دروس حوارية - الدرس : 17 - القرآن والسنة سبقا علم النفس - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

دروس حوارية - الدرس : 17 - القرآن والسنة سبقا علم النفس


2006-07-02

 الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا ، إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين ، أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم ، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات .

رسالة إلكترونية:

 أيها الإخوة الكرام ، وصلتني رسالة من أخ كريم يقول فيها : من منا لم يندم يوماً على كلمة قالها ، أو على تصرف قام به ، وقد يندم أشد الندم ، ومن منا لم يفكر يوماً بضبط انفعالاته ومشاعره ، ومن منا لا يتمنى أن يتحكم بعواطفه تجاه الآخرين ؟
 وبالمناسبة معظم مشكلاتنا في بيوتنا ، في علاقاتنا بزوجاتنا ، في علاقاتنا بأولادنا ، في علاقاتنا بمراكز أعمالنا ، في علاقاتنا مع شركائنا ، في علاقاتنا مع أقربائنا ، معظم المشكلات التي قد تنتهي بالقطيعة ، أو قد تنتهي بالطلاق ، أو قد تنتهي بإنهاء الشركة سببها أن أحد الأطراف لم يضبط انفعالاته .
 يقول بعد حين : ليتني سكت ، ليتني استوعبت ، ليتني لم أكن قاسياً ، ليتني لم أرفع صوتي على شريكي ، شركة ناجحة جداً تنتهي بموقف غير منضبط.
 أيها الإخوة الكرام ، الحقيقة أنه كلما أدركت حقائق دقيقة عن نفسك ، وعن جسمك ، وعن انفعالك أمكنك السيطرة عليها ، أنت لا تبتعد بالكومبيوتر ، إن كنت تعرف دقائق هذا الجهاز أنت مسيطر عليه ، لكن أحياناً لا تعرف كيف يعمل ، مشكلة صغيرة جداً تحتاج إلى ثانية واحدة يبقى الجهاز معطلاً أسابيع ، لأنك لا تعرف كيف يعمل ، إذاً أنت لا تستطيع أن تسيطر عليه .
 و الحقيقة المؤلمة أيضاً أن كثيراً من الناس عندهم قدرات عالية جداً ، و ميزات عالية جداً ، ولكنهم لا يستعملونها بسبب عدم علمهم بها .
 وكان من الممكن أن تتقدم في حل مشكلاتك إلى خمسين بالمئة حينما تعرف أنك في مشكلة ، لمجرد أن تحدد المشكلة ، وأن تعرف أبعاد المشكلة قطعت في حلها نصف الطريق .

ما هي المشكلة التي ليس لها حل ؟!

 المشكلة التي ليس لها حل أن الإنسان لا يعلم أنه يعاني من مشكلة يظن الحياة هكذا ، لا ، تعاني أنت من مشكلة ، أنت حينما تعرف حجم المشكلة ، و تعرف أبعاد المشكلة تكون قد قطعت نصف الطريق في حلها .
 النقطة التي ينبغي أن نعلمها جيداً ، إما أن تدير أنت نفسك ، إما أن تتملك زمام إدارة جهازك الدماغي والعصبي والانفعالي ، أو يدار دماغك من قِبل غيرك .
 والله هذه النقطة أكثر معاناة أعانيها من هذه النقطة ، يأتي شاب قالت له أمه : طلق فيطلق ، قال أبوه : افعل كذا يفعل كذا ، هو لا يخطط ، غيره يُخطط له ، الكلمة الدقيقة إما أن تملك أنت قيادة جسمك ، دماغك ، انفعالاتك ، مشاعرك ، إما أن تخطط ، أو أن يتولى الآخرون ، من الآخرون ؟ أحياناً الوالدة ، والوالدة غير متعلمة ، وتعيش قبل ثمانين سنة نمطها قديم جداً ، تريد أن تتحكم في ابنها و زوجته معاً ، أو الأب أو الأصدقاء أو الأقارب أو الأعداء ، أهون احتمال أن من حولك يتحكم بك ، أحياناً أنا أشعر أنه فتاة أعظم إنسان في حياتها زوجها ، تتلقى التعليمات التفصيلية حتى في فراش الزوجية من أمها ، افعلي معه كذا ، لا تكلميه ، قاطعيه ، اهجري فراشه ، هذه الفتاة تشقى بزوجها ، لأن التعليمات تتلقاها من غير ذاتها ، والزوج أحياناً كذلك ، تجد من حول الإنسان يتحكمون به في خصوصياته ، في علاقاته الحميمة ، في مودته لزوجته ، في تربية أولاده ، هذه أكبر مشكلة أنا أعاني منها ، حينما تعرض عليّ قضايا الناس ، ليس له اختيار ، ليس له شخصية ، ليس له قرار أبداً ، قراره بيد أمه ، أو قرارها بيد أمها ، وكم من أسرة تشرد أبناؤها بسبب الطلاق ، لأن الأم تتدخل في البنت ، أو الأب يتدخل في الابن ، فأنت ككيان إما أن تدير نفسك ، أو يأتي إنسان هو الذي يديرك ، وهذا الذي يديرك بعيد عن أحاسيسك ، بعيد عن مشاعرك ، بعيد عن واقعك ، بعيد عن طموحك ، يتحكم فيك ، وأنت لا تشعر .

العقل الباطن ودوره في الحياة :

 الآن الفقرة الأولى في هذا اللقاء الطيب أن العلماء يؤكدون أن هناك عقلاً باطناً يتحكم بعواطفك وانفعالاتك ومشاعرك ، بل وتصرفاتك كيف ؟ عندنا عقل واع ، وعندنا عقل باطن ، لك زميل بالمدرسة ، بعد كذا سنة تألق تألقاً جيداً في المجتمع ، بعقلك الباطن تتألم ، تقع في غيرة شديدة ، الآن عقلك الباطن يوحي لك أن ابحث عن أخطائه ، ابحث عن ثغراته ، تأخذ هذه الأخطاء ، و تكبرها ، ودون أن تشعر لا ترى إلا السلبيات ، لا ترى إلا المثالب ، تشهر بها ، معنى ذلك ، وأنا أثق أنك بريء ، وأنك لا تفكر بعقلك الواعي أن تؤذيه ، لكن عقلك الباطن تدخل في الأمر ، وأمر عقلك الواعي أن تبحث عن أخطائه .
 الفكرة الأولى أن العقل الباطن يتصل بالعقل الواعي بقنوات ضيقة جداً ، هذه أول فكرة ، وسوف أريكم أن العقل الواعي يتصل بالعقل الباطن بقنوات ضيقة جداً ، يصبح العقل الباطن يلقن ، و يوحي للعقل الواعي أن يفعل كذا و كذا ، أنا أتكلم عن إنسان مؤمن بريء بريء جداً ، أما عقله الباطن فهو الذي يعمل ، ومع تكرار هذا الإيحاء فإن العقل الواعي يستجيب للعقل الباطن ، وينتقل هذا التأثر إلى سلوك ، لكن في أيّ فترة ينشط هذا التواصل بين العقل الباطن والعقل الواعي ؟
 يتصل العقل الباطن بالعقل الواعي عبر قنوات ضيقة في فترة ما قبل النوم ، و فترة ما بعد الاستيقاظ ، قبل أن تنام و بعد أن تستيقظ.
 هناك أستاذ جامعي ألف كتاباً عن قوة العقل الباطن ، بيع من هذا الكتاب أكثر من مليون نسخة ، بماذا أمر النبي عليه الصلاة والسلام أن تقول قبل أن تنام ؟
 عَنْ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ قَالَ : قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ

(( إِذَا أَتَيْتَ مَضْجَعَكَ فَتَوَضَّأْ وُضُوءَكَ لِلصَّلَاةِ ، ثُمَّ اضْطَجِعْ عَلَى شِقِّكَ الْأَيْمَنِ ، ثُمَّ قُلْ : اللَّهُمَّ أَسْلَمْتُ وَجْهِي إِلَيْكَ ، وَفَوَّضْتُ أَمْرِي إِلَيْكَ ، وَأَلْجَأْتُ ظَهْرِي إِلَيْكَ ، رَغْبَةً وَرَهْبَةً إِلَيْكَ ، لَا مَلْجَأَ وَلَا مَنْجَا مِنْكَ إِلَّا إِلَيْكَ ، اللَّهُمَّ آمَنْتُ بِكِتَابِكَ الَّذِي أَنْزَلْتَ ، وَبِنَبِيِّكَ الَّذِي أَرْسَلْتَ ، فَإِنْ مُتَّ مِنْ لَيْلَتِكَ فَأَنْتَ عَلَى الْفِطْرَةِ ، وَاجْعَلْهُنَّ آخِرَ مَا تَتَكَلَّمُ )) .

[ متفق عليه ]

 فترة اتصال العقل الباطن بالعقل الواعي عبر قنوات ضيقة تكون قبل النوم ، والنبي عليه الصلاة والسلام بوحي من الله أمرنا قبل أن ننام أن ندعو بهذا الدعاء ، وأمرنا حينما نستيقظ ، وبعد أن نفتح عيوننا أن نقول :

(( الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي عَافَانِي فِي جَسَدِي وَرَدَّ عَلَيَّ رُوحِي وَأَذِنَ لِي بِذِكْرِهِ )) .

[ الترمذي عن أبي هريرة ]

 الحقيقة أن عند علماء النفس شيئًا أنا أراه مضحكاً ، أنت قبل أن تنام قل : سأكون أميناً ، سأكون حليماً ، هادئاً ، سأكون صادقاً ، قل هذا الكلام قبل أن تنام مع التكرار لتكون حليماً ، وصادقاً وأميناً ، أما النبي فإنه يعلمنا أن تستمد من الله الحكمة ، من خالق الأكوان ، بين أن تتلفظ أنت بكلمات لا معنى لها ، قبل أن تنام النبي الكريم أمرك أن تقول هذا الكلام ، أن تتوجه إلى الرحمن الرحيم ،

(( إِذَا أَتَيْتَ مَضْجَعَكَ فَتَوَضَّأْ وُضُوءَكَ لِلصَّلَاةِ ، ثُمَّ اضْطَجِعْ عَلَى شِقِّكَ الْأَيْمَنِ ، ثُمَّ قُلْ : اللَّهُمَّ أَسْلَمْتُ وَجْهِي إِلَيْكَ ، وَفَوَّضْتُ أَمْرِي إِلَيْكَ ، وَأَلْجَأْتُ ظَهْرِي إِلَيْكَ ، رَغْبَةً وَرَهْبَةً إِلَيْكَ ، لَا مَلْجَأَ وَلَا مَنْجَا مِنْكَ إِلَّا إِلَيْكَ ، اللَّهُمَّ آمَنْتُ بِكِتَابِكَ الَّذِي أَنْزَلْتَ ، وَبِنَبِيِّكَ الَّذِي أَرْسَلْتَ )) .

 إذاً قبل أن تنام ، وبعد أن تستيقظ هذا وقت دقيق جداً حاول أن تدعو بالأدعية التي علمنا النبي إياها قبل أن ننام من أجل أن يستمد عقلك الواعي من عقلك الباطن معونة الله عز وجل ، وهل هناك أجمل من أن يكون طبيبك هو الله .
 والله أستمع إلى كلمات من أناس جاؤوا من بلاد بعيدة ، مرة شخص له صديق أصيب بمرض في دماغه ، قال : أنا ذهبت إليه ، وقلت له تحدَّ المرض ، تحدَّ المرض تُشفَ منه ، هذا كلام مضحك ، ما معنى التحدي ؟ لكن قل :

 

﴿ الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ * وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ* وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ * وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ * وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ ﴾

[ سورة الشعراء ]

 والنبي يقول قل : يا رب أنت خلقتني ، وأنا عبدك ، وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت ، أجمل فترة قبل أن تنام ، و بعد أن تستيقظ اتصل بالله بالدعاء ، والكتاب الذي بَيَنَ العقل الباطن بيعت منه مليون نسخة ، والنبي عليه الصلاة والسلام يأمرنا أن نتوجه إلى الله قبل النوم ، وبعد الاستيقاظ

من أسباب الشفاء من الأمراض النفسية :

 إخواننا الكرام ، من أبرز أسباب الشفاء من الأمراض النفسية :

1 – أنْ تعترف بالخلل أو المرض :

 مادمتَ تعترف أنه عندك مشكلة نفسية فاعترافك بهذه المشكلة ، وإدراكك لأبعادها نصف الطريق على الحل .

 

2 – التسامح مع الخَلق :

 يجب أن تتسامح مع الخلق ، صدقوا أيها الإخوة ، هذا الكلام الذي كتب هذا الكلام لا علاقة له بالإسلام إطلاقاً ، ولا علاقة له بالقرآن إطلاقاً ، وأنا يغلب على ظني أنه ما قرأ القرآن إطلاقاً ، لكن هو باختباراته ، و بقواعد علمية ، و بتجارب وإحصاءات ، وبمعاينات استنبط أن الاعتراف بالخلل ، و إدراك أبعاد المشكلة نصف طريق الحل ، واعترف أيضاً أن أكبر شيء يسرع الشفاء أن تسامح الناس ، الاعتراف ثم المسامحة ، لذلك قالوا : أظهرت الدراسات أن أطول الناس أعماراً هم أكثرهم تسامحاً .
 أحياناً يدخل إنسان بدعوى مع خصم له اثنين وعشرين عاما في القضاء ، وكل أسبوع يسأل المحامي ماذا حدث ؟ والله خصمك يُخاف منه ، لا ينام الليل ، قدّم وثيقة مزورة ، ما الحل ؟ نريد خبراء خط ، يدَعُك اثنين وعشرين عاما محطمة أعصابك ، لو سامحته ، أنت تكون أذكى شخص ، أنت أرحت نفسك من اثنين و عشرين عاما من الضغط النفسي ، وتنتهي أحياناً بالجلطة .
 يقول لي أحد القضاة الكرام : أكثر من ألف دعوى تشطب كل شهر لموت أحد الطرفين ، فأنت عندما تسامح تكون عاقلاً ، وتكون ذكياً .

3 – الإنفاق على الفقراء :

 شيء ثانٍ ، إن هذا الكلام لا يصدق ، لأن الذي يكتبه لا يعرف القرآن إطلاقاً ، قال : حينما تنفق مالك على الفقراء تشعر بتوازن ، وتشعر بصحة نفسية ، وتشعر بارتياح ، أن تسامح و أن تنفق و الأولى الاعتراف .
 اسمعوا القرآن الكريم :

 

﴿ وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ﴾

[ سورة آل عمران ]

 بقي الاعتراف :

 

﴿ وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ ﴾

[ سورة آل عمران : 135]

 قال لك : استغفر ، أيقن ، واعترف أنك مخطئ ، ولا يوجد إنسان يستغفر من لاشيء ، أيقن و اعترف بأنك مخطئ ، وسامح خصمك .
 أول شيء : أن تنفق على الفقراء ، اعترف بحجم المشكلة ، واستغفر ، وأنفق على الفقراء ، واعفُ عن الناس ، بهذه الطريقة تمتلك صحة نفسية كبيرة جداً .
 صدق أيها الأخ أن مئات الأشخاص عاشوا حياة سعيدة جداً ، لأنهم كانوا يسامحون بعضهم ، يقول لك : لا يوجد مشكلة ، أنا صحتي النفسية أغلى ، أنا أعيش حياة نفسية مرتاحًا أغلى من هذا المبلغ الذي في النهاية قد لا آخذه :

 

﴿ وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ ﴾

[ سورة آل عمران : 135]

4 – الإرادة الكافية لعدم تكرار الانفعال :

 و يؤكد العلماء أن الطريق المثالية لعلاج الكثير من الاضطرابات النفسية والانفعالات هو أن يكون لديه إرادة كافية لعدم تكرار الانفعال :

 

﴿ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا ﴾

[ سورة آل عمران : 135]

 إذاً نحن يكفينا كلام الله ، يكفينا أن نعود لهذا المنهج الإلهي العظيم الذي أنزله الله على نبيه الكريم ، لكن نحن عندنا عقدة .
 مرة قلت لإخواننا : هناك شخص يسكن في منطقة الحجر الأسود ، وهو حي متواضع جداً في دمشق ، فسئل : أين أنت تسكن ؟ قال له : بلاك ستون سيدي ، مادامت كلمة أجنبية فهي شيء تمام .
 مرة حدثني أخ أنه صنع كولونيا على يده ، أحضر الليمون وسبيترو ، وعتقهم سنتين ، فشيء رائع جداً ، شيء لم يكلف شيئاً ، حصّر خمسة ليترات ، لم تكلفه خمسين ليرة ، فكلما عطر شخصاً قال : ما شاء الله ، من أين هذه ، هذه ليمونز ، نحن كل شيء يأتينا من الخارج شيء كبير جداً ، انظر ما في هذا الكتاب الكريم ، انظر ما في هذا التنزيل العظيم ، فنحن اتفقنا أنه عندنا عقل باطن يعمل ، وعندنا عقل واع ، و أن بين العقلين اتصالاً بقنوات ضيقة يتم هذا الاتصال قبل أن تنام ، وبعد أن تستيقظ ، والنبي الكريم علمنا أننا إذا أوينا على فراشنا أن ندعو الله عز وجل بدل أن تقول : أنا سأكون جيداً ، أنا سأكون مستقيماً ، أنا سأكون هادئاً ، أنا سأكون حليماً .
 إذا لم يكن مع شخص مال يقول : أنا سأكون غنياً ، تبقى فقيراً بقدر ما تقول ، أما هنا فالتوجيه النبوي في ساعة اتصال العقل الباطن مع العقل الظاهر تتوجه إلى الله الذي بيده كل شيء ، يا رب احفظني ، إن أمسكت نفسي فارحمها ، وإن أرسلتها فاحفظها مما تحفظ منه عبادك الصالحين .
 و الله أيها الإخوة الكرام ، جاء شخص له مسافة طويلة يمشي بها ، عنده أدعية رائعة جداً : اللهم إني عبدك ، وابن عبدك ، وابن أمتك ، ناصيتي بيدك ، ماض فيّ حُكمُك ، عدلٌ فيّ قضاؤك ، أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له السماوات و الأرض ، و صلح عليه أمر الدنيا والآخرة ، من أن تنزل بي سخطك ، أو أن تحل عليّ غضبك ، لك العتبى حتى ترضى ، لكن عافيتك أوسع لي .
 عَنْ شَدَّاد بْن أَوْسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَيِّدُ الِاسْتِغْفَارِ أَنْ تَقُولَ :

(( اللَّهُمَّ أَنْتَ رَبِّي ، لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ ، خَلَقْتَنِي وَأَنَا عَبْدُكَ ، وَأَنَا عَلَى عَهْدِكَ وَوَعْدِكَ مَا اسْتَطَعْتُ ، أَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ مَا صَنَعْتُ ، أَبُوءُ لَكَ بِنِعْمَتِكَ عَلَيَّ ، وَأَبُوءُ لَكَ بِذَنْبِي فَاغْفِرْ لِي ، فَإِنَّهُ لَا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا أَنْتَ )) .

[ البخاري ، الترمذي ، النسائي ، أحمد ]

 تعلم الأدعية ، اتصل بالله عز وجل ، تركب سيارة ، تمشي بطريق ، تعمل رياضة مثلاً ، تجلس في جلسة ، تنتظر إنساناً ، ناجِ الله عز وجل ، هؤلاء الذين لا يعرفون الله إطلاقاً يقولون : اعمل مناجاة داخلية ، قل : أنا سأكون مستقيماً ، سأكون حليماً ، سأكون منضبطاً ، فهذه أبلغ ، أبلغ أن تتصل بالواحد الديان ، وأن تسأله !!!

5 – العمل الصالح :

 و الشيء الآخر إخواننا الكرام ، لمجرد أن تفعل عملاً صالحاً تشعر بسعادة لا توصف ، لكن من ذاق عرف ، جرب تخدم إنساناً لوجه الله ، أن تطعم هرة ، أن تأخذ حيواناً مكسوراً إلى البيطرة ، والله قال لي أخ مرة : وأنا قادم من طريق الزبداني الساعة الثانية عشرة بالليل وجدت شاباً وفتاة يحملان طفلاً صغيراً ، لكن وضعه مؤلم جداً ، هذه في أثناء أحداث لبنان الابن حرارته إحدى وأربعين ، وهم غرباء من لبنان ، قال لي : أخذتهم إلى المستشفى ، وأسعفت الطفل ، وأخذنا له الأدوية ، واشتريناها من الصيدلية المناوبة ، وزرنا مستشفى لنأخذ الإبر ، قال لي : انتهيت الساعة الرابعة ، قال لي : بقيت أسبوعين أنا في جَنّة ، اعمل عملاً ، وانظر ماذا يحدث معك ، جرب أن تخدم إنساناً لوجه الله ، تعاون إنساناً ، الكفار الأجانب الذين ليس فيهم دين يتبرعون بأعمال صالحة فيشعرون براحة ، ويأتي إنسان يقول لك : أنا أريد أن أعتني بالمسنين ، يقدم طلباً لجمعية ليفرزوه لمسن يزوره باليوم ساعة ، ينظف له غرفته ، يؤانسه ، و يمشي ، يشعر براحة ، يكون لك عمل صالح ، اخدم الناس ، عندك أبواب العمل الصالح لا تعد و لا تحصى ، الطرائق إلى الخالق بعدد أنفاس الخلائق .
 لذلك أيها الإخوة الكرام ، نريد قرآناً كريماً ، وسنة نبوية ، وفيهما كل شيء .
 إخواننا الكرام ، لي أستاذ بالابتدائي توفي ـ رحمه الله ـ توفي في الثانية والتسعين ، كان مدير مدرسة ، و كان إلى جانب المدرسة جامع ، و يوجد بالجامع غرفة تابعة للجامع امرأة مقعدة ، فتولى خدمتها ثلاثين سنة ، ينظف الغرفة ، و يحضر لها أكلها ، كان بيته بجانب المدرسة ، وجانب الجامع ، وترك التدريس ، وتقاعد ، وانتقل للمزة ، وعمره أصبح بالسبعينات ينزل من المزة بباص المزة لساحة الأمويين ، ثم يمشي إلى المهاجرين حتى يتابع خدمته لهذه المرأة ، أهله لم يحتملوا ، أنه أنت بالسبعين يكفي خدمتها ثلاثين عاماً ، يكفي هذا ، قال لهم : أبداً ، لا يمكن أن أترك خدمتها يوماً ، النتيجة بعد فترة تفاقم الأمر ، فوجدوا لو أنهم أحضروها إلى منزلهم كان أحسن لهم ، قالوا له : أحضرها ، هيئوا لها غرفة صغيرة ، ووضعوها فيها ، وبعد ثلاثة أيام توفيت ، لماذا يتابع العمل ؟ لأنه سعيد .
 أقول لكم كلمة : أحياناً تجد الداعية مرهقًا جداً ، ولكن إذا لم يكن عنده عمل يموت ، لأنه تعوّد على الخدمة ، تعوّد على الخير ، فأنت عوّد نفسك على عمل صالح لا يكفي أن تسمع عندما تعمل عملاً صالحاً تحس برقي كبير .
 والله هناك أخوات أنا أحترمهن جداً ، في رمضان والله هن فقيرات ، يطعمن كل يوم خمسًا وعشرين أسرة فقيرة ، يطبخون ، ماذا تملك المرأة ؟ إذا كانت امرأة تحب الله ورسوله ، تعرف تطبخ ، هكذا تعمل ، طبخة لخمس وعشرين أسرة ، وتعمل من الصباح إلى المساء ؟ تشعر بسعادة ، أنت لا تعرف عندما تخدم الناس كيف الله يتجلى على قلبك بالسكينة ، لا تكن أنانياً ، اخرج من ذاتك لتنتهي كل أمراضك ، وتنتهي كل مشاكلك ، عندما تخدم عباده يكون الله لك شكورًا ، وتحل جميع مشاكلك ، هم في مساجدهم ، و الله في حوائجهم ، فإذا لم يكن للشخص عمل صالح يقول لك : أنا متضايق ، صلاتي غير منضبطة ، أقرأ القرآن ولا أشعر بشيء ، لأنه لا يوجد لديه عمل :

 

﴿ فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً ﴾

[ سورة الكهف : 110]

 عوّد نفسك أن تعمل عملاً صالحاً ، و يوجد مليون عمل صالح تشعر أن له قيمته ، يؤدي بقلوب الناس :

 

﴿ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً ﴾

[ سورة النحل : 120]

لِيَكُن لك عملٌ في الدنيا تجده في قبرك !!!

 واللهِ دخلت إلى بيوت للتعزية ، أنظر إلى الرخام ( أو نكس ) ، شفاف ، الجبصين ، الأقواس ، الشرقيات ، الأثاث ، التحف الفنية ، أين صاحب المنزل ؟ جالس بباب صغير مع الجرذان ، صح لما خطأ ؟ كلنا سنرحل ، هذا البيت الضخم الذي كلف بناءه ثمانين مليونًا أين يجلس صاحبه الآن ؟ يجب أن تفكر في هذه الساعة ، انظر ماذا يحدث ، يموت الإنسان فتبقى أغراضه في المنزل ، بدلاته ، أغراضه ، خزانته ، له درج كل شيء فيه ، مقتنياته الخاصة ، لا يُفتح ؟ يُفتح بعد غيابه ، النتيجة ليس في البيت ، سيارته مصفوفة أمام الباب ، يأتي أقرباءه إلى القبر ، يوضع في القبر ، الكل يرجع ليعزَّوا ، وانتهى الأمر ، من نزل معه ؟ عمله فقط .
 لذلك هيئ عملاً صالحاً تلقَ الله به ، أنا أتألم حين أجد أخاً مستقيماً ، لكن لا عمل له ، طالب العلم ساعده مثلاً ، عندك بيت أجره لشخص طالب علم بنصف الأجرة ، تخفف عنه قليلاً ، تقدم شيئاً من أثاث بيتك الذي لا تريده لطالب علم ، تنفق شيئاً .
 بصراحة أقول لكم : إذا لم يكن لكم أعمالاً صالحة لا ترتاحون ، المشاكل في الحياة تتفجر تفجراً ، والله هناك أناس الآن ترحموا على شارون مع أنه لم يمت ، هذا الثاني ، لأن الأول لم يعمل هذا ، فالثاني البنية التحتية ضربها كلها ، لا كهرباء ، ولا شيء أبداً ، لا معامل ، ولا أجهزة ، ولا كومبيوترات ، ولا تكييف ، ولا شيء أبداً ، ضرب مئة وخمسين مليون دولار في ثانية ، بكبسة زر ذهبوا جميعاً ، ضرب الجسور كلها ، قطعها عن بعضها .
 فلذلك أيها الإخوة الكرام ، الحياة صعبة جداً ، وفيها مخاطر ، ولا تريح ، وعندنا مشاكل في العالم الثالث كله ، ونحن مشكلتنا أن الطاقة عندنا ، وكل الحضارة من دون طاقة لا قيمة لها ، فلن يريحنا هؤلاء الجماعة ، لا موضوع أسلحة دمار شامل ، ولا شيء ، كل هذا كذب ، هو موضوع بترول فقط ، نحن عندنا منابع النفط ، و النفط هو روحهم ، لذلك لن يريحونا ، اعمل عملاً صالحاً إذا لقيت الله عز وجل لك شيء يدخل معك في القبر.

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018