الدرس : 02 - سورة القصص - تفسير الآيات 8 - 15 - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الدرس : 02 - سورة القصص - تفسير الآيات 8 - 15


1990-05-18

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد، الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علما، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
 أيها الإخوة المؤمنون، مع الدرس الثاني من سورة القصص، وقد وصلنا في الدرس الماضي إلى قوله تعالى:

﴿ فَالْتَقَطَهُ آَلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوّاً وَحَزَناً إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ﴾

( القصص )

القصة للاستنباط والعبر:

 قلت لكم في الدرس الماضي: إن القصة إذا وردت في القرآن الكريم فالمقصود منها المغزى أو الاستنباط، وكل قصةٍ في القرآن الكريم فيها من الحقائق والاستنباطات والمغازي ما تُضيء لنا طريق حياتنا نحن، لو لم تكن هذه القصة تضيء لنا الطريق طريق الله عزّ وجل لما كان لها من معنى أن تَرِد في قرآنٍ يُتلى إلى يوم القيامة، وقد انقضت، ومات كل أبطالها، على كلٍ نعود إلى متابعة القصة مع محاولةٍ متواضعة لاستنباط بعض الحقائق.

 

من العناية الربانية بموسى عليه السلام:

 

﴿ وَقَالَتِ امْرَأَةُ فِرْعَوْنَ قُرَّةُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ لَا تَقْتُلُوهُ عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَداً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ ﴾

( القصص )

 يُستنبط أن فرعون هذا المعنيَّ بهذه القصة لم يكن له ولدٌ، وذلك من قوله تعالى:

﴿ لَا تَقْتُلُوهُ عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَداً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾

1 – لم يكن لفرعون ولد:

 ولكن فرعون أعطى أمراً مشدداً بقتل كل أطفال بني إسرائيل الذُكور، فكيف نَجَا هذا الغلام مِن القتل ؟ ما الذي حصل ؟

﴿ وَقَالَتِ امْرَأَةُ فِرْعَوْنَ قُرَّةُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ لَا تَقْتُلُوهُ﴾

2 – إلقاء محبة موسى في قلب مَن رآه:

 أيْ أنَّ الله عزّ وجل ألقى محبته في قلب امرأةِ فرعون، أحياناً ربنا سبحانه وتعالى يردُّ على تدبيرٍ عظيم بتصرفٍ صغير، ما الذي نجىَّ النبي عليه الصلاة والسلام من القتل في غا

ر حِراء ؟ عنكبوت، هذا من آيات الله الدالَّة على عظمته، لو أن جيشاً كبيراً مدججاً بالسلاح والعتاد هاجم جهةً ما، ورّدت هذه الجهةُ عليه بجيشٍ آخر، ودارت معركةٌ طاحنةٌ، ومات فيها آلاف القتلى، وأُصيب آلاف الجرْحى، وأسفرت هذه المعركة عن انتصار الجيش المُدافع، فإن هذا نصر، ولكن الله أحياناً يرسل رياحاً عاتية تقلب القدور الله وتقتلع الخِيام الله وربنا سبحانه وتعالى يقول:

﴿ وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْراً وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ وَكَانَ اللَّهُ قَوِيّاً عَزِيزاً ﴾

( سورة الأحزاب )

 أيْ أن من دلائل عظمة الله عزّ وجل أنه يرد على التدبير العظيم والكيد الكبير بشيءٍ لا يُرى بالعين، أيْ أن هذا الطفل الذي سيقضي على مُلك فرعون ما سلاحه الشديد؟ سلاحه عاطفي، ذلك أنَّ الله سبحانه وتعالى ألقى محبته في قلب امرأة فرعون، ماذا يُستنبط ؟ يستنبط أنك في تعامُلك مع أي إنسان إما أن يلقي الله محبتك في قلبه، فإذا هو في خدمتك، وإما أن يلقي الله في قلبه بغضك، فإذا هو عدو شرس، ويؤكد هذا قول النبي عليه الصلاة والسلام:

 

(( إِنَّ الْقُلُوبَ بَيْنَ أُصْبُعَيْنِ مِنْ أَصَابِعِ اللَّهِ يُقَلِّبُهَا كَيْفَ يَشَاءُ ))

 

( سنن الترمذي عن أنس )

 فأنت في تعاملك مع الناس ؛ إذا أراد الله أن يُكرمك، وأن يرحمك ألقى حبَّك في قلب الآخرين، ألقى حبك في قلب شخصٍ لا تعرفه، تلتقي به لأول مرة، فإذا هو يتمنَّى أن يقدِّم لك كل شيء، وإذا أراد الله أن يؤدِّب إنساناً ألقى بغضه في قلب مَن حوله، فإذا هم يضيِّقون عليه، إذاً: القلب بين أصبعين من أصابع الرحمن، تدبيرٌ عظيم، فرعون جهَّز جيشاً من القابلات كي تتبع كل قابلةٍ المرأة التي ستلدُ غلاماً ذكراً، ويجب أن تخبر عنه مسبقاً، وأن تتابع تطورات الحمل إلى أن يوضع، فتأخذه القابلة، فَيُلقى، أو يذبح، أو يقتل بشكلٍ أو بآخر، هذا الإجراء العظيم، وهذا التدبير الكائد، كلُّ هذا أخفق مقابل ميل قلب امرأة فرعون إلى هذا الطفل الجديد، كل كيد قريش باء بالفشل حينما جاءت حمامةٌ على باب غار ثور، حينما نسج العنكبوت بعض الخيوط، أي أنّ جيشاً عظيماً، ومطاردةً هائلة، وتدبيراً كائداً أُلغي بعنكبوت نسجت بيتها على فوهة غار ثور، وانتهى الأمر، ماذا يعني هذا ؟ يعني أن الله عزّ وجل حينما يريد أن ينصرك على خصمك، حينما يريد أن يكرمك بشيءٍ لا يُرى بالعين يلقي حبك في قلب الناس، وذلك معنى قوله تعالى:

﴿ وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي ﴾

( سورة طه )

3 – الجمالُ الخُلُقي لموسى:

 أيْ إذا ألقى الله محبتك في قلوب الخلق أصبح الخلق كلُّهم في خدمتك وفي طاعتك، أحياناً الزوج المؤمن، الصادق، المنيب، المخلص، الذي يقفُ عند حدود الله، يُلقي هيبته في قلب زوجته، وأحياناً حينما يعصي، حينما ينحرف، ويتجاوز حدود الله عزّ وجل تُنْزَع هذه الهيبة من قلب زوجته، فإذا هي تخاصِمه، فإذا هي تُنَاجزه، وإذا هي ترد عليه بكلمات أقسى، فأين الهيبة ؟ ضاعت الهيبة، إذاً قلب الزوجة بين أصبعين من أصابع الله عزَّ وجل يقلبه كيف يشاء، قال الإمام الشعراني رحمه الله تعالى: " إنني أعرف مقامي عند ربي من أخلاق زوجتي "، وهذا الأمر صحيح، لأن قلب الزوجة بيدِ الله عزّ وجل، ربنا عزّ وجل يقول:

﴿ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ﴾

 

( سورة الأنبياء: الآية 90)

 أحياناً قلب الشريك في التجارة أو غيرها ينفتح لك مادمت معه صادقاً، مخلصاً، وقّافاً عند كتاب الله، فيلقي محبتك في قلب شريكك، فتأخذ المودة والمحبة طريقها إلى قلب الشريكين، فإذا هما متماسكان، متعاونان، فهذه لقطة، ولك أن تقيس عليها آلاف الحالات..

﴿ وَقَالَتِ امْرَأَةُ فِرْعَوْنَ قُرَّةُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ﴾

 أيْ أنّ الله عزّ وجل كسا هذا الصبي الصغير من الجمال، والجلال، والبهاء، والبريق ما جعل قلب امرأة فرعون يذوب حباً لهذا الغلام، إذاً كل تدبير فرعون بقتل أبناء بني إسرائيل لئلا يقضوا على ملكه تلاشى، هذا الذي سيقضي على ملكه اقتحم عليه قصره، ودخل إلى عُقْرِ داره، وهو بين الأحضان يدلل، ويكرَّم، ويُعتنى به، لذلك قال الله تعالى:

﴿ فَالْتَقَطَهُ آَلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوّاً وَحَزَناً إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ﴾

( سورة القصص )

عندما تكون مستقيما تصيبك العناية الإلهية:

 البطولة أن تكون على المنهج، لأنك إن لم تكن على المنهج الصحيح فإنَّ أقرب الناس إليك يقضي عليك، أقرب الناس إليك يتنكَّر لك، لأن كل من حولك بيدِ الله عزَّ وجل، فلذلك الإنسان العاقل لا ينجيه من الله إلا أن يكون مع الله، لا ينجيه من الله إلا أن يكون وقَّافاً عند أمر الله، أما ذكاؤه، حيلته، خبرته، قوته، جَمعه، هذا كله لا قيمة له عند الله عزّ وجل، لأنه يؤتى الحذِرُ من مأمنه، وعلى نفسها جَنَتْ براقش، وإذا أراد الله إنفاذ أمرٍ أخذ من كل ذي لبٍ لبَّه، فأنا أريد من هذه اللُقطة، أو من هذه الآية الصغيرة أن تعرفوا أن قلوب الخلقِ كلّها بيدِ الله عزّ وجل، فإذا أراد الله أن يُكرمك ألقى حبك في قلوبهم، وإذا أراد أن يؤدِّبك ألقى البغض والشك في قلوبهم، فإذا هم يتنكَّرون لك، والقصص التي تسمعونها من أقربائكم وأصدقائكم كثيرة.
 هناك مشكلة، أحدهم قال له الموظف: أنت امش، ولم يدقق، بينما دقق مع غيره، فلماذا دقق مع فلان، وخلق له مشكلة، وتساهل مع فلان ؟ لو سألت هذا الموظف يقول لك: والله لا أدري، هكذا ألهمني الله، أي أنك دائماً في علاقاتك مع الآخرين يلهم الله عزّ وجل من حولك بإكرامك أو بتأديبك، فالبطولة أن تكون معه، البطولة أن تكون وقَّافاً عند أمره، البطولة أن تكون معتمداً عليه، البطولة أن تتّكِلَ عليه، البطولة ألا تشرك به شيئاً.

 

أطع أمرنا نرفع لأجلك حُجبنا  فإنا منحنا بالرضى من أحبنا
و لُذ بحمانا واحتم بجنابنــا  لنحميك مما فيه أشرار خلقنا
***

 

﴿ وَقَالَتِ امْرَأَةُ فِرْعَوْنَ قُرَّةُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ لَا تَقْتُلُوهُ عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَداً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ ﴾

 إنّ هذا الطفل الذي التقطوه، والذي ربُّوه، وأكرموه سيُنهي ملكهم، وهم لا يشعرون، لذلك الدُعاء الذي يدعو به بعض خطباء المساجد على الأعداء: " اللهم اجعل تدميرَهم في تدبيرِهم "، ليس هذا ببعيد، أيْ أنّ الكافر أحيانا يدبِّر فيكون تدميره في هذا التدبير، لأن الله عزّ وجل مع المؤمنين دائماً.

﴿ وَقَالَتِ امْرَأَةُ﴾

من النكت والطائف القرآنية:

1 – امرأة فرعون:

 لكنَّ امرأة فرعون من النسوة اللاتي كَمُلَن، بنص حديث رسول الله عليه الصلاة والسلام:

 

(( كَمَلَ مِنَ الرِّجَالِ كَثِيرٌ، وَلَمْ يَكْمُلْ مِنَ النِّسَاءِ إِلا آسِيَةُ امْرَأَةُ فِرْعَوْنَ، وَمَرْيَمُ بِنْتُ عِمْرَانَ، وَإِنَّ فَضْلَ عَائِشَةَ عَلَى النِّسَاءِ كَفَضْلِ الثَّرِيدِ عَلَى سَائِرِ الطَّعَامِ))

 

[ صحيح البخاري عَنْ أَبِي مُوسَى ِ]

 هؤلاء النسوة اللاتي كملن، لذلك ماذا قالت امرأة فرعون ؟

﴿ وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً لِلَّذِينَ آَمَنُوا اِمْرَأَةَ فِرْعَوْنَ إِذْ قَالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتاً فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِنْ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ﴾

( سورة التحريم )

معنى قوله: وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغًا

 استنبط بعض العلماء أن على المرأة المؤمنة أن تصبر على زوجها المقصِّر، أو على زوجها العاصي، أو على زوجها المنحرف، أي أن هذه المرأة التي تقول: أنا لا أريده، ضقت ذرعاً به، هذه لم تقتدِ بآسية امرأة فرعون:

﴿ وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغاً﴾

( سورة القصص: آية " 10 )

المعنى الأول:

 فسر العلماء هذه الآية تفسيراتٍ عدة: أحياناً يكون قلبُ الإنسان ممتلئاً بهمومٍ كثيرة جداً، أحياناً يكون مهتماً لابنه ولزوجته المريضة، ولشريكه المسافر، وللبضاعة التي لم تُبَع معه، عنده مجموعه هموم، أحياناً تأتي مشكلة خطيرة جداً تتبدَّد معها كل هذه الهموم، يصبح القلب فارغاً إلا من هذا الموضوع، نعم هذا يحدث، أيْ أنّ الإنسان في الأحوال العادية له هموم كثيرة، أحياناً من جهة صحته يساوره شيء من القلق، من جهة أولاده يلازمه خوفٌ من عدم النجاح، من جهة زوجته يوجد شعور بعدم الرضى، من جهة عمله يقول لك: الأسواق فيها كساد، من جهة أقربائه هناك خصومة، فإذا أراد أن ينام تتبدَّد هذه الهموم همًّا هَمًّا، من جهة كذا، ومن جهة كذا، لكن لا سمح الله ولا قدَّر ؛ لو أصابه مرضٌ عُضال وجاء التحليل بأن هناك مرضاً عُضالاً خطيراً فإنّ همَّ الزوجة، وهمّ الولد، وهمّ الشريك تتلاشى، ويصبح فؤاد هذا الإنسان فارغاً إلا من هذا الهم، نعوذ بالله من هذا الهم، العوام يتوسلون إلى الله عزّ وجل أن يجيرهم من ساعة الغفلة، وبعضهم يقول: هي ساعة الغفلة عن الله عزّ وجل، الغافل يقتحم الأخطار، الغافل يقع في المعاصي، الغافل يقع في الشِرك، الغافل يقع في الكفر، فيأتي التأديب فجأةً من دون إنذار،

﴿ وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغاً﴾

 هذا هو المعنى الأول.

 

المعنى الثاني:

 يتراءى من قول ربنا عزّ وجل لأم موسى:

 

﴿ وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ﴾

(القصص: آية 7 )

 من القتل..

﴿ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي﴾

 لا تخافي، ولا تحزني، إذا كان الله سبحانه وتعالى قد أوحى إلى أمِّ موسى ألا تخاف ولا تحزن، إذاً فلا مانع من أن يصبح قلبها فارغاً من الخوف والحزن، هذا هو المعنى الآخر، لكن لقد أصبح قلبها فارغاً من الهم ومن الحزن..

﴿ وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغاً﴾

( القصص: من الآية 10 )

المعنى الثالث:

 أنها حينما ألقت به في اليَمِّ جاءتها الهواجس، وجاءتها الأحزان، وجاءتها الهموم، فخافت أن يغرق، وخافت أن يُقتل، وخافت، وخافت، ففرغ قلبها من العقل، فلا عقل، ولا ذرة عقل، أي أصبح فارغاً، أي أصبح قلبها فارغاً من الأمن، فارغاً من تطمين الله لها، جاءتها الهواجس، جاءتها الهموم والمخاوف والأحزان، هذا هو المعنى الثالث..

﴿ وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّمُوسَى فَارِغاً﴾

 يقولون: ما من شيءٍ في الأرض أقدس من قلبُ الأُم، وقد قلت لكم سابقًا: إن قلب الأُم طَبْع، بينما محبة الابن لأمه تكليف، أي أن المحبة والبر والإكرام تكليف، والنبي الكريم صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نهى عن أن يُفَرَّقُ بين الشاة وبين ابنتها، ما قولكم ؟ هذا على مستوى الحيوانات، لا يجوز أن يُفرق بين الأُم وبين وليدها، فما قولك إذا كان هذا على مستوى الإنسان ؟ إذا كان الذي يفرِّق بين الشاة وبين وليدها قد وقع في معصيةٍ صريحةٍ بنص حديث رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فكيف بالذي يفرق بين الأم وابنها ؟ وقد قال عليه الصلاة والسلام:

 

(( مَنْ فَرَّقَ فليس منا ))

 

[الجامع الصغير عن معقل بن يسار بسند ضعيف]

 عَنْ أَبِي مُوسَى قَالَ:

 

(( لَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ الْوَالِدَةِ وَوَلَدِهَا وَبَيْنَ الْأَخِ وَبَيْنَ أَخِيهِ ))

 

[ابن ماجه]

 وعَنْ أَبِي أَيُّوبَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ:

 

(( مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ الْوَالِدَةِ وَوَلَدِهَا فَرَّقَ اللَّهُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَحِبَّتِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ))

 

[سنن الترمذي]

 هذا الذي يفرِّق بين الأحبة ليس من أمة النبي عليه الصلاة والسلام..

﴿ وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغاً إِنْ كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ﴾

كيف تُدفَع الشهوة ؟

 إن الشهوات لو رمزنا لها بوزن خمسة كيلو في ميزان، ولو رمزنا إلى قوة الإيمان بوزن عشرة غرامات، فإيمانٌ مقداره عشرة غرامات لا يقف في وجه الشهوات، إذا سمع الإنسان خطبة، أو قرأ كتابًا، أو سمع محاضرة في الدين أعجبته، فهذه عشرة غرامات مثلاً، الشهوات خمسة كيلو، فإلى أن تُصْبح كفة الإيمان في مستوى وزن الشهوات، وإلى أن يتحرك الميزان فستكون أنت في صراع، أنت في مرتبة مدافعة التدني، ولكن إذا قوي الإيمان، وأصبح وزنه مئة كيلو، والشهوات خمسة كيلو، عندئذٍ لا تستطيع الشهوة أن يكون لها إلى قلبك سبيلٌ، هذا نوع.
 النبي عليه الصلاة والسلام وُصِف بأنه على خُلقٍ عظيم، لكنَّ أخلاق المؤمنين بين أخذٍ ورد، بين شدٍ وإرخاء، في صراع، أي أن أحداً إذا تكلم معك كلمةً قاسية تقول: أأردّ عليه ؟ لا، لن أردَّ عليه، السكوت أفضل، أنت في حالة صراع، لكن النبي عليه الصلاة والسلام بلغ مرتبةً في قوة الإيمان، وفي سموِّ الخلق أنه أصبح متمكناً من أخلاقه..

﴿ وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ ﴾

( سورة القلم )

معنى: إِنْ كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ

المعنى الأول:

 ففؤاد أم موسى أصبح فارغاً، ما معنى أنه فارغ ؟

﴿ وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغاً إِنْ كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ﴾

 قال بعض المفسرين: " عندما ألقته في اليَمّ كادت تصيح: وا ابناه، وا ابناه، ماذا فعلت بنفسي ؟ ".

﴿ إِنْ كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ﴾

 أي كادت تصيح.

 

المعنى الثاني:

 وبعضهم قال: " حينما رُدّ إليها ابنها، ووضعته على ثديها، وأرضعته كادت تقول: هذا ابني من شدة الفرح ".

 

 

المعنى الثالث:

 وبعضهم قال: " حينما سمعت من الناس أنَّ في قصر فرعون غلاماً عزيزاً على فرعون اسمه موسى بن فرعون كادت تقول لهم: لا، هذا ابني ".
 وحينما قال الله تعالى:

 

﴿ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ ﴾

( القصص )

 كادت أن تقول للناس: إن ابني سوف يرجِعُ إليّ، وفي كل هذه الحالات لو تكلَّمت لانتهت، ولكن الله سبحانه وتعالى سلَّم، قال عزوجل:

﴿ إِنْ كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلَا أَنْ رَبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا﴾

( القصص )

لَوْلاَ أَنْ رَبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا

 أي ثبتناها بالصبر، ثبَّتناها بالإيمان، ثبتناها بالعصمة، ألهمناها الصبر، لذلك:

﴿ وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ﴾

( سورة النحل: الآية 127 )

 سيدنا عمر كان يقول حينما تصبيه المصيبة: << الحمد لله ثلاثاً، الحمد لله إذ لم تكن في ديني، والحمد لله إذ لم تكن أكبر منها، والحمد لله إذ أُلْهِمْتُ الصبر عليها >>.
 أيْ أن الإنسان إذا أصابته مصيبة، وصبر فليشكر الله عزّ وجل على أن الله سبحانه مكَّنه من الصبر، وأعانه على الصبر، لقول الله عزّ وجل:

 

﴿وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلَا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ ﴾

 

( سورة النحل)

 إذاً..

﴿ لَوْلَا أَنْ رَبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ﴾

( القصص )

لِتَكُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ

 بوعدنا.
 إن درجة الإيمان تحدد درجة التصديق، والإيمان في بعض تعاريفه تصديقٌ وإقبال، والكفرُ تكذيبٌ وإعراض..

﴿ لَوْلَا أَنْ رَبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ﴾

 من المؤمنين، أيْ من المصدقين بوعد الله ووعيده، والحقيقة أن بعضهم يقول لك أحياناً: فلان مؤمن، ثم تجده يفعل بعض المعاصي، وهو يقرأُ كل يوم أن هذه المعاصي سوف يعاقبُ الله عليها، إذاً هو كأنه ليس مصدقاً، وهذا ينقلنا إلى موضوع دقيق:

 

التكذيب اللفظي والتكذيب العملي:

 هناك تكذيبٌ لفظيٌ، وهناك تكذيبٌ عملي، والتكذيب العملي أخطر بكثير من التكذيب اللفظي، أي أن الطبيب إذا وصف لك دواء، وأنت شكرته بلسانٍ ذَرِب، وقولٍ بليغ، ولم تشترِ الدواء، فإن عدم شرائك الدواء دليل أنَّك لم تصدِّق هذا الطبيب، فحينما لا يطبِّق الإنسانُ القول فهذا أحد أنواع التكذيب، وهو لا يدري، وما من واحدٍ في العالم الإسلامي بإمكانه أن يصرِّح بأنه غير مؤمنٍ بالآخرة، هذا الطرح ليس وارداً، ولكن هذا الذي لا يعمل للآخرة هو أحد أنواع المكذبين بها قطعاً، هذا الذي يعمل للدنيا فقط، هذا الذي تربَّعتْ الدنيا على عرش قلبه، هذا الذي كانت الدنيا أكبر همِّه ومبلغ علمه، هذا الذي زهد بالآخرة لو قال: أنا مؤمن بالآخرة فهو في الحقيقة مكذب، لأن عمله يكذب دعواه، إذاً..

 

﴿ لَوْلَا أَنْ رَبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ﴾

 فأنت حينما ترى إنساناً يأكل الربا ماذا تعتقد ؟ لاشك أنك ترى أنه عاصٍ، وقد يقول قائلٌ من ضِعاف المؤمنين: هنيئاً له، مالُه وفير، هذا هو التكذيب، إنَّك تكذِّب القرآن، وأنت لا يدري، يقول ربنا عزّ وجل:

﴿ فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾

( سورة البقرة: من الآية 279)

 فهل أنت مصدق أن الله عزّ وجل لابدّ من أن يمحق ماله ؟ يقول لك: والله يا أخي حالته المادية جيدة، معَ أن دخله حرام، فالبطولة أن تكون من المؤمنين المصِّدقين بوعد الله ووعيده، وأنت هل تشعر أن كلَّ إنسان انحرف لابدّ له من عقابٍ في الدنيا أو في الآخرة ؟ هذا اليقين هو الذي يُلْجِمَك عن معاصي الله عزّ وجل..

 

مبدأُ الأخذِ بالأسباب كما جاء في قصة القصص: وَقَالَتْ لِأُخْتِهِ قُصِّيهِ

 

﴿ وَقَالَتْ لِأُخْتِهِ قُصِّيهِ﴾

( القصص: من الآية 11)

 أي تتبعي أمره، يبدو أنها حينما ألقته في اليَم، وشاطئ النيل بعضه خارج حديقة قصر فرعون، وبعضه داخل حديقة قصر فرعون، فلما ألقت أُم موسى طفلها في التابوت ألقته في اليم قالت لأخته: تتبعي هذا التابوت، تتبعي مسيره، هذه بعض التأويلات، فتتبعت مسيره حتى وصل، أو ساقه الله عزّ وجل إلى مكانٍ فيه شجرةٌ قريبةٌ من اليم، فهذا التابوت وقف عندها، وكان هذا على مرأى مِن امرأةِ فرعون.
 هناك تفسيرٌ آخر: طبعاً أخذ فرعون الغُلام، وطلبت امرأته منه ألا يُقتل، وأحبَّته حباً شديداً، وقالت له:

﴿ قُرَّةُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ لَا تَقْتُلُوهُ عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَداً﴾

( القصص: من الآية 9 )

 طفلٌ رضيعٌ جائع صار يبكي، جاءوا له بمرضعٍ فلم يرضع، ثم بمرضعٍ ثانيةٍ، وثالثةٍ، ورابعة فلم يرضع، لذلك أمر جنودَه أن يبحثوا له عن مرضعٍ في المدينة، فأخته تتبعت الأخبار، وهذا تفسير آخر..

﴿ وَقَالَتْ لِأُخْتِهِ قُصِّيهِ﴾

(القصص: الآية 11 )

 تتبعي أخباره..

﴿ فَبَصُرَتْ بِهِ عَنْ جُنُبٍ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ ﴾

الذكاء في تتبع الأثر: المراقبة عن بُعْدٍ:

 رأتهم في حالة ارتباك يبحثون له عن مرضع، وهم لا يشعرون.
 الآن تدبير آخر من تدابير الله عزّ وجل..

﴿ وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ﴾

(القصص: الآية 12 )

وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ المَرَاضعَ مِنْ قَبْلُ

التحريم الكوني: المنع:

 العلماء قالوا: " هذا تحريم منعٍ لا تحريم شرعٍ ".
 هذا الطفل الصغير بحاجة ماسة إلى حليب، ومع ذلك كلَّما التقم ثدي امرأة مرضعٍ عافه وأبى أن يشرب منه، وبقي يبكي.
 إذاً: كل شيء بيد الله عزّ وجل، الطفل بيدِ الله، وحركة الماء بيدِ الله، وقلب امرأة فرعون بيدِ الله، وفرعون بيدِ الله، فإذا كان الله معك فمن عليك ؟ قال سيدنا هود:

﴿فَكِيدُونِي جَمِيعاً ثُمَّ لَا تُنْظِرُونِ (55) إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آَخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾

 أول شيء: قلب امرأة فرعون، بل أول شيء: أن الله عزّ وجل ألقى على هذا الغلام مسحة جمال، ومسحة جلال، ومسحة بهاء، أحياناً تدخل إلى صف فيه خمسون طالباً، طالب واحد يَلْفِت النظر، وأنت لا تعرف ما السر، هذا الطفل جذبك إليه، الله عزّ وجل له أسرار، أحياناً يضع سره في بعض خلقه، يقول النبي عليه الصلاة والسلام في حديثه:

 

(( ما أخلص عبدٌ لله عزّ وجل إلا جعل قلوب المؤمنين تنهال إليه بالمودة والرحمة))

 

[ورد في الأثر]

 أيْ يجعل سراً، أحياناً تقول كلاماً يقوله كلُّ الناس، ويكون لكلامك أنت تأثير عجيب، ما سر هذا التأثير في هذا الطفل ؟ الله يعلم ذلك، لكن يمكن أن نستنبط أن الإخلاص والتطبيق يسهمان في قوة التأثير، على كلٍ..

﴿ وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ﴾

( القصص: الآية 12 )

 هذا التحريم تحريم منع لا تحريم شرع.
 والشيء الآخر:

﴿ وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى﴾

(القصص: الآية 7 )

 هذا وحـي إلهام لا وحي رسالة، وهناك وهي ثالث: وحي غريزة..

﴿ وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ﴾

(سورة النحل: الآية 68 )

 فالكلمات في القرآن تأخذ معاني عدة..

﴿ وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ مِنْ قَبْلُ﴾

(القصص: الآية 12 )

 أي من قبل أن تأتي أمَّه، فقالت أخته للجنود القلقين، الباحثين عن مرضع لهذا الغلام بأمر فرعون:

﴿ فَقَالَتْ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ﴾

(القصص: الآية 12 )

أَمارات رجوع موسى إلى أمه:

 قالوا مَن ؟ قالت: أمي..

﴿ وَهُمْ لَهُ َاصِحُونَ ﴾

 عندما قالت: وهم له ناصحون شكّوا في أمرها، كيف عرفتِ أنهم له ناصحون ؟ قالت: أيْ هم للملِك ناصحون، وليس للغلام، هي ارتبكت من شدة لهفتها أن يعود أخوها إلى أمه فقالت:

﴿ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ ﴾

 من شدة ولهها ورغبتها في أن يعود هذا الطفل الصغير إلى أمه تكلَّمت كلمات زائدة فشكّوا في أمرها، قالوا: ومن أدراكِ أنهم له ناصحون ؟ قالت: أردت أنهم أهل بيتٍ ناصحون للملك في أمر هذا الغلام الذي يَحْرص على إرضاعه، عندئذٍ تمَّ هذا الأمر على هذه الطريقة..

﴿ فَرَدَدْنَاهُ إِلَى أُمِّهِ﴾

(القصص: الآية 13 )

رجوع موسى إلى أمه:

 جيء بأم موسى إلى قصر فرعون، وعلى مرأى من فرعون كما تروي الكتب أُعطي هذا الطفل ثدي أُمِّ موسى فالتقمه بشغف، فشكَّ فرعون في الأمر فقال: لماذا قَبِل ثديك، ولم يقبل أي ثديٍ آخر ؟ قالت: إنني طيبة الريح، طيِّبة اللبن، وما من غلامٍ رضع مني إلا التقم ثديي، وهي أيضاً كانت ذكيةً، فعلى الإنسان أن يكون على شيء من الذكاء، ولولا فِطْنتها هذه لقتلها..

﴿ فَرَدَدْنَاهُ إِلَى أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا﴾

(القصص: الآية 13 )

كَيْ تَقَرّ عيْنُهَا

1 – الذكاء مطلوب في المسلم:

 فيما مضى تحدثنا عن أن سيدنا رسول الله أرسل حذيفة بن اليمان في معركة الخندق، وهي المعركة الحاسمة التي ربما انتهى الإسلام فيها، أقول: ربما، حسب تصوِّر أصحاب رسول الله لشدة العدد والعُدد التي توفرت للمشركين، وما شاكل ذلك، فالنبي عليه الصلاة والسلام نَدَبَ سيدنا حذيفة ليستطلع في معسكر المشركين ماذا يحدث ؟ ماذا يخططون ؟ المهمة قاسية جداً ؛ أن يتسلل جندي إلى معسكر الشرك، هو مقتول لا محالة، فأبو سفيان شعر بحاسةٍ سادسة أن في القومِ أُناساً غُرَبَاء فقال: " لا آمنُ عليكم من عيون لمحمد فليتفقد كلٌّ منكم جليسه وصاحبه "، انتهى سيدنا حذيفة، لولا أنه كان ذكياً جداً، فمباشرةً أمسك بيدِ من بجانبٍه وقال له: من أنت ؟ وما اسمك ؟ فقال: " أنا فلان، واسمي فلان ".

 

2 – ذكاءُ أمِّ موسى:

 هذا موقف ذكي، فإذا وقف الإنسان مواقف تدلُّ على فطنته، فإن هذا من توفيق الله له، فيبدو أنهم شعروا أن أُم موسى من لهفتها، ومن حبها للطفل أنها أمه، فقالت: لا، لست أمه، لكنيّ طيبة الرائحة، طيبة اللبن، وكل طفلٍ التقم ثديي قبله..

 

 

وعدُ الله ووعيده نافذان ومُحقَّقان مهما كانت الظروف:

 

﴿ فَرَدَدْنَاهُ إِلَى أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلَا تَحْزَنَ وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ ﴾

( القصص)

 إن زوال الكون أهون عند الله عزّ وجل مِن ألا يتحقق وعده، لأن وعده حق.

 

أمثلةٌ من وعدِ الله ووعيده التي لابد أن تتحقق:

 

المثال الأول:

 عندما يقول ربنا عزّ وجل:

﴿ مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾

 فهذا وعد إلهي مطبَّق في أي مكانٍ، في أي زمانٍ، في أي ظرفٍ، مهما تكن الظروف صعبة، وَعَدَك الله أيها الشاب المؤمن بحياةٍ طيبة، في بلد صعب، في بلد سهل، في رخاء، في سنوات الجدب، في سنوات الخصب، وعدك الله بحياةٍ طيبة، هذا وعدٌ إلهي.

 

المثال الثاني:

 وعيد آخر:

 

﴿ وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى ﴾

 لا يمكن، ومهما كنت مرموقاً، مهما كنت، مهما كنت غنياً، مهما كنتَ قوياً، مهما كنت ذكياً، مهما كنت ذا عصبةٍ كبيرة، إذا أعرضت عن ذكر الله فلابدّ من المعيشة الضَنْك، بل إن بعض المفسرين قالوا: " فما بال الأغنياء والملوك معيشتهم الضنك ضيقُ القلب، في قلوبهم من الضيق ما لو وزِّعَ على أهل بلدٍ لكفاهم ".

 

المثال الثالث:

 وعدٌ آخر:

 

﴿ وَكَانَ حَقّاً عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ ﴾

( سورة الروم )

المثال الرابع:

﴿ كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ ﴾

( سورة المجادلة )

المثال الخامس:

 هذا وعد آخر..

﴿ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ ﴾

( سورة الأعراف )

 وعود الله كثيرة، وله وعدٌ وله وعيد..

 

المثال السادس:

 وفي الآية التالية وعيد، قال تعالى:

 

﴿ يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا﴾

(سورة البقرة: الآية 276 )

 هذا وعيد فيه قاصمة للظهر، المحق والإتلاف.
 أما قوله تعالى:

﴿ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ ﴾

( سورة البقرة )

 فهذا وعد..

﴿ أَفَمَنْ وَعَدْنَاهُ وَعْداً حَسَناً فَهُوَ لَاقِيهِ كَمَنْ مَتَّعْنَاهُ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنَ الْمُحْضَرِينَ ﴾

( سورة القصص )

﴿ فَرَدَدْنَاهُ إِلَى أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلَا تَحْزَنَ وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ ﴾

( سورة القصص )

 في سورة يوسف قال ربنا عزّ وجل:

﴿ وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ﴾

( سورة يوسف )

 أمرُ الله هو النافذ، " أنت تريد، وأنا أريد، فإذا سلَّمت لي فيما أريد كفيتُك ما تريد، وإذا لم تسلم لي فيما أريد أتعبتك فيما تريد، ثم لا يكون إلا ما أريد ".
 إن الله عزّ وجل إذا أراد شيئاً وقع، وأيُّ شيءٍ وقع أراده الله، فإذا كنت بطلاً فكن مع مشيئة الله، لأنها هي النافذة، ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن، إذا لم يشأ الله أمراً تعطَّل لأتفه سبب، وإذا شاء الله أمراً قام على أضعف سبب، والله سبحانه وتعالى يخلق من الضعف قوةً، ومن الضيق فرجاً، ومن المرض صحةً.
 وبعدُ، فهذه قصة سيدنا موسى وقد وردت في القرآن الكريم برقمٍ كبير، وردت ثلاثاً وعشرين مرة، لكن لو قرأتها قراءةً سطحية تظن أنها متكررة، أما إذا دقّقت فيها تجد أن كل مرةٍ وردت فيها هذه القصة أطلّت عليك من زاوية دقيقة.

 

قفزةٌ زمنية في قصة موسى: وَلَمَّا بَلَغ أَشُدَّهُُ وَاسْتَوَى

 تطالعنا الآن في القصة فجوة، بعد أن رُدّ هذا الطفل إلى أمه التي أرضعته انتقلنا فجأةً إلى سن الرشد، طيلة ثماني عشرة سنةً أو تزيد لا ندري عنه شيئاً، يا ترى كم سنة بقي في قصر فرعون ؟ لا ندري، هل بقي في قصر فرعون كل هذه السنوات ؟ هناك إشاراتٌ دقيقةٌ وخفية تؤكد أنه لم يبقَ في قصره، بل خرج من قصره، لعل أمه أخبرته ماذا يفعل فرعون ببني إسرائيل، لعل أمه أخبرته من هو، لعله رأى بعينه ما يفعله فرعون في بني إسرائيل من ظلمٍ، ومن تقتيل أولاد، على كلٍ المعلومات انقطعت، إلى أن قال الله عزّ وجل:

 

﴿ وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى﴾

(القصص: آية 14 )

معاني: أَشُدَّهُُ:

المعنى الأول:

 العلماء قالوا: " بلغ أشده أي اكتملت قٍواه الجسمية أي في السنة الثامنة عشره، واستوى أي اكتملت قِواه العقلية".

 

المعنى الثاني:

 وبعضهم قال: " في سنّ الثلاثين ".

 

 

المعنى الثالث:

 وبعضهم قال: " في سن الثانية عشرة ".

 

 

المعنى الرابع:

 على كلٍ ربنا عزّ وجل يؤكد أنه بلغ أشده واستوى، بلغ أشده في قوته البدنية، وبلغ أشده في قوته العقلية..

 

﴿ وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى آَتَيْنَاهُ حُكْماً وَعِلْماً﴾

 يسأل الإنسان نفسه: ما نصيبي من هذا العطاء ؟ إذا كان نصيبه من المال وفيرًا فإن هذا نصيب قارون، وإذا كان نصيبه من القوة وفيرًا فإن هذا نصيب فرعون، أما نصيبه إذا كان من العلم والحكمة فقد ضحكت له الأقدار..

 

﴿ وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى آَتَيْنَاهُ حُكْماً وَعِلْماً﴾

 

معنى الحكم:

 الحقيقة الحكم بعضهم يقول: " إنه حينما تعلم حقيقةً، وتضعها موضع التنفيذ فأنت حكيم ".
 لا يسمَّى الحكيم حكيماً ذلك الذي تعلم الأشياء النظرية فقط، لا يسمى الحكيمُ حكيماً إلا إذا طبق الذي عرفه، لذلك: من عمل بما علم أورثه الله علم ما لم يعلم.

﴿ وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى آَتَيْنَاهُ حُكْماً وَعِلْماً﴾

من صفات الأنبياء: العلم:

 ما اتخذ الله ولياً جاهلاً، لو اتخذه لعلمه.. وإن الله عالمٌ يحب كل عالم، فكن عالماً، أو متعلماً، أو مستمعاً، أو محباً، ولا تكن الخامس فتهلك، واعلمْ أن العلم لا يعطيك بعضه إلا إذا أعطيته كلك، فإذا أعطيته بعضك لم يعطك شيئاً، ويظل المرء عالماً ما طلب العلم، فإذا ظن أنه قد علم فقد جهل.

﴿ وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى آَتَيْنَاهُ حُكْماً وَعِلْماً﴾

 لكن أروع ما في هذه الآية هذا التعقيب الذي يبثّ الأمل في قلب كل مؤمن..

﴿ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ ﴾

تذييل الآية ببشارة عظيمة: وَكَذَلِكَ نَجْزِي المحسنين

 إن عطاء ربنا عزّ وجل ليس عطاءً اعتباطياً مزاجياً، بل هو عطاءٌ منضبط، عطاء وفق أُسس ثابتة، أي أنه لو لم يكن محسناً لما آتيناه حكماً وعلماً، كان محسناً فاستحق العلم والحكمة، ماذا قال الإمام الشافعي ؟ قال:

 

شكوت إلى وكيعٍ سوء حفظي  فأرشدني إلى ترك المعاصي
وأنبأني بأن العلم نــــورٌ  ونـور الله لا يهدى لعـاص
***

 بعضهم قال: " لا تعصه في النهار يوقظك في الليل ".
 إذاً:

 

﴿ وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى آَتَيْنَاهُ حُكْماً وَعِلْماً﴾

 يقول ربنا عزّ وجل:

﴿ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً﴾

( سورة البقرة: الآية 269 )

فضل العالم على العابد:

 فإذا عبدَ إنسانٌ اللهَ من غير معرفة قد ينجو، ولكن لا يؤتى خيراً كثيراً، وأنت إذا عرفت الحكمة، ودعوت إلى الله وفق الحكمة فلا يستجيب الناس لك إذا قلت لهم: افعلوا كذا وكذا، أما إذا آتاك الله علماً وحكمةً، وبيَّنت للناس أوامر الله عزّ وجل والحكمة منها، ونواهيه والحكمة منها، وبيَّنت لهم طريق الحق، والوسائل المعينة على هذا الطريق، إذا آتاك الله علماً وحكمة، وهديت الناس، عندئذٍ يأتيك الخيرُ الكثير..

﴿ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً﴾

( سورة البقرة )

 قد تكون عابداً، فخيرك محدود، نعم خيرك محصور محدود، لا تستطيع إلا أن تنفع نفسك كعابد، أما كعالم فلك أن تنفع الناس جميعاً، ولك أن تُحْيي الناس جميعاً..

﴿ وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً﴾

( سورة المائدة: الآية 32 )

 ثمة فرقٌ كبير بين أن تكون عابداً وأن تكون عالماً:
 عَنْ أَبِي أُمَامَةَ الْبَاهِلِيِّ قَالَ: ذُكِرَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَجُلَانِ: أَحَدُهُمَا عَابِدٌ وَالْآخَرُ عَالِمٌ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

 

(( فَضْلُ الْعَالِمِ عَلَى الْعَابِدِ كَفَضْلِي عَلَى أَدْنَاكُمْ ))

 

[الترمذي]

 فالطُّموح يجب أن يكون للحكمة، ربنا عزّ وجل يقول:

﴿ خُذُوا مَا آَتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ﴾

( سورة البقرة: الآية 63 )

 من حكمة.
 فإذا أردت أن تعلِّم الناس، فإذا بيَّنت لهم مثلاً أن إطلاق البصر للحرام سوف يكلِّف صاحبه ثمناً باهظاً، فليكن بيانك بمثلٍ من واقع الناس وبحكمة.

 

هذا ما يفعله الجهل والطيش:

 وإليكم هذه الواقعة، فأنا أعرف صديقاً لي، وله جار يسكن في بعض أحياء دمشق، وكان لهذا الجار أولادٌ شباب وشابَّات، وقد زوَّج بعض بناته الشابات، له هوايةٌ لا ينفَّكُ عنها طوال سنين، أن يتجوَّل في بعض شوارع المدينة المزدحمة بالنساء الكاسيات العاريات في أيام الصيف، لا يفعل شيئاً إلا أنه ينظر، مهما كان البردُ شديداً، أو الحر شديداً فهذا الطريق يمشي فيه ذهاباً وإياباً كل يوم، ولا يفعل شيئاً، نصحه أصدقاؤه فلم يستجب، إلى أن أُصيب بمرضٍ اسمه ارتخاء الجفون، وهو لم يمت بعد، ولا يستطيع الآن أن يرى إنساناً إلا إذا أمسك جفنيه بيديه، ورفعهما، فكثيراً ما يكون الجزاء من جنس العمل، قال تعالى:

 

﴿ وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾

( سورة الشورى: من الآية 40)

 فإذا أقنعت الإنسان أن إطلاق البصر يسبب شقاء زوجياً، وأحياناً يسبب انزلاقاً نحو الزنا، لأن الزنا مبدؤه من النظر، وإذا أقنعته أن من غض بصره عن محارم الله أورثه الله حلاوةً في قلبه إلى يوم يلقاه، إذا أقنعت الناس بالدخل الحلال، وبيَّنت أن الدخل الحرام لابدّ من أن يدمَّر، من أخذ أموال الناس يريد أداءها أدّى الله عنه، ومن أخذ أموال الناسِ يريد إتلافها أتلفه الله، إذا بيّنت لهم الحكمة استجابوا لك، إذاً:

﴿ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً﴾

( سورة البقرة: الآية 269 )

 إذاً فأنت بين المنزلتين: إما أن تكون عابداً، وإما أن تكون عالماً، وشتَّان بين الوظيفتين، العابد خيرُه لنفسه، العابد يصلي، ويصوم، ويحج، ويزكي، ويعمل بمقتضى أوامر اللهُ عزّ وجل، ولكنه لا يستطيع أن يُقْنع أحداً بأحقية الإسلام، هذا خيره محدود، وأما العالم فعلمه يحقق الخير الكثير له وللناس..

﴿ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً﴾

 إذاً:

﴿ وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى آَتَيْنَاهُ حُكْماً وَعِلْماً﴾

 هذه ليست له وحده، يا عبادي، كلُّكم عندي سواسية..

﴿ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ ﴾

الحكم والعلم جزاء للإحسان:

 هذا الحكم، وهذا العلم كانا جزاء إحسانه، وأيٌّ واحدٌ منكم إذا أحسن فسوف أُعطيه الحكم والعلمَ، وهذه قاعدة ربانيَّة، ويوضِّح هذا عندما دخل سيدنا يونس في بطن الحوت..

﴿ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ (87) فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ (88) ﴾

( سورة الأنبياء )

 في كل زمان وفي كل مكان، هذه التعقيبات تقلب القِصص إلى قوانين، التعقيبات تقلب القصة التي وقعت، وانتهت إلى قانون مستمر، ما أروع هذه التعقيبات..

﴿ وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى آَتَيْنَاهُ حُكْماً وَعِلْماً وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ ﴾

أثر الإخلاص في إتيان العلم والحكمة:

 ورد في بعض الأقوال: " أنه من أخلص لله أربعين صباحاً تفجَّرت ينابيع الحكمة في قلبه، وأجراها الله على لسانه "، أي أن الإنسان إذا أخلص لله، وإذا أطاعه طاعةً تامة، فهو يحتار، وهو يعجب من نفسه كيف أصبح طليق اللسان، يشعر وهو يتكلَّم كأن سيلاً من المعلومات قد تدفَّقت عليه، لا يدري ماذا يختار منها، وأحياناً الإنسان العاصي الغارق في شهواته لا يستطيع أن يتكلَّم كلمة، فمن أخلص لله أربعين صباحاً تفجَّرت ينابيع الحكمة في قلبه، وأجراها الله على لسانه، بعضهم يظن هذا حديثاً صحيحاً، وهو حديث مشكوك في أمره، أي أنه ضعيف، فأنا أشرت إلى أنه قول من الأقوال..

﴿ وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى آَتَيْنَاهُ حُكْماً وَعِلْماً وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ ﴾

حذفُ معمول الإحسان يدل على إطلاق الإحسان:

 الإحسان مطلق، وأنا أُؤَكِّدُ لكم أن كلَّ إنسان بفطرته يعرف ما هو الإحسان، كل واحد يعرف من دون تعليم، لك أن تُحْسِن، ولك أن تسيء، لك أن تسخر، إذا سخرت من إنسان وأنت أقوى منه حَجَّمْته، وشعر بالخزي، وشعر بالألم، ولك أن تثني عليه، لك أن تفضح، ولك أن تستر، لك أن تَمُنَّ بعطائك، ولك أن تسكت، لك أن تستعلي، ولك أن تتواضع، لك أن توفِّق، ولك أن تفرِّق، لك أن تغتاب، فالغيبة تتوافق مع شهوة النفس، ولك أن تسكت، فأوصيك أن تفعل المحامد، وأن تحسن النية والعمل..

﴿ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ ﴾

الإحسان إلى الحيوان:

 النبي الكريم رأى رجلاً يذبح شاةً على مرأى من أُختها، فغضب عليه الصلاة والسلام، وقال:

 

(( أتريد أن تميتها مرتين ؟ هلا حجبتها عن أختها ))

 

[ ورد في الأثر ]

 إذاً حتى عند ذبح الشاة فهناك إحسان.
 عَنْ شَدَّادِ بْنِ أَوْسٍ قَالَ: ثِنْتَانِ حَفِظْتُهُمَا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ:

 

(( إِنَّ اللَّهَ كَتَبَ الْإِحْسَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ، فَإِذَا قَتَلْتُمْ فَأَحْسِنُوا الْقِتْلَةَ، وَإِذَا ذَبَحْتُمْ فَأَحْسِنُوا الذَّبْحَ، وَلْيُحِدَّ أَحَدُكُمْ شَفْرَتَهُ، فَلْيُرِحْ ذَبِيحَتَهُ ))

 

[مسلم]

(( وَإِذَا ذَبَحْتُمْ فَأَحْسِنُوا الذَّبْحَ ))

 وكيف يكون الذبح حسناً ؟ قال:

 

(( وَلْيُحِدَّ أَحَدُكُمْ شَفْرَتَهُ، فَلْيُرِحْ ذَبِيحَتَهُ ))

 إذاً تعذيب الحيوان إساءة، أحياناً يدوس الإنسان نباتاً يسبح الله عزّ وجل، زهرة صغيرة يدوسها، لماذا فعلت هكذا ؟ أنت لست محسناً، أحياناً يُطعم حيواناً جائعاً، وهذا الحيوان قد يكون غير نافع، قد يكون أحياناً كلباً، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:

 

 

(( بَيْنَا رَجُلٌ يَمْشِي فَاشْتَدَّ عَلَيْهِ الْعَطَشُ، فَنَزَلَ بِئْرًا فَشَرِبَ مِنْهَا، ثُمَّ خَرَجَ، فَإِذَا هُوَ بِكَلْبٍ يَلْهَثُ، يَأْكُلُ الثَّرَى مِنْ الْعَطَشِ، فَقَالَ: لَقَدْ بَلَغَ هَذَا مِثْلُ الَّذِي بَلَغَ بِي، فَمَلَأَ خُفَّهُ، ثُمَّ أَمْسَكَهُ بِفِيهِ، ثُمَّ رَقِيَ، فَسَقَى الْكَلْبَ، فَشَكَرَ اللَّهُ لَهُ، فَغَفَرَ لَهُ، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَإِنَّ لَنَا فِي الْبَهَائِمِ أَجْرًا ؟ قَالَ: فِي كُلِّ كَبِدٍ رَطْبَةٍ أَجْرٌ ))

 

[متفق عليه]

 كلمة ( إحسان ) هذه كلمة شاملة.
 هناك آية تقول:

﴿ وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ ﴾

( سورة العنكبوت )

إِنّ اللهَ مَع المُحسنينََ

 فهو مع المحسنين دائماً، الله يتولى الصالحين، يوجد إحسان في القول، وإحسان بالعمل، وإحسان بالسكوت، وإحسان مع الجار، مع الأخ، مع القريب، مع الصاحب، مع الابن، مع الزوجة، مع العدو، مع الحيوان، مع النبات..

﴿ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ ﴾

لا يجتمع في القلب إيمان وإساءة:

 أيها الإخوة الأكارم... المؤمن محسن، لا يجتمع الإيمان مع الإساءة، فإنسان مؤذٍ والناس يخشون أذاه، فهذا مستحيل أن يكون مؤمناً، المؤمن مصدر أمن، مصدر سلام، مصدر إحسان، مصدر رخاء للناس، كتلة خير، خير متنقِّل، الكافر يحب الأذى، والناس رجلان: بَرٌ تقيٌ كريمٌ على الله، وفاجرٌ شقيٌ هينٌ على الله عزّ وجل، فلا يوجد حل ثانٍ، إما أن تكون محسناً، وإما أن تكون مسيئاً في عملك، في بيتك، في كل حركاتك وسكناتك.

 

فصلٌ جديد من قصة موسى:

 

1 ـ دخول موسى المدينة في وقت القيلولة:

 الآن نحن على عتبة مرحلةٍ جديدةٍ من القصة:

﴿ وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِهَا﴾

(القصص: الآية 15 )

 المدينة هي العاصمة، وفي بعض الكتب أنها مدينة عين شمس الآن، وهي في مصر، واسمها عين شمس، وكانت هي العاصمة على عهد فرعون..

﴿ وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِهَا﴾

 أي في وقت القيلولة، في وقت النوم..

 

2 ـ موسى وحادثة الرجلين المقتتلين:

 

﴿ فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلَانِ هَذَا مِنْ شِيعَتِهِ﴾

 إسرائيلي..

 

﴿ وَهَذَا مِنْ عَدُوِّهِ﴾

 من أتباع فرعون..

 

﴿ فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ﴾

3 ـ تدخُّل موسى لفضّ النزاع:

 معنى وكزه أي: ضربه بجمع يده..

﴿ فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ﴾

4 ـ وفاة الرجل الفرعوني بوكزة موسى:

 فوقع ميتاً، أعوذ بالله ! لم يُرِدْ موسى أن يقتله، إن الله تعالى لم يقل: فقتله، لا، لو قال: فقتله، أيْ أنه أراد قتله.

 

﴿ فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ﴾

 بل قال:

 

﴿ فَقَضَى عَلَيْهِ﴾

﴿ فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ قَالَ هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ ﴾

 وإن شاء الله تعالى في الدرس القادم نتابع هذه القصَّة بَدْءاً من قوله تعالى:

﴿ وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِهَا﴾

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018