الدرس : 6 - سورة الأنبياء - تفسير الآيات 42 - 70 - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الدرس : 6 - سورة الأنبياء - تفسير الآيات 42 - 70


1988-05-27

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد، الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علما، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
 أيها الإخوة المؤمنون، مع الدرس السادس من سورة الأنبياء، في الدرس الماضي وصلنا إلى قوله تعالى:

﴿ قُلْ مَنْ يَكْلَؤُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ مِنَ الرَّحْمَنِ بَلْ هُمْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِمْ مُعْرِضُونَ﴾

حفظُ الله عبادَه بالليل والنهار

 يكلؤكم بمعنى يحفظكم، من الذي يحفظكم ؟ يحفظ أجهزتكم، وصحتكم، وأولادكم، وأهلكم، وأموالكم، لابدَّ من رحمةٍ وعنايةٍ وحفظٍ من قبل الله عزَّ وجل.

﴿ قُلْ مَنْ يَكْلَؤُكُمْ ﴾

 هل في الأرض كلِّها جهةٌ تستطيع أن تحفظكم ؟ لأن أجهزة الإنسان بيد الله عزَّ وجل، أن تعمل بانتظام من دون خلل فهذا بإذن الله، وهذا بقدرة الله، ولثالث برعاية الله، والرابع بحفظ الله..

﴿ إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ﴾

( سورة الطارق: 4)

 وربنا عزَّ وجل يقول:

﴿ فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظاً وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾

( سورة يوسف:64)

 آلاف القصص التي أسمعها من كل أخٍ كريم أن الله عزَّ وجل حفظ مالي من التلف، وحفظ ابني من حادثٍ مروع، ورعى زوجتي من عمليةٍ جراحية خطيرة، ولولا أن الولادة تمت في الوقت المناسب، وصان صحتي من الخلل، هذا الذي يحفظكم، يحفظ كل شيءٍ متعلقٍ فيه، مَن ؟ الله سبحانه وتعالى.

﴿ قُلْ مَنْ يَكْلَؤُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾

﴿ فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظاً وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾

( سورة يوسف:64)

تعليم الإسلام سبل الحفظ والكلأ

 الأدلة من القرآن الكريم:
 لقد علَّمنا الله سبحانه وتعالى كيف نستعيذ به..

﴿ قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ (1) مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ (2) وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ (3) ﴾

( سورة الفلق )

 الشيطان إذا دخل نفس الإنسان..

﴿ وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ (4) وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ﴾

( سورة الفلق )

 وعلمنا أن نستعيذ به في سورةٍ أخرى:

﴿ قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ (1) مَلِكِ النَّاسِ (2) إِلَهِ النَّاسِ (3) مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ (4) الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ (5) مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ(6)﴾

( سورة الناس )

 الأدلة من السنة النبوية:
 والنبي عليه الصلاة والسلام كان إذا أوى إلى فراشه يقول:

 

(( اللَّهُمَّ أَسْلَمْتُ نَفْسِي إِلَيْكَ، وَفَوَّضْتُ أَمْرِي إِلَيْكَ، وَوَجَّهْتُ وَجْهِي إِلَيْكَ، وَأَلْجَأْتُ ظَهْرِي إِلَيْكَ، رَغْبَةً وَرَهْبَةً إِلَيْكَ، لا مَلْجَا وَلا مَنْجَا مِنْكَ إِلا إِلَيْكَ ))

 

( من صحيح البخاري: عن " البراء بن عازب " )

 وعلمنا أيضاً النبي عليه الصلاة والسلام أن نقول:

(( يَا حَيُّ يَا قَيُّومُ بِرَحْمَتِكَ أَسْتَغِيثُ ))

( من سنن الترمذي: عن " أنس بن مالك " )

 وعلمنا النبي عليه الصلاة السلام في أدعيته أن نقول:

 

(( اللَّهُمَّ أَنْتَ رَبِّي، لا إِلَهَ إِلا أَنْتَ، خَلَقْتَنِي وَأَنَا عَبْدُكَ، وَأَنَا عَلَى عَهْدِكَ وَوَعْدِكَ مَا اسْتَطَعْتُ، أَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ مَا صَنَعْتُ، أَبُوءُ لَكَ بِنِعْمَتِكَ عَلَيَّ، وَأَبُوءُ لَكَ بِذَنْبِي فَاغْفِرْ لِي، فَإِنَّهُ لا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلا أَنْتَ ))

 

( من صحيح البخاري: عن " شداد بن أوس " )

 وحينما يلتجئ الإنسان إلى الله عزَّ وجل يحفظه الله،

 

(( أنا عند ظن عبدي بي فليظن بي ما يشاء ))

 

[الجامع الصغير عن واثلة بن الأسقع]

 هذه الاستعاذة إن كانت بآيات القرآن الكريم التي وردت في معرض الاستعاذة والالتجاء، أو كانت في الأحاديث الشريفة التي وردت في معرض الالتجاء والاستعاذة، فهذه كلها إذا قرأها الإنسان وقلبه حاضر، ونفسه طاهرة، وعمله مستقيم، فإن الله سبحانه وتعالى يحفظه من كل شر، فهل في الكون جهةٌ بقدرتها أن تحفظكم إذا سألتموها الحفظ ؟

﴿ قُلْ مَنْ يَكْلَؤُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ ﴾

 إن الإنسان أحياناً تحمل زوجته وهي على وشك الوضع، فترى الزوج يلجأ إلى الله عزَّ وجل أن يكون المولود سليماً، فإذا جاء المولود سليماً فهذا بفضل الله عزَّ وجل، وإذا جاء مشوَّهَاً أو فيه خلل فتجده ينفق آلاف الآلاف من أجل أن يعود بشكلٍ صحيح، وقد يكون هذا غير ممكن.

﴿ قُلْ مَنْ يَكْلَؤُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ مِنَ الرَّحْمَنِ ﴾

رحمة الله تقتضي حفظ العباد

 لم يقل الله سبحانه وتعالى من الخالق، بل قال:

﴿ مِنَ الرَّحْمَنِ ﴾

 لأن الله سبحانه وتعالى برحمته يكلؤكم، لأنه رحمنٌ رحيمٌ يحفظكم، لأنه رحمنٌ رحيمٌ يقيكم من شر ما خلق، فكلمة الرحمن هنا جاءت مُنَاسِبَةً للحفظ والرعاية، أي أنه إذا كان الله معك فمن عليك ؟ وإذا كان عليك فمن معك ؟ ولكن الله سبحانه وتعالى بين لنا أن مَعِيَّتَهُ لها قانون..

﴿ وَقَالَ اللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلَاةَ وَآَتَيْتُمُ الزَّكَاةَ﴾

( سورة المائدة: من آية " 12 " )

﴿ بَلْ هُمْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِمْ مُعْرِضُونَ﴾

إعراض العباد عن ذكر الله

 فيُقبل على الدنيا، ويُقبل على مصالحه، وتجارته، وما يَعْنِيه منها، وبيته، أما إذا ذُكِّرَ بربه فإنه يعرض عنه، وإذا دُعي إلى مجلس علم فإنه يعتذر، وإذا دعي إلى عملٍ صالح يدَّعي أنه متعب، أما إذا دعي إلى صفقةٍ أو إلى شراء أرضٍ أو إلى شراء حانوتٍ، أو إلى رحلةٍ ممتعةٍ فإنه لا ينام الليل..

﴿ بَلْ هُمْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِمْ مُعْرِضُونَ﴾

 " يا رب كيف أشكرك ؟ "، قال: يا موسى تذكرني ولا تنساني، إنك إن ذكرتني شكرتني، وإذا ما نسيتني كفرتني "، أي أنه بمجرد أن تذكرني فأنت شاكرٌ لي، فإذا ما نسيتني كفرتني.

﴿ بَلْ هُمْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِمْ مُعْرِضُونَ﴾

 والله سبحانه وتعالى يقول:

﴿ وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى﴾

( سورة طه )

 هذا قانون..

﴿ وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي ﴾

 ( مَنْ ) اسم شرط جازم يأتي بعدها فعلان، يقع الثاني حتماً إذا وقع الأول، هذا معنى الشرط

﴿ وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي ﴾

 هذا فعل الشرط:

﴿ فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً ﴾

 معيشة شقية، ولو كنت من أصحاب الملايين، ولو كنت من أقوى الناس، لأن الله سبحانه وتعالى يَسْلُبُ المُعْرِضَ السعادة، ويبقي له الضيق، والقلق، والحيرة، والقهر..

﴿ وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً ﴾

﴿ بَلْ هُمْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِمْ مُعْرِضُونَ﴾

﴿وَإِذَا ذُكِّرُوا لَا يَذْكُرُونَ﴾

( سورة الصافات )

 أما المؤمن فإذا ذُكِّرَ يذكر، إذا ذُكِّرَ بآيات ربه خر لله ساجداً، إذا ذكر بأمرٍ إلهي نفَّذه، وبنهيٍ تركه، وبعبادةٍ قام إليها، وبمجلس علمٍ بادر إليه، وبالقرآن قرأه.

﴿ بَلْ هُمْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِمْ مُعْرِضُونَ﴾

 هؤلاء الذين أعرضوا عن ذكر الله فعلى أي شيءٍ يعتمدون ؟ وإلى أي قوةٍ يستندون ؟.

﴿ أَمْ لَهُمْ آَلِهَةٌ تَمْنَعُهُمْ مِنْ دُونِنَا ﴾

نظام جسم الإنسان تحت رحمة الله

 فهؤلاء الكفار، هؤلاء الفجار حينما أعرضوا عن ذكر الله، وحينما استغنوا عن رحمته، هل لهم قوةٌ تمنعهمم من الله عزَّ وجل ؟ هذا سؤال، أي أن هذا الكافر المُعرض على أي شيءٍ يستند ؟ إن كل عقله متوقفٌ على سلامة شرايين المُخ، فإذا تجمدت نقطة دمٍ في أحد شرايين المخُ دخل مستشفى الأمراض العقلية، أو أصيب بالشلل، أو أصيب بالعمى، كل قوة الإنسان نابعةٌ من حِفْظِ الله له، فلو أن شرياناً صغيراً، أو وعاءً شعرياً تجمدت فيه قطرة دمٍ لاختل توازنه، ولفقد ذاكرته، وبصره، وسمعه، ومحاكمَته، وحركته، وقوته، فعلى أي شـيءٍ تعتمد ؟

 

 أيّ غدةٍ من غدد الإنسان لو أنها قصَّرت أو نشطت أكثر مما يجب، تصبح حياة الإنسان جحيماً، فهذه الغدة الدرقية لو أنها قصَّرت لأصيب الإنسان بالتكاسل، ولو أنها نشطت أكثر مما ينبغي لأصبحت حياة الإنسان قلقةً لا ينام الليل، لفرط توتُّره ونشاطه، وهذه الغدة النخامية، غدة الكظر، فمراكز بالإنسان معقدة جداً، فمركز توازن السوائل لو اختل لشرِبَ الإنسان في اليوم مئات اللترات من الماء، ولطرحها في البول فوراً، ولابدَّ له أن يقيم إلى جانب صنبور ماءٍ، وإلى جانب دورة مياه، لو أن غدةً صغيرةً اختل توازنها.

﴿ قُلْ مَنْ يَكْلَؤُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ ﴾

 الكبد يفرز هرمون التجلُّط، وهرمون التميُّع، ومن إفراز هذين الهرمونين بشكلٍ متوازن ترون الدم على وضعه الطبيعي، فيه سيولة بين التجلُّط وبين التميُّع، ولو أن هرمون التميع زاد قليلاً لخسر الإنسان دمه من جُرْحٍ بسيط، أو لو أن هرمون التجلط زاد قليلاً لمات فوراً بجلطةٍ فجعل الدم كله كالوحل في شرايينه وأوردته..

﴿ قُلْ مَنْ يَكْلَؤُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ ﴾

 ولو أن الإنسان التهبت القنوات النصف دائرية في أذنيه لا يستطيع أن يمشي على قدميه، بل يحتاج إلى من يمسكه، ويفقد توازنه، والتوازن نعمة من نعم الله الكُبرى.

﴿ قُلْ مَنْ يَكْلَؤُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ ﴾

 فمن أَمَّنَ لك التوازن ؟ ومن الذي جعل هذه الأجهزة تعمل بانتظام ؟ تأكل اللُّقمة، فاللعاب فيه مواد هاضمة، ولسان المزمار لولا أنه يعمل لأصبحت حياة الإنسان جحيماً، وطريق الهواء وطريق الطعام، وهذا اللسان إذا أردت أن تأكُل يُغْلِقَ طريق الهواء ويفتح طريق المريء، فإذا أردت أن تتكلم أغلق طريق المريء وفتح طريق الهواء، ولو اختل عمله قليلاً لمات الإنسان، ولو دخل إلى رئتيه بعضٌ الماء لأصبحت حالته خطيرة، فلولا أن الله سبحانه وتعالى جعل في هذه الرغامى، القصبة الهوائية أشعاراً تطرد المواد الغريبة نحو الأعلى، وهذا هو القشع لما استقامت حياة الإنسان، ولولا أن المريء مزود بعضلات دائرية تسوقُ اللقمة من الأعلى إلى الأسفل، فالإنسان وهو نائم يأكل، والطعام يمشي في المريء، ولو علق من رجليه وأطعمته لقمةً تنطلق نحو الأعلى بفضل هذه العضلات التي تتقلَّص تباعاً.

﴿ قُلْ مَنْ يَكْلَؤُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ ﴾

 فالإنسان ينام، لكن لسان المزمار لا ينام، وكلَّما تجمَّع الريق في فمه، وهو نائم يأتي أمر من الدماغ إلى لسان المزمار بإغلاق القصبة الهوائية وفتح المريء، فيقال: بلع ريقه وهو نائم، وكل فترة يحس على حاله، وهذان الجفنان يرفَّان بشكل منتظم، ست عشرة حركة في الدقيقة، أنت لا تدري، فكلما تشكَّل على القرنية غبارٌ أو شيءٌ غريب جاء الجفن ومسح هذه القرنية، وجعل هذه الأجفان لئلا تلتهب أطراف الأجفان.

﴿ قُلْ مَنْ يَكْلَؤُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ ﴾

 والحديث عن الهضم شيءٌ لا ينتهي، فالبنكرياس، والصفراء، والكبد، والزُغابات المعوية، والحديث عن جهاز الدوران لا ينتهي، القلب، والدسَّامات، والدورة الصغرى، والدورة الكبرى، والشرايين ذات مرونة عالية جداً والأوردة أقل مرونة، فمن جعل الشريان في الداخل والوريد في الخارج، فلو أن الآية معكوسة، أي أن الشريان في الخارج، والوريد في الداخل، فأي جرحٍ أصاب الشريان يفقد الإنسان دمه كله، أما الشرايين ذات الضغط العالي في الداخل، والأوردة ذات الضغط المُنخفض في الخارج، من رَتَّبَ هذا الترتيب ؟

﴿ قُلْ مَنْ يَكْلَؤُكُمْ ﴾

 من جعل هذا الشعر، وهذه الأظافر بلا أعصاب حِس، الإنسان برأسه في ربع مليون شعر، وبكل شعرةٍ شريانٌ ووريد وغدةٌ دهنية، وعصبٌ محرك وعضلةٌ وغدة صبغية، لكن لا يوجد عصب حسي من أجل أن تقص شعرك من دون عملية جراحية، ومن دون مستشفى، من دون تخدير، تقصُّ شعرك وأظافرك، وأنت في راحة.

﴿ أَمْ لَهُمْ آَلِهَةٌ تَمْنَعُهُمْ مِنْ دُونِنَا ﴾

 إذا سُدّت قناة الدمع تصبح حياة الإنسان جحيماً، فيحتاج إلى منديل دائم، وكل دقيقة يمسح دمعه، وعندئذٍ يفيض الدمعُ على خده، والدمع مادة قلوية، وبعد أيام يلتهب الجلد، وأدق قناةٍ في الإنسان قناة الدمع، ولشدة دقتها لا تُرى بالعين، فتأخذ الدمع الفائض وتضعه في الأنف كي يكون المكان رَطِبَاً، ورطوبة الأنف ضرورية من أجل أن تلتصق المواد الغريبة في السطوح المتداخلة التي هي في طريق الهواء.

﴿ قُلْ مَنْ ﴾

 إنّ الإنسان زوده الله عزَّ وجل في أنفه بشرايين غاية الرقة والهشاشة، فإذا ارتفع ضغط دمه قليلاً تمزَّقت هذه الشرايين، وسال الدم من أنفه، وهنا يجب إجراء عملية لتلافي الخطر، فإذا ارتفع الضغط الشرياني في الدم تمزقت هذه الشرايين، وسال الدم وهو الرُعاف، والرُعاف صمام أمان، وأحياناً الآلات الغالية جداً يضعون في طريق الكهرباء نقطة ضعف، شريطاً رفيعاً جداً، على أي ارتفاعٍ للتيار يسيخ هذا الشريط فينقطع التيار، وهذا ضروري جداً، وهكذا الأنف.

﴿ أَمْ لَهُمْ آَلِهَةٌ تَمْنَعُهُمْ مِنْ دُونِنَا لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَ أَنْفُسِهِمْ وَلَا هُمْ مِنَّا يُصْحَبُونَ﴾

المخلوق ضعيفٌ لا يملك نصرا ولا نفعا ولا ضرا

 أي أن هؤلاء الذي أعرضوا عن الله، وأعرضوا عن ذكره، واستغنوا عـن رحمته لا يعتمدون على شـيء، لكن يعتمدون على أوهام..

﴿ لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَ أَنْفُسِهِمْ وَلَا هُمْ مِنَّا يُصْحَبُونَ﴾

 معنى يصحبون أي يلتجئون، لبعدهم عن الله عزَّ وجل، وعدم استجابتهم له لا يستطيعون أن يلجؤوا إليه فيحميهم من عدوِّهم.

﴿ بَلْ مَتَّعْنَا هَؤُلَاءِ وَآَبَاءَهُمْ حَتَّى طَالَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ أَفَلَا يَرَوْنَ أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا أَفَهُمُ الْغَالِبُونَ﴾

 أي:

﴿ بَلْ مَتَّعْنَا هَؤُلَاءِ ﴾

متاع الدنيا زائل بالفقر أو الموت

﴿قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ﴾

( سورة النساء: من آية " 77 " )

﴿ ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ نَزَّلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتَابِ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ﴾

( سورة البقرة )

﴿ مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ﴾

( سورة الإسراء: من آية " 18 " )

﴿ فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ﴾

( سورة الأنعام: من آية " 44 " )

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآَخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآَخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ﴾

( سورة التوبة )

﴿نُمَتِّعُهُمْ قَلِيلاً﴾

( سورة لقمان: من آية " 24 " )

 فعلى الإنسان ألا يفرح بمتاع الدنيا، وإنما سُمِّيَ متاعاً لأنه موقَّت.

﴿ قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ﴾

( سورة النساء: من آية " 77 " )

 خالق الكون ينصحك،

﴿ قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ﴾

 أترضى به ؟ أيعجبك أن تستمتع بالحياة سنوات عِدَّة ثم يساق الإنسان إلى النار وبئس المصير، هذا هو التمتع، لذلك:

﴿نُمَتِّعُهُمْ قَلِيلاً﴾

( سورة لقمان: من آية " 24 " )

﴿بَلْ مَتَّعْنَا هَؤُلَاءِ وَآَبَاءَهُمْ حَتَّى طَالَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ ﴾

أعظم العقوبة ترك الإنسان هملا بلا معالجة

 والله الذي لا إله إلا هو إنّ أشد عقوبةٍ يعاقب بها الإنسان أن يتركه الله هملاً بلا معالجة، فلما تأتي الإنسان المُعالجات الربَّانية تباعاً فهذه والله الذي لا إله إلا هو إشارةٌ طيبة، والدليل أن الله سبحانه وتعالى عَلِمَ فيك خيراً فأدَّبَكَ في الدنيا، فإذا أحب الله عبده ابتلاه، الإنسان يتألم إذا فعل المعصية، وتركه الله هملاً بلا معالجة، هنا يتألَّم، عندئذٍ كأنه مُهْمَل، وكأنه مُهان،

﴿ فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ ﴾

( سورة الأنعام: من آية " 44 " )

 خُذوا الدنيا، وسوف تردون إلى عالم الغيب والشهادة، هذه والله الذي لا إله إلا هو حقيقةٌ خطيرة إذا رأيت الله يتابعك بالمعالجة فهذه بشارةٌ طيبةٌ طيبة، أما إذا رأيت أن الله سبحانه وتعالى يُعطيك الدنيا كما تشتهي، ولا يُعالجك فهذه والله علامةٌ سيئة، وإذا رأيت الله يُتابع نِعَمَهُ عليك، وأنت تعصيه فاحذره.

﴿ حَتَّى طَالَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ ﴾

حَتَّى طَالَ عَلَيْهِمْ الْعُمُرُ

 ترى رجلاً عمره ستون سنة يلعب طاولة، أذن الظهر فلم يصل، من أربعين سنة هكذا، هذا مهان عند الله عزَّ وجل، بالستينات يمضي وقته كله في لَعِب النَرد، من دون صلاة، وصحته جيدة !!

﴿ بَلْ مَتَّعْنَا هَؤُلَاءِ وَآَبَاءَهُمْ حَتَّى طَالَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ ﴾

 كأنهم لا يموتون، تجده جالساً مع نساء لا يحللن له، وهو يمتِّع نظره بهن، ويدير معهن أحاديث غاية في الخبث، وهو مقيمٌ على المعاصي، ويقول لك: لم أفعل شيئاً، فأنا طاهر، وأنا مستقيم، وأنا كذا، فهذا الذي ينشأُ على المعصية، ويستمر عليها فيقسو، ويعمى قلبه، عندئذٍ يجعله الله خارج المعالجة.

﴿ أَفَلَا يَرَوْنَ أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا أَفَهُمُ الْغَالِبُونَ﴾

الاتعاظ بالموت والموتى

 أليس هناك موت ينهي هذه الحياة ؟ يُنهي هذا النعيم، وهذه المباهج، وهذه الملذَّات، وهذه الحماقات، أليس هناك موت ؟!

﴿ أَفَلَا يَرَوْنَ أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا ﴾

 شريط متحرك عليه أشخاص، في نهاية المكان يتساقط الناس، ويأتي أناسٌ آخرون، هكذا الحياة، أُناسٌ يولدون، وأناسٌ يموتون، فعلى مستوى البشر، وعلى مستوى النبات، وعلى مستوى الجماد، وعلى أي مستوى، هناك فناء، وهناك ولادة جديدة، إن ربك هو الخلاَّق العليم، فهناك خلق مستمر، وفناء مستمر، وكل إنسان له عمر، مهما اعتنى بصحته، ومهما كان أكله مدروساً، ومهما كانت ممارساته رياضيَّة عالية المستوى بعد ذلك ينتهي أجله، ولو أن بالرياضة، وبالمشي، وبالدقة التامة في الطعام والشراب، يتمكن أن يعيش صحيح الجسم، ولكن لابدَّ من الموت، يأتي ملك الموت..

﴿ بَلْ مَتَّعْنَا هَؤُلَاءِ وَآَبَاءَهُمْ حَتَّى طَالَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ أَفَلَا يَرَوْنَ أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا أَفَهُمُ الْغَالِبُونَ﴾

 فإذا طال على الإنسان العمر بالمعصية قسا قلبه، وظن أنه مُخَلَّد، وظن أنه لن يموت، وهكذا يتوهَّم.

﴿ قُلْ إِنَّمَا أُنْذِرُكُمْ بِالْوَحْيِ ﴾

القرآن بشير ونذير، وعد ووعيد

 هذا الوحي، لأن هذا الوحي فيه وعدٌ ووعيد، وفيه ذِكْرٌ لأهل الجنة، وما ينعمون به، وفيه ذكرٌ لأهل النار، وما يَشْقَوْنَ به.

﴿ قُلْ إِنَّمَا أُنْذِرُكُمْ بِالْوَحْيِ ﴾

 أي أن هذا كتاب فيه إنذار، وفيه تبشير، وتحذير، وأمر، ونهي، وحكمة، وقواعد، وكُلِّيات، وأخبار، وتنبُّؤات للمستقبل، وقصص الأنبياء السابقين، ومشاهد من يوم القيامة، وآيات كونية، وكل شيء..

﴿ قُلْ إِنَّمَا أُنْذِرُكُمْ بِالْوَحْيِ وَلَا يَسْمَعُ الصُّمُّ الدُّعَاءَ إِذَا مَا يُنْذَرُونَ﴾

 لكن هذا الذي جعل في أذنه وقرا عن أن يسمع الحق هذا لا يسمع، ما هو الوقر ؟ الشهوات، لقول النبي عليه الصلاة والسلام:

 

(( حُبُّكَ الشَّيْءَ يُعْمِي وَيُصِمُّ ))

 

( من سنن أبي داود: عن " أبي الدرداء " )

 فالشهوات الدنيوية بمنزلة وقرٌ يصم الآذان عن سماع الحق.

﴿ قُلْ إِنَّمَا أُنْذِرُكُمْ بِالْوَحْيِ وَلَا يَسْمَعُ الصُّمُّ الدُّعَاءَ إِذَا مَا يُنْذَرُونَ (45) وَلَئِنْ مَسَّتْهُمْ نَفْحَةٌ مِنْ عَذَابِ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ يَاوَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ﴾

مشابهة الكافر للبهيمة من حيث التصرف في حال الخطر

 سبحان الله ! الكافر لا يخاف إلا بعينه، فهو يقترب في هذه الناحية من البهيمة، والإنسان إذا رأى في غرفة شّقاً عرضياً، وكان مهندساً، والبناء قائم، والبيت مسكون، يتوقَّع أن هذا الشق خطير، أن الأساس فيه انهيار بسيط، فيملأ الشق مادة، ثم يمتحن هل الشق يتفاقم ؟ لأنه فيه فكراً، ودماغاً، وتفكيراً، وعقلاً، ولو كان هذا الشق في حائط إصطبل، وفي هذا الإصطبل دابة فهل تخاف الدابة ؟ أم تقلق ؟ أم تفكر ؟ أم تسأل مهندساً ؟ مستحيل، دابة، متى تهرب الدابة من الإصطبل ؟ إذا وقع عليها السقف، في هذه الحالة فقط، أما الإنسان فأذكى من ذلك، الإنسان يخلي البيت، والبيت قائم، ويقول: أصبح البيت في خطر، فمن علامات العقل أن تصل إلى الشيء قبل أن تصل إليه، وأن ترى الأخطار القادمة، أما كل إنسان إذا واجه الخطر فيخاف حتى البهائم، لكن الإنسان كرَّمه الله بالعقل، فبالعقل يرى الأخطار المتوقعة قبل أن يقع فيها، فلذلك الكافر يقترب من البهيمة حيث إنه لا يخاف إلا بعينه، فهو في بحبوحة وصحة، فتجده أعرض عن ذكر الله.

﴿ أَمْ لَهُمْ آَلِهَةٌ تَمْنَعُهُمْ مِنْ دُونِنَا﴾

 لِمَ قال ربنا عزَّ وجل:

﴿ وَلَئِنْ مَسَّتْهُمْ نَفْحَةٌ ﴾

 ولم يقل: مسَّهم عذابٌ.

﴿ نَفْحَةٌ ﴾

وَلَئِنْ مَسَّتْهُمْ نَفْحَةٌ مِنْ عَذَابِ رَبِّكَ

 فالله عزَّ وجل ذكر النفحة تصغيراً لهذا العذاب، إنها شيء طفيف جداً، نفحة، جعلها نكرة، وجعلها مفردة، وعبَّر عنها بالمس، وليس أصابهم، بل مس، فلو كان التيار الكهربائي عالي التوتر، ومسه الإنسان مساً خفيفاً لانتفض من أخمص قدميه إلى قمة رأسه، على المس، أما لو أمسكه فيصبح فحماً على الفور، فالمس غير الإمساك، إذا أمسك الإنسان تياراً كهربائياً يتفحم على الفور إذا كانت شدته ستة آلاف فولط، أما لو اقترب من ساحة هذا التيار فيصعق، فربنا عزَّ وجل عبَّر عن أن عذاب الله لا يحتمل، لو أن نفحةً منه مسَّت بعضهم مساً !..

﴿وَلَئِنْ مَسَّتْهُمْ نَفْحَةٌ مِنْ عَذَابِ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ يَاوَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ﴾

 أين استغناؤهم ؟ أين إهمالهم ؟ وإعراضهم ؟ وكبرهم ؟ واستخفافهم، واستهزاؤهم ؟ كله تلاشى، لأن الكافر يخاف بعينه، ولا يتَّعظ إلا بعد التأديب، لا يُصلي إلا بعد المرض، ولا يصلي إلا، وهو فاقد الحُرِّيَة، أهكذا المؤمن ؟ ألا يكفي هذا الكون العظيم كي يقودك إلى الله عزَّ وجل بعظمته ؟ ألا تكفي هذه النِعَم التي سخَّرها الله لك كي يجذبك إلى الله عزَّ وجل ؟ ألا تكفي هذه المودة من الله عزَّ وجل ؟ هذا الخلق القويم ؟

﴿ لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾

( سورة التين )

 هذا الخلق الكامل، وهذه الصحة، والأجهزة، والسمع، والبصر، والبيان، والعقل، والقلب، والرئتان، والمعدة، والأمعاء، والعضلات، والزوجة، والأولاد، والبيت، والعمل، والرزق، فهذه النِعَم التي أسبغها الله عليك ظاهرةً وباطنة.
 ولذلك كان الإنسان البطل هو الذي يأتي ربه طَوعاً، والإنسان الآخر يأتيه بعد قَهْرٍ، أو بعد معالجةٍ، والثاني جيد، ولكن ما أشرف من يعرف ربه في الرخاء، وما أعظمه، وأنبله، وأكثر وفاءهُ، وشكره.

﴿ وَلَئِنْ مَسَّتْهُمْ نَفْحَةٌ مِنْ عَذَابِ رَبِّكَ ﴾

 نفحة فقط..

﴿ لَيَقُولُنَّ يَاوَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ﴾

الشدة علاج الغافلين

 حدثني أخ كان راكباً طائرة، وكانت على وشك السقوط، قال لي: منظر لا يوصف، فثلاثمائة راكب كل واحد منهم شخصية مهمة، فتاجر، وسائح، وكل واحد معتز بشكله، وبجماله، وبماله، هذا رجل أعمال مثلاً، حينما شعر الرُكاب أن الطائرة على وشك السقوط شيءٌ لا يوصف، فأين اعتزازه بنفسه ؟ وأين استغناؤه عن رحمة الله ؟ واستخفافه بالدين ؟ وتعاليه ؟ وأين هذه الصفات كلّها ؟ ذهب كبرياؤه، وذهبت عزته الفارغة، وذهب اعتزازه بنفسه وماله، وقوله: أنا وأنا، صار كالأطفال تماماً، كالطفل.
 حتى إن قائد الطائرة أمر بعض المضيفين أن ينبِّه الركاب إلى وضع أحزمة الأمان، ولم يسمع أحد من الركاب مقالته، لشدة الهول الذي هم فيه، هذا المُضيف نظر إلى الركاب، فإذا هم غارقون في الدُعاء، وفي البكاء، ويندبون حظَّهم، ويندبون حياتهم، ويستغيثون، إلا أن هذا المضيف رأى واحداً من الرُّكاب أَهْدَأَهم أعصاباً، فتوجه إليه فإذا هو مغمى عليه.

﴿ وَلَئِنْ مَسَّتْهُمْ نَفْحَةٌ مِنْ عَذَابِ رَبِّكَ ﴾

 مستهم..

﴿ لَيَقُولُنَّ يَاوَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ﴾

 الآن عرفت الله عزَّ وجل ؟ بالطائرة عرفته ؟ وعلى الأرض لم تعرفه ؟ وأنت جالس في بيتك لم تعرفه ؟ وأنت بين أهلك وأولادك، وأنت في معملك، وفي دكانك، وفي متجرك ما عرفته ؟ وأنت في نزهتك ما عرفته ؟ إلا حينما تركب الطائرة تعرفه، أو تركب السفينة ويهيج البحر !!

﴿ وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ ﴾

نصب الموازين يوم القيامة للحساب

 أي الموازين المُقْسِطَة العادلة، ميزان دقيق جداً، فهنيئاً لمن قاس عمله بميزان الله، فقد يقاس عمل الإنسان بميزان الأرض ؛ فلان حَصَّل مالاً وفيراً، بمقياس الناس يُعَد ذكياً، يقول لك: ركَّز وضعه، اشترى بيتاً، وعنده كل وسائل الرفاهة، فبمقياس أهل الأرض يعد ذكياً، ونبيهاً وماهراً، ولكن بمقياس السماء، وبمقياس خالق الكون يُعَدُّ هذا الدخل غير مشروع يحاسب عليه، فهنيئاً لمن قاس أعماله لا بمقياس الناس، ولكن بمقياس رب الناس، فإذا قِسْتَ أعمالك بمقياس رب الناس عرفت أن هناك حساباً دقيقاً، وسؤالاً دقيقاً..

﴿ فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (92) عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾

( سورة الحجر )

 السؤال صعب، لو قيل لإنسان: تعال إلينا بعد يومين لنسألك بعض الأسئلة، أنا أؤكد لكم أنه لا ينام الليل، إنسان لإنسان، طبعاً إذا كان إنساناً مُهِماً، فكيف إذا كان رب العالمين سيحاسِبُكَ عن كل أعمالك ؟

﴿ وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ﴾

عدلُ الله تعالى المطلق

 لا أعرف حبة الخردل إذا كانت تُرى بالعين، لو أن لك عملاً صالحاً، أو لا سمح الله عملاً سيئاً بما يعادل حبَّة الخردل..

﴿ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ﴾

 أحياناً ابتسامة في غير موضعها، فيها استعلاء، أو استهزاء تحاسب عليها، فلو حبة من الرز ألقيتها، ولم تأكلها تحاسب عليها، فهذه الحبة خلقت لك، كأنها تقول لك: لماذا لم تأكلني، أنا خلقت من أجلك ؟ لماذا رميتني في المهملات ؟ لماذا ؟

﴿ وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ﴾

 فحتى الأب يحاسب إذا قَبَّلَ ابناً دون آخر، يحاسب، أين العدالة ؟

 

(( اللهم هذا قسمي فيما أملك، فلا تلمني فيما تملك ولا أملك ))

 

[أبو داود عن عائشة]

 تملك أن تكون عادلاً بين أولادك، وقد لا تملك قلبك، أنت معذور فيه، لكن السلوك تملكه، أن تقبل الاثنين، وأن تأتي للاثنين بحاجات متشابهة.

﴿ وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ﴾

 الله عزَّ وجل حسيب، يحاسب كلاً بحسب عمله.

 

﴿ وَلَقَدْ آَتَيْنَا مُوسَى وَهَارُونَ الْفُرْقَانَ وَضِيَاءً وَذِكْراً لِلْمُتَّقِينَ ﴾

 

الكتب السماوية السابقة غير المحرَّفة نور وذكر

 الفرقان هنا أي التوراة لأنه يفرِّقُ بين الحق والباطل، والضياء نورٌ في قلب المؤمن، يريه الخير خيراً، والشر شراً.

﴿ وَذِكْراً لِلْمُتَّقِينَ﴾

 يذكره بآخرته، فهذه صفات كتب الله عزَّ وجل، التوراة والإنجيل والقرآن، فرقانٌ وضياءٌ وذِكْر، فرقان فيه تفريقٌ بين الحق والباطل، وضياءٌ فيه نورٌ يقذف في القلب ترى به الخير خيراً، والشر شراً، وفيه تذكيرٌ للمتقين، من هم المتقون ؟..

﴿ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ وَهُمْ مِنَ السَّاعَةِ مُشْفِقُونَ﴾

خشية الله بالغيب

 هذا الذي يخشى بالغيب، فمن الطالب الذي ينجح ؟ هو الذي يتصور الامتحان قبل مجيئه ويستعد له، فإذا جاء الامتحان كان في مستوى الامتحان، أما الذي لا ينتبه الامتحان إلا وقت الامتحان فهذا لا ينجح.

﴿ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ ﴾

 فقبل أن يروا بطشه، وقبل أن يروا عقابه الأليم، وآياته تقع كما وَعَدَ الله بها، وأن يذهب مال المُرابي، وأن يصاب الزاني بأمراضٍ وبيلة، وأن يَتْلَفَ مالُ من أكل أموال الناس بالباطل، وأن تقع هذه الويلات يعرف الله عزَّ وجل في الوقت المناسب.

﴿ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ وَهُمْ مِنَ السَّاعَةِ مُشْفِقُونَ (49) وَهَذَا ذِكْرٌ مُبَارَكٌ أَنْزَلْنَاهُ أَفَأَنْتُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ ﴾

وَهَذَا ذِكْرٌ مُبَارَكٌ أَنزَلْنَاهُ أَفَأَنْتُمْ لَهُ مُنكِرُونَ

 أي أن التوراة فرقان، وضياء، وذكر للمتقين، وهذا القُرآن ذكرٌ مباركٌ، أي كثير الخير..

﴿ أَفَأَنْتُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ﴾

 أتنكرون أحقِيَّتَهُ، أتنكرون أن فيه الخير الكثير ؟ وأنه يهدي للتي هي أقوم ؟ وأنه لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ؟ وأن هذا الكتاب تعليماتٌ من عند الخالق لو نفِّذت بحذافيرها لسعد الإنسان بها ؟

﴿وَلَقَدْ آَتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا بِهِ عَالِمِينَ﴾

قصة إبراهيم عليه السلام تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم

 الآن جاءت قِصَصُ الأنبياء لتسلّيَ النبي عليه الصلاة والسلام، وتطمئنه، وتخفف عنه، ولتجعله يستأنس بأن أنبياء سابقين جاؤوا إلى أقوامهم، وعارضوهم، وبالغوا في إيذائهم.

﴿ وَلَقَدْ آَتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ ﴾

 معنى الرشد:
 قيل: الرشد هنا هدي إلى التوحيد، وإلى معرفة أنه لا إله إلا الله، لأن التوحيد نهاية العلم.

﴿ وَكُنَّا بِهِ عَالِمِينَ﴾

 أي أن علم الله عزَّ وجل يشمل كل شيء.

﴿ إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ ﴾

 فَكَّر..

﴿ إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ﴾

الدعوة إلى التوحيد صنعة الأنبياء

 قطعة حجر منحوتة على شكل صنم يأتي الناس فيعبدونها، ويسألونها الحفظ، ويخضعون لها، ويخشعون أمامها، إنه عمل غير منطقي، فالله عزَّ وجل كرَّمنا بالمنطق والعقل، قال:

﴿ مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ﴾

 طبعاً:

﴿ إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ (52) قَالُوا وَجَدْنَا آَبَاءَنَا لَهَا عَابِدِينَ(53)﴾

 هذا تُراث، اسمعوا كلام الناس: هذه عادات، وتقاليد، وأعراف اجتماعية، أتريد أنت أن نُعَطِّلَ هذه الأعراف، وأن نعطل هذه التقاليد، أنعطل هذه العادات، وهكذا نشأنا، وهكذا تربينا، وهكذا كان آباؤنا وأجدادنا، والمجتمع، فأنا مع الناس يا أخي، سيدنا إبراهيم كان حر التفكير، قال:

﴿ مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ (52) قَالُوا وَجَدْنَا آَبَاءَنَا لَهَا عَابِدِينَ (53) ﴾

لا تكن إمّعة وذيلاً

 عَنْ حُذَيْفَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

 

(( لَا تَكُونُوا إِمَّعَةً، تَقُولُونَ: إِنْ أَحْسَنَ النَّاسُ أَحْسَنَّا، وَإِنْ ظَلَمُوا ظَلَمْنَا، وَلَكِنْ وَطِّنُوا أَنْفُسَكُمْ إِنْ أَحْسَنَ النَّاسُ أَنْ تُحْسِنُوا، وَإِنْ أَسَاؤوا فَلَا تَظْلِمُوا ))

 

[الترمذي]

 أي لا يكون تابعا، بل يكون متبوعاً، من هو الإمَّعة ؟ الذي يقول: أنا مع الناس إن أحسن الناس، وإن أساؤوا أسأت.
 فالكلمة التي يقولها الناس: أخي الناس كلهم هكذا، لماذا تغش ؟ الناس كلها تغش، لماذا تأكل مالاً حراماً ؟ الناس كلها تأكل مالاً حراماً، فهل هذا جواب ؟! هذا جواب البهائم، فأنت مؤمن، ومفكِّر، وهذا لا يرضي الله عزَّ وجل، فهذا محرَّم، أخي كيف دخلت على النساء ؟ والله استحيت، ما هذه الكلمة: استحيت ؟ هؤلاء النساء في هذه الحفلة مزيَّنات بأبهى زينة، فكيف دخلت عليهن ؟ مراعاةً للأعراف والتقاليد هكذا المجتمع، هكذا، فكيف حضرت هذا العرس المختلط في فندق، والله لأني دعيت، النبي صلى الله عليه وسلم قال: " لبوا الدعوة "، فعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:

 

(( إِذَا دُعِيَ أَحَدُكُمْ إِلَى الْوَلِيمَةِ فَلْيَأْتِهَا ))

 

[متفق عليه]

 أي دعوة هذه ؟ أنا أردت أن هذه التقاليد والعادات والأعراف التي تخالف صريح القرآن يجب ألا نعبأ بها، أنت عبد لله الواحد الديَّان، ولست عبداً للمجتمع، أنت عبدٌ لله، ولستَ عبدًا للتقاليد، والعادات، والأعراف، وما تعارف عليه الآباء والأجداد، أما كلام سيدنا إبراهيم:

﴿ قَالَ لَقَدْ كُنْتُمْ أَنْتُمْ وَآَبَاؤُكُمْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾

الحق لا يُعرَف بكثرة التابعين

 الحق لا يعرف بالكثرة، نحن لا نعرف الحق بالرجال، ولكن نعرف الرجال بالحق، وعندك مقياس دقيق، هذا المقياس يطبَّقُ على الناس فتعرف ما إذا كانوا على الحق أم على الباطل، وعندنا كتاب بيننا، إذا ربنا عزَّ وجل قال:

﴿ قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ﴾

( سورة النور: من آية " 30 " )

 فالذي يُطْلِقُ بصره ليس على الحق قولاً واحداً، وربنا عزَّ وجل يقول:

﴿ يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ﴾

( سورة البقرة: من آية " 276 " )

 فالذي يأكل مالاً حراماً أساسه الربا ليس على الحق، ولو أول هذا بألف تأويلٍ وتأويل.

﴿ قَالُوا وَجَدْنَا آَبَاءَنَا لَهَا عَابِدِينَ (53) قَالَ لَقَدْ كُنْتُمْ أَنْتُمْ وَآَبَاؤُكُمْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ(54)﴾

 لا عبرة للكثرة..

﴿ وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ﴾

( سورة الأنعام: من آية " 116 " )

﴿ قَالُوا أَجِئْتَنَا بِالْحَقِّ أَمْ أَنْتَ مِنَ اللَّاعِبِينَ﴾

رد الكفار لدعوة التوحيد وتأكيد الأنبياء لألوهية الله وحده بالقول والعمل

 فكلامك هذا خطير، هل نحن في ضلال ؟ وآباؤنا كذلك ؟ أنت جادٌ في هذا الكلام أم أنت تسخر منا ؟

﴿ قَالَ بَل رَبُّكُمْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الَّذِي فَطَرَهُنَّ ﴾

 الذي ينبغي لكم أن تعبدوه هو الله، وليس هذه الأصنام، هذه أحجار لا تنفع ولا تضر، ولا تسمع، ولا تستجيب.

﴿ قَالَ بَل رَبُّكُمْ ﴾

 أي يجب أن تعبدوا ربَّكم. فمن ربكم ؟.

﴿ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الَّذِي فَطَرَهُنَّ وَأَنَا عَلَى ذَلِكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾

 أشهد لكم أن خالق الكون هو وحده يستحقُّ العبادة، وأن الذي خلق السماوات والأرض هو وحده ينبغي له أن يعبد من دون غيره.

﴿ وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ بَعْدَ أَنْ تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ﴾

 سأريكم ماذا سأفعل بأصنامكم ؟

﴿ فَجَعَلَهُمْ جُذَاذاً ﴾

 دخل إلى معبدهم، وقطَّع رؤوسهم بفأسه..

﴿ فَجَعَلَهُمْ جُذَاذاً إِلَّا كَبِيراً لَهُمْ ﴾

إقامة الحجج المادية والعقلية على بطلان عبادة الأوثان

 إلا أكبر صنم لم يقرب إليه، بل وضع الفأس في رأس الصنم الكبير..

﴿ لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ﴾

 تعبدونهم من دون الله، أصنام، فهذا الكبير هو الذي فعل هذا، والفأس بيديه، فلما دخلوا إلى معبدهم:

﴿ قَالُوا مَنْ فَعَلَ هَذَا بِآَلِهَتِنَا إِنَّهُ لَمِنَ الظَّالِمِينَ (59) قَالُوا سَمِعْنَا فَتًى ﴾

 فتىً، عليه الصلاة والسلام قال:

 

((ريح الجنة في الشباب))

 

[ ورد في الأثر]

مقابلة الكفار لدعوة التوحيد بتنكيل وتعذيب أهلها

﴿ قَالُوا مَنْ فَعَلَ هَذَا بِآَلِهَتِنَا إِنَّهُ لَمِنَ الظَّالِمِينَ (59) قَالُوا سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ (60) قَالُوا فَأْتُوا بِهِ عَلَى أَعْيُنِ النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ ﴾

 تعذيبه..

﴿ قَالُوا أَأَنْتَ فَعَلْتَ هَذَا بِآَلِهَتِنَا يَا إِبْرَاهِيمُ﴾

 لقد جيء به ليحاكَم..

﴿ قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنْطِقُونَ﴾

العقل السليم يرفض عبادة غير الله تعالى

 سامح الله بعضهم إذ نسب إلى هذا النبي الكريم الكذب، هذا ليس بكذب، هذا جذب نظر، هو يريد أن يوقظهم من غفلتهم، أن يصحوا من سكرتهم، هؤلاء آلهة يعبدون من دون الله ؟! لو أنكم تعتقدون أنهم آلهة فيجب أن تقبلوا أن الذي فعل هذا هو كبيرهم ؟ إنه إله، أليس في إمكانه أن يقطع رؤوس من هم دونه ؟ هو أراد أن يوقظ فكرهم، وأراد أن يحررهم من الأوهام..

﴿ قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنْطِقُونَ﴾

 اسألوهم، لا ينطق أحد منهم، إن كان لا ينطق أيعبد من دون الله ؟! إذا كان عاجزاً عن النطق فهو عن الحركة أعجز، فهو لا يتكلَّم، لا كلام، ولا سمع ولا بصر، أيضاً لما يعتمد الإنسان على إنسان آخر، والإنسان الآخر ميت، أو سيموت، وقع كذلك بالشرك، وأحياناً يكون للشخص أب، وهذا الأب ليس على ما يرام، ولكنه غني، فيتابع أباه على ضلال طمعاً في ماله، فأنت بهذا أغضبت ربك، وأحياناً يكون لشخص صديق قوي، يعتمد عليه، وينسى الله عزَّ وجل، فهذا شرك أيضاً.

﴿ فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنْطِقُونَ (63) فَرَجَعُوا إِلَى أَنْفُسِهِمْ ﴾

 فكروا..

﴿ فَقَالُوا إِنَّكُمْ أَنْتُمُ الظَّالِمُونَ﴾

 والله كلامه منطقي، كيف ننفي عن هذا الصنم الكبير أنه فعل هذا بالأصنام الأخرى ؟ إذاً نحن كيف نعبده ؟ أنعبد حجراً لا يتكلَّم ولا ينطق ولا يتحرك ؟!

﴿ ثُمَّ نُكِسُوا عَلَى رُءُوسِهِمْ ﴾

حمية الجاهلية حجاب بين العبد والتوحيد

 أخذتهم الحمية، وسيطرت عليهم العادات والتقاليد، ورجعوا إلى كفرهم.

﴿ ثُمَّ نُكِسُوا عَلَى رُءُوسِهِمْ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَؤُلَاءِ يَنْطِقُونَ﴾

 تعلم أنت يا إبراهيم أن هذه الأصنام لا تنطق..

﴿ قَالَ أَفَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكُمْ شَيْئاً وَلَا يَضُرُّكُمْ﴾

 كيف ؟ فلما قال لهم:

﴿ قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنْطِقُونَ﴾

 

 للحظاتٍ قليلة أدركوا أنه على حق، وأنهم على باطل، ثم قالوا: تعلمُ يا إبراهيم أن هذه الأصنام لا تنطق، فكيف تُطالبنا أن نسألها ؟! عندئذٍ تناولهم بالحجة القاطعة قال:

﴿ قَالَ أَفَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكُمْ شَيْئاً وَلَا يَضُرُّكُمْ (66) أُفٍّ لَكُمْ ﴾

 أفٍّ اسم فعل مضارع بمعنى أتضجر، أي ما أتعسكم، ما أشقاكم، وما أغباكم، ثم ما أضْيَقَ تفكيركم..

﴿ أُفٍّ لَكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾

 لكن روح الجماعة الضالَّة غَلَبَت على الحق و..

﴿ قَالُوا حَرِّقُوهُ وَانْصُرُوا آَلِهَتَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ﴾

تآمر المشركين على إحراق إبراهيم عليه السلام

 هنا المعجزة، الله سبحانه وتعالى كان من الممكن ألاّ يعثروا عليه، وإن لم يعثروا عليه فليس هناك معجزة، وكان من الممكن أن تأتي سحابةٌ تمطر مطراً غزيراً تطفئ النار، فليس هذا معجزة، ولكن الله سبحانه وتعالى مكَّنهم من إلقاء القبض عليه، ومَكَّنَهُم من أن يجمعوا حطباً لأسابيع عديدة فجعلوها كالتلَّة الكبيرة، وأشعلوا هذا الحطب حتى اتقدت النار، وفي هذه اللحظة الحرجة ألقوه في النار.
 تروي بعض الكتب أن سيدنا جبريل عليه السلام جاءه وقال له: "أتريد من الله شيئاً ؟ ألك من حاجة ؟ " قال: " منك ؟ "، قال: " لا من الله "، قال: " علمه بحالي يغني عن سؤالي "، أي أن الإنسان إذا وقع في أزمة فرب إبراهيم موجود، هوَ هو، كن صادقاً مع ربك، وكن مستقيماً على أمره، وكن مخلصاً له ورب إبراهيم بالوجود، الذي أنقذ إبراهيم ينقذك من كل ورطة، والذي أنقذ يونس من بطن الحوت..

﴿ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾

( سورة الأنبياء )

 هو موجود..

﴿ قَالُوا حَرِّقُوهُ وَانْصُرُوا آَلِهَتَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ﴾

 أخذتهم العزة بالإثم، كلمة واحدة..

﴿ قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْداً وَسَلَاماً ﴾

معجزة: يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا

 قال: لو أن الله عزَّ وجل قال لها: كوني برداً لمات من البرد، وهو في النار، لكن:

﴿ كُونِي بَرْداً وَسَلَاماً ﴾

 لا تؤذيه، فالعلماء بعضهم قالوا: " إن الله سبحانه وتعالى أفقد النار قوة الإحراق "، وبعضهم قال: " أعطى جسم إبراهيم عليه الصلاة والسلام تحملاً "، وبعضهم قال: " جعل بينه وبين النار حاجزاً "، وأصَحُّ الأقوال أن النار نفسها فقدت قوة الإحراق لقوله تعالى:

﴿ قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْداً وَسَلَاماً عَلَى إِبْرَاهِيمَ﴾

 هذه معجزة، لكن والله الذي لا إله إلا هو على شكل مُخَفَّف يقع منها كل يوم، أما بهذه الحدة فهذه لسيدنا إبراهيم، هذه معجزة، لكن إذا دعا المؤمن ربَّه، واستجار به، والتجأ إليه، وكان في ورطةٍ كبيرة وهو مُحِق فالله سبحانه وتعالى ينقذه من كل شدة..

﴿ أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ﴾

( سورة النمل: من آية " 62 " )

قصة إبراهيم دعوة إلى الصبر في الشدائد والمحن

 فهذه القصة ليست للتسلية، هذه قصة مغزاها أن تلتجئ إلى الله في ساعات الشدة كما التجأ إبراهيم عليه السلام في هذه الساعة الشديدة، والله لن يتخلَّى عنك، والله سبحانه وتعالى يُدافع عنك وينصرك ما دمت على الحق..

﴿ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ﴾

( سورة النمل )

 ما الذي يدعوك إلى التوكل على الله ؟ لأنك على الحق المبين..

﴿ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ﴾

﴿ قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْداً وَسَلَاماً عَلَى إِبْرَاهِيمَ (69) وَأَرَادُوا بِهِ كَيْداً فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَخْسَرِينَ ﴾

 وسيدنا رسول الله اللهم صل عليه وسلم لمّا كان في الهجرة ألم يأت سراقة طمعاً بمائتي رأسٍ من الإبل ليأخذ النبي إلى قريش، فما الذي حصل ؟ غاصت قدما فرس سراقة في الرمال فوقع عنها، في المرة الأولى والثانية والثالثة، حتى شَهِدَ أن هذا الإنسان معصوم من أن يناله أذى، وأنت أيضاً مؤمن..

﴿ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا﴾

( سورة الطور: من آية " 48 " )

 فإذا كنت مع الله صادقاً ومخلصاً فالله عزَّ وجل لن يُسْلِمَك..

﴿ وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً﴾

( سورة النساء )

 لن يخذلك، ولن يسلمك، ولن يتخلَّى عنك، وزوال السماوات والأرض أهون على الله من أن يتخلى عن عبده المؤمن.

 

﴿ وَنَجَّيْنَاهُ وَلُوطاً إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ (71) وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً وَكُلّاً جَعَلْنَا صَالِحِينَ (72) وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءَ الزَّكَاةِ وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ ﴾

 وسوف تأتي في الدرس القادم قِصَصُ الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ؛ سيدنا لوط، وسيدنا نوح، وداود، وسليمان، وأيوب، وإسماعيل، وإدريس، وذو الكفل، وذو النون.

 

﴿ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِباً فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ﴾

 لهذا سميت هذه السورة سورة الأنبياء، فيها ذكر الأنبياء بشكلٍ مقتضب، وجاءت قصة سيدنا إبراهيم بشكلٍ مُفَصَّل، وسوف تأتي قصص الأنبياء بشكلٍ مقتَضب، وعن كل نبيٍ الحدث الكبير في حياته، والصفة التي يتميَّز بها، وإلى درسٍ آخر إن شاء الله تعالى.

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018