الدرس : 1 - سورة الأنبياء - تفسير الآيات 1 - 8 - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الدرس : 1 - سورة الأنبياء - تفسير الآيات 1 - 8


1988-04-22

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد، الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علما، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
 أيها الإخوة المؤمنون، مع الدرس الأول من سورة الأنبياء.

بسم الله الرحمن الرحيم

﴿ اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ (1) مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ (2) لَاهِيَةً قُلُوبُهُمْ وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا هَلْ هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ أَفَتَأْتُونَ السِّحْرَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ(3)﴾

 أيها الإخوة الأكارم، هذه السورة ـ سورة الأنبياء ـ مكيَّة، تتحدَّث عن قصص بعض الأنبياء، وعن أمور العقيدة الأساسية، كالإيمان باليوم الآخر، والإيمان بالله خالقاً، ومربياً، ومسيِّرا، يقول الله سبحانه وتعالى في مطلع هذه السورة:

﴿ اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ﴾

الحركة في الحياة تعني الوصول إلى النهاية الأبدية

 ومعنى اقترب، أي أنهم سائرون في طريقٍ ينتهي بالحساب، فكل حركةٍ تعني الوصول، فأيَّةُ مركبةٍ ما إن تنطلق في طريقها حتى تصل، وأيَّة طائرةٍ ما أن تقلع حتى تهبط، وأي قطارٍ ما أن يتحرَّك حتى يصل، فالحركة تعني الوصول، فالله سبحانه وتعالى وضعنا على وجه الأرض، والأرض تدور حول نفسها وحول الشمس، فكل يومٍ يمضي هو جزءٍ من حياتنا، وكل أسبوعٍ يمضي هو جزءٌ أكبر، وكل شهرٍ يمضي هو جزءٌ أكبر، وكل سنةٍ، والسنوات والفصول تنتهي جميعها بمجيء ملك الموت..

﴿ اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ ﴾

اِقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ

 والآن الحبل مُرخَى لهم، يتكلَّمون حقاً أو باطلاً، ويأخذون ما لهم، وما ليس لهم، ويحكمون بالحق إذا حُكِّموا بين شخصين أو بالباطل، ويتكلَّمون بما تهوى أنفسهم أو بما تُمليه عليهم مبادئهُم، فالناس في بحبوحة مخيَّرون، ولكن كل عملٍ عنه محاسبون، وكل موقفٍ من مواقفهم عنه سيُسْأَلون، وكل دِرْهَمٍ من دراهمهم كيف اكتسبوه، وكيف أنفقوه سيوقفون، هكذا..

﴿ اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ ﴾

 ما دمت أنت على وجه الأرض، والأرض تتحرَّك، والعمر مجموعة أيَّامٍ وأسابيع، وأشهر وسنوات فلابدَّ من أن نصل إلى النهاية، ولذلك كل متوقعٍ آت، وكل آتٍ قريب، ومن هنا عبَّر الله سبحانه وتعالى عن يوم القيامة بالفعل الماضي:

﴿ اقْتَرَبَ ﴾

 أي اقترب وانتهى، والآن لو أنك راكبٌ في سيَّارة، ما دامت واقفة في مركز الانطلاق، ولا تدري متى تتحرَّك، فالوصول غير محدَّد، ولكن ما أن تتحرَّك حتى تصل، والطائرة ما أن تقلع حتى تهبط، وكذلك القطار ما أن ينطلق حتى يصل إلى الهدف، إذاً:

﴿ اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ ﴾

 حسابٌ دقيق..

﴿ فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (92) عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ (93) ﴾

( سورة الحجر:93)

 وفي الحديث:

 

(( لا تَزُولُ قَدَمَا عَبْدٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَتَّى يُسْأَلَ عَنْ أَرْبَعٍ: عَنْ عُمُرِهِ فِيمَ أَفْنَاهُ ؟ وَعَنْ جَسَدِهِ فِيمَ أَبْلاهُ ؟ وَعَنْ مَالِهِ مِنْ أَيْنَ اكْتَسَبَهُ ؟ وَفِيمَ وَضَعَهُ ؟ وَعَنْ عِلْمِهِ مَاذَا عَمِلَ فِيهِ؟ ))

 

( من سنن الترمذي عن معاذ بن جبل )

 ولذلك النبي عليه الصلاة والسلام يقول:

 

(( اغتنم خمساً قبل خمس ؛ شبابك قبل هرمك، وصحَّتك قبل سقمك، وغناك قبل فقرك، وفراغك قبل شغلك، وحياتك قبل موتك))

 

[الحاكم في مستدركه، وابن أبي شيبة في المصنف عن عمرو بن ميمون]

﴿ اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ ﴾

 

 الدولاب يمشي، وأنا في طريقي إلى هذا المسجد، وفي بعض المواقف عند الإشارات الضوئيَّة جاءت جنازة، ونحن في رمضان، هو في طريقه إلى التراب، وإلى الحساب، وإلى نعيمٍ مقيم، أو إلى عذابٍ أليم، وهكذا، ولذلك فما دام الإنسان غافلاً عن هذه الساعة، وعن هذه اللَّحظة، عن تلك النهاية فهو في ضلالٍ مبين.

﴿ اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ ﴾

 لم يقل الله عزَّ وجل: اقترب للناس يومُ الدين، أو اقترب للناس يوم القيامة، بل اقترب للناس حسابهم، يقول لك: مفتِّش محاسبات ـ حينما الإنسان يُحَاسَب يتعرَّى، فينكشفُ على حقيقته ـ ويقول لك: الصندوق مكشوف، يعرف هذا، ويتذوَّقه أمناء الصناديق، فلو جاءهم تفتيشٌ حسابيٌّ مفاجئ، وكانوا قد تصرَّفوا في بعض الأموال، يكادون يُصْعَقون، من منا يدري متى يأتيه الحساب ؟ ومتى يأتيه مَلَك الموت ؟

﴿ اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ﴾

اِقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ

 فهذا الغافل عن تلك الساعة، وهذا الغارق في مشاريعه، وفي ملذَّاته، وأحلامه، وطموحاته، ومُتَعِهِ، وتجارته، ومعمله وحانوته، وظيفته وهواياته، وشهاداته ومراكزه التي يطمح إليها، هذا الغافل يأتيه الموت كالصاعقة.

﴿ اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ﴾

 في غفلةٍ، وفي إعراض، في غفلةٍ عن هذا اليوم، وفي إعراضٍ عن هذا القرآن، كلام الله رب العالمين لا يأخذونه مأخذاً جدِّياً !! ولا يطبِّقونه، كما لو أنه كلامٌ من إنسانٍ يخشون بطشه، أو يرجون عطاءه، والناس في تعاملهم اليومي حينما يقرؤون نصًّا لإنسانٍ يُرجى خيره، أو يُرْهَب بطشه ينفِّذونه بحذافيره، ويدقِّقون في تطبيقه أدقَّ التدقيق، فما لهم إذا قرؤوا كلام الله عزَّ وجل، وكلام الله عزَّ وجل فيه أمرٌ، وفيه نهيٌ، فهل قُرَّاء القرآن الكريم عند أمر الله وعند نهيه ؟ هل هم صَدَّقوا وعده ووعيده ؟..

﴿ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً ﴾

( سورة النور: من آية " 55 " )

 هل صدَّقوا وعده ووعيده ؟ وهل ائتمروا بأمره، وانتهوا عن نهيه ؟ وهل طمعوا في جنَّته، وخافوا من ناره ؟ وهل رضوا بما قسمه الله لهم ؟ وهل وسعتهم السُنَّة، ولم تستهوهم البدعة ؟ وهل رأوا في الدين خلاصاً من كل مشاكلهم ومشكلاتهم ؟ وفي الإقبال على الله سعادةً لقلوبهم ؟ وفي تطبيق الشريعة الغَرَّاء إنقاذاً لهم من مآسيهم ؟..

﴿ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ﴾

( سورة الأنفال: من آية " 33 " )

 في حياته وأنت فيهم، وبعد مماته وشريعتك بين ظَهْرَانيهم في حياتهم مطبَّقة..

﴿ اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ﴾

 غافلون.. فبئس العبد عبدٌ سها ولها، ونسي المبتدى والمنتهى، وبئس العبد عبدٌ تكبَّر، واختال، ونسي الكبير المتعالي، وبئس العبد عبدٌ تجبَّر وطغى، ونسي الجبَّار الأعلى، ولا حبذا هذا العبد ـ وساء العبد عبدٌ طَمَعٌ يقوده، ورغبٌ يُذِلُّه، نعوذ بالله من الغفلة، فهذا هو الغافل:

أيـا غافـلاً تبدي الإساءةَ والجهلَا  متى تَشْكُر المَولَى على كلِّ ما أولَى
عليكَ أيَادِيه الكِرَامُ، وأنتَ لا تراها  كــأنَّ العين عـمياءُ أو حَــولا
لأنت كمزكومٍ حوى المِسـكُ جَيبُه  ولكنَّه المَـحْرُومُ ما شَمَّه أصــلا
* * *
إلى متى أنتَ باللذَّاتِ مشــغُولُ  وأنتَ عنْ كلِّ مـا قدَّمْتَ مَسؤولُ
* * *
فَيا خَجَلي مِنه إذا هو قـال لي  أيـا عبدَنا هـلا قـرأتَ كِتَابنا
أما تَسْتَحي منَّا ويكْفيكَ ما جَرى  أما تَخْتَشي من عُتْبِنَا يومَ جَمْعِنا
أما آنَ أن تغدو عن الذَنْبِ رَاجِعاً  وتَنْظُرْ فيما بِه قد جرى فيه وعْدُنَا
* * *

﴿ اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ﴾

هجر القرآن من الغفلة الكبيرة

 أخطر ما في حياتنا غفلتنا عن مصيرنا، وغفلتنا عن هذا الكتاب الذي فيه وعدٌ ووعيد، وأمرٌ ونهيٌ، وجنَّةٌ ونار، وتشريعٌ دقيق، ونظامٌ حكيم، ومنهجٌ قويم، وعبرةٌ لمن يعتبر، وذكرى لمن يتذكَّر، وإخبارٌ عن أقوامٍ مضوا، ووصفٌ لحالتنا الراهنة، وحديثٌ عما سيكون، ويلٌ لمن جعله وراءه ظهرياً، وقال:

﴿ وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآَنَ مَهْجُوراً﴾

( سورة الفرقان: 30)

 هجروه، وقرؤوه على الأموات، ولم يقرؤوه على الأحياء، وقرؤوه في المناسبات، ولم يقرؤوه في المُلِمَّات، وقرؤوه وكأنه كتابٌ لا يعنيهم، وأحكامه لا تتصل بحياتهم.

﴿ اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ﴾

 إن السعيد من اتعظ بغيره، والشقي من اتعظ بنفسه، نعوذ بالله من الغفلة، ومن الإعراض، وأن يدير الإنسان ظهره للدين، ولأوامر الله سبحانه وتعالى، وألاّ يقيم لها وزناً، وألاّ يهتمَّ بها، وألاّ يأخذها مأخذاً جِدِّياً.

حالتان مرَضيتان: الغفلة والإعراض

 حالتان مَرَضيتان خطيرتان مدمِّرتان، الغفلة والإعراض، ومن علامات المؤمن الصحوة والإقبال، ومن علامات الكافر الغفلة والإعراض، المؤمن صاحٍ، يعرف حجمه الحقيقي، ويعرف لماذا هو على وجه الأرض، ويعرف مهمَّته في الحياة، ولماذا أرسله الله إلى الدنيا، وماذا ينتظر منه، وما الذي وراءه، وما الذي أمامه، ولماذا يتزوَّج ؟ لا من أجل المتعة ولكن من أجل أن ينجب أولاداً صالحين يذكرون الله من بعده، يتزوَّج ليأخذ بيد هذه الزوجة إلى ما يحبُّ الله ويرضاه، ولماذا يعمل ؟ لخدمة المسلمين لا ليستغلَّهم، ولا ليبني ثروته على فقرهم، ولا ليغشَّهم، ولا ليحتال عليهم ؛ بل ليخدمهم وينصحهم والله سبحانه وتعالى يتولَّى أن يرزقه رزقاً حلالاً طيِّباً.
 المؤمن صاحٍ يعرف ما له وما عليه، ويعرف ما يجوز، وما لا يجوز، وما يمكن، وما لا يمكن، وما يصح، وما لا يصح، ويعرف ذلك، ويعرف حدوده ـ " رحم الله عبداً عرف حدَّه فوقف عنده " ـ ويعرف أن لكل مخلوقٍ إلهاً يحاسب عنه، الناس في تعاملهم اليومي يقولون: الله وكيلك، لو تعرف معنى هذه الكلمة لارتَعَدْتْ فرائصك، فالله وكيله، وتغشُّه ؟ والله وكيله، وتحلف له يميناً كاذباً ؟ وتحتال عليه ؟ ولذلك من علامات الإيمان الصحوة، والإقبال، هل هو صاحٍ، وحضر مجالس العلم، فأَنَّى لإنسانٍ أن يأخذ شهادة عُليا، وهو لا يداوم على الجامعة، مستحيل، من أين يأتي العلم، وأنت جالس في البيت تتابع برامج ترفيهيَّة ؟ ومن أين يأتيك العلم، وأنت في دكَّانك تبيع وتشتري ؟ ومن أين يأتيك العلم، وأنت مع أهلك وأولادك تمزح معهم ؟ لابدَّ من أجل أن تكسب العلم أن تذهب إلى مواطن العلم، إنها مجالس العلم، ولابدَّ من حضورها لتعرف الحلال من الحرام، والحقَّ من الباطل، والخير من الشر، ولتعرف كيف يعامل الله عباده، وقد يأتيك رجل يقول لك: إنّ الله سبحانه وتعالى لا يعذِّب أحداً من عباده، وهذه الآيات التي يتحدَّث فيها عن النار إنما هي من أنواع التخويف، فإن لم تكن تعرف الحقيقة فكيف تواجه هذا الإنسان، إن صدَّقته أهلكت نفسك.

﴿ فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (92) عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ (93) ﴾

( سورة الحجر:93)

﴿ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾

( سورة النحل:32)

 عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ:

 

(( قَامَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ أَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ:﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِي﴾، قَالَ: يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ، أَوْ كَلِمَةً نَحْوَهَا، اشْتَرُوا أَنْفُسَكُمْ، لَا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنْ اللَّهِ شَيْئًا، يَا بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ، لَا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنْ اللَّهِ شَيْئًا، يَا عَبَّاسُ بْنَ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، لَا أُغْنِي عَنْكَ مِنْ اللَّهِ شَيْئًا، وَيَا صَفِيَّةُ عَمَّةَ رَسُولِ اللَّهِ، لَا أُغْنِي عَنْكِ مِنْ اللَّهِ شَيْئًا، وَيَا فَاطِمَةُ بِنْتَ مُحَمَّدٍ، سَلِينِي مَا شِئْتِ مِنْ مَالِي، لَا أُغْنِي عَنْكِ مِنْ اللَّهِ شَيْئًا))

 

[متفق عليه]

طلب العلم وقاية من الغفلة

 أنَّى لك أن تعرف الحقيقة من دون أن تحضر مجالس العلم ؟ ومن دون أن تستمع إلى تفسير كتاب الله، وأن تتعرَّف إلى سُنَّة رسول الله، وأن تعرف الأحكام الفقهيَّة في كل موضوع، أنىَّ لك أن تتحمَّس إلى الله من دون أن ترى من سبقوك مِن أصحاب رسول الله، ومن التابعين الأجلاء، ومن العلماء العاملين، هؤلاء الذين تستمع إلى قصصهم هم مشاعل في الطريق، مشاعل وضَّاءة، ونبراسٌ لك في طريق الإيمان، لذلك:

 

(( طَلَبُ الْعِلْمِ فَرِيضَةٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ ))

 

( من سنن ابن ماجة: عن " أنس بن مالك " )

 طلب العلم فرض عين وليس فرض كفاية، فرض عين، كن في أي مستوىً أردت، وفي أي عملٍ شئت فلابدَّ من طلب العلم..

﴿ اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ﴾

 إذا كان الإنسان ذاهباً إلى بلد يسأل: ماذا أفعل ؟ وأي فندقٍ أنزل ؟ وكيف شراء الحاجات هناك ؟ دُلَّني على مكانٍ مناسب، وعلى فندقٍ مناسب، وطريقةٍ مناسبة أُحَصِّل فيها قوت يومي، ما من إنسان يسافر إلا، ويسأل الخبراء عن هذا البلد، وهل في هذا البلد مشكلات، وميّزات، وملابسات، وخصائص، فكيف إذا كان الإنسان ذاهباً إلى الدار الآخرة - قولاً واحداً - ألا يسأل عن هذه الرحلة الأبديَّة الطويلة التي لا عودة منها، ذهاب بلا عودة، أبداً، فالإنسان أحياناً يسافر فيغيب شهراً، أو شهرين، أو سنة، أو سنتين، أو خمس سنوات، ثمَّ يعود، وأحياناً الإنسان يدخل السجن، وبعد كذا سنة يعود إلى أهله، لكنَّ الموت ذهابٌ بلا عودة، فالذي لا يعرف كيف يستغل حياته، هو إنسانٌ في منتهى الضلالة..

﴿ اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ﴾

 نعوذ بالله من الغفلة ومن الإعراض، ونرجو الله أن نكون ممن تيقَّظت قلوبهم، وممن أقبلوا على ربِّهم.

﴿ مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ﴾

مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ

 أي أن هذا القرآن الذي نزل مُنَجَّماً على قلب سيدنا محمدٍ صلى الله عليه وسلَّم يستمعونه، وهم يلعبون، إنه كلامٌ خطير ومَصِيريّ، وإذا قرأه الإنسان، وعرف أبعاده لا يقرُّ له قرار، ولا يهدأ له بال حتى يعرف أين هو منه، هل مع الفائزين أم مع الضالين ؟ وهل مع الناجحين أم مع الخاسرين ؟ فلذلك:

 

﴿ إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ﴾

 

موقف المؤمن عند سماعه القرآن

 ولكنَّ المؤمن لا يلعب، إذا استمع إلى آيةٍ أخذها مأخذاً جدياً، وطبَّقها في حياته تطبيقاً صحيحاً، إنها كلام ربِّ العالمين، فلماذا تأخذ كلام البشر بِجِد ؟ وإذا مُنِعْت من شيءٍ بقوَّة قانون، وقرأت في نهاية القانون الروادع التي كُتِبَت من أجل أن تحاسب المخالفين، وعرفت أن الذي أصدر هذا القانون لن يتساهل في تطبيقه، وأنه يفعل ما يقول، فلماذا تأتمرُ به ؟ ولماذا تحرصُ على تطبيقه ؟ أيعقل أن تكون خشيتك من إنسان أعظم من خشيتك من الرحمن ؟! أيعقل هذا ؟! أيعقل أن تحسب لإنسانٍ حساباً ولا تحسب لخالق الكون حساباً ؟!!..

﴿ مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ﴾

 ونحن في كل زمانٍ نستمع إلى هذا الكتاب، وهذا الكتاب يُتْلى علينا، ويأتينا تأويله، أما أنه يُتْلَى علينا فهذا شيءٌ مفروغ منه، يُتلى علينا صباحاً ومساءً، أو نتلوه نحن، أما أن يأتينا تأويله فإن كل وعدٍ ووعيدٍ وعد به القرآن أو توعَّد به نجده واقعاً لا محالة، فالله وعد المرابي بإتلاف ماله، فكل مرابٍ يُتْلَف ماله، إنما هو تأويلٌ لهذا الكتاب، وعد المؤمن بالحياة الطيِّبة، فحياة المؤمن الطيبة تأويلٌ لهذه الآية، ووعَدَ المُعْرِضَ عن ذكر الله بالمعيشة الضنك، فالمعيشة الضنك تأويلٌ لهذه الآية، وعد القاتل بالقتل، ووعَدَ الزاني بالفقر، ووعَدَ على كل سيئةٍ عقاباً، فحينما يُطَبَّق القرآن فإن هذا التطبيق هو تأويل، وهذا التأويل مما يزيد في إيماننا بهذا الكتاب.
 إذاً فالله سبحانه وتعالى يُصَرِّف لنا الآيات الكونية والقرآنية، يصرِّف لنا الآيات الكونيَّة ؛ الليل والنهار، والشمس والقمر، والصيف والشتاء والربيع، والأمطار، والبحار، والأنهار، والينابيع، وهذه الأرض المُزدانة بالنباتات الخضر والأزاهير الحِسَان أليست آيةً من آيات الله الدالَّة على عظمته، هذه آية..

﴿ مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ (2) لَاهِيَةً قُلُوبُهُمْ ﴾

لاَهِيَةً قُلُوبُهُمْ

 هناك لهوٍ، وهناك غفلةٍ، فهم في مُتَعِهِم الرخيصة، وفي مباهجهم المنحرفة، وفي شهواتهم الدنيئة، وفي تطلُّعات الأثرة، إنهم لاهون بها.

﴿ وَأَسَرُّوا النَّجْوَى ﴾

وَأَسَرُّوا النَّجْوَى

 هل يُعْقَل أن يُرْخِي الإنسان لشهواته العِنَان ويقول: أنا على غلط ؟ لا، إنه يقول عكس ذلك..

﴿ وَأَسَرُّوا النَّجْوَى ﴾

 أي وأسرَّ النجوى الذين ظلموا..

﴿ وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا ﴾

 النجوى أي الحديث الخفي، قالوا:

﴿ هَلْ هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ أَفَتَأْتُونَ السِّحْرَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ﴾

حجج الكفار في ردّ دعوة النبي صلى الله عليه وسلم:

1 - هَلْ هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ

 ما من إنسانٍ ينحرف عن طريق الحق إلا ويتَّهم أهل الحق بالزِيَغ، يقول لك: هؤلاء معقَّدون، وغير واقعيين، وحالمون، لا يعرفون مباهج الحياة الدنيا، وما ذاقوا طعم الدنيا، إنهم زاهدون ولو عرفوها لما زهدوا فيها، وهكذا يدَّعي أهل الفسق والفجور، فما عرفوا أن المؤمنين ذاقوا من طعم القُرْب ما أذهلهم ـ " لو يعلم الملوك ما نحن عليه لقاتلونا عليه بالسيوف " ـ ما عرف أهل البُعد والضلال أن المؤمنين لو عَرَضْت عليهم أن يُلقوا في النار، أو أن يتركوا دينهم لفضَّلوا أن يُلقوا في النار، لأنهم عرفوا أن لهم رباً عظيماً، أما عرفوا أن سحرة فرعون قالوا:

﴿ فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (72) إِنَّا آَمَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى(73)﴾

( سورة طه: 72-73)

 وما عرف هؤلاء الضالُّون أن في حياة المؤمن شوقاً إلى الله عزَّ وجل، من أجله يضحي بالغالي والرخيص، والنفس والنفيس، وأن في حياة المؤمن سعادةً لا يحلَمُ بها أثرياء العالم، ولو أن حياته في ظاهرها متقشِّفةٌ، خشنةٌ، متواضعةٌ، محدودةٌ ؛ ولكنَّ في قلبه من السعادة ما لو وزِّع على أهل بلدٍ لكفاهم، وما عرف هؤلاء الضالون أن من..

﴿ وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى﴾

( سورة طه:124)

﴿ لَاهِيَةً قُلُوبُهُمْ وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا هَلْ هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ ﴾

 يقول لك: أخي، هذا محمَّد إنسان عبقري وذكي، ساق هذا القرآن بحكمةٍ بارعة، وأقنع الناس أنه كلام الله عزَّ وجل، ووحَّد القبائل، وصار زعيماً عليها، وانتهى الأمر، هذا الدين كله عندهم..

﴿ الَّذِينَ ظَلَمُوا هَلْ هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ ﴾

 لكن على أذكى..

﴿ أَفَتَأْتُونَ السِّحْرَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ﴾

2 - أَفَتَأْتُونَ السِّحْرَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ

 إنكم إن اتبعتموه سَحَرَكُم، سحركم بأخلاقه، وبالحق الذي بين جنبيه، وبنفسيِّته التي أقبلت على الله عزَّ وجل وبأُنسه..

﴿ أَفَتَأْتُونَ السِّحْرَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ﴾

 هذا ساحر، فلا تستمعوا إليه، فهو يأخذكم من بين أحضان أهلكم، نعَم إنّ المؤمن يَسْحَرُ الناس بُخلقه الكريم، وبتواضعه العظيم، وحلمه، وكرمه، وسخائه، ولطفه، وأُنسه، هكذا المؤمن، إنه بإقباله على الله اشتقَّ شيئاً من كماله، فهو رحيم، ولطيف، وعفوٌ كريم، فشيءٌ طبيعي أن تُحِبَّ المؤمن، أما إذا التقيت بالنبي عليه الصلاة والسلام فربَّما بقيت أيَّاماً لا تنام الليل شوقاً إليه، وهؤلاء الذين رأوه في المنام يبكون أياماً طويلة وأشهراً، وهم يذكرون هذه الرؤيا.

﴿ وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا ﴾

 أي وأسرَّ الذين ظلموا النجوى، الذين بدل من الواو في أسرّوا.

﴿ْ وَأَسَرُّوا النَّجْوَى ﴾

 من هم الذين أسروا النجوى ؟ الذين ظلموا، بدل من الواو..

﴿ هَلْ هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ ﴾

 أي أن النبي الكريم ما هو إلا بشرٌ مثلكم، هكذا يدَّعي الذين ظلموا.

﴿ لَاهِيَةً قُلُوبُهُمْ وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا هَلْ هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ أَفَتَأْتُونَ السِّحْرَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ (3) قَالَ رَبِّي يَعْلَمُ الْقَوْلَ فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ(4)﴾

قَالَ رَبِّي يَعْلَمُ الْقَوْلَ فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ

 إن الله وحده يعرف الحقيقة، ويعلم القول، فهو يعلم ما تقولون من كذب، ويعلم ما أقول من صدق، ويعلم أني رسولٌ من عند الله ولست بمفترٍ عليه، وأنكم تفترون على الله كذباً..

﴿ قَالَ رَبِّي يَعْلَمُ الْقَوْلَ فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ ﴾

 لذلك أهون شيء التعامل مع الله عزَّ وجل ألا تحتاج إلى يمين، ولا تحتاج إلى بيان، ولا وثيقة، ولا شاهد، ولا كتاب، لا تحتاج إلى شيء لأن الله يعلم السرَّ وأخفى، والقضيَّة سهلة جداً، فلا يكفيك إلا أن تكون مخلصاً له، فالتعامل مع الله عزَّ وجل لا يحتاج إلى إثبات، إنه مطلعٌ على قلبك.. قال سيدنا جبريل: " يا إبراهيم، ألك حاجةٌ عند الله ؟ قال له: " منك ؟ قال له: " لا من الله "، قال له: " علمه بحالي يغني عن سؤالي ".

 

إذا كـنـت في كـل حالٍ معي  فعن حملِ زادي أنا في غنى
* * *

 إذا أخلص الإنسان لله عزَّ وجل، وتقرَّب إليه أغناه عن استجداء الاستحسان، وعن استجداء المديح، وأغناه عن أن يعرف الناس فضله، جاء رسولٌ إلى عمر بن الخطَّاب من بعض المعارك.. وأظن من معركة القادسيَّة.. فقال: " يا أمير المؤمنين مات خَلقٌ كثير "، قال: " من هم ؟ " قال: " إنَّك لا تعرفهم "، فبكى عمر بكاءً مُرًّا، وقال: " وما ضرَّهم أني لا أعرفهم إذا كان الله يعرفهم "، ومن أنا حتى لا أعرفهم ؟..

 

﴿ قَالَ رَبِّي يَعْلَمُ الْقَوْلَ فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ ﴾

إحاطة علمِ الله بكل قول ظاهر وخفيّ

 أي قولٍ يُقال في الأرض والسماء يعلمه الله، صدقاً كان أو كذباً، فيه إخلاصٌ أم فيه خيانة، وفيه وضوحٌ أم فيه غموض..

﴿ قَالَ رَبِّي يَعْلَمُ الْقَوْلَ فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾

 وشيءٌ آخر:

﴿ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾

( سورة الأعراف:128)

 يعلم القول، وهو الحَكَمُ الفَصْلُ، وهو أحكم الحاكمين.

﴿ بَلْ قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ ﴾

3 - بَلْ قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ

 هذا الذي يقوله النبي الكريم إنما هي أحلامٌ يراها في الليل، أحلامٌ تكاثفت وتواردت عليه فهو يعبِّر عنها، إنها ليست حقيقةً، إنها أضغاث أحلامٍ..

﴿ بَلِ افْتَرَاهُ ﴾

4 - بَلْ افْتَرَاهُ

 إن هذا القرآن قد افتراه من عنده، هم يقولون: لقد افتراه محمَّد من عنده، وليس من عند الله..

﴿ بَلِ افْتَرَاهُ بَلْ هُوَ شَاعِرٌ ﴾

5 - بَلْ هُوَ شَاعِرٌ

 هذا نوعٌ من الشعر، يا أخي فيه سحر، كلامٌ له حلاوة، وعليه طلاوة، إنه نوعٌ من الشعر، إنه شاعر، وقالوا: هو شاعر..

﴿ فَلْيَأْتِنَا بِآَيَةٍ كَمَا أُرْسِلَ الْأَوَّلُونَ﴾

 فلو أنه نبيٌّ مُرْسَل فلْيِأتنا بآيةٍ كما جاء بها موسى، وكما جاء بها عيسى عليهما السلام، يحيي الميت، ويبرئ الأكمه والأبرص، ويضرب البحر فإذا هو طريقٌ يَبَس بين جبلين عظيمين، إن كان نبياً صادقاً فليأتنا بآيةٍ كما جاء بها الأوَّلون، فيَرُدُّ عليهم الله سبحانه وتعالى، ويقول:

﴿ مَا آَمَنَتْ قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا أَفَهُمْ يُؤْمِنُونَ﴾

مصير تكذيب الأنبياء

 قوم صالح طلبوا الناقة لتخرج إليهم من الجبل، فهل آمنوا بالله عزَّ وجل على إثرها ؟ وقوم موسى رأوا البحر قد أصبح طريقاً يَبَسَاً، ورأوا عدوَّهم فرعون قد غَرِقَ فيه، وبعد إذٍ جاءهم السامري..

﴿ فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلاً جَسَداً لَهُ خُوَارٌ فَقَالُوا هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى فَنَسِيَ﴾

( سورة طه:88)

 فصدَّقوه، أنفع بني إسرائيل ما رأوا من آياتٍ بيِّنات ؟ أنفعتهم العصا التي أصبحت حيَّة ؟ وقوم سيدنا عيسى أنفعهم أنه أبرأَ الأكمه والأبرص، وأحيا الموتى، وأنبأهم بما في بيوتهم ؟..

﴿ مَا آَمَنَتْ قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا أَفَهُمْ يُؤْمِنُونَ﴾

الكــون مـعـجزة

 إنّ الكون هو المعجزة، ومن لم يؤمن بالكون وبوضعه الراهن من دون أن تُخْرَقَ قوانينه لن يؤمن بخرق قوانينه، خلقك معجزة، وابنك معجزة، إذ هو نقطةٌ من ماءٍ مهين فيها ثلاثمئة مليون حوين، حوينٌ واحد أقوى هذه الحوينات وقف أمام بويضةٍ ففتحت له الباب فدخل وأغلقت الباب، وبقي الثلاثمئة مليون حوين آخر خارج الحساب، فهذا الحوين وهذه البويضة تكاثرا، وانقسما إلى عشرة آلاف قسم في ثمانية أيَّام، وهما في طريقهما إلى الرحم، وفي الرحم التصقا بجداره، فتشكَّل الدماغ، والقلب، والأحشاء، والأعضاء، فما هذا ؟ في تسعة أشهر يصبح ابنك إنساناً فيه معدة، وأمعاء، وقلب، ورئتان، ودماغ، وعينان، وأذنان، وأنف، ولسان، وشفتان، ويدان، وأصابع، وسُلاميَّات، وأظافر، وعظام، وعضلات، وأوردة، وشرايين، ففي تسعة أشهر من فعل هذا أنت أم زوجتك ؟

﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ﴾

( سورة الطور:35)

﴿ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تُمْنُونَ (58) أَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخَالِقُونَ (59) ﴾

( سورة الوقعة: 58-59)

 الكون نفسه معجزة، خلقك معجزة، فابنك معجزة، وكأس الحليب الذي تشربه معجزة، وهذه البقرة لها خليَّة ـ الخليَّة الثديية على شكل قبَّة ـ ومحاطة هنا بشرايين دمويَّة كثيفة جداً، يجول حولها الدم هنا فتسقط قطرات الحليب من هنا، وحتى هذه الساعة لا يعرف العلماء ـ علماء الأحياء ـ ما آليَّة تصنيع الحليب، وكيف يتحوَّل الدمُ إلى حليب ؟ إن لتر الحليب الواحد يحتاج إلى أربعمئة لترٍ من الدم يجول حول الخليَّة الثديية حتى يصبح هذا اللتر من الحليب صالحاً لك أنت، وَفْقَ بنيتك الجسميَّة، فيه بروتين، وسكَّر، ودسم، ومواد، وفيتامينات، ومواد معدنيَّة، شيءٌ يأخذ بالألباب، فتركيب الحليب وحده من الذي صنعه أهذه الخليَّة الثديية ؟ أهي عاقلة ؟ هذه البقرة معمل حي يأكل الحشيش فيعطيك الحليب، فتصنع منه السمن، والجبن، واللبن، وكل حاجاتك..

﴿ وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَناً خَالِصاً سَائِغاً لِلشَّارِبِينَ﴾

( سورة النحل: 66)

 هذه آية من آيات الله الكُبرى.

﴿ وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ﴾

( سورة النحل: من آية " 5 " )

 طبع الغَنَم طبعٌ وديع مسالم، غير مخيف، وغير متوحِّش، مذلَّل، تأكل لحمه، ودهنه، وأحشاءه، وتستعين بجلده، وبصوفه، وتأخذ روثه وفضلاته سماداً لأرضك..

 

﴿ وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ ﴾

 

 خصيصى، وتطلب معجزة ؟! الغنمة معجزة، والبقرة معجزة، والدجاجة معجزة، وابنك معجزة، وزوجتك معجزة.

﴿ وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾

( سورة الروم: من آية " 21 " )

 المرأة لها بنية خاصَّة، لـها بنية فيزيولوجية خاصَّة، وبنية نفسيَّة.
 الثمار معجزة، فهذه الشجرة تسقيها ماءً فتعطيك تفاحاً له شكلٌ لطيف محبَّب، ورائحةٌ محبَّبة، وقِوامٌ، وحجمٌ، ونكهةٌ، وغذاءٌ، فكم أنواع أشجار الفاكهة، وأنواع المحاصيل، وأنواع الخضار ؟
 هذه الشمس معجزة تبعد عنَّا مئة وستة وخمسين مليون كيلو متر، ومع هذه المسافة الشاسعة نورها وضَّاء، ودفؤها فيه خيرٌ عميم.
 والقمر تقويمٌ في السماء.

﴿ وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلاً (12) وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَاباً يَلْقَاهُ مَنْشُوراً(13)﴾

( سورة الإسراء:12-13 )

 والمطر معجزة، وهذا الكون أيضاً، وحسبكم الكون معجزة.
 إذا لم يؤمن الإنسان بالكون لم يؤمن بخرق قوانينه، والدليل:

﴿ مَا آَمَنَتْ قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا أَفَهُمْ يُؤْمِنُونَ ﴾

 إذا لم تؤمن بهذه الآيات الدالَّة على عظمته التي بثَّها الله في السماوات والأرض لن تؤمن بخرق القوانين.

﴿ وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلَّا رِجَالاً نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾

الأنبياء بشر تجري عليهم خصائص البشر

 من حكمة الله سبحانه وتعالى أن جعل الأنبياء من بني البشر، فلو كانوا ملائكةً لما اتبعهم أحد، ولقالوا لأي نبي: أنت ملَك فهل أنت بشر ؟ أنا عندي شهوات، وقد جعل الله عزوجل الأنبياء العِظام من بني البشر يحسُّون ما نحس، ويشعرون بما نشعر، ويغضبون لما نغضب، وجعلهم مثلنا يأكلون ويشربون، ويتزَّوجون وينجبون، ويمشون في الأسواق.
 هذا بحثٌ نؤخره إن شاء الله تعالى إلى درسٍ قادم.. الحديث عن الأنبياء.. ولماذا قال الله في حقِّهم:

﴿ وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْوَاقِ﴾

( سورة الفرقان: من آية " 20 " )

 لماذا هم يتزوجون كما يتزوج البشر ؟ لماذا هم من بني البشر ؟ ما الحكمة التي وراء ذلك ؟..

﴿ وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلَّا رِجَالاً نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (7) وَمَا جَعَلْنَاهُمْ جَسَداً لَا يَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَمَا كَانُوا خَالِدِينَ(8)﴾

 يموتون..

﴿ إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾

( سورة الزمر:30)

﴿ ثُمَّ صَدَقْنَاهُمُ الْوَعْدَ فَأَنْجَيْنَاهُمْ وَمَنْ نَشَاءُ وَأَهْلَكْنَا الْمُسْرِفِينَ﴾

 هذه الفِقْرَة التي تتحدَّث عن أنبياء الله سبحانه وتعالى فيها تعليقٌ دقيق نؤخره إلى درسٍ قادم إن شاء الله تعالى.

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018