

توجُّهُ موسى إلى مدين:

 الآن:

 

﴿ وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقَاءَ مَدْيَنَ﴾

( القصص: آية 22 )

1 ـ من مصر إلى مدين عبر الصحاري والوديان:

 تصوروا الآن مدين في شمال الجزيرة العربية، وسيدنا موسى الآن في مصر على ضفاف النيل، وسوف يمشي على قدميه، وقد سألت أحد أصدقائي الجُغْرافيين فقال: المسافة تزيد على ألفين وخمسمئة كيلو متر، من نهر النيل إلى خليج السويس، لا يستطيع أن يمشي في عمق الصحراء، لأن الصحراء مهلكة، فلابدّ من أن يمشي مُساحلاً، لابدّ من أن يسير على طرف خليج السويس، وأن يصعد على طرف خليج العقبة ليصل إلى شمال الجزيرة العربية، حيث لا سلطان لفرعون على هذه البلاد، إذاً أمامه مهمةٌ صعبة، يمشي في الليالي، وفي الصحارى لا طعام ولا شراب..

﴿ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾

( سورة البقرة: آية 216 )

2 ـ اللهُ خيرٌ حافظًا:

 أي: أن أحدنا إذا لاقى في حياته صعوبة، لاقى مشقة، لاقى عَنَتاً، لاقى بعداً عن أهله، وسفراً صعباً، وعانى من دخلٍ قليل، ومرضٍ وبيل، هذا شاءه الله عزّ وجل لحكمةٍ بالغة، إذا كنت مستقيماً على أمر الله فلا تخشَ أحداً، لأنَّ الله معك، ولابدّ من أن تنْكشفَ لك في المستقبل القريب الحكمة البالغة من ذلك.

﴿ وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ﴾

(القصص: آية 23 )

وصولُ موسى إلى مدين:

 وصل إلى مديَّن، وصل منهك القِوى، جائعاً، عارياً، مُتْعباً، مُجْهداً، خائفاً، قلقاً، في أعلى درجات التعب.

﴿ وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ﴾

(القصص: آية 23 )

1 – ورودُه ماء مدينَ:

 يبدو أن هناك بئراً، والناس يسقون أغنامهم من هذه البئر، والبئر تُؤَنَّث وتُذَكَّر..

﴿ وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأتَيْنِ تَذُودَانِ﴾

( القصص )

2 – امرأتان تذودان:

 امرأتان واقفتان بعيداً عن هؤلاء الرجال الرعاة، تذودان أغنامهما عن أن تختلط بأغنام الرعاة.

﴿ وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأتَيْنِ تَذُودَانِ﴾

3 – المروءة والعفة: مَا خَطِبُكُمَا ؟

 سيدنا موسى في أعلى درجات المروءة، في أعلى درجات الشهامة، في أعلى درجات حبِّ الخير، وهو في هذه الحالة من التعب والقلق، والخوف والجوع والعطش كَبُرَ عليه أن تقف امرأتان تذودان أغنامهما، تنتظران أن يرحل القومُ لتسقيا أغنامهما:

﴿ قَالَ مَا خَطْبُكُمَا﴾

( القصص )

 وليس في اللغة كلِّها كلمةٌ أشد اختصاراً، وأعظم أدباً، و أشد إيجازاً للقيل والقال من هذه الكلمة:

﴿ مَا خَطْبُكُمَ﴾

﴿ قَالَتَا لَا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ ﴾

( القصص )

4 – أقوال العلماء في البنتين:

 العلماء ليسوا على يقينٍ من أن هاتين البنتين ابنتا سيدنا شُعَيْب، بعضهم قال: " هو
 قريبٌ لسيدنا شعيب "،
وبعضهم قال: " هو سيدنا شعيب "، لأنه إذا كان نبياً، وله أصحابه أيعقل أن يَدَع ابنتيه ترعيان الغنم ؟ هذا استنباط، ليس في القرآن ما يُؤَكُّدُ أن هاتين البنتين ابنتا سيدنا شعيب، وإن كان بعض العلماء يقول: إنهما ابنتا سيدنا شعيب، على كلٍ:

﴿ قَالَ مَا خَطْبُكُمَا قَالَتَا لَا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ ﴾

( القصص )

من أحكام النساء:

 يستنبط من هذا:
 أن المرأة لا يصحُّ أن تُخَالط الرجال، ولا أن تزاحمهم، بل عليها أن تقف بعيداً عنهم.
 وعليها أيضاً ألا تخرج من بيتها لقضاء حوائج المنزل، إذا كان أبوها أو أخوها، أو زوجها رجلاً قوياً قادراً على كفايتها، أما إذا كان مريضاً فلها العُذر.

﴿ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ ﴾

 فهنا تعليل..

﴿ لَا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ﴾

 نحن لا نُزاحم الرجال أولاً، وثانياً: ما كنا لنخرج إلى هذا المكان لو أن أبانا شابٌ قوي، ولكنّ أبانا شيخٌ كبير، هذه هي العلة، فلو أنّ امرأة مات زوجها، وأولادها صغار، واضطرت إلى أن تخرج من بيتها لشراء حوائجها فمعها العذر الكافي، ولكنَّ امرأةً لها زوجٌ في البيت، وتخرج هي لتشتري اللحم والفاكهة والحاجات، وزوجها أو أخوها أو ابنها في البيت، فهذا ليس من أخلاق المسلمين.

﴿ فَسَقَى لَهُمَا﴾

( القصص: آية 24 )

رحمةُ موسى بالبنتين:

 قال بعض المفسرين: "إنه كان قويَّ البُنية، شديد الهيبة، حينما أقبل على الرعاة فسحوا له المجال، وسقى لهاتين البنتين غنمهما ".

﴿ ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ﴾

 ليستريح، ومعنى تولَّى إلى الظل، كان الوقت حاراً، وكان الوقت ظُهراً.

﴿ فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾

(القصص )

العبدُ فقير، والله هو الغني:

 أيها الأخ الكريم، خُلِقْتَ أنت في الدنيا للعمل الصالح، فالغنى هو غنى العمل الصالح، والفقر هو فقر العمل الصالح، والفقير الحقيقي من ليس له عملٌ صالح يلقى الله به، والغني الحقيقي من كان له عملٌ صالحٌ يُبَيِّضُ وجهه يوم القيامة، هذا هو الغِنى، وذاك هو الفقر، وسيدنا علي يقول: " الغنى والفقر بعد العرض على الله ".
 فسيدنا موسى فقير، لكن لماذا ؟ لمثل هذه الأعمال، والمؤمن الصادق إذا مضى عليه يومٌ من دون عملٌ صالح، من دون أمرٍ بالمعروف، من دون نهيٍ عن مُنكر، من دون إصلاح ذات البين، من دون أن يشفع في نزاع، من دون أن يوفِّق بين أمٍ وابنها، بين أخٍ وأخيه، من دون أن يعين مظلوماً، من دون أن يعين فقيراً، من دون أن يطعم جائعاً، من دون أن يكسوَ عارياً، إذا مضى عليه يومٌ من دون عملٌ صالح يعدُّه خسارةً في حياته.

﴿ فَسَقَى لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ ﴾

ويأتي الفرَج من حيث لا يُشَعَرُ به:

اهتمام البنتين بموسى عليه السلام لقوته وأمانته:

 هاتان البنتان رأتا في سيدنا موسى قوةً وأمانة، القوة واضحة، فعندما توجَّه أمام الرُعيان فسحوا له المجال، رأوه رجلاً شديداً قوياً، طويل القامة، عريضَ المِنْكبين، وتبدو أنه اكتملت عنده جميع صفات الرجولة والمروءة، والبنت عندها حاسةٌ سادسة بالغة الحساسية في معرفة ما إذا كانت نظرات هذا الإنسان خبيثةً أم بريئة، إن غضه لبصره وعفَّته الكاملة رفعته في أعينهما إلى مرتبة الأمانة، لذلك:

﴿ فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ﴾

(القصص: آية 25 )

فَجَاءَتْهُ إحْدَاهُمَا تَمْشي عَلَى استحيَاء:

1 – المرة كلها في حيائها:

 ما الذي يلْفِتُ نظر الرجل في المرأة ؟ حياؤها، ومن علامات قيام الساعة أن الحياء يُرفع من وجوه النساء، امرأةٌ وقحة تحدُّ النظر إلى الرجال، تمزح معهم.

 

2 – ويلٌ للديوث من النار:

 وتُرفع النخوة من رؤوس الرجال، زوجته على الشرفة بلباسٍ متبذِّل، وهو لا يتكلَّم كلمة، وقد قال عليه الصلاة والسلام:

 

 

(( ثلاثة لا يدخلون الجنة أبدا: الدّيّوث، و الرَّجُلَة من النساء، ومدمن الخمر، قالوا: يا رسول الله، أما مدمن الخمر فقد عرفناه، فما الدّيّوث ؟ قال: الذي لا يبالي من دخل على أهله، قلنا: فما الرَّجُلَة من النساء ؟ قال: التي تشبه بالرجال ))

 

(رواه الطبراني )

 هذا هو الديُّوث.

 

3 – من علامات الساعة رفع النخوة من رؤوس الرجال:

 من علامات قيام الساعة أن تُرفع النخوة من رؤوس الرجال، فتجده يمشي مع زوجته متباهياً بها، أي أنها جميلة وقد أحسن انتقاءها، انظروا إلى انتقائي، يتمنَّى أن تكون معه في أبهى زينة، يتمنى تجلس مع أصدقائه، يتمنى أن يكون اختلاط، هذا في بنص قول النبي ديوث، ولا يروح رائحة الجنة.
 إذاً من علامات قيام الساعة، أن ترفع النخوة من رؤوس الرجال، وأن يذهب الحياء من وجوه النساء، نساءٌ وقحات، وأن تذهب الرحمة من قلوب الأمراء، لا رحمة في قلب الأمير، ولا نخوة في رأس الرجل، ولا حياء في وجه المرأة، ويقول عليه الصلاة والسلام:

 

 

((إِذَا كَانَ أُمَرَاؤُكُمْ خِيَارَكُمْ، وَأَغْنِيَاؤُكُمْ سُمَحَاءَكُمْ، وَأُمُورُكُمْ شُورَى بَيْنَكُمْ فَظَهْرُ الأَرْضِ خَيْرٌ لَكُمْ مِنْ بَطْنِهَا، وَإِذَا كَانَ أُمَرَاؤُكُمْ شِرَارَكُمْ، وَأَغْنِيَاؤُكُمْ بُخَلاءَكُمْ، وَأُمُورُكُمْ إِلَى نِسَائِكُمْ فَبَطْنُ الأَرْضِ خَيْرٌ لَكُمْ مِنْ ظَهْرِهَا ))

 

[ سنن الترمذي عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ]

﴿ فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ﴾

4 – لعن الله المتشبهات بالرجال:

 أجمل ما في المرأة حياؤها، وحينما تفقد حياءها تفقد أنوثتها، وتصبح مسترجلة، فعَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ قَالَ: قِيلَ لِعَائِشَةَ رَضِي اللَّه عَنْهَا إِنَّ امْرَأَةً تَلْبَسُ النَّعْلَ فَقَالَتْ:

 

(( لَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الرَّجُلَةَ مِنَ النِّسَاءِ ))

 

[سنن أبي داود]

﴿ فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ﴾

 لعنها، بل لعن المتشبهات من النساء بالرجال، والمتشبهين من الرجال بالنساء.

﴿ فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ﴾

 علامة عفة المرأة حياؤها، ما الذي أعجبها فيه ؟ قوَّته وأمانته، وعفته.

﴿ فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ﴾

أعظِمْ بهذا الخطاب وأكرِمْ: إِنّ أَبِي يَدِعُوك لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا

 اسمعوا أيها الإخوة كيف تخاطب المرأة الرجل، في أبلغ قول، بكلام لا زيادة فيه، لا يحتمل جواباً:

 

﴿ قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ﴾

 إن أبي يدعوك على طعام الغداء مثلاً، يقول لها: ولماذا الدعوة ؟ تقول له: من أجل كذا وكذا، صار هناك حديث، وأصبح هناك سؤال وجواب، وأخذ وردّ، لا، هذا درس لكل المؤمنات، إذا دخلت امرأةٌ مؤمنة لتشتري حاجة يجب أن تقول القول الفصل من دون زيادة، ومن دون نقصان.

 

﴿ يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلاً مَعْرُوفاً ﴾

( سورة الأحزاب: آية 23 )

﴿ قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا﴾

(القصص: الآية25 )

 لا حاجة بعد لجواب أبداً، انتهى الأمر، كلامٌ لا جواب له، لا زيادة، ولا تكسّر، ولا استعطاف، ولا لين في الكلام، لا يحقُّ لامرأةٍ أن تكون في كلامها ليَّنةً إلا مع محارمها، لأن لينَ كلام المرأة يدعو إلى الشكِّ في أخلاقها، تخاطب بائعاً فتقول له: نحن جيرانك ؟ نحن كذا وكذا، هذا هو الفِسْقُ بعينه، إذا اضطرت المرأة أن تُخاطب أجنبياً فيجب أن تخاطبه بأوجزِ كلامٍ، وبأدقِّ عبارة، بكلامٍ لا يُشَمُّ منه رائحة إطلاقاً:

 

﴿قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا فَلَمَّا جَاءَهُ وَقَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ قَالَ لَا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ﴾

 سيدنا موسى يحتاج إلى أمن، لأنه خائف، والدليل:

 

﴿ فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفاً يَتَرَقَّبُ قَالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ﴾

( سورة القصص )

الانتقال من الخوف إلى الأمن:

﴿ قَالَ لَا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ﴾

 أي: أن هذه البلاد لا يطولُها حكْمُ فرعون..
 بعضهم ـ سامحهم الله ـ يقولون: إن موسى قتل قتيلاً، لو أنه قتل قتيلاً بالمفهوم المَدَنِيِّ، وفرعون يلاحق قاتل القتيل أيُعَدُّ ظالماً ؟ لا، ولكن هناك ظلمٌ شديد.

﴿ قَالَ لَا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ﴾

 طبعاً هاتان الفتاتان رأتا في سيدنا موسى رجلاً شهماً، قوياً، أميناً، تمنَّتا لو أن أباهما استأجره ليكون راعي غنمٍ عندهم.

 

من تمام العناية الإلهية: يا أَبَتِ اسِتَأْجِرْهُ

 

﴿ قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ﴾

( القصص: آية 26 )

 واللهِ هذا مناسب جداً، لأنا نحن ضعاف، فقد سقى الغنم، وأهاب الناس، وكان عفيفاً، وكان، وكان، وقد يُفهم أن عفَّته وأمانته وقعتَا في نفس إحداهما موقعاً حسناً.

﴿ قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ﴾

من صفات الحاكم والوالي: القوة والأمانة:

مِن استنباطات سيدنا عمر بن الخطاب:

 وقد قلت لكم في درسٍ سابق: " إن سيدنا عمر استنبط من هذه الآية حكماً، فحينما عيَّن أحد الولاة قال له: " اذهب إلى عملك، واعلم أنك مصروفٌ رأس سَنَتِك، وأنك تصير إلى أربع خلال: فاختر لنفسك، إن وجدناك أميناً ضعيفاً استبدلناك لضعْفك، وسلَّمَتْك من معرتنا أمانتك، وإن وجدناك خائناً قوياً استهنا بقوَّتك، وأوجعنا ظهرك، وأحسنا أدبك، وإن جمعت الجُرْمَين جمعنا عليك المضرتين، وإن وجدناك أميناً قوياً ـ استنباطاً من هذه الآية ـ زدناك في عملك ".
 فكل أخ إذا كان عنده موظَّف، إذا كان عنده مَن يعينه في أعماله، وكان قوياً أميناً فهو أثمن من الذهب، أغلى من كل شيء أن يكون معك إنسانٌ قويٌ أمين، القوة ترمُزُ إلى الكفاءة، والأمانة للإخلاص، ذو كفاءةٍ عالية، وإخلاصٍ شديد، قويٌ في اختصاصه، أمينٌ في أخلاقه.

﴿ قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ﴾

زواج موسى بإحدى البنتين مقابل العمل: استنباطات وعبر:

 الله عزّ وجل لحكمةٍ بالغة جعل المرأة ذات حياءٍ شديد، لعلَّها تمنَّت أن يكون زوجاً لها، ولكن لم تقل: يا أبت زوجني إياه، المرأة أساس بنيتها النفسية الحياء، فعَّبرت عن رغبتها بشكلٍ لطيفٍ جداً، ويبدو أن أباها سيدنا شعيب على أرجح الروايات عرفَ ما أرادت، فكان جوابه:

﴿ قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ﴾

( القصص: آية 27 )

1 – جواز عرضِ الرجل ابنتَه للزواج:

 وهناك استنباطٌ دقيق، في عصور التأَخُّرِ والتخلُّف يرى الناس أنه من العارِ أن يعرضَ الإنسان ابنته على شابٍ توسَّم فيه خيراً، لكن هذا شيءٌ طبيعيٌ جداً، فأحياناً ينشأ زواجٌ ميمون، مبارَك، ويسعَدُ فيه الزوجان لكلمةٍ قالها أحد أولياء الأُمور، لذلك من مشى بتزويج رجلٍ بامرأةٍ كان له بكل كلمةٍ قالها، وبكل خُطوةٍ خطاها عبادةُ سنةٍ قام ليلها وصام نهارها:

﴿ قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ﴾

 وقوله تعالى:

﴿ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ﴾

2– جواز النظر إلى المخطوبة:

 لك أن تنظر إلى المخطوبة، من حَقِّ الخاطب، انظرْ إليها لماذا ؟ من أجل أن يؤدَمَ بينكما، هل نظرت إليها ؟ من حق الخاطب أن ينظر إلى مخطوبته، والأب الذي يرفضُ ذلك أبٌ جاهل، الشرعُ أجدَرُ أن يُتَبع، إذا خطب أحدٌ فتاةً له أن ينظر إليها، ولكن لا ينبغي أن ينظر إليها قبل كلِّ شيء، هناك عقبات، فإذا تفاهم الطرفان على كل شيء فعندئذٍ ينظر إليها، أما لمجرد أن يخطبها يطلب أن ينظر إليها، ولا زالت هناك عقبات غير متفق عليها، فإذا اتفق الطرفان على كل شيء من حقِّ الخاطب أن ينظر إلى مخطوبته، أن يرى وجهها وكفَّيْها، هكذا الشرع، وهناك حالات نادرة، فإذا كانت رؤية المخطوبة تسبب إحراجاً لها أو إزعاجاً لها، أو رآها خطابٌ كثيرون فلم يقبلوا بها، فحرصاً على سلامة قلبها وصدق شعورها هناك حديث آخر:

 

(( إذا أراد أحدكم الزواج فليولج بصره ))

 

(ورد في الأثر)

 أيْ: فلينظر إليها بإذن أهلها، ومن دون أن تدري إذا كان النظر يؤدِّي إلى حساسية، على كلٍ فإن نظر الخاطب للمخطوبة من الشرع.

﴿ قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى﴾

 هذا الإيجاب..

﴿ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ﴾

 أن تعمل عندي راعياً للغنم ثماني سنوات.

﴿ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْراً فَمِنْ عِنْدِكَ﴾

3– وجوب المهر مهما كان نوعه:

 هذا إحسان، فالعدل ثمانٍ، والإحسان عشْرٌ، وهذا هو المهر، وأيّ عقد زواجٍ من دون مهرٍ فهو فاسد، يُصَحَّحُ بمهر المثل، وهذا هو الإيجاب.

﴿ قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ﴾

 هذا الإيجاب، أما المهر:

﴿ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ﴾

4– الأصلُ في التزويج التيسيرُ على الخاطب:

 إشارةٌ لطيفةٌ جداً لأولياء الأمور، لا تُكَلِّف خاطب ابنتك ما لا يُطيق، لا تعْنَد، لا تهتم بالمظاهر، لا تهتم بأقوال الناس، ولا سيما في هذا الوقت، فقد سمعت عن أهل بلدةٍ اجتمعوا جميعاً، واتفقوا على أن كل خاطبٍ يخطب فتاةً لا يُطالب إلا بشيئين يسيرين زهيدي القيمة، وإلا إذا كان ثمن الذهب عقبةً كؤودًا، ولابدّ من أن تقدِّم كذا وكذا وَكذا، ويكون البيت له هذه الصفات، كذا غرفة، والأثاث كذا صفاته، هذه الآن كلها عقباتٌ تعجيزية، لذلك عَنْ أَبِي حَاتِمٍ الْمُزَنِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

 

(( إِذَا جَاءَكُمْ مَنْ تَرْضَوْنَ دِينَهُ وَخُلُقَهُ فَأَنْكِحُوهُ، إِلَّا تَفْعَلُوا تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَإِنْ كَانَ فِيهِ، قَالَ: إِذَا جَاءَكُمْ مَنْ تَرْضَوْنَ دِينَهُ وَخُلُقَهُ فَأَنْكِحُوهُ، ثَلَاثَ مَرَّاتٍ ))

 

(الترمذي)

 فيحلُّ السفاح محلَّ النكاح، وكلَّما ضاقت سبل الزواج اتسعت سُبُل الزنا، لابدّ من أن يكون لهذا الموضوع حل، والحل بيد أولياء الأُمور، يجب أن تقبلَ بغرفةٍ واحدة، إذا كان الشاب مؤمناً صادقاً يجب أن تُعِيَنه، وأن يكون قول سيدنا شعيب نبراساً لك:

﴿ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ ﴾

5 – تواضعْ مهما كنت صالحًا:

 شيء آخر في الآية، كأن يقول لك: أنا.. ألا تعرفني ؟ لا، لم أعرفك، هناك شخص مُعْتَد بنفسه، هذا نبيٌ كريم في أرجح الروايات قال:

﴿ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ ﴾

 أنا " إن شاء الله " أسرُّك، جملة " إن شاء الله "، فيها أدب جميل، فيها تواضع لله عزّ وجل، ليس فيها اعتداد بالنفس، وليس فيها كبر.

 

﴿ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾

 

﴿ قَالَ ذَلِكَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ﴾

 هذا القبول، الآن في عقود القِران يطلب كاتب العقد من أب الفتاة أن يجلس، ويُمسك بيدِ خاطب ابنته، ويقول: قل له: زوجتك ابنتي كذا وكذا بحكم الولاية عليها، والوكالة عنها، إلى آخره، وبعدها يقول له: قبلت، فالزواج إيجاب وقبول ومهر، وشاهدا عدل:

﴿ قَالَ ذَلِكَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ﴾

(القصص: آية 28 )

من لطائف الآية:

1 – دعوا الأمور للرجال والمظاهر للنساء:

 وفي هذه الآية إشارة لطيفة جداً، أي: دعِ الأمر بين الرجال، فإذا وصل إلى النساء فالأمر صعب جداً، النساء إذا أردنّ الحديث في مثل هذه الموضوعات يطالبنّ بما لا يحتمله الزوج، إذا أردت أن يكون زواج ابنك ناجحاً، أو زواج ابنتك ناجحاً فاجعل الأمر بينك وبين الرجال، ودع للنساء المظاهر.

﴿ قَالَ ذَلِكَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلَا عُدْوَانَ عَلَيَّ﴾

2 – إثباتُ الخيار:

 أنا بالخيار..

﴿ قَالَ ذَلِكَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلَا عُدْوَانَ عَلَيَّ وَاللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ ﴾

3 – أركان النكاح:

 النبي عليه الصلاة والسلام بإدراكه العميق، بفهمه الدقيق، استنبط من هذه الآية أركانَ عقد النكاح إيجابٌ وقبولٌ، ومهرٌ وشاهدا عدلٍ.
 قد يسأل سائل: هذا المهر صار منفعةً بيدٍ الوالد، أي: أن سيدنا موسى رعى غنماً لسيدنا شُعَيب ثماني سنوات، وقد جاءت الروايات أنه رعاها عشر سنوات، على الأجل الأقصى، على كلٍ هذا المال صار ملك الأب، أو منفعةً بيدِ الأب، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ رَجُلا قَالَ:

 

(( يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ لِي مَالا وَوَلَدًا، وَإِنَّ أَبِي يُرِيدُ أَنْ يَجْتَاحَ مَالِي، فَقَالَ: أَنْتَ وَمَالُكَ لأَبِيكَ ))

 

( سنن بن ماجة )

 بقي علينا في الحلقة الثالثة من هذه القصة القرآنية التي فيها الموعظة، وفيها كل ما يُستنبط من أحكام الزواج على قصرها وعلى إيجازها، بقي علينا أن هذا النبي الكريم ما سافر بأهله إلا بعد أن أدَّى ما عليه من مهر، لذلك الآن المحاكم الشرعية لا تُجِيزُ للزوج أن يسافر بزوجته إلا إذا دفع المهر.

﴿ فَلَمَّا قَضَى مُوسَى الْأَجَلَ وَسَارَ بِأَهْلِهِ آَنَسَ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ نَاراً﴾

( القصص: آية 29 )

 طبعاً هذه المرحلة الثالثة، ونَدَعها إلى درسٍ قادم.

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018