الدرس : 3 - سورة الأنبياء - تفسير الآيات 16 - 22 - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الدرس : 3 - سورة الأنبياء - تفسير الآيات 16 - 22


1988-05-06

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد، الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علما، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
 أيها الإخوة المؤمنون، مع الدرس الثالث من سورة الأنبياء، وصلنا في الدرس الماضي إلى قوله تعالى:

﴿ وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ (16) لَوْ أَرَدْنَا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْواً لَاتَّخَذْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا إِنْ كُنَّا فَاعِلِينَ (17) بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ ﴾

حقيقة اللعب وتنزيه الله تعالى عنه

 الحقيقة التي لا ريب فيها أن الله سبحانه وتعالى لم يخلق السماوات والأرض وما بينهما لَعِبَاً، إذا عرفنا معنى اللَّعب فهمنا الآية، اللعب هو العمل الذي لا طائل منه، والذي لا هدف له، والذي لا يستقِّرُ ولا يستمر، والذي ليس وراءه هدفٌ كبير، فجلَّت عظمة الله سبحانه وتعالى، وجلَّت حكمته، وجلَّت قدرته، وجلَّت أسماؤه الحسنى وصفاته الفُضلى عن أن يخلق السماوات والأرض لعباً، لم يخلقهما لعَبِاً، ولم يخلقهما باطلاً، إنما خلقهما بالحق.

 

الحكمة من خلق الإنسان

 لو أردنا أن نتوقَّف قليلاً، ونعود إلى أنفسنا، كلٌ منَّا موجودٌ على هذه الأرض ؛ في المكان الفلاني، والبلد الفلاني، والبيت الفلاني، وله معطيات، يا تُرى أليس من المهمِّ جداً أن يعرف الإنسان لماذا هو على وجه الأرض ؟ ولماذا هو مخلوق ؟ الله سبحانه وتعالى حينما خلقه لماذا خلقه ؟ هل ليعذِّبه ؟ قد يقول قائل: ليس في الأرض كلها إنسان مستريح إنها ؛ هموم، ومشكلات، وظروف صعبة، ومتاعب، ومُنْزَلَقات، وأمراض، وأوبئة، وهم، وحزن، فهناك مشكلة كبيرة فقبل أن تتحرَّك أية حركة لابدَّ أن تعرف الحقائق الأولى التي بني وجودك عليها، قبل أن تتعرَّف إلى كذا وكذا، وقبل أن تقرأ الكتاب الفُلاني والمقالة العلانيَّة، وقبل أن تطلع على ما جرى في البلد الفلاني، فهذه كلها أشياء ثانويَّة، فيجب أن تعرف أنت لماذا وُجِدْت ؟ هل وجِدَت عبثاً ؟ أم هل وجدت لعباً ؟ أم وجدت بالحق ؟ أنت لأنك جزءٌ من هذا الكون ربنا سبحانه وتعالى يقول:

 

﴿ وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ﴾

 ما دام ربنا سبحانه وتعالى قال:

﴿ وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ﴾

 فأنت أيها الإنسان جزءٌ من هذا الكون، أيُعْقَلُ أن تُمضي أربعين عاماً في الإعداد لحياةٍ لا تزيد عن عشرين عاماً ؟ أليس معترك المنايا بين الستين والسبعين ؟! أليست الآجال تخطف الإنسان خطفاً ؟ فهذا جَمَّعه في عمره المديدة ؛ من بيتٍ مريح، ومن زوجةٍ، وأولادٍ، وعملٍ، ومكانةٍ، أيخسره كلَّه في ثانيةٍ واحدة ؟ فماذا بعد الموت ؟ ولماذا كان الموت ؟ ولماذا كان العُمُر في هذا الحد المحدود ؟ ولماذا خلقنا ؟ ولماذا كانت المصائب ؟ والهموم والأحزان ؟ والتفاوت بين الناس ؟ والغنى، والفقر ؟ والقوَّة، والضعف ؟ فهذه أسئلة كبيرة جداً ومصيريَّة، والإجابة عنها تحدِّد مصير الإنسان، فإذا أهملها الإنسان والتفت إلى دنياه يبحث عن رزقه فقد يباغته الموت، ويأتيه فجأةً، فيكتشف عند الموت حقيقةً مُرَّة، حقيقةً تنزل عليه كالصاعقة، هو أن هذه الدنيا ليست هي المقصودة، وليست دار استقرار أو دار محطِّ الرحال إنما هي دارٌ كالممر ليس فيها مستقر، إنما هي إعدادٌ لحياةٍ أبديَّة.
 فهذه المعلومات، وهذه الحقائق، وإن شئت فسمِّها فلسفة، هذه قبل الطعام والشراب، وقبل الزواج، وقبل تأمين الرِزق، لأنك تحيى، ولا تدري لِمَ تحيى، والنبي عليه الصلاة والسلام يقول:

 

(( مثل المنافق كالنَّاقة عقلها أهلها، فلا تدري الناقة لا لمَ عُقِلَت ولا لمَ أُطْلِقَت ))

 

[ورد في الأثر]

 فلماذا الصلاة ؟ ولماذا الصيام ؟ فهذه الحقائق الكُبرى لا ينبغي أن تأخذها عفواً، تأخذها أو لا تأخذها، تأخذها صحيحةً أو مشوَّهة، فهذه القضية مصيريَّة، أي أن حياتك، وسعادتك، ومستقبلك، خريف عمرك، وزواجك، وعملك من دون فلسفة فالإنسان قد يعمل عملاً فيه إيذاءٌ للناس، ويدرُّ عليه أرباحاً طائلة، ويحسب أنه بهذا العمل متفوِّق وذكي، فلذلك الله سبحانه وتعالى حينما يقول:

﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ﴾

 نحن جزءٌ من هذا الكون، بل إن الكون كُلَّه مسخَّرٌ من أجلنا..

﴿ وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مِنْهُ ﴾

( سورة الجاثية: من آية " 13 " )

 بل إن الخلق كلَّه، والخلق ما سوى الإنسان مسخَّرٌ لهذا الإنسان، أيعقل أن يكون هذا الإنسان قد سُخِّرَت له السماوات والأرض، وهو لا يدري لِمَ هو على وجه الأرض ؟ فكم يكون جاهلاً، وكم يكون ضالاً، وتائهاً، وضائعاً، وشارداً لو كانت حياته خاليةً من هدفٍ يسعى إليه، ولو أن حياته خاليةٌ من عملٍ جليلٍ يعرضه على الله سبحانه وتعالى يوم القيامة.

 

طلب العلم فرض عين

 فيا أيُّها الإخوة المؤمنون، أردت من هذه الأسئلة التي طرحتُها عليكم أن تتيقَّنوا أن طلب العلم ليس فرضَ كفاية، إذا قام به البعض سقط عن الكل، لا والله، طلب العلم فرض عينٍ، أي أن على كل إنسان مهما تكن صنعته، ومهما يكن اختصاصه، وثقافته، ومكانته، ووجاهته فرض عين، إنك إن لم تعلم وقعت في شرِّ عملك، فالإنسان بدافعٍ من حرصه على سلامته، وهذا الحرص على سلامته فطرة، وبدافعٍ من حرصه على نجاحه وتفوًّقه عليه أن يعلم، ومعنى عليه أن يعلم أي أن عليه أن يأخذ العلم عن الرجال، وقد قال ابن عطاء الله السكندري: " من لم يأخذ هذا العلم عن الرجال فهو ينتقل من مُحَالٍ إلى مُحال "، والله سبحانه وتعالى يقول:

 

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾

( سورة التوبة:119)

 والله سبحانه وتعالى يقول:

﴿ وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطاً﴾

( سورة الكهف:28)

 أردت من هذه المقدِّمة أنْ أبيِّن لكم أنَّ هذا الموضوع خطير جداً، ما دام الله سبحانه وتعالى ما خلق السماوات والأرض وما بينهما لاعباً، وما خلقهما باطلاً، إنه خلقهما بالحق، فما هو الحق ؟ الحق خِلاف اللعب، والحق خلاف الباطل، واللعب هو الشيء العابث الذي لا هدف له، والباطل هو الشيء الزائل والزاهق، فالحق إذاً هو الشيء الثابت الهادف، فأنت خُلِقت لتبقى، وما الموت إلا نقطة تحوُّلٍ في خطِّ سيرك، ثيابٌ تخلعها هذا هو الموت، أنت أنتَ، كل نفسٍ ذائقة الموت، أنتَ أنت، لكن في الحياة لك بُنْيَة، فهذا الجسد محيطٌ بهذه النفس، وبعد الموت هذه النفس تحيط بهذا الجسد، ففي الحياة سعيٌ لكسب الرزق، والحياة فيها تناقض، بينما الحياة في الدار الآخرة ليس فيها سعيٌ لكسب الرزق، إذاً ليس فيها حسد، ولا تنافس، ولا حزن، ولا أي مرض يحولُ بين الإنسان وبين بلوغ سعادته، وفي الآخرة تزايد.
فيا أيها الإخوة المؤمنون...

﴿ وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ ﴾

حقيقة الإسلام

 الحقيقة أن الإنسان حينما يظن أن دينه ينتهي عند حضور مجلس علم من دون أن يدخل في صميم هذا الموضوع، حضر، ويقول لك: تباركنا، كلام ليس له معنى، فما معنى تباركت هذه ؟ يقول لك: والله، الحمد لله أنا أصلي الأوقات الخمسة، بني الإسلام على خمس، الصلاة دِعامةٌ، وليست هي الإسلام، والصوم دعامة، وليس هو الإسلام، والحج دعامة، وليس هو الإسلام، والزكاة دعامة، وليست هي الإسلام، وإعلان الشهادة دعامة، وليس هو الإسلام، الإسلام شيءٌ آخر.
 سيدنا جعفر بن أبي طالب سأله النجاشي.. ملك الحبشة.. عن طبيعة دينه، فأجابه بقوله:

 

(( أَيُّهَا الْمَلِكُ، كُنَّا قَوْمًا أَهْلَ جَاهِلِيَّةٍ، نَعْبُدُ الْأَصْنَامَ، وَنَأْكُلُ الْمَيْتَةَ، وَنَأْتِي الْفَوَاحِشَ، وَنَقْطَعُ الْأَرْحَامَ، وَنُسِيئُ الْجِوَارَ، يَأْكُلُ الْقَوِيُّ مِنَّا الضَّعِيفَ، فَكُنَّا عَلَى ذَلِكَ حَتَّى بَعَثَ اللَّهُ إِلَيْنَا رَسُولًا مِنَّا نَعْرِفُ نَسَبَهُ وَصِدْقَهُ، وَأَمَانَتَهُ وَعَفَافَهُ، فَدَعَانَا إِلَى اللَّهِ تَعَالَى لِنُوَحِّدَهُ، وَنَعْبُدَهُ، وَنَخْلَعَ مَا كُنَّا نَعْبُدُ نَحْنُ وَآبَاؤُنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ الْحِجَارَةِ وَالْأَوْثَانِ، وَأَمَرَ بِصِدْقِ الْحَدِيثِ، وَأَدَاءِ الْأَمَانَةِ، وَصِلَةِ الرَّحِمِ، وَحُسْنِ الْجِوَارِ، وَالْكَفِّ عَنْ الْمَحَارِمِ وَالدِّمَاءِ، وَنَهَانَا عَنْ الْفَوَاحِشِ، وَقَوْلِ الزُّورِ، وَأَكْلِ مَالِ الْيَتِيمِ، وَقَذْفِ الْمُحْصَنَةِ، وَأَمَرَنَا أَنْ نَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ لَا نُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا، وَأَمَرَنَا بِالصَّلَاةِ، وَالزَّكَاةِ، وَالصِّيَامِ، فَعَدَّدَ عَلَيْهِ أُمُورَ الْإِسْلَامِ فَصَدَّقْنَاهُ، وَآمَنَّا بِهِ، وَاتَّبَعْنَاهُ عَلَى مَا جَاءَ بِهِ، فَعَبَدْنَا اللَّهَ وَحْدَهُ، فَلَمْ نُشْرِكْ بِهِ شَيْئًا، وَحَرَّمْنَا مَا حَرَّمَ عَلَيْنَا، وَأَحْلَلْنَا مَا أَحَلَّ لَنَا، فَعَدَا عَلَيْنَا قَوْمُنَا، فَعَذَّبُونَا، فَفَتَنُونَا عَنْ دِينِنَا لِيَرُدُّونَا إِلَى عِبَادَةِ الْأَوْثَانِ مِنْ عِبَادَةِ اللَّهِ، وَأَنْ نَسْتَحِلَّ مَا كُنَّا نَسْتَحِلُّ مِنْ الْخَبَائِثِ ))

 

[أحمد في مسنده عن أم سلمة]

 هذه هي الجاهليَّة، فربنا عزَّ وجل قال:

﴿وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى﴾

( سورة الأحزاب: من آية " 33 " )

 هذه الآية فيها إشارةٌ دقيقةٌ جداً إلى أن هناك جاهليةً ثانية، هذه دفعةٌ أولى، ما معنى هذا ؟ المعنى أن هناك دفعة ثانية، أما هذا الرصيد فيحتاج إلى بحث آخر..

﴿وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى﴾

(( أَيُّهَا الْمَلِكُ، كُنَّا قَوْمًا أَهْلَ جَاهِلِيَّةٍ، نَعْبُدُ الْأَصْنَامَ، وَنَأْكُلُ الْمَيْتَةَ، وَنَأْتِي الْفَوَاحِشَ، وَنَقْطَعُ الْأَرْحَامَ، وَنُسِيئُ الْجِوَارَ، يَأْكُلُ الْقَوِيُّ مِنَّا الضَّعِيفَ، فَكُنَّا عَلَى ذَلِكَ حَتَّى بَعَثَ اللَّهُ إِلَيْنَا رَسُولًا مِنَّا نَعْرِفُ نَسَبَهُ وَصِدْقَهُ، وَأَمَانَتَهُ وَعَفَافَهُ، فَدَعَانَا إِلَى اللَّهِ تَعَالَى لِنُوَحِّدَهُ، وَنَعْبُدَهُ، وَنَخْلَعَ مَا كُنَّا نَعْبُدُ نَحْنُ وَآبَاؤُنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ الْحِجَارَةِ وَالْأَوْثَانِ، وَأَمَرَ بِصِدْقِ الْحَدِيثِ، وَأَدَاءِ الْأَمَانَةِ، وَصِلَةِ الرَّحِمِ، وَحُسْنِ الْجِوَارِ، وَالْكَفِّ عَنْ الْمَحَارِمِ وَالدِّمَاءِ، وَنَهَانَا عَنْ الْفَوَاحِشِ، وَقَوْلِ الزُّورِ، وَأَكْلِ مَالِ الْيَتِيمِ، وَقَذْفِ الْمُحْصَنَةِ، وَأَمَرَنَا أَنْ نَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ لَا نُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا، وَأَمَرَنَا بِالصَّلَاةِ، وَالزَّكَاةِ، وَالصِّيَامِ، فَعَدَّدَ عَلَيْهِ أُمُورَ الْإِسْلَامِ فَصَدَّقْنَاهُ، وَآمَنَّا بِهِ، وَاتَّبَعْنَاهُ عَلَى مَا جَاءَ بِهِ، فَعَبَدْنَا اللَّهَ وَحْدَهُ، فَلَمْ نُشْرِكْ بِهِ شَيْئًا، وَحَرَّمْنَا مَا حَرَّمَ عَلَيْنَا، وَأَحْلَلْنَا مَا أَحَلَّ لَنَا، فَعَدَا عَلَيْنَا قَوْمُنَا، فَعَذَّبُونَا، فَفَتَنُونَا عَنْ دِينِنَا لِيَرُدُّونَا إِلَى عِبَادَةِ الْأَوْثَانِ مِنْ عِبَادَةِ اللَّهِ، وَأَنْ نَسْتَحِلَّ مَا كُنَّا نَسْتَحِلُّ مِنْ الْخَبَائِثِ ))

[أحمد في مسنده عن أم سلمة]

 هذا هو الإسلام إنه بناء أخلاقي، الإسلام يسمو بالإنسان، فيجعله إنساناً صالحاً للتنعُّم في الجنَّة إلى ما شاء الله، فالدنيا دار إعداد، وتكليف، وعمل، والآخرة دار جزاء، ودار نعيم مقيم، لا قلق، ولا حزن، ولا شقاء، ولا خوف، ولا ارتفاع حر، ولا انخفاض البرودة، ولا ضيق، ولا قهر، ولا فقر، ولا مزعجات، ولا مقلقات، ولا مخاوف، ولا أحزان.. فَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: قَالَ اللَّهُ:

 

(( أَعْدَدْتُ لِعِبَادِي الصَّالِحِينَ مَا لَا عَيْنٌ رَأَتْ، وَلَا أُذُنٌ سَمِعَتْ، وَلَا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ، فَاقْرَءُوا إِنْ شِئْتُمْ:﴿ فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾))

 

[متفق عليه]

أين أنت من تطبيق ما تعلّمتَ ؟

 يا أيها الإخوة الأكارم، والله الذي لا إله إلا هو لو أن الإنسان سمع هذا الكلام الواضح كالشمس، المأخوذ من كتاب الله، المأخوذ من هذا الدستور، لو أن الإنسان سمعه ولم يأخذه مأخذاً جدياً، ولم يبلغ من نفسه مبلغاً يدفعها إلى تغيير سلوكها، والله الذي لا إله إلا هو سوف تطول حسرته يوم القيامة لأنه عرف الحق وحاد عنه، فحضور هذا الدرس مسؤوليَّة كبيرة، فهناك دروس تحضرها فتستمتع لما فيها من طُرَف، ومن طرائف لطيفة، وحكاية، وقصص، وأشياء مسلّية، فهذا درسٌ ممتعٌ غير نافع، وهناك درسٌ نافعٌ غير ممتع، وهناك درسٌ تحضره فتبدأ متاعبك، أيَّةُ متاعب ؟ لأن هذه الآيات تضعك أمام مسؤوليةٍ كبيرة، وأمام مصير، وأمام رسالة أنت مكلَّفٌ بحملها، وأمام هدفٍ أنت مكلَّفٌ أن تسعى إليه.
 فلذلك قضية: " والله سمعنا الدرس ومشينا، والله الدرس كان لطيفاً، ممتعاً، واللغة جيدة، والله هناك إقبال شديد، ما شاء الله "، فهذه كلُّها كلمات لا تقدِّم ولا تؤخِّر، والذي يقدِّم ويؤخِّر أين أنت من هذا الدرس ؟ هل عرفت أن الله سبحانه وتعالى قد خلقك لهدفٍ كبير ؟ ما هو هذا الهدف، هل عرفته ؟ هل سألت عنه ؟ إذا عرفت هذا الهدف فكل حركاتك في الدنيا يجب أن تُستنبط من هذا الهدف، فمن عرف أن الله سبحانه وتعالى خلقه ليسعده في الدنيا والآخرة، وأن جوهر السعادة في طاعة الله والعبوديَّة له، ومعرفته، فعندئذٍ لا يختار عملاً يكسب منه رزقاً لا يرضي الله، فصار اختيار عملك له علاقة بدينك، واختيار الزوجة له علاقة بالدين، واختيار تمضية أوقات الفراغ له علاقة بالدين.
 ليس من السهل أن تمضي وقتاً فراغاً فيما لم تُخْلَق من أجله، النبي عليه الصلاة والسلام حينما كان صغيراً كان يُدْعى إلى اللهو، فيقول عليه الصلاة والسلام:

 

(( لم أُخْلَق لهذا ))

 

[ورد في الأثر]

 أي أن هذا النمط المسلم، طبعاً المسلم لا يرتكب كبيرة، ولا يسرق، ولا يزني، ولا يشرب خمراً، ولكن حياته مثقلةٌ بالصغائر، وهذه الصغائر كالكبائر في المفعول، وفي النهاية كالكبيرة تحجبكم عن الله سبحانه وتعالى، فإذا أطلق الإنسان بصره، واستمع إلى صوت قَيْنَةٍ، واختلط مع نساءٍ لا يحللن له، وأكل درهماً من حرام، وأنفق المال في غير محلِّه، وتساهل في تربية أولاده، ومع زوجته، إذا عصت الله سبحانه وتعالى فأقرَّها على هذه المعصية، هذه كلها في ظنِّه صغائر وهي في الحقيقة كالكبائر، ونحن في رمضان.

 

حقيقة طلب العلم

 يا أيها الإخوة المؤمنون، لئلا يعتب أحدٌ على هذه المجالس ويقول: حضرتها عشر سنوات، وما أفادتني شيئاً، إن لم تُطبِّق فلن تستفيد، لأن هذا الدرس وصفة، إن لم تأخذ الدواء بالتمام والكمال وفق التعليمات التي وصفها الطبيب فلن تشعر بالراحة، فلذلك أن تحضُر الدرس بُغْيَةَ الاطلاع شيء، وأن تحضره بغية تمضية وقت الفراغ شيءٌ آخر، وأن تحضر الدرس من أجل أن تعرف الله ومن أجل أن تكون هذه المعرفة أساساً في تعاملك مع الله، ومع الناس، وفي زواجك، وبيعك وشرائك، وعملك هذا شيءٌ آخر.
 فيا أيُّها الإخوة المؤمنون... النبي عليه الصلاة والسلام يقول:

 

 

(( شمِّروا فإن الأمر جد ))

 

[ورد في الأثر]

 الأمر جِدّ.
 قال لي أخٌ كريم قبل أسابيع: لي صديقٌ كان يمشي في الطريق فوقع ميِّتاً.

 

الاستعداد إلى الرحلة الأخيرة

 إن حالات الوفاة المفاجئة كثيرةٌ جداً، وكلكم يعلم إلى أين ذهب هذا الإنسان ؟ وماذا أعدَّ لهذه الرحلة الطويلة ؟ والله إن رحلة إلى مدينة قريبة جداً تُخَطِّط لها ساعات طويلة، وتكتب الحوائج على قوائم، فقد أحتاج إلى كذا وكذا، كلُّه يُسَجَّل، ويُحضَّر، ويُعد، ويوضع في حقائب، وهذه الرحلة الطويلة يعطونك تأشيرة خروج بلا عودة، فلا توجد رجعة، بل رحلة أبديَّة، فماذا أعددت لها ؟ قال رجل:

 

(( يا رسول الله، علِّمني من غرائب العلم، فقال عليه الصلاة والسلام: وماذا صنعت في أصل العلم ؟ قال: وما أصل العلم ؟، قال: هل عرفت الرب ؟ قال: نعم، قال: فماذا صنعت في حقِّه ؟ ))

[أبو نعيم في الحلية عن عبد الله بن مسور]

 السؤال لكم: إذا كنت قد عرفت الله فما الموقف الذي وقفته من أجله ؟ وماذا أعطيت من أجله ؟ وماذا مَنَعْتَ من أجله ؟ ومن صاحبت من أجله ؟ ومن عاديت من أجله ؟ ما العادة التي تركتها من أجله، والتي فعلتها من أجله ؟ هذا السؤال اسأله نفسك دائماً: ماذا صنعت من أجل الله ؟ إذا أردت أن تعرف ما لك عند الله فانظر ما لله عندك، إذا أردت أن تعرف مقامك فانظر فيمَ أقامك، وإذا أردت أن تعرف مقامك فانظر فيمَ استعملك.
 فهذه الآية:

﴿ وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ﴾

 ليس من قبيل العَبَث..

﴿ أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ﴾

( سورة المؤمنون:115 )

 أي لعباً بلا هدف، هكذا، يغتني الإنسان، ويأكل مالاً حراماً، ويستمتع بالدنيا كما يشاء، ويموت وانتهى الأمر، أهكذا ؟ ويفتقر إنسان آخر ويذوق الأمرَّين ويموت، أهكذا، لا توجد آخرة، ولا يوجد جزاء ؟ أين اسم الله الحق ؟ أليس الحقُّ اسماً من أسماء الله ؟ إذا كسب الإنسان المال الحرام، واستمتع به طوال حياته، ومات معزَّزاً مكرَّماً، وإنسان آخر ذاق مرارة البؤس والحرمان، ومات، وانتهى الأمر، فأين اسم الحق ؟ أليس الله هو الحقُّ المبين.

 

حظوظ الدنيا والآخرة

 لذلك يا أيها الإخوة الأكارم، لقد وزَّع الله سبحانه وتعالى الحظوظ في الدنيا توزيع ابتلاء، جعل الغني غنياً وابتلاه بالغنى، هل يكون شاكراً، سخياً ؟ وهل يعرف حقَّ الناس جميعاً ؟ قال عليه الصلاة والسلام:

 

 

(( يُحْشَر الأغنياء أربع فرقٍ يوم القيامة ؛ فريق جمع المال من حرامٍ، وأنفقه في حرام فيقال: خذوه إلى النار - هذا حسابه سريع جداً، كلمة واحدة - وفريقٌ جمع المال من حلال، وأنفقه في حرام فيقال: خذوه إلى النار، وفريقٌ جمع المال من حرام، وأنفقه في حلال فيقال: خذوه إلى النار، وفريقٌ جمع المال في حلال، وأنفقه في حلال قال: هذا قفوه فاسألوه ))

 

[ورد في الأثر]

 هذا حاسبوه، هذا الذي يُحَاسَب، أما الذي جمع المال من حرام وأنفقه في حرام، أو جمعه من حلال وأنفقه في حرام، أو جمعه من حرام، وأنفقه في حلال فهؤلاء إلى جهنَّم وبئس المصير، وأما الذي جمعه من حلال وأنفقه في حلال فهذا يقال له: قفوه فاسألوه: هل قصَّر في صلاةٍ ؟ وهل قصَّر في تأدية الحقوق ؟ هل قال من حوله: يا رب لقد أغنيته بين أظهرنا فقصَّر في حقِّنا ؟ هل ماله جعله يتكبَّر على خلق الله ؟ فالنبي عليه الصلاة والسلام لبلاغته الرائعة قال ليعبِّر عن شدَّة السؤال قال: فما زال يُسأل ويُسْأل، أي أنه انتظر، وانتظر، فهناك قائمة أسئلة طويلة جداً، فتركهم ومشى ـ فما زال يسأل ويسأل ـ.
 الموضوع خطيرٌ جداً، فأنت مخلوق لهدفٍ كبير، فهل عرفت هذا الهدف ؟ لك ربٌ عظيم، فهل عرفت هذا الرب ؟ وله منهج، فهل عرفت هذا المنهج أولاً ؟ وهل طبَّقته ثانياً أم ماذا كنت تصنع ؟ فأحياناً أحد الإخوة الحاضرين يرفع معنويات الداعي إلى أعلى درجة إن كان ملتزماً، مطبِّقاً، عند الأمر والنهي، وواحد آخر يحضر الدروس، ولا يطبِّق ما جاء فيها، فهذا الإنسان يخفض معنويات الداعية إلى أدنى درجة، فإذاً كلَّما عَرَضَ لك شيءٌ من الحق اسأل نفسك هذا السؤال: أين أنا من هذا ؟ هل أنا مطبِّق ؟

 

الإنسان مخلوق للعبادة

 إذاً الله سبحانه وتعالى ما خلق السماء والأرض وما بينهما لعباً، بمعنى أن اللعب العمل العابث الذي لا هدف منه، جلَّ وعلا، تنزَّهت أسماؤه، وتنزَّهت ذاته عن أن يخلق الكون عبثاً، لا عباً من دون هدفٍ عظيم، فما هو هذا الهدف ؟..

 

﴿ وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾

( سورة الذاريات:56)

 ما هي العبادة ؟ طاعةٌ طوعيَّة، فلو أن هذه الطاعة قسرية لما كانت عبادة، وطاعةٌ طوعيَّة، تسبقها معرفةٌ يقينية، فتفضي إلى سعادةٍ أبديَّة، فإذاً أنت أيها المخلوق خُلِقْتَ من أجل أن تسعد إلى الأبد..

﴿ إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ ﴾

( سورة هود: من آية " 119 " )

 إنّ الإنسان خُلِقَ ليسعد بالله سبحانه وتعالى إلى الأبد، وفي الأثر:

(( خلقتُ لك السماوات والأرض من أجلك فلا تتعب، وخلقتك من أجلي فلا تلعب، فبحقّي عليك لا تتشاغل بما ضمنته لك عما افترضه عليك))

[ورد في الأثر]

﴿ لَوْ أَرَدْنَا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْواً لَاتَّخَذْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا إِنْ كُنَّا فَاعِلِينَ﴾

لَوْ أَرَدْنَا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْوًا لَاتَّخَذْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا

 أي سبحانه وتعالى وتقدَّس أن يخلق الحياة لهواً، لكن فرضاً لو أن الله سبحانه وتعالى.. وهو أعظم وأجلَّ من ذلك.. أراد أن يخلق السماوات والأرض لهواً ولعباً لما كان هذا اللهو واللعب على حساب الناس، هناك زلازل، ومصائب، ومجاعات، وأمراض، وفقر، وقهر، وأُناس معذَّبون، لو أن الله سبحانه وتعالى أراد أن يلهو لما كان الإنسان ضحيَّة هذا اللهو، بل مستحيل ذلك، فهذا لا يتناسب مع رحمته جلَّ وعلا، ولا مع عدالته، ولا مع عظمته..

﴿ لَوْ أَرَدْنَا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْواً لَاتَّخَذْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا ﴾

 فإذا أراد الإنسان أن يتسلَّى بتجريب قلم، أيجرَّبه على جدول علامات طلاب الاختصاص الصف الرابع الجامعي ؟ يضع هنا صفراً، هل خطّه جميل ؟ وصفر، وصفر يعني أنك رسَّبته، تجرِّب قلَماً على حقل العلامات ؟ أيعقل أن يُجرَّب القلم على حقل علامات لاختصاص الصف الرابع ؟ سيُبْنَى على التخرُّج مصالح كبيرة جداً ؟ فإذا سأله طالب: لماذا أنا رسبت يا أستاذ ؟ يقول: واللهِ كنت أجرِّب القلم فوضعت هنا صفرًا، هذا كلام غير معقول، فهل يخلق معقول الله عزَّ وجل السماوات والأرض لهواً ولعباً على حساب الناس ؟ جهنَّم مُلئت، لماذا ؟ هكذا، ما هذه هكذا ؟ أيعقل أن يُبنى سجنٌ فخمٌ، ويُساق الناس جميعاً إليه، لماذا ؟ لإملاء السجن، أيعقل هذا ؟
 فالذي يظنُّ أن الله سبحانه وتعالى يخلق الخلق لَعِبَاً ولهواً هذا ضال مضل، طبعاً الناس يقولونها بأساليب أخرى، يقول لك: سبحان الله لا أحد مرتاح، فما معنى هذه الكلمة ؟ معناها كأن الله عزَّ وجل خلق الناس ليعذِّبهم، لا والله..

﴿ وَهَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ﴾

( سورة سبأ:17)

 اسمعوا كلام ربنا عزَّ وجل:

﴿ مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآَمَنْتُمْ وَكَانَ اللَّهُ شَاكِراً عَلِيماً﴾

( سورة النساء:147)

 واسمعوا كلام ربنا عزَّ وجل:

﴿ وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾

( سورة الشورى: من آية " 30 " )

 حصراً..

﴿ وَتِلْكَ الْقُرَى أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا ﴾

( سورة الكهف: من آية " 59 " )

 الآيات التي تؤكِّد أن كل مصيبةٍ دَقَّت أو جَلَّت إنما هي بسبب ذنبٍ أو حكمةٍ أو ظلمٍ اقترفه الإنسان لأنه

(( ما من عثرةٍ، ولا اختلاج عرقٍ، ولا خدش عودٍ إلا بما قدَّمت أيديكم، وما يعفو الله أكثر ))

[البيهقي في شعب الإيمان عن أبي بن كعب موقوفا]

 إذاً:

﴿ لَوْ أَرَدْنَا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْواً لَاتَّخَذْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا إِنْ كُنَّا فَاعِلِينَ﴾

 ولكن الله سبحانه وتعالى أن يكون لاعباً في خلق السماوات والأرض، سبحانه أن يخلق السماوات والأرض عبثاً..

﴿ أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً ﴾

( سورة المؤمنون: من آية " 115 " )

 اسمعوا الآية الثانية:

﴿ أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى ﴾

( سورة القيامة:36)

 هكذا، ظلمت دون أن تسأل، ودون أن يأخذ المظلوم حقَّه، إن ذلك لا يكون، فأحد أسباب الإيمان باليوم الآخر أن الله سبحانه وتعالى من أسمائه الحق، وأن الحقَّ هو الذي يجب أن يُقام إلى الأبد يوم القيامة، فأحياناً إنسان يظلم زوجته، فيأكل مالها ويطلقها، وانتهى الأمر ؟ولا يوجد إله يحاسبه ؟ أو شريك يتعلَّم من شريكه المصلحة وبعدها يضعه خارج المحل، ويقول له: المحل لي، والإيجار باسمي، أخي هذه المصاريف، ويضع له خمسين ألفاً والشركة كانت سبعين ألفاً، ويقول له: فهذه خمسون ألفاً، فما هذه الخمسون ألفاً، هذه الآن قيمتها خمسمائة ألف، ويعطيه خمسين ألفاً ومع السلامة، فأين الله ؟ هذا الذي يظن أن الإنسان بذكائه يحصِّل المال، وأن القوي هو بقوَّته يأكل أموال الناس هذا هو الضلال بعينه.
 وربنا عزَّ وجل ما خلق السماوات والأرض وما بينهما لاعباً..

﴿ لَوْ أَرَدْنَا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْواً لَاتَّخَذْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا إِنْ كُنَّا فَاعِلِينَ (17) بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ ﴾

الباطل إلى زوال واضمحلال

 والله عزَّ وجل جعل الحق كأنَّه صخرةٌ صَمَّاء أُلقيت على الباطل فسحقته، والباطل هذه التخرُّصات والضَلالات، فالباطل أن الدنيا هي كل شيء، وأن القوي هو الذي يعيش في هذه الدنيا، يقول لك: البقاء للأقوى، وكأنه لا يوجد إله، والأقوى يأكل الأضعف وانتهى الأمر، فهذا باطل، أو أن هناك في عام كذا مجاعةٌ كبرى، لماذا ؟ لأن البشر يتوالدون بسلسلة هندسيَّة بينما الغذاء بسلسلة عدديَّة إذاً هناك نقص في المواد، فأين هو الرزَّاق ذو القوَّة المتين ؟.
 أحياناً يفاجأ الناس بأمطار مذهلة، يقول لك: هذا العام توجد محاصيل لا يعلمها إلا الله، محاصيل قمح، ومحاصيل قطن، ومحاصيل فواكه، وأشجار مثمرة لا يعلمها إلا الله، ومعدَّل الأمطار في دمشق مئتان، أو مئة وخمسون، والسنة مئتان وخمسون أو ثلاثمائة، والله عزَّ وجل إذا أعطى أدهش، ولا يوجد إله، والقضيَّة هكذا، الحياة هي كل شيء، والموت نهاية كل شيء، والحق للأقوى، والأقوى يأكل الأضعف، وهناك نقص في المواد، وهذه أفكار الشياطين، وأفكار الكفَّار، والشيطان هو الأساس..

﴿ إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾

( سورة آل عمران:175)

﴿ الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ ﴾

( سورة البقرة: من آية " 268 " )

 هذه لوازم الشيطان، يخوِّف، ويأمر بالفحشاء، ويَعِد بالفقر، فكلَّما جاءتك خواطر ؛ إياك أن تنفق مالك، المال ثمين جداً، والأمور صعبة تضيق في المستقبل، فهذا من الشيطان، إذا جاءك خاطر يمنعك من أن تنفق المال في سبيل الله بدعوى أن المال أصبح شيئاً ثميناً جداً، وأصبح تحصيله صعباً، وأصبحت الحاجات باهظة التكاليف، وأنت أولى بهذا المال، قُل: هذا هو الشيطان بعينه..

﴿ إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ﴾

( سورة آل عمران:175)

 هذه يَعِدُكُم الفقر، أما إذا جاءك خواطر أنْ: لا تصلِّ هذا أفضل، لا تصم أفضل..

﴿ إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ﴾

 فالشيطان يخوِّف، ويعد بالفقر، ويأمُر بالفحشاء، فأي خاطر من هذه الأبواب الثلاثة فهو حصراً من الشيطان..

﴿ وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾

( سورة سبأ:39)

 عَنْ أَبِي كَبْشَةَ الْأَنَّمَارِيِّ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ:

 

(( ثَلَاثَةٌ أُقْسِمُ عَلَيْهِنَّ، وَأُحَدِّثُكُمْ حَدِيثًا فَاحْفَظُوهُ، قَالَ: مَا نَقَصَ مَالُ عَبْدٍ مِنْ صَدَقَةٍ، وَلَا ظُلِمَ عَبْدٌ مَظْلَمَةً فَصَبَرَ عَلَيْهَا إِلَّا زَادَهُ اللَّهُ عِزًّا، وَلَا فَتَحَ عَبْدٌ بَابَ مَسْأَلَةٍ إِلَّا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِ بَابَ فَقْرٍ...))

 

[مسلم، الترمذي، واللفظ له]

(( حصِّنوا أموالكم بالزكاة ))

[الطبراني في المعجم الكبير عن عبد الله بن مسعود]

﴿ خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾

( سورة التوبة:103)

 فهذه الأفكار أن الله خلق الناس ليعذِّبهم، أو أن الله خلق الناس ليزعجهم، أو أن الله سبحانه وتعالى جعل الدنيا هي كل شيء، وأنه لا شيء بعد الموت، فهذا هو الباطل وهي أفكار الشيطان..

﴿ بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ ﴾

معنى: يَدْمَغُه

 معنى يدمغه أي يهشِّمه، فينتهي، لو ضُرِبَ الإنسان على دماغه بحجرٍ هكذا من مسافةٍ بعيدة، وأصاب الحجر الهدف، فأصبح الدماغ أشلاء، يكون الإنسان قد مات، فمعنى يدمغه أي يحطِّمه..

﴿ بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ﴾

أيّ دعوة باطلة يدمغها الحق

 فكل دعوى في التاريخ الإسلامي أرادت أن تطفئ نور الله، ألم يدمغها الله سبحانه وتعالى ؟ اقرأ التاريخ، فلا توجد دعوى أرادت أن تطفئ نور الله إلا دُمِغَت لقوله تعالى:

﴿ بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ ﴾

 أيّ تغيير لهذا الكتاب، وأي تحوير، وأي تبديل، وأي شيء وضعي يُرجى له أن يحلَّ محلَّ الشيء الإلهي فيدمغه..

﴿ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ ﴾

فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ

 بعض الصحفيين في دولة أجنبيَّة متقدِّمة جداً يرى أن نهاية التحضُّر قطع يدي السارق، لأن ست عشرة سرقة تمَّت في سنة واحدة، وفي مجتمعات يُطبَّق فيها حكم الله فالسرقات تُعدُّ على أصابع اليد، لذلك قال أحد الشعراء سائلاً الإمام الشافعي:

 

يدٌ بعشر مئينٍ عسجدٍ وُديت  ما بالها قُطِعَت في ربع دينارِ؟
* * *

 مفارقة عجيبة.ـ يدٌ بعشر مئينٍ أي ألف دينار ذهبي ديتها لو قُطعت بحادث ـ

 

 

يدٌ بعـشـر مئينٍ عسجدٍ وديت  ما بالها قُطِعَت في ربع دينارِ
* * *

 فقال الإمام الشافعي:

 

 

عزُّ الأمانة أغلاها وأرخصها  ذلُّ الخيانة فافهم حكمة الباري
* * *

 

لمَّا كانت أمينة كانت ثمينة
فلــمَّا خانت هــانـت
* * *

 إذاً:

﴿ بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ﴾

 أُبيح الطلاق في إيطاليا، فقدِّم في يومٍ واحد مليون طلب، فدائماً الحق هو الذي يستقر، وفي بعض البلاد مُنِعَ الزوج من تطليق زوجته، فإذا طلَّقها فلها نصف ماله قطعاً فوراً، ويحكم عليه بالسجن ستَّة أشهر، ماذا كان من نتيجة ذلك ؟ أن بارت سوق الزواج، فصار الوالد يرجو خطيب ابنته أن يقبل بابنته، ويعطيه سنداً بالأمانة فيما لو طلَّقها فاستحقَّت نصف ماله، فالمبلغ جاهز سلفاً، أي محاولة لتغيير شرع الله عزَّ وجل هناك نتائج خطيرة جداً، ولذلك قال عليه الصلاة والسلام:

 

(( إِذَا خَطَبَ إِلَيْكُمْ مَنْ تَرْضَوْنَ دِينَهُ وَخُلُقَهُ فَزَوِّجُوهُ، إِلا تَفْعَلُوا تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الأَرْضِ وَفَسَادٌ عَرِيضٌ ))

 

( من سنن الترمذي عن أبي هريرة )

 إذا كنتم تريدون شروطاً صعبة، وتريدون بيتاً موقعه ممتاز، ومركبة جيِّدة، ودخلا كبيرًا..

 

(( إِلا تَفْعَلُوا تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الأَرْضِ وَفَسَادٌ عَرِيضٌ ))

 قال عليه الصلاة والسلام:

 

((من تزوَّج المرأة لجمالها أذلَّه الله، ومن تزوجها لمالها أفقره الله، ومن تزوجها لحسبها زاده الله دناءةً فعليك بذات الدين تربت يداك))

[الطبراني في المعجم الأوسط عن أنس]

 وربنا عزَّ وجل قال:

﴿ وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ﴾

( سورة البقرة: من آية " 221 " )

 الآيات التالية:

﴿ وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ﴾

المخلوقات كلها لله ملكا وتصرفا ومصيرا

 له ملكاً، وتَصَرَُّفاً، ومصيراً، قد تسكن بيتاً ولا تملكه، وقد تملكه ولا تسكنه، وقد تملكه وتسكنه، وفي النهاية ليس لك، يُنَظَّم، فيُستملَك، أعلى درجة للملكيَّة أن تملكه، وأن تطلق يدك في التصرُّف فيه، وأن يكون المصير لك، أي ؛ الملك، والتصرُّف، والمصير، فربنا عزَّ وجل قال:

﴿ وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ﴾

 ملكاً، وتصرُّفاً، ومصيراً..

﴿ عِنْدَهُ ﴾

 من الملائكة..

﴿ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ﴾

 أي أنهم يعبدونه ليلاً ونهاراً، وحينما يعبدونه لا يَتَحَسَّرون على هذه العبادة، لأن الله سبحانه وتعالى كافأهم عليها أضعافاً مضاعفة..

﴿ يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ (20) أَمِ اتَّخَذُوا آَلِهَةً مِنَ الْأَرْضِ هُمْ يُنْشِرُونَ (21) ﴾

كل الآلهة سوى الله مخلوقة

 أي أن هذه الآلهة آلهة من الأرض، أي مصنوعةً من الحجارة، آلهةً من الأرض، من جنس الأرض، وهناك آلهة من تمر، فقبيلة ود صنعت إلهاً لها من تمر، فلمَّا جاعت أكلته، فالعرب قالت: " أكلت ودٌ ربَّها "، أكلته لأنها جائعة، وهناك شاعر رأى صنماً يبول الثُعْلُبَانُ على رأسه فقال:

 

أربٌّ يبول الثعلبان برأسـه ؟!  لقد ضلَّ من بالت عليه الثعالب
* * *

 أفهذا إله هذا ؟! فهذه الآلهة من الأرض، صنم من الحجر..

 

﴿ قَالَ أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ (95) وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ ﴾

( سورة الصافات:96)

 أنتم والحجارة..

﴿ أَمِ اتَّخَذُوا آَلِهَةً مِنَ الْأَرْضِ هُمْ يُنْشِرُونَ﴾

 هل بإمكان هذه الآلهة أن تبعث الموتى من القبور ؟ مستحيل..

﴿ لَوْ كَانَ فِيهِمَا آَلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا ﴾

معنى: لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا

 المعنى الأول:
 يصير هناك تنازع، ومن صفات الإله أنه كامل القُدْرَة، فإذا وجد إله آخر بنفس القدرة فإنهما يتنازعان، فتفسد السماوات والأرض، بعضهم فسَّر هذه الآية: " لو أن في الكون آلهةً إلا الله لما كانت السماوات والأرض "، وهذا معنى لفسدتا.
 المعنى الثاني:
 والمعنى الآخر: لو أن ما في الكون آلهة غير الله لم تَقُم السماوات والأرض على هذا النظام البديع، والآن عندك مدرسة فتعيِّن لها مديرَين فتخرب، ومعمل ضع له مديرَيْن فيخرب، وبيت تتنازع الأم والأب في تربية الأولاد فيسقط الأولاد، كلَّما زجرت ابنها يقول لها: لا اتركيه أنا أحب أن أعطيه حريَّة، يطلع الولد مائعاً، وإذا كان الأب يربي والأم تربي.
 كل مركب له قائدان يتحطّم، و كل الطائرة لها ربَّان واحد، والثاني مساعد، فهل من الممكن أن يقود الاثنان الطائرة ؟ تقع الطائرة، هل يوجد قطار له ربَّانان، وهل رأيتم مركبة ـ سيارة ـ لها مقودان بجانب بعضهما ؟ هذا يريد الانحراف بها هكذا، والثاني عكسه، فلا يمكن هذا أن يحدث..

﴿ لَوْ كَانَ فِيهِمَا آَلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا ﴾

 لا يوجد إلا إله واحد معبود بحقٍّ، لا إله إلا الله، فالحياة فيها أمثلة، أحياناً يكون لك محل فيه شريكان، والاثنان رؤوس يتنافسان، يحطمِّان المحل، وبعد هذا يتفاككان ويفلسان، ويريد أن يغيظه، لا، لا تنفع هذه البضاعة، لا نربح منها، وهذا يرخِّص، وهذا يغلي، فمحل لا يستقيم بقيادتين، ولا مركبة، ولا سيارة، ولا طيارة، ولا سفينة، ولا أسرة، ولا معمل، ولا مدرسة، ولا أي مكان في العالم إلا قيادة واحدة، لذلك خالقٌ واحد، وربٌ واحد، وإلهٌ واحد، وقرآنٌ واحد، ونبيٌ واحد.

﴿ لَوْ كَانَ فِيهِمَا آَلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ (22) لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ ﴾

 سوف نقف عند هذه الآية بفضل الله وعونه وتوفيقه في درس قادم إن شاء الله تعالى، ونشرح معنى قوله تعالى:

﴿ لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018