الدرس : 2 - سورة الأنبياء - تفسير الآيات 7 - 16 - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الدرس : 2 - سورة الأنبياء - تفسير الآيات 7 - 16


1988-04-29

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد، الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علما، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
 أيها الإخوة المؤمنين... وصلنا في الدرس الماضي الذي كان الدرس الأول من سورة الأنبياء، وهذا هو الدرس الثاني، وصلنا إلى قوله تعالى:

﴿ وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلَّا رِجَالاً نُوحِي إِلَيْهِمْ﴾

بشرية الأنبياء خالصة

 فقد شاءت مشيئة الله سبحانه وتعالى أن يكون الأنبياء الذين ينقلون للبشر رسالات ربهم، أن يكونوا من بني البشر، وأن يكونوا رجالاً على وجه الخصوص، أما أن يكونوا من بني البشر فلأن الأنبياء لو كانوا ملائكة لما أقيمت الحُجَّة على بني البشر، ولأن أيّ أمرٍ أو أيّ نهيٍ ينطق به هؤلاء الملائكة الأنبياء لقيل لهم: أنتم ملائكة، ونحن بشر، نحن أودع الله فينا شهوات ونزوات، فلذلك هذا الكلام ليس واقعياً، وأنتم حالمون، ولكن مشيئة الله سبحانه وتعالى شاءت أن يكون الأنبياء من بني البشر، فمعنى من بني البشر أنهم يحسون إحساس البشر، ويرضون كما يرضى البشر، ويغضبون كما يغضب البشر، وأن الله أودع فيهم شهواتٍ كما أودعها في البشر، وأودع فيهم طموحاتٍ كما أودعها في البشر، فالأنبياء من بني البشر.

﴿ قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾

( سورة الكهف: من آية " 110 " )

 فلماذا تفوق الأنبياء ؟ ولأنهم بشر، لو أنهم ملائكة لما تفوقوا، لأنهم من بني البشر، وقد أودع الله فيهم كل الشهوات التي أودعها في بني البشر، ولكنهم ضبطوا هذه الشهوات، وارتقوا إلى رب الأرض والسماوات ولذلك تفوقوا.
 أيها الإخوة الأكارم، لكن الأنبياء فعلاً كانوا من بني البشر، وكانوا رجالاً، فليس في تاريخ النبوة امرأةٌ أرسلها الله نبيةً، لاعتباراتٍ كثيرة فَصَّلَها علماء العقيدة، ولكن أراد الله عزَّ وجل أن يؤكِّد للناس أن هؤلاء بشر على الرغم من المعجزات التي أجراها على أيديهم، ومن الكتب التي أنزلت عليهم، جعلهم بشراً يأكلون الطعام ويمشون في الأسواق.
 أما انهم يأكلون الطعام فلإظهار عبوديتهم لله عزَّ وجل، فالإنسان من دون طعامٍ أو شراب يقضي نَحْبَهُ، وهو مفتقرٌ إلى الطعام والشراب، مقهورٌ بالطعام والشراب، ولولا الطعام والشراب لما مشى إنسانٌ على وجه الأرض.
 وأما أنهم يمشون في الأسواق فلأنهم مفتقرون إلى الطعام والشراب، ومفتقرون إلى كسب الطعام والشراب، فالمشي في الأسواق تعبيرٌ عن كسب الطعام والشراب، والطعام والشراب تعبيرٌ عن افتقار الأنبياء إلى الله سبحانه وتعالى، ولذلك لا ينبغي للإنسان إلا أن يكون طبيعياً، فعن أبي أمامة قال: قالَ رسول الله صلى الله عليه وسلم:

 

(( مَنْ حَمَلَ بِضَاعَتَهُ فَقَدْ بَرِئَ مِنَ الْكِبْرِ ))

 

[البيهقي في شعي الإيمان]

 إنّه لا يغضّ من شأنك أن تأكل أمام الناس، لكن ليس من المروءة أن تأكل في الطريق، ولكن إذا كنت تأكل فهذا لا ينقص من قدرك عند أحد، فالأنبياء يأكلون، وأن تجوع فالأنبياء يجوعون، وأن تعطش فالأنبياء يعطشون، وأن تغضب إذا انتهِكَت حرمةٌ من حرمات الله فالأنبياء كذلك، ولا يغضُّ من شأنك أن تكون عبداً لله، تأكل، وتشرب، وتشعر بحاجةٍ إلى النوم، هذا الجسد له قوانين، وهذا الجهاز العَصَبِيّ لابدَّ من أن يرتاح، فالنوم من خصائص بني البشر، لكن هناك نومٌ طبيعياً، ونومٌ يُعَبِّر عن كسلٍ شديد، فمن أمضى عمره بالنوم أتى يوم القيامة مُفْلِسَاً..

﴿ كَانُوا قَلِيلاً مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ (17) وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ ﴾

( سورة الذاريات:17-18)

(( وَمَنْ صَلَّى الْعِشَاءَ وَالْفَجْرَ فِي جَمَاعَةٍ كَانَ لَهُ كَقِيَامِ لَيْلَةٍ ))

( من سنن الترمذي عن عثمان بن عفان )

انفراد الأنبياء عن البشر بصفة النبوة

 والنقطة الدقيقة أن الله سبحانه وتعالى كي يقيم الحُجَّة علينا جعل هؤلاء الصفوة المختارة من الأنبياء من بني البشر، وجعلهم من طبيعةٍ واحدة، ومن نفسٍ واحدة، فإذا تفوَّقوا فبفضل صدقهم، وانضباطهم، وشوقهم، واعتمادهم على الله سبحانه وتعالى.

﴿ وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلَّا رِجَالاً نُوحِي إِلَيْهِمْ﴾

 صحيحٌ أن النبي عليه الصلاة والسلام كان أمياً ؟ ولكنه يوحى إليه، وحينما يوحي إليه الله سبحانه وتعالى فهو أعلم علماء الأرض، لأن خالق ومُبدع الكون يوحي إليه، إذاً هذه أعلى مرتبةٍ علمية ينالها مخلوقٌ على وجه الأرض، فالأنبياء علمهم من الله سبحانه وتعالى، وعلم الناس كَسْبِيّ، فقد تدرس في جامعة، وقد تقرأ كتاباً، وقد تستمع إلى درسٍ فتفهم بعضه أو لا تفهم، وقد يكون الدرس صحيحاً أو غير صحيح، فعلم البشر كَسْبِيّ، ولكن علم الأنبياء من قبل الله سبحانه وتعالى، إذاً:

﴿ وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلَّا رِجَالاً نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾

معاني الآية:

هذه الآية لها معنيان:

المعنى الأول: المعنى السياقي:

 المعنى السياقي المُستنبط من سياق الآية: لو أن هذه الآية نزعتها من بين أخواتها فلها معنى آخر، فمعناها السياقي: اسألوا أهل الكتاب، اسألوا من أوتوا الكتاب من قبلكم، كيف كان أنبياؤهم جميعاً من بني البشر، وكانوا رجالاً..

﴿ وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلَّا رِجَالاً نُوحِي إِلَيْهِمْ ﴾

 يا أهل مكة، يا كفار مكة أتعجبون أن الله سبحانه وتعالى أرسل إليكم رسولاً من أنفسكم ؟! من بني جلدتكم ؟ ومن جنسكم ؟ بشراً مثلكم ؟ رجلاً ؟ أتعجبون ؟!!

﴿ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ ﴾

 اسألوا أهل الكتاب كيف أن أنبياءهم جميعاً كانوا من بني البشر، هذا هو المعنى السياقي.

 

المعنى الثاني: معنى طلب العلم وسؤال العلماء في الدين والدنيا:

 ولكن المعنى الآخر الذي يمكن أن يكون معنىً دقيقاً جداً، هو أن هذه الآية قاعدةٌ في طلب العلم:

 

﴿ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ ﴾

 وهم العلماء..

﴿ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ﴾

 التعقيب اللطيف: أن السؤال الذي أباحه الله سبحانه وتعالى أن تسأل إن كنت لا تعلم، ففي حالةٍ واحدة يباح لك السؤال، وتكون في نظر الله كبيراً، ونصف العلم لا أدري، والسؤال نصف العلم، ومفتاح العلم السؤال، أما أن تعلم الحقيقة، وتسألها لتمتحن الآخرين، فهذا السؤال لا يرضي الله عزَّ وجل، أن تسأل من أجل أن تحرج المسؤول، أو أن تُظْهِرَ علمك، أو أن توقع فتنةً بين عالمين، أو أن تعرض عضلاتك العلمية أمام الآخرين، أو من أجل التَعَالُم، كل هذه الأهداف رخيصة لا قيمة لها، لكن الله سبحانه وتعالى يقول:

﴿ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾

 فالحقيقة التي لا تعرفها اسأل عنها، وليس العار أن تكون جاهلاً، بل العار أن تبقى جاهلاً، والله سبحانه وتعالى في كل عصرٍ وفي كل مصرٍ سَخَّرَ أُناساً لتعليم الخلق، فهؤلاء مسخَّرون من قِبَلِ الله سبحانه وتعالى، جعلهم في خدمة عباده، فاسألوهم، من استشار الرجال استعار عقولهم، وقبل أن تُقْدِمَ على هذا الزواج، أو على هذه الشركة، أو على هذه التجارة، أو أن تتورَّط في هذه السفرة، أو أن تقترف هذه المعصية بحجة أنك مُضَّطر، وفي الحقيقة لستَ مضَّطراً، وهذا الذي تدعيه ليس ضرورةً، والضرورة حددها العلماء، فلماذا لا تسأل ؟ ولماذا تضن أن تسأل سؤالاً، وتأخذ رأي الشرع فيه، وتأخذ رأي القرآن فيه ؟ فالله سبحانه وتعالى جعل هؤلاء ـ أهل الذكر ـ في خدمة الخلق، وقال لعباده:

﴿ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾

 أيجوز أن أفعل هذا ؟ أيُرضي الله أن أقترف هذا ؟ أيرضي الله أن أُطَلِّقَ امرأتي، ولهذه الأسباب ؟ يقول لك: لا يرضي الله، فهذه الأسباب ليست كافية، أيرضي الله أن أعمل بهذه التجارة ؟ أيرضي الله أن أتعامل بهذه البضاعة ؟ أيرضي الله أن أُشارك فلاناً ؟.

﴿ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ ﴾

 ما معنى هذه الآية ؟ قرأت هذه الآية فشعرت أن الله لا يريد أن يهدي عباده..

﴿ وَلَوْ شِئْنَا لَآَتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا﴾

( سورة السجدة: من آية " 13 " )

 تسأل: ما معنى هذه الآية ؟ إذا قرأت الآية، وكانت من المُتَشَابهات، ولم تشعر أن لها معنىً يستقيم مع كمال الله سبحانه وتعالى فلا تبقَ ساكتاً، اسأل عنها، فلعل الله سبحانه وتعالى يلهم المسؤول أن ينطق بالحق، فيشفي صدرك من هذا التساؤل، وهذه الحيرة.

﴿ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾

 فحينما تسأل يأتيك جواب الشرع، إن سألت فقيهاً يأتِك رأي الفقه، وإن سألت عالماً بالتفسير أتاك بتفسير الآية الصحيح، وإن سألت عالماً بالحديث أتاك بمعنى الحديث الصحيح، وإن سألت عالماً بالعقيدة أتاك بالاعتقاد الصحيح، فلماذا تسكُت ؟ ولماذا تجعل نفسك نُهْبَةً للمخاوف، أو للأفكار الخاطئة، أو للعقائد الزائغة، أو للتُرُّهات الباطلة ؟ لماذا ؟

﴿ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾

 هذا في أمر دينك، وفي أمر دنياك، اسأل أهل الخبرة في كل موضوع، وقبل أن تقدم على فتح هذا المحل اسأل: هل مناسبٌ مكانه في هذه المنطقة ؟ وقبل أن تفعل شيئاً مَصيرياً في حياتك اسأل أهل الإيمان، والخبرة في وقتٍ واحد.

﴿ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾

 وإجابتهم ليست ملزمة، خذ منهم، ووازن بين أقوالهم وبين ما تعرف، فإن جاؤوك بالرأي الصحيح مُدَعَّمَاً بالآية الكريمة، وتفسيرها الصحيح، وبالحديث الصحيح، وبرأي العلماء من السلف الصالح، عليك أن تنفِّذ هذا الرأي الصائب، فهذه الآية أصلٌ في طلب العلم، قال عليه الصلاة والسلام:

 

(( إنما العلم بالتعلم، وإنما الحلم بالتحلم، وإنما الكرم بالتكرم ))

 

[الطبراني في المعجم الأوسط (2663) عن أبي الدرداء]

 ما من إنسانٍ وُلِد عالماً، وثمة رجُلان لا يسألان ؛ المُستحي والمتكبِّر، المتكبر لا يسأل لئلا يظهر جهله، لأن نفسه وكِبْرَها أغلى عليه من الحقيقة، ولكن المؤمن يسأل، فإذا سأل عن موضوعٍ ما، لا ينتقص هذا من قدره، يبقى في أوج مكانته، لأنه يسأل عن الحقيقة، وطلب الحقيقة مقدسٌ عند الله سبحانه وتعالى، وإن الملائكة تضع أجنحتها لطالب العلم رضىً بما يصنع.

﴿ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾

 شيءٌ آخر، لكن السؤال المبني على الإيقاع بين المسؤولين، وعلى إظهار العلم، وعلى الإحراج، وعلى التضييق، وعلى التعالُم والتفاخر، وعلى إضاعة الوقت.
 قال رجل للنبي صلى الله عليه وسلم:

 

(( يا رسول الله جئتك لتعلمني من غرائب العلم، فقال عليه الصلاة والسلام لهذا الأعرابي: وماذا صنعت في أصل العلم ؟، قال: وما أصل العلم ؟ قال: هل عرفت الرب ؟ - هذا هو أصل العلم - فقال: ما شاء الله، قال: " فماذا صنعت في حقه ؟ - إن كنت قد عرفته فأيّ ما الموقف الذي وقفته بناءً على معرفة الله سبحانه وتعالى ؟ قال: هل عرفت الموت ؟ قال: ما شاء الله، قال: فماذا أعددت له ؟، ثم قال له: اذهب فأحكمْ ما هنالك، ثم تعال لأعلمك من غرائب العلم ))

 

 

[أبو نعيم في الحلية عن عبد الله بن المسور]

 

السؤال في المهمات لا السفاسف

 لا تسأل عن التوافه وعن الجُزئيَّات، بل اسأل عن المعضلات، وعن جوهر الدين، وعن حقيقة الدين، وعما يرضي الله سبحانه وتعالى، فلذلك السؤال نصف العلم، والسؤال مفتاح العلم.

﴿ وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلَّا رِجَالاً نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾

أهل الذكر ليس معصومين

 أهل الذكر أيضاً ليسوا معصومين، هذه نقطة مهمة جداً، فالله سبحانه وتعالى عَصَمَ الأنبياء من أن يقعوا في غلطٍ في إبلاغ العلم، وغلطٍ في سلوكهم، لأنهم قدوة، إنك مطالبٌ أن تتابعهم، فإذا وقعوا في غلط، وتابعتهم فكأن الله يأمرك بالمعصية، وما دام الله قد عصمهم من الزلل والخطأِ في نقل العلم، وفي اتباع الدليل فإنهم معصومون في أقوالهم وأفعالهم، وفي تبليغِ رسالات ربهم، لذلك عليك أن تتابعهم..

﴿ وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾

( سورة الحشر: من آية " 7 " )

 قولاً واحداً، ولكن ما سوى الأنبياء فليسوا معصومين، لكن لا يعقل أن يخطئ العالم خطأً فاحشاً، فإذاً ليس هو بعالم، فهناك أصول للإسلام كبيرة، وهناك مسلَّمات، وهناك أركان الإيمان، وأركان الإسلام، وهناك أساسيَّات، ولكن العالم ليس معصوماً عن أن يغلط في أمورٍ جُزئيةٍ، وليس هذا الغلط مقصوداً، فيجب أن ينزَّه العالمُ عن الغلط في الأمور الكبيرة، وعن الغلط المقصود، هو فوق ذلك، العالم محفوظٌ وليس معصوماً، ومعنى أنه محفوظٌ أيْ لا يضرُّه خطؤه، فما سوى الأنبياء، وما جاءنا عن صاحب هذه القبة الخضراء فعلى العين والرأس، نبيٌ كريم لا ينطق عن الهوى، وما جاء عن أصحابه فعلى العين والرأس لأنهم سمعوا منه الحقيقة، وما جاء عن سواهم فنحن رجالٌ وهم رجال، لابدَّ من الدليل.

 

الأدلة على عدم عصمة العلماء

 خطب سيدنا أبو بكرٍ رضي الله عنه خُطبةً تُعَدُّ أساساً في هذا الموضوع، قال: << أيها الناس، إني قد ولِّيتُ عليكم ولست بخيركم، إن أحسنت فأعينوني، وإن أسأت فقوِّموني، الصدق أمانة والكذب خيانة، الضعيف فيكم قويٌ عندي حتى آخذ الحق له، والقوي فيكم ضعيفٌ عندي حتى آخذ الحق منه، أطيعوني ما أطعتُ الله فيكم >>.
 إنّ الطاعة العمياء ليست واردة إطلاقاً، أي: راقبوني، وقيسوا أحكامي على أحكام الشريعة، فإن وافقتها فأطيعوني، وإن خالفتها فلا تطيعوني، لأنه لا طاعة لمخلوقٍ في معصية الخالق.
 ليس هناك بعد الأنبياء إنسان مؤهَّلٌ أن تطيعه على عمى، لا، فهناك دستور، وهو القرآن، وهناك شرع، فلذلك ما الذي أهلك بعض الناس ؟ أنهم تابعوا من يعلِّمونهم على عمى من دون دليل..

 

﴿ سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آَبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ﴾

( سورة الأنعام: من آية " 148 " )

 هذا هو الدليل، لا ينبغي أن تستمع إلى فكرةٍ من دون دليل، وهذا دليلٌ نقلي من كتاب الله، قطعيّ الثبوت، وقطعي الدلالة، ودليلٌ نقلي من سُنَّةِ رسول الله صلى الله عليه وسلم، مما صَحَّ من سنة رسول الله، دليلٌ عقلي ودليلٌ واقعي، وإذا تضافرت الأدلة النقلية من الكتاب والسنة مع الأدلة العقلية، ومع الأدلة الواقعية فعندئذٍ يجب أن تأخذ بهذا الكلام، أما أن تتبع أهواء الناس، فلا تقرأ مثلاً مقاله يقول لك: " هذا الدواء يطيل العمر "، وهذا خلاف القرآن، فلو أن الإنسان يكتب ضبطاً لكل ما يسمع، من قصص، ومن أفكار، ومن مقالات، ومن كلام، إذا قاس هذا الكلام كله بكلام الله سبحانه وتعالى فربما ألقى وراء ظهره أربعة أخماس ما يسمعه، لأنه كلامٌ خلاف القرآن، وخلاف الحديث الشريف، أهذا هو المنهج ؟
 قلت لكم سابقاً: لو أن إنساناً اقتنى آلةً بالغة التعقيد، غالية الثمن، عظيمة النفع، تراه يبحث عن كُتَيِّبٍ تصدره الجهة الصانعة، في هذا الكتيِّب تعليمات الاستعمال، وطرق الصيانة، إنه حريصٌ حرصاً بالغاً على اقتناء الكتاب، ترجمته، وعلى فهمهِ، وعلى تنفيذ تعليماته بدقةٍ متناهية.
إنه القرآن، أنت الآلة، وهذا هو القرآن، والإنسان أعقد آلةٍ على وجه الأرض، له جسدٌ معقدٌ جداً، فكيف يصونه ؟ وكيف يعيش به سليماً معافىً ؟ له نفسٌ دقيقةٌ جداً، فكيف يضمنُ صحتها ؟ وله عقلٌ خطيرٌ جداً، وكيف يضمن صوابه وعدم تزويره ؟ إنه القرآن،

﴿ إِنَّ هَذَا الْقُرْآَنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ ﴾

( سورة الإسراء: من آية " 9 " )

﴿ فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾

( سورة البقرة: 38)

﴿ فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى﴾

( سورة طه:123)

﴿ مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً ﴾

( سورة النحل:97)

 فالإنسان ليس له حق أن يتلقى معلومات غير مُدَعَّمَة بالأدلة، فإذا قبِل هذه المعلوماتٍ ضل وأضَل، وهلك وأهلك، فكثير من التوجيهات في التجارة والصناعة، والسكنى والاختلاط، والعلاقات الاجتماعية، توجيهات عامية لا أساس لها من الصحة، إنها توجيهات جاهلية مدمِّرة، ينبغي لك أن يكون توجيهك من الله عزَّ وجل، من هذا الكتاب الذي هو منهجك تسير عليه، فيقيك الخطأ، والزلل، والعطب، والعبث، هذا الكتاب منهجٌ فيه مبادئ سلامتك ؛ سلامة الجسد، والنفس، والعقل، هذا الكتاب فيه مبادئ سعادتك في الدنيا والآخرة، وفيه تنظمٌ لعلاقاتك كلِّها، مع نفسك، وربك، وأهلك، وأولادك، جيرانك، ومن هم أعلى منك، ومن هم أدنى منك، إنه دستور دقيق جداً.
 فلذلك سيدنا الصديق رضي الله عنه، قال: << أطيعوني ما أطعت الله فيكم، فإن عصيته فلا طاعة لي عليكم >>.
 أي أنتم يا أصحابي، فدققوا في تصرُّفاتي، فإن جاءت مطابقةً لكتاب الله ولسنة النبي فأطيعوني، وإلا فلا تطيعوني.
 إذا كان العلماء هكذا، وكان المسلمون في وعيهم هكذا، لعاش الناس حياةً صحيحةً معافاةً سليمةً من كل ضلالة، أما إذا قبِلنَا أفكاراً من دون دليلٍ نقلي، ومن دون دليلٍ عقلي، أو دليلٍ واقعي فعندئذٍ وقعنا في الضلال.

﴿ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾

 لكن الأنبياء معصومون، والعلماء غير معوصمين، متى يجب أن تتابع العلماء ؟ إذا وجَّهوك توجيهاً، ودعَّموه بالكتاب والسنة، أي أنهم نقلوا عن المعصوم، هم ليسوا معصومين، ولكن إذا نقلوا عن المعصوم لزِمَكَ أن تأخذ بتوجيهاتهم، وسألته عن الربا فقال الله عزَّ وجل:

﴿ يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ﴾

( سورة البقرة: من آية " 276 " )

 يقول لك: أخي العالم غير معصوم، لا الآن صار معصوماً، عصمته الآية، نقل لك عن الكتاب القطعي الثبوت القطعي الدلالة، ونقل لك عن كلام النبي الكريم، فلذلك النقطة دقيقة جداً.

﴿ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾

 أي أن الله عزَّ وجل سخَّر العلماء لخدمة خلقه، هم مسخَّرون لخدمة الخلق، فلا تقدر أن تقابل أي إنسان لتأخذ خبرته إلا بمبلغ كبير، فالأطباء، والمحامون، والمهندسون، والمستشارون الماليُّون، لا تقدر أن تلتقي معهم إلا نظير أسعار مُسْبَقَة، ولكن العلماء الذين سخَّرهم الله لخدمة الخلق هؤلاء يرجون وجه الله سبحانه وتعالى، فاسألهم ولا تقع في حيرة، ومعصية، وشك، وضلالة، ولا تعتقد اعتقاداً خاطئاً زائغاً..

﴿ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (7) وَمَا جَعَلْنَاهُمْ جَسَداً لَا يَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَمَا كَانُوا خَالِدِينَ ﴾

حاجة الأنبياء إلى الطعام والشراب

 فقد كان من الممكن أن يكون الأنبياء بشراً مثلنا، لكن مُعفَوْن من تناول الطعام، فلا يجوعون، فإذا جاء شهر الصيام يقول لك: هنيئاً للنبي، فهو لا يجوع، ونحن نجوع، لكنه يجوع مثلك، ويعطش مثلك، إنهم لهم أجسادٌ كأجسادنا، فالقوانين التي تحكم أجسادهم تحكم أجسادنا، ومن هنا جاءت عظمتهم، لأنهم من بني البشر هم عُظماء، لأنهم تفوَّقوا على أبناء جلدتهم.

﴿ وَمَا جَعَلْنَاهُمْ جَسَداً لَا يَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَمَا كَانُوا خَالِدِينَ﴾

﴿ إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾

( سورة الزمر:30)

﴿ كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ (26) وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ (27) ﴾

( سورة الرحمن:27)

 لما سمع الملائكة هذه الآية استبشروا وقالوا: " الحمد لله نحن لسنا عليها "، فجاء قوله تعالى:

﴿ كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾

( سورة القصص: من آية " 88 " )

 إذاً:

 

كل بن أنثى وإن طالت سلامته  يوماً على آلة حدباء محمولُ
فإذا حـملت إلى القبور جنازة  فاعلم بأنك بعـدها محمولُ
* * *

 

﴿ وَمَا كَانُوا خَالِدِينَ﴾

لا خلود للأنبياء

 وسيدنا عمر لما رأى النبي عليه الصلاة والسلام قد مات لم يحتمل هذه الصدمة، فشهر سيفه وقال: << من قال: إنه مات فسأعلوه بهذه الدرة >>، وسيدنا الصديق استوعب كلام الله كله:

﴿ وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئاً وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ﴾

( سورة آل عمران:144)

 فسيدنا أبو بكر ذَكَّرَ عمر بهذه الآية فتراجع عن موقفه،

 

(( فَجَاءَ أَبُو بَكْرٍ فَكَشَفَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَبَّلَهُ، قَالَ: بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي طِبْتَ حَيًّا وَمَيِّتًا، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَا يُذِيقُكَ اللَّهُ الْمَوْتَتَيْنِ أَبَدًا ))

 

[متفق عليه عن عائشة]

فالأنبياء يأكلون ويشربون، ويجوعون وينامون، ويشعرون بالحَر والقرّ، وبالتعب، ولا يُخَلَّدون، يموتون كغيرهم من بني البشر.

﴿ ثُمَّ صَدَقْنَاهُمُ الْوَعْدَ فَأَنْجَيْنَاهُمْ وَمَنْ نَشَاءُ وَأَهْلَكْنَا الْمُسْرِفِينَ﴾

تصديق الله لوعد الأنبياء

 إنّ الأنبياء جاءوا بوعدٍ ووعيد، والله سبحانه وتعالى صدَّقهم، أي أنجز لهم ما وعدهم، وسيدنا النبي عليه الصلاة والسلام نزل من الطائف ولم يلق إنسانٌ على وجه الأرض من المتاعب والمصائب مثل ما لقيه، ذهب إلى الطائف على قدميه، مشى مئةً وعشرين كيلو متراً، ودعاهم إلى الإيمان بالله عزَّ وجل، والإيمان بنبوَّته، فردُّوه شر رد، وجاءه جبريل فقال: " يا محمد أمرني ربي أن أكون طوع إرادتك، لو شئت لأطبقت عليهم الجبلين "، قال: " يا أخي، اللهم اهد قومي فإنهم لا يعلمون، لعل الله يخرج من أصلابهم من يوحِّد الله ".
 ومع ذلك قال له أحدهم:

(( لو أن الله بعثك أنت نبياً لمزَّقْتُ أثواب الكعبة "، وقال آخر: لم يجد الله رجلاً غيرك يبعثه نبياً ؟ وقال ثالث: إن كنت كما تقول فأنت أعظم من أن تكلِّمنا، وإن كنت كذَّاباً فنحن أعظم من أن نكلمك، هكذا حدَّثوه في الطائف، ومع ذلك عاد إلى مكة، وقد شمت به كفار مكة، فلما سئل، قال: إن الله ناصر نبيه، ألم ينصره الله عزَّ وجل ؟ ألم يُعلِ رايته ؟ ألم يجعل كلمته هي العُليا ؟ ألم تفتح مكة تحت رايته ؟ ألم يجعل كفار مكة في قبضته ؟ قال: ما تظنون أني فاعلٌ بكم ؟ قالوا: أخٌ كريم وابن أخٍ كريم، قال: اذهبوا فأنتم الطُلَقَاء ))

﴿ وَيَنْصُرَكَ اللَّهُ نَصْراً عَزِيزاً﴾

( سورة الفتح:3)

 فالله سبحانه وتعالى وعده قطعي الثبوت، فإذا الله عزَّ وجل وَعَدَ مؤمناً.

﴿ أَفَمَنْ وَعَدْنَاهُ وَعْداً حَسَناً فَهُوَ لَاقِيهِ كَمَنْ مَتَّعْنَاهُ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنَ الْمُحْضَرِينَ﴾

( سورة القصص:61)

 أي أن الله عزَّ وجل إذا وَعَدَ المؤمن فكأن هذا الوعد قد تحقق، في حكم الواقع.

﴿ أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾

( سورة النحل:1)

 هذه آيةٌ عجيبة، كيف أنه أتى ثم لا تستعجلوه ؟ معنى ذلك أنه لم يأت، فالاستعجال لشيء لم يأت بعد، والإنسان يستعجل قدوم الصيف قبل أن يأتي الصيف، ويستعجل قدوم الشتاء قبل أن يأتي الشتاء، فكيف يقول الله عزَّ وجل:

﴿ أَتَى أَمْرُ اللَّهِ﴾

 بعدئذٍ:

﴿ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾

 أيْ:لم يأت، ولكن الله سبحانه وتعالى نظراً لأن وعده مَأْتيٌ حقاً، ولأن زوال السماوات والأرض أهون على الله من أن لا يأتي وعده، إذاً يُعَبِّرُ الله سبحانه وتعالى عن شيءٍ سيكون بالماضي، أي سيأتي أمر الله فلا تستعجلوه، قال:

﴿ أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾

 

﴿ ثُمَّ صَدَقْنَاهُمُ الْوَعْدَ ﴾

 أي أن الله عزَّ وجل وعد المؤمن بالحياة الطيبة، ووعد المُعِرِضَ بالحياة الضنك، وبالمعيشة الضنك، والمستقيم بالتوفيق، والخائن بالفَضيحة، والزاني بالفقر، والقاتل بالقتل، هذه كلُّها مواعيد لابدَّ أن تتحقق.

﴿ ثُمَّ صَدَقْنَاهُمُ الْوَعْدَ فَأَنْجَيْنَاهُمْ وَمَنْ نَشَاءُ ﴾

 فأصحاب موسى كانوا معه، وفرعون وجنوده وراءهم، والبحر أمامهم، فكلما اقتربوا من البحر اهتزَّت وعود سيدنا موسى عندهم، إلى أن قالوا:

﴿فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ﴾

( سورة الشعراء:61)

 هذا البحر وهذا فرعون..

﴿ قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾

( سورة الشعراء:62)

 فربنا عزَّ وجل جعل البحر طريقاً يبساً، فمشى فيه بنو إسرائيل، فلما خرجوا منه تبعهم فرعون، فلما كان في وسط البحر أعاده الله بحراً، فأغرقه ومن معه تحت سمعهم وبصرهم، فهذه قدرة الله سبحانه وتعالى، إذا كان الله معك فمن عليك ؟ وإذا كان عليك فمن معك ؟ والله هو هُو في كل زمان وفي كل مكان، الإله الذي جعل النار برداً وسلاماً على إبراهيم الآن موجود، والإله العظيم الذي جعل البحر ينفلق كالطود العظيم هو هوَ، موجود الآن، معنا، وهو معكم أينما كنتم فادعوه، الدعاء سلاح المؤمن، اسأله خير الدنيا والآخرة، اسأله أن يحفظك من كل مكروه، واسأله التوفيق، وزوجةً صالحة، ومأوى تسكنه..

 

(( إن الله يحب المُلحين في الدعاء ))

 

[القضاعي في مسند الشهاب عن عائشة]

(( من لا يدعني أغضب عليه ))

(( لِيَسْأَلْ أَحَدُكُمْ رَبَّهُ حَاجَتَهُ حَتَّى يَسْأَلَهُ الْمِلْحَ، وَحَتَّى يَسْأَلَهُ شِسْعَ نَعْلِهِ إِذَا انْقَطَعَ ))

( من سنن الترمذي عن أنس)

 هكذا..

﴿ثُمَّ صَدَقْنَاهُمُ الْوَعْدَ فَأَنْجَيْنَاهُمْ وَمَنْ نَشَاءُ وَأَهْلَكْنَا الْمُسْرِفِينَ﴾

 الذين أسرفوا على أنفسهم، أهلكهم لأنهم لم يتوبوا، ولأن الله سبحانه وتعالى يقول:

﴿ قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾

( سورة الزمر: من آية " 53 " )

 إذاً: حتى المُسْرِف لو أنه عاد في الوقت المناسب لغفر الله له.

﴿ لَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَاباً فِيهِ ذِكْرُكُمْ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾

 أي أن الكتاب إذا طبَّقتموه، وأخذتموه بقوةٍ، وجعلتموه دُستوراً لكم في حياتكم، ووعيتموه، وتدبَّرتموه، وجعلتموه أساساً لعلاقاتكم، فالله سبحانه وتعالى يرفع به ذكركم..

 

﴿ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً ﴾

 

( سورة النور: من آية " 55 " )

 ألم يقل الله عزَّ وجل:

﴿ وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾

( سورة الشرح:4)

 أي أنت مجدُك في هذا الكتاب، فإذا طبَّقته رفعك الله به، ورفع الله لك شأنك، وقرَّبك منه، وجعل لك عنده مكاناً عظيماً، جعل لك مقعد صدقٍ عنده.

﴿ لَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَاباً فِيهِ ذِكْرُكُمْ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾

الحياة الناجحة باتباع الشرع الحكيم

 الزواج الناجح في تطبيق هذا الكتاب، والتجارة الناجحة في تطبيقه، فالتجارة لا يوجد فيها كذب، ولا غش، ولا إساءة، ولا بضاعة محرَّمة، ولا مخالفة مع قواعد الشرع في التعامل، فالله سبحانه وتعالى يجعلها رائجة وتعيش منها حياةً كريمة، في كل عمل، وفي كل علاقة، وفي كل مَيْدَان وحقل وتصرُّف، وكل موقف إذا طبقت هذا الكتاب رفع الله لك ذِكْرَك.

﴿ لَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَاباً فِيهِ ذِكْرُكُمْ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (10) وَكَمْ قَصَمْنَا مِنْ قَرْيَةٍ كَانَتْ ظَالِمَةً وَأَنْشَأْنَا بَعْدَهَا قَوْماً آَخَرِينَ﴾

القصم عاقبة المخالف للشرع

 القصم مرتبط بالظلم.

﴿ وَكَمْ قَصَمْنَا مِنْ قَرْيَةٍ كَانَتْ ظَالِمَةً وَأَنْشَأْنَا بَعْدَهَا قَوْماً آَخَرِينَ﴾

﴿ وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً قَرْيَةً كَانَتْ آَمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَداً مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾

( سورة النحل:112)

﴿ وَأَنْشَأْنَا بَعْدَهَا قَوْماً آَخَرِينَ (11) فَلَمَّا أَحَسُّوا بَأْسَنَا إِذَا هُمْ مِنْهَا يَرْكُضُونَ ﴾

 هذا الفَزَعُ الأكبر.

 

﴿ لَا تَرْكُضُوا وَارْجِعُوا إِلَى مَا أُتْرِفْتُمْ فِيهِ وَمَسَاكِنِكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْأَلُونَ﴾

 

البطولة معرفةُ حقيقةِ الحياة الدنيا قبل فوات الأوان

 ارجعوا إلى حياتكم المترفة، الظالمة، وإلى مساكنكم التي تنافستم في تزيينها، فماذا تنفعكم الآن ؟ الله سبحانه وتعالى يذكِّرهم بظلمهم، ويذكرهم بحبهم للدنيا، ويذكرهم بإعراضهم عن الله سبحانه وتعالى.

﴿ قَالُوا يَاوَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ﴾

 الآن ؟ بعد فوات الأوان ؟ وبعد أن جاء العقاب الذي لا مردَّ له ؟ ليست هذه بطولة، إنما البطولة أن تعرف مقامك قبل فوات الأوان، وأن تعرف الله في الرخاء، وما من مخلوقٍ على وجه الأرض إلا ويعرف الله في الشِدَّة، وأي إنسان، فليركب الإنسان طائرة الآن، وليُعلن ربَّانها أنها في خطر، فلو أتيح لإنسان أن يرى وجوه الركاب كلهم يقول: يا رب، لا يصلون، ولا يصومون على الأرض، ولكنهم في الطائرة يا رب نعاهدك على التوبة، كل إنسان إذا جاءه الخطر يتوب إلى الله، ولكن البطولة أن تعرفه في الرخاء، "عبدي اعرفني في الرخاء أعرفك في الشدة "، أما إذا عرفته في الشدة، فرعون نفسه وهل من إنسانٍ أشد كفراً منه ؟ هو نفسه قال:

﴿ قَالَ آَمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آَمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾

( سورة يونس: من آية " 90 " )

 قاله له:

﴿ آَلْآَنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ﴾

( سورة يونس: من آية " 91 " )

 الآن ؟ بعد فوات الآن ؟ طبعاً كل طالب يعرف الإجابة الصحيحة بعد الامتحان، سيأتي السؤال، فلا يحسن الجواب، فيأخذ صفراً، ويذهب إلى البيت، ويفتح الكتاب فيعرف الإجابة، ولكن متى عرفها ؟ بعد فوات الأوان، لا قيمة لهذه المعرفة.

﴿ لَا تَرْكُضُوا وَارْجِعُوا إِلَى مَا أُتْرِفْتُمْ فِيهِ وَمَسَاكِنِكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْأَلُونَ (13) قَالُوا يَاوَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ (14) فَمَا زَالَتْ تِلْكَ دَعْوَاهُمْ حَتَّى جَعَلْنَاهُمْ حَصِيداً خَامِدِينَ ﴾

﴿ إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالْأَنْعَامُ حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلاً أَوْ نَهَاراً فَجَعَلْنَاهَا حَصِيداً كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ ﴾

( سورة يونس: من آية " 24 " )

 سألوا فيلسوفاً عن الحرب العالمية الثالثة ؟ فقال: " لا أعرف عنها شيئاً، ولكن الحرب العالمية الرابعة بالحجارة "، أي أن الثالثة تدمير شامل.

﴿ فَمَا زَالَتْ تِلْكَ دَعْوَاهُمْ حَتَّى جَعَلْنَاهُمْ حَصِيداً خَامِدِينَ (15) وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ (16) لَوْ أَرَدْنَا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْواً لَاتَّخَذْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا إِنْ كُنَّا فَاعِلِينَ ﴾

 هذه الآية نشرحها إن شاء الله تعالى في درسٍ قادم.

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018