دروس حوارية - الدرس : 19 - التوبة سبيل النصر - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

دروس حوارية - الدرس : 19 - التوبة سبيل النصر


2006-07-16

الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا ، إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين ، أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم ، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات .

توهمات والرد عليها من كتاب الله :

التوهم الأول و الرد عليه :

أيها الإخوة ، ذكرت أنه لا يستقيم إيمان عبد إذا توهم أن الله لا يعلم ما يجري في الأرض ، ألا يعقل لإله بيده كل شيء ، ويعلم كل شيء ، ألا يعلم ما يجري على سطح الأرض مما ترون وتسمعون ؟ إذاً الله يعلم ، ولا يستقيم إيمان عبد يتوهم أن الله لا يقدر أن يفعل شيئاً حاسماً بين عباده ، الله يقدر ، وتوهم أنه لا يعلم يرده قوله تعالى :

 

﴿ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا ﴾

[ سورة : 59]

فكيف بصاروخ مدمر ؟

التوهم الثاني و الرد عليه :

الله قادر أن ينهي وجود أي كيان بكن فيكون
ويرد التوهم بأنه لا يقدر تعلقُ قدرة الله بكل شيء ، تصادم لوحين سبّب قوة تساوي مليون قنبلة ذرية في زلزال تسونامي ، مليون قنبلة تصادم لوحين : لوح استراليا ولوح آسيا .
وأبيد في هذا الزلزال ثلاثمئة ألف وشرد خمسة ملايين وبلاد بأكملها دمرت ، ولم تقف على قدميها قبل عشر سنوات ، إذاً الله قادر ، في أي مكان هناك طغيان ، وعدوان ، إذاً الله قادر أن ينهي وجود هذا الكيان ، شيء بديهي ، كن فيكون .

 

 

 

 

 

التوهم الثالث و الرد عليه :

 

 

 

 

ذكرت أيضاً أنه لا يستقيم إيمان عبد إذا توهم أن الله لا يعنيه ما يجري على سطح الأرض ، هو يعلم وقادر ، ويعنيه ما يجري على سطح الأرض .
أحياناً ـ ولله المثل الأعلى ـ إنسان يعلم ما يجري بين شخصين ، وبإمكانه أن يوقف هذا النزاع ، لكن لا يبالي بما يجري بينهما ، هذا أيضاً لا يستقيم به إيمان ، إذاً : إذا آمنا أن الله يعلم ، وقادر ، ويعنيه ما يجري ، فهو الإيمان الحق ، لأنه في السماء إله ، فكيف نفسر ما يجري ؟
هذا التفسير يحتاج إلى قوة إيمان ، يجب أن تؤمن أن الذي يجري وفق خطة الله ، لأنه ما شاء الله كان ، وما لم يشأ لم يكن ، قال تعالى :

﴿ مَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَداً ﴾

[ سورة الكهف : 26]

ومستحيل وألف ألف ألف مستحيل أن يظلم الله مخلوقاً كائناً ما كان ، قال تعالى :

 

﴿ مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآَمَنْتُمْ ﴾

[ سورة النساء : 147]

أحياناً الإيمان يتزلزل ، أحياناً لسان القال أو لسان الحال يسأل : أين الله ؟ ابتلاء صعب جداً ، الكافر يقوى ويقوى إلى درجة أنه يفعل ما يريد ، ولا أحد يراجعه ، ولا أحد يعترض على سطح الأرض عليه ، بل يقول : من حقه أن يدافع عن نفسه ، وهو يتفنن بتدمير كل شيء ، وقتل الأبرياء والأطفال والنساء ، والمنشآت والجسور ، كيف نتوازن ؟ الله يعلم ، وقادر ، ويعنيه ما يجري في الأرض .
ليس هناك إلا تفسير واحد ؛ أن الذي يجري وفق خطة الله .

من هو القوي ؟

قوة الأقوياء لا ترد بالقوة وحدها بل بالتوبة والإنابة
طيب ؛ من هو القوي ؟ هذا كلام دقيق ، القوي هو الذي سمح له الله أن يكون قوياً ، لأن أقوى الأقوياء بكلمة زل يزول ، والكيان الذي كان يملك من القنابل النووية ما يدمر بها خمس قارات خمس مرات من دون حرب ، من دون قتال تداعى من الداخل ، وصار في مؤخرة الدول ، أليس كذلك ؟
إذاً مع الله ليس هناك قوي ، أول تفسير الله يعلم ، ثاني تنويه الله قادر ، ثالث تنويه الله يعنيه ما يجري ، وهناك تفسير واحد : أن الذي يجري يجري وفق خطة الله ، لماذا ؟ لأن قوة الأقوياء لا ترد بالسيوف وحدها ، بل ترد بالإنابة ، والتوبة ، وبالسيوف ، هذا هو الفرق بين أن ترد ظلم الظالم بالسيف ، وبينك وبينه فرق في الأسلحة يفوق حد الخيال ، وبين أن ترد ظلم الظالم بالعودة إلى الله ، والصلح معه ، والإنابة إليه ، ثم بإعداد القوة ، هذا هو الفرق .

من شروط النصر : التوبة إلى الله :

إذا قال قائل : ما العمل ؟ أقول : للنصر شرطان لا ثالث لهما ، ومهما ذهبت ، ومهما درست ، ومهما تأملت ، ومهما حللت فللنصر شرطان ، كل واحد منهما شرط لازم غير كاف ، وهذان الشرطان يطبقان على سيد الأنبياء والمرسلين ، وصحابته الغر الميامين ، وعلى من في آخر الزمان ، إنه قانون واحد ، النبي عليه الصلاة والسلام وأصحابه لم ينتصروا في أحد ، مع أن النبي سيد الخلق ، وأصحابه نخبة الخلق ، لم ينتصروا ، لأن هناك معصية للرسول ، فلو انتصروا لسقطت طاعة رسول الله ، ولم ينتصروا في حنين ، لم ينتصروا في أحد لسبب سلوكي ، ولم ينتصروا في حنين لسبب اعتقادي ، قالوا : لن نغلب من قلة .
فإذا كان في أمة في آخر الزمان ألف سبب وسبب ، وألف ذنب وذنب ، وألف معصية ومعصية ، وألف انحراف عقدي وسلوكي ، وألف فاحشة وفاحشة فأين النصر ؟
إن أمة تعج بالمعاصي والكذب والدجل ، والربا والقسوة والظلم ينبغي ألا تنتظر من الله أن ترد سيوف الأقوياء إلا بإنابتك إلى الله أولاً ، وبطاعتك له ثانياً ، هذه ملاحظة مهمة جداً .
أيها الإخوة الكرام ، لذلك في هذه الأحوال الصعبة ، في هذه الظروف المخيفة ، في هذه المحن الشديدة ، في هذا العدوان الغاشم ، في هذا التهديد المستمر ، لا ينفعنا أولاً إلا التوبة ، وثانياً أن تقوي نفسك ، أن تقوي علمك ، أن تقوي خبرتك ، أن تخلص لأمتك ، أن تقدم شيئاً ثميناً ، أن ترحم الناس ، أن تحمل من همومهم .
مطلوب منا أن نقوي أنفسنا وخبراتنا
مثلاً : لو تمكنت أن تستورد مادة غذائية لا تصلح في بلاد أخرى إلا لغير البشر ، واستورتدها بثمن بخس ، واستطعت بطريقة أو بأخرى أن تدخلها ، وأن تأخذ موافقة على إدخالها ، مقابل شيء ، هل تعلم أن مثل هذا الإنسان الذي يطعم الناس غذاءً فاسداً يسبب لهم أمراضاً خبيثة هو يمشي بطريقة معاكسة لانتصار الأمة ، لو أن كل تاجر ، أو كل مستورد ، أو كل زارع ، أو كل طبيب ، أو كل مهندس ، أو كل محام حرص أن يطبق منهج الله في حياته لكنا أقوياء جداً ، ولكانت هذه القوة من المنعة بحيث لا تخترق .
في هذه الأيام يقفز الموضوع الأول بعد الإيمان ، إنه موضوع التوبة ، لذلك لا أنا ولا أنتم نستطيع أن نزيح الضلالة والمعاصي عن كل الناس ، لكن ابدأ بنفسك فانهها عن غيها ، فإذا انتهت عنه فأنت حكيم .
عَنْ أَبِي مُوسَى عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ :

(( إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يَبْسُطُ يَدَهُ بِاللَّيْلِ لِيَتُوبَ مُسِيءُ النَّهَارِ ، وَيَبْسُطُ يَدَهُ بِالنَّهَارِ لِيَتُوبَ مُسِيءُ اللَّيْلِ ، حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِهَا ))

[ مسلم ]

من الأحاديث الصحيحة أن النبي عليه الصلاة والسلام يقول :

(( إذا كان ثلث الليل الأخير نزل ربكم إلى السماء الدنيا فيقول : هل من تائب فأتوب عليه ؟ هل من مستغفر فأغفر له ؟ هل من سائل فأعطيه ؟ هل من طالب حاجة فأقضيها له ؟ حتى ينفجر الفجر ))

[ أحمد ]

أنت لست مكلفاً إلا بنفسك ، لست مكلفاً إلا أن تقيم الإسلام في نفسك ، وفي بيتك ، وفي عملك ، فإن أفلحت في هذا فقد أديت الذي عليك ، وبقي لك من الله الذي لك ، فإن الله عز وجل يحب التوابين ، وما أمرنا أن نتوب إليه إلا ليتوب علينا ، وما أمرنا أن نستغفره إلا ليغفر لنا ، وما أمرنا أن ندعوه إلا ليستجيب لنا :

(( إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يَبْسُطُ يَدَهُ بِاللَّيْلِ لِيَتُوبَ مُسِيءُ النَّهَارِ ، وَيَبْسُطُ يَدَهُ بِالنَّهَارِ لِيَتُوبَ مُسِيءُ اللَّيْلِ ، حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِهَا ))

خاطر من الخواطر الإيمانبة :

هذه العبارة وردت كثيراً في بعض الأحاديث خاطر إيماني حولها لا تعدوه تفسيراً دقيقاً : حينما ترى أن العالم الغربي هو العالم الحقيقي ،عنده القيم ،عنده المبادئ ، عالم الحرية والديمقراطية ، ترونها رأي العين ، الحمد لله شيء قريب منا ، ديمقراطية أن يدخل جندي يغتصب بنتا أمام أمها وأبيها مع رفاقه ، ثم يقتلها ، ثم يقتل أمها وأباها ، ثم يقتل إخوتها ، ثم يحرق البيت ، لماذا جاءوا إلى العراق ؟ من أجل الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان ، فلذلك لما يرى الإنسان أن العالم الغربي هو العالم الحقيقي ، منه القيم ، منه المبادئ ، الاختلاط حضارة ، وتعري النساء حضارة ، والمال الربوي والبنوك حضارة ، وكل الأشياء التي نفاها الإسلام هي في الحقيقة جزء من هذه الحضارة ، يجب أن يتعلم الطفل الموسيقا ، والعزف على البيانو ، وإلا ليس متحضراً بل هو متخلف .
حينما ترى أن شمس المعرفة من الغرب ، وأن القيم من الغرب ، وأن الذوق من الغرب ، وأن اللباقة من الغرب فأنت لا يمكن أن تتوب ، لا يمكن أن تتوب ، بل ترى أن الدين تخلف ، والدين قتل ، والدين إرهاب ، والدين فقر ، والدين تعصب ، والدين ضبابية ، والدين سوداوية ، والدين جمود ، والدين تزمت ، إذا ظننت الدين كذلك فلا يمكن أن تتوب ، وهناك خطأ كبير واستراتيجي ، لذلك :

(( إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يَبْسُطُ يَدَهُ بِاللَّيْلِ لِيَتُوبَ مُسِيءُ النَّهَارِ ، وَيَبْسُطُ يَدَهُ بِالنَّهَارِ لِيَتُوبَ مُسِيءُ اللَّيْلِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِهَا ))

بعد أن تطلع الشمس من مغربها لا يتوب الله عز وجل على أحد ، ترى الشخص همه الجنس ، همه التعري .
والله قالت لي زوجة رجل على الهاتف ، وهي محجبة : اغتنى في بلد نفطي بشكل جيد ، أمرها أن تقدم إليه ، فإن لم تكوني بشكل فاضح لا أقبلكِ ، بل تعودين من المطار ، وهي محجبة .
إذا كانت الحضارة بتعري المرأة ، وبالكسب الربوي ، وبالاختلاط ، وبالنفاق ، وبالفنون الجميلة فإن الموت ما دخل في الحسابات إطلاقاً ، إذا ظننت أن شمس المعرفة ، وشمس القيم ، وشمس الحضارة هي من الغرب فقد أغلق باب التوبة ، ومن هوي الكفرة حشر معهم ، ولا ينفعه عمله شيئاً .

 

الكفر بالطاغوت ثم الإيمان بالله :

أنا أقول لكم أيها الأخوة الكرام : لا يمكن أن تؤمن قبل أن تكفر ، لا يمكن أن تؤمن بالله قبل أن تكفر بالطاغوت ، مادام الطاغوت كبيرًا في نظرك ، وعنده تقنية ، وعنده حضارة ، وبلاده جميلة ، وفي تعامله دقيق جداً ، وعنده حقوق إنسان ، وعنده اتفاقيات التمييز ضد المرأة ، واتفاقيات ضد تمييز الطفل ، وعنده مؤتمرات السكان ، مادامت الشمس تراها من الغرب فاقرأ على الأمة السلام ، الشمس هي في الحقيقة من بلاد المسلمين ، والذي قاله بعض العلماء : أنا لا أصدق أن يستطيع العالم الإسلامي اللحاق بالغرب على الأقل في المدى المنظور ، لاتساع الهوة بينهما ، ولكنني مؤمن أشد الإيمان أن العالم كله سيركع أمام أقدام المسلمين ، لا لأنهم أقوياء ، ولكن لأن خلاص العالم بالإسلام .
القضية عميقة جداً ، إن رأيت أن هذا الدين حق ، وأن هذا الدين وحي السماء ، وأن هذا النبي حق ، وأن منهجه حق ، وأن القرآن حق ، وأن الجنة حق ، وأن النار حق ، يمكن أن تتوب ، إن اعتقدت بالآخرة تتب ، أما الآخرة إن لم تدخل في حساباتك إطلاقاً فوالله الذي لا إله إلا هو معظم المسلمون في تعاملهم ، في كسب أموالهم ، في إنفاق أموالهم ، في احتفالاتهم ، في زواجهم ، في تطليقهم ، في سفرهم ، في حلهم ، في ترحالهم ، والله لا يدخلون الآخرة في حساباتهم إطلاقاً ، أنت كمؤمن هل تستطيع أن تدوس على نملة قصداً ، وأن تسحقها بحذائك ؟ كيف تنهب معملا ؟ تنهب شركة ؟ تنهب بيتًا ؟ يكون لك إخوة صغار فتأخذ منهم وكالة عامة ، وتجمع كل ثروة الأب لك ، كيف ؟ كيف تضر بالوصية ؟ كم من دعوى كيدية في قصر العدل ؟ سبعة آلاف دعوة كيدية ، والذين يقيمونها من رواد المساجد .
ولذلك أيها الإخوة ، هذا الوقت المناسب للتوبة ، إن أردتم أن ينزاح عنا هذا العدو ، والله إنه عدو ما مرّ في تاريخ البشرية من عدو أقسى منه ، ولا أشد حقداً ، ولا أكثر بطشاً ، ترون مليون ضعف مليار ضعف عما يستحق أسر جنديين ، أمة تهدم كل ممتلكاتها ، كل منشآتها ، كل بنيتها التحتية ، بلا رحمة ، ومعظم القتلى أطفال ونساء ومدنيون ، فإذا أردتم أن ينزاح هذا الخطر ، وأن يحفظ الله بلادنا ، ويحفظ مدينتنا ، وأن يحفظ منشآتنا ، ويحفظ علينا بنيتنا التحتية ، ويحفظ علينا تربية أولادنا ، فتوبوا إلى الله ، وهذا الوقت المناسب جداً للتوبة .
إذاً التعليق الأول : حتى تطلع الشمس من مغربها ، أشهد الله من شدة ما أرى أنهم يكذبون ، ويزورون ، ويبطشون أكاد أنهار ، هم أول الكيانات في العالم إرهاباً ، وأول الكيانات في العالم كذباً ، يتمنى إنسان أن يسكن في خيمة ، وفيها رحمة للصغار ، أن يسكن بيتاً متواضعاً بسيطاً ، أن يسكن كوخاً ، وفيه كلمة صدق ، كل الكلام الآن كذب ، كل الذي يقال من أخبار من عند الغربيين كذب ، بعد تدمير خمسة أيام ، وكل شيء هدم ، ولا طريق سالكًا ، ولا كهرباء ، يصدر تصريح كم شعرت براحة ، قال : أعمال إسرائيل ليست مبررة ، وزير خارجية السويد قال : أعمال إسرائيل ليست مبررة فقط ، وانتهى كل شيء .
أيها الإخوة الكرام ، نحن في أي عصر نعيش ؟ العالم كله ينافق للقوي ، العالم كله ينافق للقوي ، لا قيم ، ولا مبادئ ، ولا وطنية ، ولا قومية ، ولا إنسانية ، ولا دين ، ولا حياء ، ولا شيء ، هناك قوي يتفنن بإذلال الضعيف ، وغني يتفنن باستغلال الفقير ، والكذب في أعلى مستوى .
الحديث الأول رواه مسلم .
والحديث الثاني :

(( من تاب قبل أن تطلع الشمس من مغربها تاب الله عليه ))

[ ورد في الأثر ]

هذا هو الغرب !!!

في وقت الثقافة الغربية هي السائدة في العالم كله ، طبيب نفسي عادي جداً ، لو أن مريضاً شاباً زاره ، أول سؤال : ألك صاحبة ؟ يقول له : لا ، فيقول : عليك أن تصاحب فتاة ، ما قولك في طبيب عالم نفس أول نصيحة له أنه يأمرك بمعصية ، هكذا ثقافته ، أن تصاحب فتاةً قبل الزواج ، وأن يكون لك تجارب قبل الزواج .
والله حدثني أخ سافر إلى بلد غربي في إنسان من هولندا أقام في مصر سنوات طويلة أعجبه النمط الإسلامي ، أقسم بالله بحث عن فتاة عذراء أربع سنوات لم يصل إليها ، أربع سنوات يبحث في كل هولندا عن فتاة واحدة عذراء .
وزير السياحة في تايوان يفتخر قبل زلزال تسونامي أنه ليس في بلاده كلها فتاة عذراء واحدة ، ومونديال كأس العالم مليون زائر لألمانيا ، هؤلاء لهم حاجات في الزنا ، إذاً بنوا بناء ضخماً كلف سبعة ملايين أورو ، وعندهم أربعمئة فتاة معهم ترخيص ، وبطاقة رسمة ، وشهادة صحية ، ولها أسعار ، هذه أمة !!؟
لعل الله يرحمنا بمجالس الذكر والعلم
أين أنتم يا أيها الإخوة الكرام ، أين الإسلام العظيم ؟ أين العفة ؟ أين الاستقامة ؟ لذلك حينما تطلع الشمس من مغربها ، حينما يرى المسلم أن الغرب هو كل شيء ، وأن حضارته هي الحضارة ، وأن قيمه هي القيم ، وأن نمط حياته هو النمط ، فمستحيل أن تعطى رخصة لفندق خمس نجوم من دون خمر ، الخمر حضارة ، مستحيل أن يقام احتفال من دون اختلاط ، والمرأة شبه عارية ، هذا نمط غربي ، النمط الغربي معمم في العالم كله ، فلذلك أيها الإخوة الكرام ،

(( من تاب قبل أن تطلع الشمس من مغربها تاب الله عليه ))

إذا أوى الإنسان إلى مسجد ، وتعلم حقيقة هذا الدين ، وحقيقة الكتاب الكريم ، وحقيقة سيد المرسلين ، وانغرس في قلبه مبادئ الإسلام ، وقيم الإسلام ، وعرف الواحد الديان ، وعرف سر وجوده ، وغاية وجوده ، لعل الله يرحمنا جميعاً بهذه المجالس

(( ما جلس قوم ذكروا الله فيه إلا غشيتهم الرحمة ونزلت عليهم السكينة وذكرهم الله فيمن عنده وحفتهم الملائكة ))

[ الترمذي ]

لَوْ لَمْ تُذْنِبُوا

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :

((وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ لَمْ تُذْنِبُوا لَذَهَبَ اللَّهُ بِكُمْ ، وَلَجَاءَ بِقَوْمٍ يُذْنِبُونَ فَيَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ فَيَغْفِرُ لَهُمْ ))

[ مسلم ]

الحديث طبعاً على ظاهره غير معقول ، وإذا ورد المنقول بخلاف المعقول وجب أن نؤول المنقول بما لا يخالف المعقول :
معنى : تذنبوا أي لو لم تحسوا بذنوبكم .
إنسان قذر جداً ، وثيابه قذرة جداً ، قلت له : انظر إلى ثيابك ، ما فيها شيء أبداً ، ما فيها غلط ، ليست فقط ثيابه قذرة ، لا يشعر أنها قذرة إطلاقاً ، وحينما لا يشعر الإنسان بذنب ، وهو يرتكب الذنوب معنى ذلك أنه ميت .
الطبيب أحياناً في حالة الموت أولاً : يمسك النبض ، ولا حركة ، لعل هناك ضعفًا جداً بالنبض ، يطلب مرآة ويضعها أمام أنف المريض ، إذا ظهر بخار ماء على المرآة فهناك بقية تنفس ، وإذا لم يجد يأتي بمصباح ، ويفتح عينيه ، ويشعل المصباح ، فإذا تحركت حدقة العين في حياة ، لا في نبض ولا في نفس ولا في استجابة للضوء يقول لهم عظم الله أجركم ، فإذا الإنسان ما شعر بذنب أبداً نقول له عظم الله أجركم ، يقول لك ماذا فعلت ؟ جلسة كلها غيبة ونميمة وفسق وفجور وأكل مال حرام ومال ربوي ودخل ، ماذا نفعل ? لا نؤذي أحداً ، هكذا كلام الناس ، لا نؤذي أحداً ، وإن كان زير نساء ، إن الله جميل يحب الجمال ، مثل هذا الإنسان انتهى عند الله ،

(( لَوْ لَمْ تُذْنِبُوا ))

المؤمن يتكلم كلمة غلط لا ينام ، يقسو على إنسان يتألم ، علامة صحتك النفسية ألمك من ذنبك ، وذنب المؤمن كالجبل جاثمًا على صدره ، وذنب المنافق كالذبابة ، فأنت تقيس إيمانك بعظم الذنب عندك ، كلما صغر الذنب عندك كبر عند الله ، وكلما كبر الذنب عندك صغر عند الله .

(( لَوْ لَمْ تُذْنِبُوا ))

يقول لك : ما فعلنا شيئا ، وهو جالس يملأ عينيه من محاسن امرأة ، هل أكلناها ؟ متعة فقط ، فالذي يرتكب الذنوب ولا يشعر بها إطلاقاً هذا الذي ذكره النبي عليه الصلاة والسلام :

(( لَوْ لَمْ تُذْنِبُوا لَذَهَبَ اللَّهُ بِكُمْ ، وَلَجَاءَ بِقَوْمٍ يُذْنِبُونَ فَيَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ فَيَغْفِرُ لَهُمْ ))

لازلنا في التوبة ، الحل الآن الذي ينبغي أن نفعله جميعاً أن نتوب إلى الله ، لأن التوبة حصن ، ولأن الله يحفظ عباده إذا تابوا ، قال تعالى :

 

﴿ فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً * يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَاراً * وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَاراً* مَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَاراً * وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَاراً ﴾

[ سورة نوح ]

فرح الله بتوبة العبد :

الآن يجب أن تعلم أن الله عز وجل لو تبت إليه ما الذي يحصل ؟ في رواية لمسلم :
عن أَنَس بْن مَالِكٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :

(( لَلَّهُ أَشَدُّ فَرَحًا بِتَوْبَةِ عَبْدِهِ حِينَ يَتُوبُ إِلَيْهِ مِنْ أَحَدِكُمْ كَانَ عَلَى رَاحِلَتِهِ بِأَرْضِ فَلَاةٍ ، فَانْفَلَتَتْ مِنْهُ ، وَعَلَيْهَا طَعَامُهُ وَشَرَابُهُ ، فَأَيِسَ مِنْهَا ، فَأَتَى شَجَرَةً فَاضْطَجَعَ فِي ظِلِّهَا ، قَدْ أَيِسَ مِنْ رَاحِلَتِهِ ، فَبَيْنَا هُوَ كَذَلِكَ إِذَا هُوَ بِهَا قَائِمَةً عِنْدَهُ ، فَأَخَذَ بِخِطَامِهَا ، ثُمَّ قَالَ مِنْ شِدَّةِ الْفَرَحِ : اللَّهُمَّ أَنْتَ عَبْدِي ، وَأَنَا رَبُّكَ ، أَخْطَأَ مِنْ شِدَّةِ الْفَرَحِ ))

[ مسلم ]

حدثنا مرة أستاذ بالجامعة ، أستاذ الأدب العربي الجاهلي قال : هذا الشعر كله لا يمكن أن تتذوقه إلا إذا زرت الصحراء ، ونمت فيها ليلتين ، كل أوصاف الصحراء ، والصفاء في الصحراء ، والسماء في الصحراء ، والخوف في الصحراء ، وقيمة الكرم في الصحراء ، وقيمة الشجاعة في الصحراء ، كل الشعر الذي يتحدث عن الصحراء ، والشعر الجاهلي كله شعر صحراوي ، لا يمكن أن تذوق هذا الشعر إلا إذا ذهبت إلى الصحراء ، كل كلمة يقولها الشاعر صار لها مرتكز عندك ، لو أن واحداً منا كان في الصحراء ، وضلت عنه الناقة فموته بالمئة مليون موت محقق ، طبعاً ليس هناك خلوي ، ولا هاتف ، ولا استراحة ، ولا مراكز معالجة ، ولا شرطة مرور ، صحراء ،

(( .... كَانَ عَلَى رَاحِلَتِهِ بِأَرْضِ فَلَاةٍ فَانْفَلَتَتْ مِنْهُ ، وَعَلَيْهَا طَعَامُهُ وَشَرَابُهُ ، فَأَيِسَ مِنْهَا ، فَأَتَى شَجَرَةً فَاضْطَجَعَ فِي ظِلِّهَا ، قَدْ أَيِسَ مِنْ رَاحِلَتِهِ ، فَبَيْنَا هُوَ كَذَلِكَ إِذَا هُوَ بِهَا قَائِمَةً عِنْدَهُ ، فَأَخَذَ بِخِطَامِهَا ، ثُمَّ قَالَ مِنْ شِدَّةِ الْفَرَحِ : اللَّهُمَّ أَنْتَ عَبْدِي ، وَأَنَا رَبُّكَ أَخْطَأَ مِنْ شِدَّةِ الْفَرَحِ ))

تكلم بالكفر ، لأنه اختل توازنه ، أخطأ من شدة الفرح ، لله أفرح بتوبة عبده من ذلك البدوي بناقته ، كان موقناً بالموت ، فوهبت له الحياة ، لَلَّهُ أَشَدُّ فَرَحًا بِتَوْبَةِ عَبْدِهِ من ذلك البدوي بناقته .

 

التوبة ، التوبة ، التوبة :

أيها الإخوة الكرام ، ليس لنا في هذه الظروف إلا التوبة ، وإلا أن يكون البيت بيتاً مسلماً ، وأن يكون العمل عملاً إسلامياً ، وأن يكون الإسلام مطبقاً في حياة الإنسان ، وفي بيته ، وفي عمله ، فلعل الله يحفظ بلادنا ، ويحفظ مدينتنا ، ويحفظ ممتلكاتنا ، التشرد صعب ، والآن في العالم نزوح مخيف ، إنسان يخرج بثيابه فقط ، ينام في الطريق ، شيء مخيف ، التوبة ، التوبة ، التوبة .

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018