الدرس : 5 - سورة الأنبياء - تفسير الآيات 26 - 44 - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الدرس : 5 - سورة الأنبياء - تفسير الآيات 26 - 44


1988-05-20

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد، الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علما، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
 أيها الإخوة المؤمنون، مع الدرس الخامس من سورة الأنبياء، وصلنا في الدرس الماضي إلى قوله تعالى:

﴿ وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَداً سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ﴾

الملائكة عباد مكرمون

 أي أن هؤلاء الذين ظنَّهم الكفَّار بنات الله ليسوا كذلك، إنهم هم عبادٌ مكرمون أي مقرَّبون..

﴿ لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ﴾

 ومعنى لا يسبقونه بالقول أي أنهم في مرتبة العبوديَّة، فلا يقولون إلا ما يُقالُ لهم، وهم منصاعون لأمر الله سبحانه وتعالى..

﴿ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ ﴾

 أي أن علم الله سبحانه وتعالى محيطٌ شامل بما هم فاعلون، بما قد فعلوا، وما خلفهم..

﴿ وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ﴾

الشفاعة

 الشفاعة الزوج، الشفعُ هو الزوج، والشفاعة أن تضمَّ شيئاً إلى شيء، فما من شيئين على وجه الأرض يجتمعان إلا بإذن الله سبحانه وتعالى، وما اجتمع شيئان بنفعٍ أو ضُر إلا بإذن الله سبحانه وتعالى، والمؤمن يعتقد اعتقاداً جازماً أن الله سبحانه وتعالى بيده كل شيء، حتى لو أنه قد وصل إليك خيرٌ عن يدِ إنسان، أو قد استطاع إنسان أن ينالك بالأذى، فلا هذه ولا تلك من عند زيدٍ أو عُبيد، إنما هما من أمر الله سبحانه وتعالى..

﴿ وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى ﴾

 أي أن هذا الإنسان الذي يملك الخيرات بحسب الظاهر لا يستطيع أن يعطيك منها شيئاً إلا أن يأذَنَ الله، وهذا الذي يملك القدرة على الأذى لا يستطيع أن يؤذيك إلا بعد أن يأذن الله ويرضى، إذاً الحقيقة أن علاقتك كلَّها بيد الله سبحانه وتعالى، لكن..

 

((إِنَّ مِنَ النَّاسِ مَفَاتِيحَ لِلْخَيْرِ مَغَالِيقَ لِلشَّرِّ، وَإِنَّ مِنَ النَّاسِ مَفَاتِيحَ لِلشَّرِّ مَغَالِيقَ لِلْخَيْرِ، فَطُوبَى لِمَنْ جَعَلَ اللَّهُ مَفَاتِيحَ الْخَيْرِ عَلَى يَدَيْهِ، وَوَيْلٌ لِمَنْ جَعَلَ اللَّهُ مَفَاتِيحَ الشَّرِّ عَلَى يَدَيْهِ))

 

( سنن بن ماجة عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ )

 إذاً:

﴿ وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ﴾

 أي من بطشه، أو من عقابه مشفقون أي يخافون، هذه الآيات شُرِحَت في الدرس الماضي، وقد مررت عليها تمهيداً للآيات التي بعدها، إذاً هؤلاء الملائكة الذين زَعَمَ كفَّار قريش، والوثنيون أنهم بناتُ الله سبحانه وتعالى ليسوا كذلك، إنما هم عبادٌ مكرمون أي مقرَّبون، أوكل الله إليهم بعض المهمَّات التي تتناسب وإمكاناتهم وطبيعتهم، وهم في مرتبة العبوديَّة المطلقة..

﴿ لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ﴾

الملائكة عباد طائعون خائفون لا يعصون الله

 وهم أيضاً يخافون الله سبحانه وتعالى ويخشون عقابه، والله سبحانه وتعالى مُحِيطٌ بهم إحاطةً كاملة..

﴿ وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَهٌ مِنْ دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ﴾

 فهـذا الذي يتطاول على مرتبته، ويدَّعي أنه إله ـ من باب الفرضيَّة ـ هم لا يفعلون ذلك، الملائكة فوق ذلك، إنهم مُنَزَّهون، وإنهم مكرَّمون، فلا يعصون الله ما أمرهم، ولكن فرضاً..

﴿ وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَهٌ مِنْ دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ﴾

 فهذا قانون، فالذي يدَّعي ما ليس له، والذي يدَّعي الألوهيَّة، وأن بيده أمور الناس هذا متطاولٌ على مقام الألوهيَّة، ولذلك لابدَّ من أن يُعذَّب في الدنيا والآخرة.
 وربنا سبحانه وتعالى بعد هذه الآيات المتعلِّقة بالملائكة بيَّن لنا إحدى أكبر الآيات الكونيَّة قال تعالى:

﴿ أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقاً فَفَتَقْنَاهُمَا وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ﴾

بعض مظاهر الإعجاز العلمي

 أحياناً تظهر الآية لنا ظهوراً لتعبِّر عن نظريَّةٍ لم يتمَّ تحقيقها، فمن النظريات ـ وإذا قلت: نظريَّة، فمعنى ذلك أنها لم تصبح حقيقة، ولكنها فرضيَّة، النظريَّة شيء والحقيقة شيءٌ آخر ـ ولذلك لا يمكن لحقائق الدين أن تتناقض مـع حقائق العلم، لماذا ؟ لأن الدين من عند الله، ولأن العلم من قوانين الله، والإله واحد، وهذا خـَلْقه، وهذا شرعه، فمن المستحيل أن تجد تناقضاً بين القرآن وبين حقائق العِلم، ومن عظمة القرآن الكريم، ومن إعجازه أنه لم توجد حقيقةٌ علميَّةٌ منذ أن أُنْزِلَ هذا القرآن على النبي الكريم وحتى الآن تتناقض مع آياته، وهذا مما يؤكِّد أن هذا الكلام كلام الله.
 فمن كان يظنُّ أن الإنسان سيصعد إلى الفضاء ؟ وأن الصعود في الفضاء يسبِّب قلَّةً في الضغط الجوي، وضيقاً في النفس ؟ الله سبحانه وتعالى أشار إلى هذه الآية قبل أن يغزو الإنسان الفضاء ـ على حدِّ قول الإنسان ـ وماذا غزا من الفضاء ؟ غزا ثانيةً واحدة، بين الأرض والقمر، أما بين الأرض والشمس فثماني دقائق، وطول المجموعة الشمسيَّة ثلاث عشرة ساعة، وطول مجرَّة درب التَبَّانة مئةٌ وخمسون ألف سنة ضوئيَّة، بعض المَجَرَّات تبعد عنَّه ستة عشر ألف مليون سنة ضوئيَّة، فماذا غزا الإنسان ؟ غزا ثانيةً ضوئيَّةً واحدة، وملأ الدنيا صياحاً وضجيجاً، وكلَّفت هذه الرحلة آلافاً مؤلَّفةً من الأموال التي كانت من الممكن أن تسهم في نشر الرخاء على وجه الأرض.
 وعلى كلٍ، لا يمكن لحقيقةٍ في القرآن أن تعارض حقيقةً في العلم، ولكن إذا كان هناك تناقض فبين نظريةٍ وبين حقيقةٍ في القرآن، أو بين خرافةٍ في الدين، أو حقيقةٍ في العلم، أو بين نظريَّةٍ لم تَثْبُت صحَّتها، وبين حقيقةٍ في القرآن، أما أن نجد بين حقائق القرآن، وبين حقائق العِلم تناقضاً فهذا مستحيل، لأن العلم اليقيني الذي وصل الإنسان إليه عن طريق التجربة هو عِلْمٌ ثابت، وهو تعبيرٌ عن خلق الله، وهو تعبيرٌ عن علاقاتٍ ثابتة بين الأشياء، وإن الحقيقة القُرآنية هي وحيٌ من السماء، وهل يُعْقَل أن يتناقض كلام الله مع خَلْقِهِ ؟ مستحيل، لكن هناك علماء في الأصول يُحَذِّرون من أن تَجُرَّ الآية إلى تفسير نظريةٍ لم تَثْبُت صحَّتها، أو أن تجرَّ الحقيقة العلميَّة إلى أن تلتقي مع آيةٍ، والآية لها معنىً آخر ما أراده الله سبحانه وتعالى لتكون مطابقةً لهذه الحقيقة.

 

منشأ الكواكب السيارة

 على كلٍ هناك من يَزْعُمُ أن منشأ الأجرام السماويَّة، أو أن منشأ الكواكب السيَّارة هو دوران كتلة الشمس الشديدة حول ذاتها، فبحكم القوَّة النابذة انفلت منها بعض الكواكب ثم تبرَّدت فكانت الأرض، فمن يؤمن بهذه النظرية يرى أن هذه الآية تناسب هذه النظريَّة:

 

 

﴿ أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقاً فَفَتَقْنَاهُمَا ﴾

 والشيء الغريب هو أنه ما دامت المجموعة الشمسيَّة، والشمس كانت جميعاً كتلةً واحدة إذاً ينبغي أن تكون هذه المجموعة من طبيعةٍ واحدة، فلمَّا صعد الإنسان إلى القمر وجاء ببعضٍ من تراب القمر، وُجِدَ أن بين تراب القمر، وبين تراب الأرض فَرْقٌاً في النوع، فهذه العينات من تُراب القمر لم تؤكِّد تلك النظريَّة، والذي يُبْعِدُ أن تكون هذه الآية تأكيداً لهذه النظريَّة أن الله سبحانه وتعالى صَدَّرها بقوله الكريم..

 

﴿ أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا ﴾

 فهذا شيءٌ حصل قبل ألوف ألوف ملايين السنين، قبل أن يُخْلَقَ الإنسان على وجه الأرض، فجواب الذين كفروا على هذا التفسير أنهم لم يروا ذلك، ولكنَّ الآية في أوجه تفسيراتها تشير إلى أن السماوات والأرض كانتا رتقاً أي شيئًا متجانسًا، السماء لا تُمطر، والأرض لا تُنبت..

﴿ فَفَتَقْنَاهُمَا ﴾

معنى: فَفَتَقْنَاهُمَا

 فتقنا السماء عن المطر، وفتقنا الأرض عن النبات، السماء انفتقت، فنزل منها المطر، والأرض انفتقت فخرج منها النبات، ويُعَدُّ النباتُ أكبر آيةٍ كونيَّةٍ تحت سَمْعِ الإنسان وبصره، وتعدُّ ظاهرة النبات أكبر آيةٍ كونيةٍ موضوعةٍ تحت سمع الإنسان وبصره.

 

ظاهرة النبات

 إن النبات داخلٌ في حياتنا دخولاً صميمياً، فأنت تأكل الخُبز وهو من نبات القمح، وتشرب الحليب، والحليب من نتاج الحيوان، والحيوان غذاؤه النبات، وأنت تأكل الخضراوات، والبقول، والمحاصيل، والفواكه، والثمار، وأنت تستخدم الأخشاب في أثاث بيتك، وفي النوافذ والأبواب، والأخشاب من النبات، وأنت تستخدم الدواء ومعظم الدواء من النبات، وأنت تستخدم بعض الحاجات، الليف من النبات، والسِواك من النبات، والخُلَّة من النبات، وهناك أشجارٌ تستفيد من جذوعها، ومن أخشابها.
 وتعدُّ أنواع الأخشاب بالغة التعقيد، فهناك أخشابٌ لها ميزاتٌ خاصَّة، فأخشابٌ لا تتأثَّر بالبرد والأمطار، وأخشابٌ ليَّنة الاستعمال، وأخشابٌ صَلدة، وأخشابٌ مرنة، فالأخشاب كلُّها من ظاهرة النبات، فهناك نباتاتٌ حدوديَّة جعلها الله حاجزاً بينك وبين جيرانك، وهناك نباتات الزينة، ونباتاتٌ كالمظلات، ونباتاتٌ تستخدم أخشابها وأخرى جذورها، ومن ثمَّ أوراقها، ونباتاتٌ تستخدم أزهارها، فظاهرة النبات تُعَدُّ أخطر ظاهرةٍ، وأوضح آيةٍ بيِّنةٍ موضوعةٍ بين يدي الإنسان على وجه الأرض، لذلك:

 

﴿ أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا ﴾

 هذه الطاولة من النبات، وهذه الوردة من النبات، وهذا السجَّاد الذي تجلسون عليه ما كان ليكون كذلك لولا النبات، إنه من الصوف، وهذه الثياب من القطن، فلو استعرضت الحاجات التي تستعملها كل يوم لرأيت النبات يدخل في معظمها، فالفراش الوثير، واللحاف الذي تتغطَّى به، وكل حاجةٍ تقريباً أصلُها من النبات..

﴿ أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا ﴾

 أليست هذه الآية أمامهم ؟ أليست هذه الآية تحت سمعهم وبصرهم ؟ أو أليسـت هذه الآية في متناول حواسِّهم ؟ أي واضحةً أمامهم ؟ وداخلةً في حياتهم حيثُما كانوا ؟ ودائرة معهم حيثما داروا..

﴿ أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقاً ﴾

 هذه الأرض البُنية اللون كيف أصبحت في الربيع ذات بساطٍ أخضر يبعث البهجة في النفس ؟ فمن أين جاءت هذه الأزهار ؟ عدد الحشائش لا يعلمها إلا الله، وأنواع الحشائش التي تظهر في فصل الربيع لا يعلمها إلا الله، عدد الأزهار ـ أزهار الزينة ـ لا يعلمها إلا الله، من أين جاءت ؟ على اختلاف أشكالها، وألوانها، وروائحها، وطبائعها، وخصائصها، وبُنيتها، وأزهارها، وأوراقها، وثمارها..

﴿ أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقاً ﴾

 لو أن السماء بقيت رتقاً فلم تنفتق عن المطر ماذا حلَّ بنا ؟ فأقطارٌ في قارَّة إفريقيا أصابها الجفاف سبع سنواتٍ متتالية، ولم يبقَ فيها شيء، وجميع الأشجار ماتت ويبست، وجميع النباتات أصبحت كالهشيم، وتبعتها الحيوانات، وتبعها الإنسان، والبقيَّة الباقية هاجرت إلى أقطارٍ أخرى، ماذا كان من الممكن أن يكون لولا الماء الذي انفتقت عنه السماء ؟ إن الله عزَّ وجل جعل من الماء كل شيءٍ حي، ومع ذلك فقد قلت لكم في خطبةٍ سابقة إن الله سبحانه وتعالى يقول:

﴿ وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ﴾

 

( سورة المدثر: من آية " 31 " )

وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ

 يتحدَّثون عن الجراد، والجراد يستطيع أن يأكل كل يوم بقدر وزنه تماماً، فإذا كان هناك بعض أسراب الجراد التي يزيد وزنها عن ثمانين ألف طن، إنها تأكل في اليوم ثمانين ألف طن، وإن الكيلو متر مربَّع من أسراب الجراد يَعُدُّ مئتي مليون جرادة، إذ هناك إحصائيَّاتٌ خطيرة، والله سبحانه وتعالى يقول:

﴿ وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ﴾

 قد يأتي الجراد إلى بلد فيؤخِّرَهُ ثلاثين عاماً، أي لا تعود النباتات إلى ما كانت عليه إلا بعد ثلاثين عاماً، اللهمَّ اصرف عنَّا الجراد والوباء يا ربَّ العالمين..

﴿ أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقاً فَفَتَقْنَاهُمَا وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ ﴾

ظاهرة الماء وخصائصه وأهميته

 هذا الماء تلك الآية العظيمة، هل فكَّرت في خصائصه ؟ وهل فكَّرت لماذا كان الماءُ لا لون له ؟ ولماذا كان الماء لا طعم له ؟ و لا رائحة له ؟ ويتبخَّر بدرجة أربع عشرة ؟ ولماذا كان الماء ذا سيولةٍ دقيقة بحيث ينفُذُ في أدقِّ المَسام ؟ ولماذا كان الماء يتمدَّد في التسخين، وينكمش في التبريد إلا في درجة واحدة تنعكس معها الآية ؟ لماذا يتمدَّد الماء في الدرجة زائد أربع ؟ لولا هذه الظاهرة لما بقي مخلوقٌ على وجه الأرض أبداً، ولأصبحت البحار محيطاتٍ متجمِّدة، ولانعدم التبخُّر، ولانعدم هطول الأمطار، ولمات النبات، وتبعه الحيوان وكان الإنسان مصيره الهلاك، فلو أن الماء لا يتمدَّد في الدرجة زائد أربع، هذا الماء بهذه الخصائص.
 لماذا تثبُتُ درجة غليان الماء ؟ الزيت ليس كذلك، إنَّ درجته ترتفع إلى أرقامٍ عالية، بينما الماء لو استمرَّ يغلي عشرات الساعات لا تزيد حرارته عن مئة درجة، فدرجة غليانه، هي درجة تبخُّره، ثم إن درجة ذوبانه، هي درجة تجمُّده، ودرجة انكماشه، درجة توَسًّعه، لا لون له، ولا طعم، ولا ورائحة، له خاصة نفوذيته، من جعل الماء بهذه الصفات ؟

﴿ وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ ﴾

 من منَّا يُصدِّق أن سبعين بالمئة من وزن الإنسان ماء، ومن منَّا يصدق أن بعض الفواكه سبعةٌ وتسعون بالمئة من وزنها ماء، فالبطيخ ماء مجمَّد، ولكنه مجمَّد لا على أساس التبريد، بل على أساس التكوين، فهذا البطيخ ماءٌ مجمَّد مُحَلَّى، فيه مواد مفيدة، وفيه معادن، وفيتامينات، وفيه مواد سكرَّية، ومجمَّد من دون تبريد، فلذلك أراد ربنا عزَّ وجل أن يلْفِتَ النظر إلى أن الماء أساس الحياة، وأن الإنسان لا يستغني عن الماء أكثر من أيامٍ ثلاثة، وبعدها يموت، ولا يستغني عن الهواء أكثر مـن دقائق ثلاث، وبعدها يموت، ولذلك فالهواء في كل مكان، والماء في أماكن متفرِّقة، أما الطعام فقد يستغني عنه الإنسان أيَّاماً عديدة تزيد على ثلاثين يوماً، ولذلك يحتاج الطعام إلى كَسْب، أما الماء والهواء فهو مبذولٌ لجميع الناس من دون ثمن.

﴿ أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقاً فَفَتَقْنَاهُمَا وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ﴾

 أليست هذه الآية كافيةً ؟
 اطلعت مرَّة على كتاب مؤلَّف من ثمانية عشرَ جزءًا، كل جزءٍ تزيد أوراقه على ثمانمئة صفحة، وفي كل صفحة صورةٌ لوردةٍ تختلف عن أختها، فإذا كان الكتاب ثمانية عشر جزءًا، وكل جزء فيه ثمانمئة صفحة، وكل صفحةٌ نباتٌ يسبِّح الخالق، إذاً هذه النباتات كلُّها من أجل إمتاع النظر، لا من أجل القوت، أليس هذا إكراماً إلهياً ؟ أليس في هذا تودُّدٌ للإنسان ؟ أليس هذا مسخَّراً للإنسان ؟ فالإنسان حينما يرى أن الله سبحانه وتعالى كرَّمه..

﴿ وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آَدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً﴾

( سورة الإسراء:70)

 كم أنواع الشراب الذي تشربه ؟ وكم أنواع الطعام الذي تأكله ؟ وكـم أنواع الفواكه التي خلقها الله سبحانه وتعالى، كـم ؟ كم هي كثيرة !

﴿ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ﴾

أَفَلاَ يُؤْمِنُونَ

 ماذا ينتظر الإنسان حتى يؤمن ؟

﴿ فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ (24) أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبّاً (25) ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقّاً (26) فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبّاً (27) وَعِنَباً وَقَضْباً (28) وَزَيْتُوناً وَنَخْلاً (29) وَحَدَائِقَ غُلْباً (30) وَفَاكِهَةً وَأَبّاً (31) مَتَاعاً لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ(32)﴾

( سورة عبس:32)

﴿ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ﴾

﴿ أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ﴾

( سورة الطور:35)

﴿ وَكَأَيِّنْ مِنْ آَيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ﴾

( سورة يوسف:105)

﴿ وَجَعَلْنَا فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِهِمْ وَجَعَلْنَا فِيهَا فِجَاجاً سُبُلاً لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ﴾

ظاهرة الجبال

 هذه السلاسل الجبليَّة العظيمة كيف جعل الله في منتصفها سُبُلاً، ومضائق، وممرَّات ؟ فلولا هذا لكان انتقال الناس من سَفْحٍ إلى آخر شيئاً مستحيلاً، فإذا وجدت الجبلين بينهما وادٍ هكذا، أو بينهما ممر جبلي، فليس هذا مصادفة إنه آيةٌ واضحةٌ على رحمة الله بالإنسان..

﴿ وَجَعَلْنَا فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِهِمْ وَجَعَلْنَا فِيهَا فِجَاجاً سُبُلاً لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ﴾

 أمَّا أن تكون الجبال رواسي أن تميدَ بهم، فلأن الجبال جعلها الله سبحانه وتعالى في أماكن دقيقة جداً من الأرض، بحيث إذا دارت الأرض حول نفسها دورةً سريعة كانت محصِّلة هذا الدوران استقراراً، آيةٌ من آيات الله العُظمى..

﴿ أَمَّنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَرَاراً﴾

( سورة النمل: من آية " 61 " )

 من جعلها ساكنة ؟ لو أن هناك اضطراباً طفيفاً لما بقي هذا المسجد على ما هو عليه، ولم يبقَ على وجه الأرض بناء، ولو لا أن الله سبحانه وتعالى جعل الأرض قراراً، مستقرَّةً مع حركةٍ تأخذ بالألباب، ونحن جئنا إلى هذا المسجد، وبدأ الدرس في تمام الساعة الثامنة وخمس دقائق تقريباً، والآن الساعة الثامنة وخمسٌ وثلاثون دقيقة، فقد مضى على بدء الدرس ثلاثون دقيقة، من منكم يصدِّق كم من الكيلو مترات قطعتها الأرض في هذه النصف ساعة ؟! في كل ثانيةٍ تقطع الأرض ثلاثين كيلو متراً، فبالدقيقة ثلاثين في ستين، أي ألف وثمانمئة، ففي الثلاثين دقيقة ألف وثمانمئة ضرب ثلاثين، ألف وثمانمئة إلى عشرة، ثمانية عشر ألفاً إلى ثمانية عشر ألفاً في ثمانية عشر ألفاً، أربعة وخمسون ألف كيلو متر قطعت الأرض منذ أن بدأت كلامي وحتى الآن..

﴿ وَجَعَلْنَا فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ ﴾

 الأرض تنتقل حول الشمس بسرعة ثلاثين كيلو متراً في الثانية، وفي دورتها حول نفسها بسرعة ألف وست مئة كيلو متر في الساعة، إذاً هذه الدورة وهذه الحركة تحتاج إلى استقرار..

﴿ أَمَّنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَرَاراً﴾

( سورة النمل: من آية " 61 " )

 تجد بناء يقول لك: هذا مُعَمَّر من ثمانين سنة، ما فيه ولا شَق، فما معنى ما فيه شق ؟ أي لا يوجد اهتزاز، لأن أي اهتزازٍ أصاب الأرض لكان أثره واضحاً في الأبنية.

﴿ وَجَعَلْنَا فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِهِمْ ﴾

 مرَّة أوضحت ذلك، أن العجلة التي يصنعها الإنسان، مهما كان القالب التي صُبَّت فيه هذه العجلة دقيقاً محكماً متوازناً، لابدَّ لهذه العجلة من أن تضطرب على السرعات العالية، يأتي الإنسان ويضع هذه العجلة في الميزان، فيخبره الميزان أنها في هذا المكان تحتاج إلى قطعةٍ من الرصاص مقدارها خمسون غراماً، توضع هذه القطعة في العجلة، فإذا دارت العجلة بسرعةٍ بالغة بقيت مستقرَّة دون اضطراب، فهذا المثل اللطيف يمكن أن يُطَبَّق على الأرض.

الأرض فجاج وسبل ممهّدة للسير

﴿ وَجَعَلْنَا فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِهِمْ وَجَعَلْنَا فِيهَا فِجَاجاً سُبُلاً لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ﴾

 الفجاج أي الطُرُق بين الجبال..

﴿ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ﴾

 

 إلى أهدافهم وإلى ربِّهم، لعلَّ هذه الجبال الشامخة، وهذه الأرض المستقرَّة، والسماوات المنفتقة عن الأمطار، والأرض المنفتقة عن النبات، لعلَّ في هذا دليلاً قاطعاً على وجود الله، وعلى عظمته، وتربيته، وتدبيره، ومَحَبَّته، وإكرامه..

﴿ وَجَعَلْنَا السَّمَاءَ سَقْفاً مَحْفُوظاً وَهُمْ عَنْ آَيَاتِهَا مُعْرِضُونَ﴾

عظمة خلق السماوات

 هذه السماء سقف، قال العلماء: محفوظة من أن تُنَالَ بأذى، أو محفوظةً من أن تتبدَّل طبيعتها، فيكفي أن تعلموا أن في الجو طبقةً من الأوزون، هذه الطبقة لا تزيد سماكتها عن الميليمترات، هذه الطبقة تمنع وصول الأشعَّة التي تؤذي الإنسان، فالأشعَّة الشمسيَّة فوق هذه الطبقة تؤذي الإنسان، ولكنَّها بعد هذه الطبقة لا تؤذيه، وإنَّ هذه السماء كأنَّها سقفٌ محفوظٌ، أي حافظٌ للإنسان محفوظةٌ من أن تُمَسَّ بأذى، ومن أن تتبدَّل طبيعتها..

﴿ وَجَعَلْنَا السَّمَاءَ سَقْفاً مَحْفُوظاً وَهُمْ عَنْ آَيَاتِهَا مُعْرِضُونَ﴾

 عن آيات السماء، وعن مذنَّباتها، فالمذنَّبات آية، والكويْكبات آية، والنيازك آية، والثقوب السوداء آية، والكازارات آية، والمجرَّات آية، والنجوم آية، والكواكب آية، والأقمار آية، وحركة الكواكب آية، والتجاذُب فيما بين الكواكب آية، وقانون الجاذبيَّة آية..

﴿ وَهُمْ عَنْ آَيَاتِهَا ﴾

 السماء لها آيات، هي آيةٌ واحدة ولها آياتٌ كثيرة..

﴿ وَجَعَلْنَا السَّمَاءَ سَقْفاً مَحْفُوظاً وَهُمْ عَنْ آَيَاتِهَا مُعْرِضُونَ (32) وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ(33)﴾

﴿ وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ اللَّيْلَ ﴾

آية الليل والنهار

 الليل يُخْلَق، ومن آياته الليل والنهار، الليل والنهار من دوران الأرض حول نفسها، والليل والنهار آيةٌ عُظمى على رحمة الله بالإنسان، ساعةُ نومٍ في الليل لا تعدلها ثلاث ساعاتٍ في النهار لماذا ؟ لأن الله سبحانه وتعالى جعل الليل سَكَنَاً، وجعل الليل مُظلماً، وجعل الكائنات كلِّها تأوي إلى أوكارها في الليل، ولذلك إذا استيقظ الإنسان في منتصف الليل يُحسُّ بسكونٍ يُخَدِّرُ الأعصاب، هذا هو الجو المناسب للنوم، أصواتٌ قليلة وضوءٌ خافت، أمـا النوم في النهار فقلَّما يرتاح الإنسان فيه، فالليل جعله الله سكناً، وجعله سِتْرَاً، يقول لك: لو نقلنا الليل، فالإنسان له أغراض بعضها مقبول، وبعضها غير مقبول، جعل الله الليل ستراً، وجعله سكناً، وجعله وقتاً مناسباً لمناجاة الله عزَّ وجل، لذلك:

﴿ إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾

( سورة القدر:1)

﴿ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ﴾

( سورة المزمل: من آية " 20 " )

﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً﴾

( سورة الإسراء: من آية " 1 " )

الليل مناسبة للعبادة والمناجاة

 جعل الله الليل مناسباً لمناجاته، مناسباً لعبادته، وذكره وتلاوة كتابه.. وفي الحديث:

 

(( لَوْ يَعْلَمُ النَّاسُ مَا فِي النِّدَاءِ وَالصَّفِّ الأَوَّلِ ثُمَّ لَمْ يَجِدُوا إِلا أَنْ يَسْتَهِمُوا عَلَيْهِ لاسْتَهَمُوا، وَلَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِي التَّهْجِيرِ لاسْتَبَقُوا إِلَيْهِ، وَلَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِي الْعَتَمَةِ وَالصُّبْحِ لأَتَوْهُمَا وَلَوْ حَبْوًا))

 

( صحيح البخاري عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ )

فقم في الدجى لا تخشَ وحشةً
* * *

 هؤلاء الذين يمشون إلى المساجد في الليل هؤلاء في أعين الله، وهؤلاء لهم عند الله أجرٌ كبير، فلذلك يقول ربنا عزَّ وجل:

﴿ وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ ﴾

 هذا الضياء، وهذه الحرارة، وهذه الشمس التي تبعث الدفء والنور والتطهير للأجسام فهذه من آيات الله العُظمى، ولذلك قالوا: " كل مخلوقٍ يموت، ولا يبقى إلا ذو العزَّة والجبروت "..

 

الليل مـهـما طـال  فلابدَّ من طلوع الفجر
والعمر مـهما طـال  فلابدَّ مـن نزول القبر
* * *

 ولو أن لا يوجد ليل ونهار، فيسألك أحدهم: كم عمرك ؟ فتجب: لا أعرف، ولكـن بوجود الليل والنهار صار أيام الأسبوع ؛ السبت، والأحد، والاثنين، والثلاثاء، والأربعاء، والخميس، والجمعة، وأسبوع، أربعة أسابيع، شهر، ثلاثة أشهر، فصل، أربعة فصول سنة، أربع سنوات سنة، العقد الأول، يقول لك: أنا ولدت في الأربعينات، وهذا بالخمسينات، وثالث بالستينات، ورابع بالسبعينات، وخامس بالثمانينات، وسادس بالتسعينات، وعندنا قرن، وبعد القرن يوجد حِقَب، وبعده ذلك:

 

﴿ كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ﴾

( سورة الرحمن)

 فلولا دورة الأرض حول نفسها لما كان الليل والنهار، ولما كان الزمن.
 إذاً الليل سَكَن، والنهار للكسب، والليل مأوى، والليل ستر، والليل ذكرى، والنهار لنعلم عدد السنين والحساب..

﴿ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ ﴾

 هذه الشمس التي تكبُر الأرض بمليون وثلاثمئة ألف مرَّة، أي أن مليون أرض وثلاثمئة ألف أرض تدخل في جَوف الشمس، والشمس حرارتها في نواتها أكثر من عشرين مليون درجة، بينما حرارتها على سطحها تزيد على ستَّة آلاف درجة، أما ألسنة اللهب المُنْبَعِثَة منها فيزيد طول بعضها على مليون كيلو متر، والشمس مُتَوَقِّدةٌ بتقدير بعض علماء الفلك منذ خمسة آلاف مليون سنة، ولو أن الأرض أُلقيت في الشمس لتبخَّرت في ثانيةٍ واحدة.

﴿ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾

 يقول لك: الطاقة الشمسيَّة، الآن هناك أجهزة كثيرة للتسخين على الطاقة الشمسيَّة، فهناك سيَّارات تتحرَّك على الطاقة الشمسيَّة، وهناك مواقد تعمل على الطاقة الشمسيَة، عن طريق مرآة مُقَعَّرة ولها مكان تضع عليها القدر، وهذه المرآة بحسب أشعَّة الشمس، وانعكاسها، وِمْحَرَق هذه المرآة المقعَّرة تستطيع أن تسخِّن الماء، وأن تطهي الطعام، إذاً هذه الشمس شيءٌ عظيمٌ جداً..

﴿ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾

الكواكب: كلٌّ في فَلَكٍ يَسْبَحُونَ

 فكلمة كلٌ نَكِرَة، العلماء استنبطوا أن هذه الآية تنطبق على الذرَّة، وعلى المجرَّة، بدءاً من الذرَّة، وانتهاءً بالمجرَّة، نظام الكون يقوم على أن كل جرمٍ فيه يسبح في فَلَكٍ حول نواته، لماذا ؟ لو لا أن الكواكب تتحرَّك في مساراتٍ بيضاويَّةٍ أو دائريَّة حول كواكب أخرى لأصبح الكون كلُّه كتلةً واحدة، لأن هذه الحركة ينتج عنها قِوىً نابذة، وهذه القُوى النابذة محسوبةٌ حساباً دقيقاً كي تكافئ القِوى الجاذبة، كل جِرمٍ سماوي ينجذب إلى جِرمٍ آخر، فلماذا ؟ لأنه يدور، وماذا إذا دار ؟ من دورته تنشأ قوَّةٌ نابذة، هـو ينجذب إلى النواة، ومن دورته تنشأ قوَّةٌ نابذة، ومن توازن قِوى الجذب مع قِوى النبذ ينشأ هذا الاستقرار الحركي، فلذلك:

﴿ كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾

 فكل كوكبٍ له مسارٌ حول كوكبٍ آخر، وشيءٌ لا يُصدَّق أن هذا الكون مستقرُ على مبدأ التجاذب، تجاذب حركي، فالكوكب ينجذب بحسب الكُتلة، وبحسب مُرَبَّع المسافة والسرعة، وبحسب أشياء كثيرة كلُّها متداخلة والمُحَصِّلة استقرارٌ في الكون، هذه:

﴿ أَمَّنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَرَاراً﴾

( سورة النمل: من آية " 61 " )

 وتوجد آية قرآنيَّة أخرى:

﴿ اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ﴾

( سورة الرعد: من آية " 2 " )

 هناك عمد، لكنَّ هذا العمود لا ترونها، ما قولك أن يُنْشَأُ بناءٌ من مئة طابق بعيدٌ عن الأرض مسافة خمسين متراً، من دون أعمدة ؟ هذا فوق طاقة البشر، فهناك أعمدة ولكنَّها شَفَّافة تخترقها، هكـذا:

﴿ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ﴾

 هناك عَمَد، فالقمر مجذوبٌ إلى الأرض بما يساوي كبلاً فولاذياً مضفوراً قطرُه خمسون كيلو متراً، ولو كان ربنا عزَّ وجل رَبَطَ القمر بالأرض بكبلٍ فولاذي، وربط الأرض بالشمس بكبلٍ أكبر، والشمس بالقمر بواحد، لرأيت السماء شبكةً سوداء، وهذا شيءٌ مستحيل، إنه قال:

﴿ اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ﴾

 أي أنها بِعَمَدٍ ولكنَّكم لا ترونها، وهذه قِوى التجاذب، إنه شيءٌ لا يُصدَّق، من آيات الله الكُبرى الدالَّة على عظمته.

﴿ وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ (33) وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ(34)﴾

وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ

 إنّ كفَّار قريش تَمَنَّوا أن يموت النبي عليه الصلاة والسلام فتنتهي دعوته، وتنتهي هذه الرسالة، وتنتهي هذه المشكلة، فهم ينتظرون موته، ولذلك قال الله عزَّ وجل:

﴿ وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ ﴾

 أتكون الشماتةُ بالموت ؟ لأن الناس جميعاُ سيموتون، والقائلون سيموتون..

﴿ أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ﴾

 والإنسان أحياناً يمشي في جنازة فيقول لك: مسكين لقد مات، وكأنه هو لا يموت، مسكين، وأنت مسكين كذلك، أمر محتوم..

﴿ كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ﴾

﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾

( سورة القصص: من آية " 88 " )

﴿ كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ﴾

( سورة الرحمن:26)

كل ابن أنثى وإن طالت سلامته  يوماً على آلةٍ حدباءَ محمولُ
فإذا حملت إلى القبور جـنازةً  فاعلم بأنَّك بـعـدها محمولُ
* * *

 

﴿ أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ (34) كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ(35)﴾

 

كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ

 لا تبقى إلا المواقف، الخير يزول والشر يزول، هناك قولٌ دقيقٌ جداً:" فاعل الخير خيرٌ من الخير، وفاعل الشر شرٌ من الشر ".
 لماذا ؟ لأنك لو أنشأت مسجداً، وصلَّى فيه الناس إلى يوم القيامة، بعدئذٍ سوف ينتهي هذا المسجد ولكن ما الذي يبقى ؟ هذا العمل الطيِّب الذي تسعد به إلى الأبد، ولو أنَّك أنشأت دار أيتام، أو سُبْلاناً للماء، وأطعمت الناس، كل هذه الأفعال الطيِّبة على عِظَم شأنها تنتهي مع نهاية الحياة، وكل الأفعال الشريرة مهما تكن شريرة تنتهي مع نهاية الإنسـان، فما الذي يبقى ؟ تبقى نيِّة الخير، ونيَّة فعل الخير، بهذه النيَّة تسعد إلى الأبد، وتبقى نيَّة فعل الشر، وبهذه النيَّة يشقى بها الإنسان إلى الأبد، ولذلك: " فاعل الخير خيرٌ من الخير، وفاعل الشر شرٌ من الشر "..

﴿ كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً ﴾

أصول الابتلاء: الخير والشر

 أحياناً يبتلي الله عزَّ وجل الإنسان بالخير، فيعطيه مالاً، أينسى الله عزَّ وجل ؟ أيستعلي به على خلق الله ؟ أيمسكه ؟ أيبخل به ؟ أينسيه دينه كما فعل ثَعْلَبَة ؟ وأحياناً الإنسان يُبْتَلى بالفقر، أيكفر ؟ أيعترض ؟ أَيَلِجّ أم ماذا يقول ؟ والإنسان يُبتلى بالزوجة، بزوجة صالحة، أو بزوجة سيِّئة، ويبتلى بعمل مريح، أو بعمل مُتعب، ويبتلى بجـار طيِّب، أو بجار سيئ، وبصحَّةٍ طيِّبة فهل قوي بها على طاعة الله ؟ أو بمرضٍ فهل صبر فيه على قضاء الله ؟.

﴿ وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً ﴾

 أي أن الشر والخير يظهرانكم على حقيقتكم..

﴿ وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ (35) وَإِذَا رَآَكَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُواً ﴾

سنة الكفار الاستهزاءُ بالأنبياء والدعاة

 فإذا اسْتُهْزئَ بمؤمن فله في النبي أسوةٌ حسنة، سيِّد الخلق وحبيب الحق، الذي قال الله عنه:

﴿ وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾

( سورة القلم:4 )

 ونوح عليه السلام استهزأ به قومه..

﴿وَيَصْنَعُ الْفُلْكَ وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأٌ مِنْ قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنْهُ قَالَ إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ﴾

( سورة هود:38 )

 فالبطولة للساخر الأخير، وليس للأول، فالإنسان أحياناً يسخر من أهل الإيمان لجهله ولعدم معرفته..

﴿ فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ﴾

( سورة المطففين:34)

﴿ إِنِّي جَزَيْتُهُمُ الْيَوْمَ بِمَا صَبَرُوا أَنَّهُمْ هُمُ الْفَائِزُونَ (111) ﴾

﴿ تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ (104) أَلَمْ تَكُنْ آَيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ (105) قَالُوا رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْماً ضَالِّينَ (106) رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ (107) قَالَ اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ (108) إِنَّهُ كَانَ فَرِيقٌ مِنْ عِبَادِي يَقُولُونَ رَبَّنَا آَمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ (109) فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيّاً حَتَّى أَنْسَوْكُمْ ذِكْرِي وَكُنْتُمْ مِنْهُمْ تَضْحَكُونَ (110) إِنِّي جَزَيْتُهُمُ الْيَوْمَ بِمَا صَبَرُوا أَنَّهُمْ هُمُ الْفَائِزُونَ ﴾

( سورة المؤمنون )

 فالبطولة للأخير، لمن يسخر آخر الأمر لا لمن يُسْخَرُ منه أول الأمر..

﴿ ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ (1) مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ﴾

( سورة القلم )

﴿ قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآَتَانِي رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ أَنُلْزِمُكُمُوهَا وَأَنْتُمْ لَهَا كَارِهُونَ﴾

( سورة هود )

﴿ أَهَذَا الَّذِي يَذْكُرُ آَلِهَتَكُمْ وَهُمْ بِذِكْرِ الرَّحْمَنِ هُمْ كَافِرُونَ﴾

إنكار النبي صلى الله عليه وسلم على المشركين عبادتهم لأصنامهم

 أي أن هذه الآلهة التي صنعوها من تَمْر، أو من حجارة، أو من خشب لأن النبي عليه الصلاة والسلام نبَّههم إلى أنها لن تكون آلهة، إنها من صنع أيديهم، هؤلاء غضبوا وقالوا:

﴿ أَهَذَا الَّذِي يَذْكُرُ آَلِهَتَكُمْ ﴾

 أي بسوء..

﴿ وَهُمْ بِذِكْرِ الرَّحْمَنِ هُمْ كَافِرُونَ﴾

 لأن النبي عليه الصلاة والسلام وجَّه نظرهم إلى أن هذه الأصنام من صنع أيديهم، وانزعجوا، وزمجروا، وثاروا، وغضبوا، وهم لا يغضبون حينما يكفرون بالرحمن خالق كل شيء..

﴿ خُلِقَ الْإِنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ سَأُرِيكُمْ آَيَاتِي فَلَا تَسْتَعْجِلُونِ﴾

الإنسان مطبوع على العجلة والضعف

 هناك آياتٌ ثلاث تؤكد ذلك:
 الأولى:

﴿ وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفاً﴾

( سورة النساء )

 وضعفه لمصلحته، لو أن الله سبحانه وتعالى خلقه قويا لاستغنى بقوَّته فشقي باستغنائه عن الله.
 والثانية:

﴿ إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعاً﴾

( سورة المعارج )

 ولأنه خُلِقَ هلوعاً إنه شديد الإنابة إلى الله، لو لم يكن هلوعاً لما التجأ إلى الله عزَّ وجل، لكنَّه هلوع يخاف كثيراً فيأوي إلى الله سريعاً.
 والثالثة:

﴿وَكَانَ الْإِنْسَانُ عَجُولاً﴾

( سورة الإسراء )

 ومعنى عجولا أي طبيعته يحبُّ أن يأخذ الشيء القريب، ويدع الشيء البعيد، فإذا خالف الإنسان طبيعة نفسه، وآثر الآخرة على الدنيا فعندئذٍ يرقى عند الله سبحانه وتعالى، يرقى بمخالفة طبيعة بُنْيَتِهَ..

﴿ وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى﴾

( سورة النازعات )

 الهوى يدعوك أن تأكل هذه الأكلة، ولكنَّها من حرام، والهوى يدعوك أن تجلس هذه الجلسة وفيها مُنكرات، وأن تذهب لهذه الرحلة وفيها معصية الله سبحانه وتعالى، وأن تأخذ هذا المبلغ وهو من حرام، فالإنسان لأنه خُلِقَ عجولاً يسعدُ بعمله الصالح إلى الأبد، لماذا ؟ لأن عمله الصالح يكون مدافعةً لطبيعة نفسه، ولولا هذه المدافعة والمشادَّة بينه وبين نفسه لما كان لهذا العمل الصالح مـن عظيم أجرٍ وعظيم ثواب، إذاً:

﴿ وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفاً﴾

( سورة النساء )

 وضعفه لمصلحة إيمانه، و خلق الإنسان..

﴿ إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعاً﴾

( سورة المعارج )

 وأن يكون هلوعاً لمصلحة إيمانه.

﴿وَكَانَ الْإِنْسَانُ عَجُولاً﴾

( سورة الإسراء )

 وأن يكون عجولاً لمصلحة إيمانه.
 ولو أن الله خلقه ليس بعجول فاختار الدنيا وفق طبيعته هكذا، أما الإنسان فيمشي في طريق مريح، ويَدَع الطريق الوعر، فهل له أجر ؟ لا ليس له أجر، لأن طبيعة الإنسان هكذا، أما عندما يخالف الإنسان هوى نفسه يرقى عند الله سبحانه وتعالى، فالله عزَّ وجل خلقنا في الدنيا كي نرقى إليه بعملٍ طيبٍ يُكَلِّفُنا جهداً ومخالفةً لطبيعتنا..

﴿خُلِقَ الْإِنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ سَأُرِيكُمْ آَيَاتِي فَلَا تَسْتَعْجِلُونِ﴾

سَأُرِيكُمْ آيَاتِي فَلَا تَسْتَعْجِلُونِ

 والعلماء قالوا: معنى الآيات هنا وعدُ الله ووعيده، أي أن الله وعد المرابي بمحق المال، فيقول هذا المرابي ؟ متى هذا الوعد ؟ ومتى سيُمْحَق مالي ؟ وعندي آلاف مؤلَّفة لا تأكلها النيران، يسـخر، يستهزئ، وهذا السؤال ليس سؤال استفهام إنما هو سؤال سُخْرِيَة..

﴿ وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾

 والله عزَّ وجل قال:

﴿خُلِقَ الْإِنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ سَأُرِيكُمْ آَيَاتِي فَلَا تَسْتَعْجِلُونِ﴾

 وعد الله واقعٌ لا محالة، ووعيد الله واقعٌ لا محالة، قل: إن لكل حسنةٍ ثواباً، ولكل سيئةٍ عقاباً.

﴿ وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾

 أيضاً هنا يستهزئون..

﴿ لَوْ يَعْلَمُ الَّذِينَ كَفَرُوا حِينَ لَا يَكُفُّونَ عَنْ وُجُوهِهِمُ النَّارَ وَلَا عَنْ ظُهُورِهِمْ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ﴾

مصير المستهزئين بالأنبياء والدعاة

 فهذا الذي يستهزئ بوعيد الله لو يعلم حالته يوم يأتي هذا الوعيد ويُلقى في النار، كيف أن النار تلفح وجهه، وكيف أنه يعضُّ على إصبعه، وكيف أنه يقول:

﴿ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلاً (27) يَا وَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَاناً خَلِيلاً ﴾

( سورة الفرقان )

﴿ أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ﴾

( سورة الزمر )

﴿ بَلْ تَأْتِيهِمْ بَغْتَةً فَتَبْهَتُهُمْ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ رَدَّهَا وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ﴾

مصير المستهزئين بالأنبياء والدعاة

 أي أن الساعة، ساعة العقاب، أو ساعة الموت، أو ساعة الحريق تأتيهم بغتة فتبهتهم، ولذلك فالمؤمن وحده يُعِدُّ نفسه للموت منذ معرفته بالله عزَّ وجل، ويعلم علم اليقين أن هذه الساعة في حقِّه ساعةٌ مباركة، وأن عُرْسَهُ في هذه الساعة، وأن هذه الساعة ساعة انتقالٍ من ضيق الدنيا إلى سَعَةِ الآخرة، ومن هموم الحياة إلى نعيم الآخرة، من الابتلاء إلى الجزاء، ومـن التكليف إلى التشريف، ومن التعب إلى الرخاء، ومن الهَم إلى الطمأنينة، أي أن كل الخير بعد الموت، فالمؤمن يعرف ذلك، وينتظر ذلك، ويعدُّ العُدَّة لهذه الساعة، ولكنَّ الكافر وضع كل اهتمامه في الدنيا، وكل آماله في الدنيا، وكل طاقاته وكل إمكاناته في الدنيا، فإذا أُخِذَ منها فجأةً كان أخذه منها كالصاعقة، ولذلك يقول الله عزَّ وجل:

﴿فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا وَيَلْعَبُوا حَتَّى يُلَاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ﴾

( سورة الزخرف )

﴿ بَلْ تَأْتِيهِمْ بَغْتَةً فَتَبْهَتُهُمْ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ رَدَّهَا وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ (40) وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ ﴾

 هذا الاستهزاء نفسه كان مدمِّراً لهم، فقد أحاط بهم ودمَّرهم، فالإنسان يتأدَّب مع الله سبحانه وتعالى، ومع كتابه، ومع رسله، ومع من لهم صِفَةٌ دينية، ليجعل سخريَّته في موضوعاتٍ أخرى، أما أن يجعل الأمور المُقَدَّسة موضوعاتٍ لسخريته فربَّما كانت هذه السخرية نفسها مدمِّرةً له..

 

﴿ وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ ﴾

 كتب أحدهم مصحفاً في ثلاثة أيَّام، فلمَّا دُهِش إنسان أنه كُتِب في ثلاثة أيام قال الكاتب مستكبراً: " وما مسَّنا من لغوب "، أي أنه أعطى نفسه صفة الإله، فَشُلَّت يمينه على الفور، كلام الله لا يُسْتَهْزأ به، ولا يُستعار لذاته، من أنت ؟ فالإنسان إذا أنجز إنجازاً يقول: الحمد لله الذي وفَّقني لهذا العمل، وإذا حقَّق الله عزَّ وجل له آماله فيقول: الحمد لله الذي بنعمته تتمُّ الصالحات، إذا رزقه الله عزَّ وجل زوجة صالحة وبيتاً وأولاد كلَّما دخل البيت يقول: الحمد لله رب العالمين، هذه نعمة الله، وهذا من فضل ربي، هكذا المؤمن.

 

﴿ قُلْ مَنْ يَكْلَؤُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ مِنَ الرَّحْمَنِ بَلْ هُمْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِمْ مُعْرِضُونَ (42) أَمْ لَهُمْ آَلِهَةٌ تَمْنَعُهُمْ مِنْ دُونِنَا لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَ أَنْفُسِهِمْ وَلَا هُمْ مِنَّا يُصْحَبُونَ(43)﴾

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018