الدرس : 5 - سورة طه - تفسير الآيات 65 – 79 - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الدرس : 5 - سورة طه - تفسير الآيات 65 – 79


1988-02-19

 الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد ، الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا ، إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا ، وزدنا علما ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .
 أيها الإخوة المؤمنون ... مع الدرس الخامس من سورة طه ، وصلنا في قصَّة سيدنا موسى مع فرعون إلى قوله تعالى :

﴿ قَالُوا يَا مُوسَى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقَى﴾

السائر على طريق الحق لا يخاف البحث والمناظرة :

 لقد خَيَّرَ سحرةُ فرعون سيدَنا موسى ، فإما أن يبدأ هو بإلقاء عصاه التي هي من آيات ربِّه ، وإما أن يبدؤوا هم ، فاختار هذا النبي الكريم أن يبدؤوا هم ، ويعلِّلُ بعض العلماء سبب اختياره أنه واثقٌ من أنه على حق ، والحق دائماً لا يخشى البحث ، والحق دائماً لا يعتمد على الكذب ، والحق دائماً واضحٌ جلي ، كان النبي عليه الصلاة والسلام يقول :

(( تركتكم على بيضاء نقيَّة ليلها كنهارها ))

( من الجامع الصغير عن العرباض)

 إذا كنت مع الحق فلا تخشَ في الله لومة لائم ، البطولة أن تكون مع الحق لأن الحق أبديٌ أزليٌ سرمدي ، الحق هو الله سبحانه وتعالى ، وليس في الكون حقيقةٌ إلا الله ، فإذا كنت مع الحق فلا تخشَ أحداً ، وإذا كان الإنسان مع الباطل فالباطل سريع الزوال .

 

تعريف القرآن للحق :

 لذلك في القرآن الكريم آياتٌ دقيقةٌ تعرِّف الحق :

 

﴿ وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلا بِالْحَقِّ ﴾

( سورة الحجر : من آية " 85 " )

 خَلْقُ السماوات والأرض بالحق .
 وفي آية ثانية :

﴿ وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلا ﴾

( سورة ص : من آية " 27 " )

 في آيةٍ ثالثة :

﴿ وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لاعِبِينَ(38)﴾

( سورة الدخان )

 إذاً الحقُّ ضد اللَّعِب ، والحق ضد الباطل ، الباطل هو الشيء الزائل، واللعب هو الشيء العابث ، فالحقُّ إذاً هو الشيء الثابت ، والحق هو الشيء الهادف ، ثباتٌ وهدفٌ كبير ، هذا التعريف المستنبط من هذه الآيات الثلاث ، ولذلك قال سيدنا موسى عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام :

 

﴿ قَالَ بَلْ أَلْقُوا ﴾

 هو يعلم أنه نبيٌّ مُرْسَل ، ومعه آيةٌ كُبرى ، وأن هناك فرقاً بين آيته وبين صُنْعِ السحرة ، صنع السحرة نوعٌ من أنواع الكيد ، عمل أرضي ، وآيته سماويَّة ، نوعٌ فيه بطلٌ ، ولكن آيته فيها حقٌّ ..

 

﴿ قَالَ بَلْ أَلْقُوا ﴾

 أكبر بطولة أن تكون مع الحق ، ليس للإنسان حالةٌ ثالثة ، إما أن يكون مع الحق يدور معه حيث دار ، وإما أن يكون مع الباطل ، من صفات الحق أنه أزليٌ أبديٌ سَرْمَدِيّ ، من صفات الحقِّ الثبوت ، الديمومة ، القوَّة ، الاستقرار ، الاستمرار ؛ أما الباطل فمن صفاته الزوال ، الانهيار ، التلاشي ، إذا بني الجدار بالباطل فلابدَّ أن يَنْقض ، لابدَّ أن يقع ، وإذا بني بالحق وَفْقَ الأصول الثابتة فسيبقى ، فالإنسان حينما يكون مع الباطل فقد قامر وغامر بمستقبله ، لأن الباطل له جولة ثم يضمَحل ، فإذا كنت مع الباطل كنت زاهقاً معه .
 هناك استنباطٌ لطيفٌ جداً هو أن سيدنا موسى عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام قال :

 

﴿ بَلْ أَلْقُوا ﴾

 الحقُّ لا يَخشى البحت ، والحق لا يحتاج إلى الكذب ، والحق لا يُلقى فيما بين الناس خِفيةٌ ، الحقُّ يُلقى أمام الناس جميعاً ، الحق معه الدليل العقلي ، والنقلي ، والواقعي ، الحق لا تستطيع جهةٌ على وجه الأرض أن تقف في وجهه ، هذا هو الحق ، أما الباطل فيقوى ، ويَضْعُف ، ولكنَّ مصيره إلى الاضمحلال وإلى الزوال ..

 

﴿ قَالَ بَلْ أَلْقُوا ﴾

 في القرآن الكريم إيجازٌ رائع ..

 

﴿ فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى﴾

 كان من الممكن أن يقول الله عزَّ وجل : بل ألقوا فلمَّا ألقوا إذا حبالهم ، هذا الكلام الذي يُفْهَمُ من السياق لا يذكره القرآن الكريم ، وهذه هي البلاغة ، والبلاغة في الإيجاز ، وفي القرآن الكريم ولاسيما في قصصه الرائعة قفزاتٌ فنيَّة ، أي :

﴿ قَالَ بَلْ أَلْقُوا ﴾

 ثم ألقى السحرة حبالهم وعصيَّهم ، فإذا حبالهم وعصيِّهم ، كلامٌ فيه حشوٌ ، لذلك يعلمنا ربنا سبحانه وتعالى في كتابه الكريم أن البلاغة في الإيجاز ، وأن كل كلامٍ يُفْهَمُ من دون أن يُذْكر ينبغي أن يُحْذف ..

﴿ فَإِذَا حِبَالُهُمْ﴾

فإذا حِبَالُهُمْ

 إذا فجائيَّة ، يبدو أنهم صنعوا شيئاً عظيماً ، يقول الله عزَّ وجل في آياتٍ أخرى تتعلَّق بهذه القصَّة :

﴿ وَجَاؤُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ(116)﴾

( سورة الأعراف )

 أي لم يكن هؤلاء السحرة من الغافلين أو من الأغبياء ، ولكنهم سخَّروا كل طاقاتهم ، كل إمكاناتهم ، كل تجاربهم ، كل خبراتهم وضعوها ، لأن فرعون وعدَهم أن يجزل لهم العطاء ، وأن يقرَّبهم منه ، لمعت أمامهم زخارف الدُنيا ، سال لعابهم على مكانةٍ عليَّةٍ عند فرعون ، ولذلك سخَّروا كل طاقاتهم ليردوا آية العصا التي جاء بها سيِّدنا موسى عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام ..

 

﴿ فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ ﴾

الفرق بين الحقيقة والسحر :

 هنا الفرق بين الحقيقة والسحر ، الحقيقة تُرى رأي العين ، لكن السحر يُخَيَّل إليه ، يعبِّرون عن حالة الضعف النفسي التي تؤثِّر فيها أعمال السَحَرَة بالتنويم المغناطيسي ، ولا يستطيع الساحر أو صاحب الحِيَل أن يؤثِّر في الإنسان إلا إذا كان ضعيف الشخصية ، ولذلك يفعل الساحر أحياناً أشياء ليس لها حقيقة ، ولكن يُخَيَّلُ إلى الناس من سحرهم أنها تسعى ، فلم يتأثَّر سيدنا موسى بها ، ولكنه رأى براعتهم في هذا الكيد فخاف على الناس أن يلتبس عليهم الأمر ، هنا المشكلة ، هو يعلم أنه نبيٌ مُرْسَل ، وأن آيته هي الحق المبين ، وأن أعمال هؤلاء السحرة إنْ هي إلا كيدٌ بشري ، ولكن ما دامت على درجةٍ عاليةٍ من الإتقان خاف أن لا يفرِّق الناس بين آيته الدالَّة على عظمة الله عزَّ وجل وبين أعمال السحرة ، من هنا :

 

﴿ فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى﴾

 جاء في بعض الكتب أنهم وضعوا داخل بعض الحبال وبعض العصي الزئبق ، وأُحْسِنَ تزينُها ، ورسمها ، ووضِعَت على مكانٍ حار ، فلمَّا تمدَّد الزئبق تحرَّك حركةً زئبقيَّة فتوهَّم الناس أن هذه الحبال وهذه العصي تسعى ، تتحرَّك ..

﴿ فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسَى﴾

صورة حية عن خوف موسى عليه السلام :

بين الواجس والهاجس :

 الواجس هو الذي يسبق الهاجس ، هناك واجسٌ وهاجس ، تأتي الإنسان أحياناً فكرة لا يظهر أثرها على وجهه ، ولكنْ هناك أفكار لها آثارٌ على السطح الخارجي ، قد تُلقي على إنسان خبراً فيصفر لونه ، أو ترتعد فرائصه ، أو يذهب اللُّعاب من فمه ، أو يشتد خفقان قلبه ، الأشياء التي تأتي على الإنسان ، وتغيِّر من طبيعته الخارجيَّة ، هذه ليست واجساً ، إنما هي هاجس ، هذا النبي الكريم أوجس ، أي خالطه بعض الخوف من ألاّ يفرِّق الناس ـ كما قلت قبل قليل ـ بين آيته وبين فعل السحرة ، أو أنه خاف أن يُعْجَبَ الناس بأعمال السحرة ، ثم ينصرفوا دون أن ينتظروا آية الله عزَّ وجل ، إنه بشكلٍ أو بآخر قَلِقٌ على إيمان الناس ، إنه يخشى ألاّ يستفيد الناس من هذه الآية ، إنه يخاف أن يذهب هذا العمل العظيم سُدًى .
 النقطة الدقيقة في هذه الآية :

 

﴿ فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسَى﴾

﴿ خِيفَةً ﴾

 جاءت نكرة ، والتنكير أحياناً يفيد التحقير ، أو يفيد التقليل ، أو يفيد التصغير ، وهي على عظمها لا شيء إذاً ، مثلاً يقول ربنا سبحانه وتعالى :

﴿ وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ ﴾

( سورة الكهف : من آية " 58 " )

 الرحمة كلُّها عنده ، ما أوتي النبي الكريم من رحمةٍ ـ على عِظَمها ـ لا شيء إذا قيست برحمة الله عزَّ وجل علماً ، أن الشيء الثابت أن في قلب النبي رحمةً لا تعدلها رحمة ، بل إن النبي عليه الصلاة والسلام أرحم الخلق بالخلق :

﴿ لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ(128)﴾

( سورة التوبة )

 إن النبي عليه الصلاة والسلام أوتي أكبر مقدارٍ من الرحمة ، ومع ذلك إذا قيست هذه الرحمة برحمة الله عزَّ وجل فهي لا شيء ، من هنا قال الله تعالى :

﴿ فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنْ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ ﴾

( سورة آل عمران : من آية " 159 " )

 أما رحمة الله عزَّ وجل فجاءت مُعَرَّفة ..

﴿ وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ ﴾

( سورة الكهف : من آية " 58 " )

 قد يأتي التنكير للتصغير ، أو للتقليل ، أو للتحقير ، وقد يأتي التعريف للتعظيم ، فهذا النبي الكريم لم يُداخله خوفٌ كبير ، ولا خوفٌ أدَّى به إلى الجزع أو إلى الفزع ..

 

﴿ فَأَوْجَسَ﴾

 والواجس قبل الهاجس ، واجسٌ دون الهاجس ..

 

﴿ فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسَى﴾

 ربنا سبحانه وتعالى طمأنه سريعاً ..

﴿ مُوسَى﴾

 أي يا موسى ..

 

﴿ قُلْنَا لَا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلَى﴾

تطمين الله لموسى وإسكان رُوعه :

 أنت مع الحق ..

﴿ وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ(21)﴾

( سورة يوسف )

 بعض الآيات لو تدبَّرها الإنسان حقَّ التدبُّر لقلبت حياته رأساً على عَقِبٍ ، إن الذي يدمِّر سعادة الناس الخوف والقلق ، إذا علم الإنسان علم اليقين أن الله سبحانه وتعالى هو كل شيء ، وبيده أمر كل شيء ، وإليه مصير كل شيء ، وما من دابَّةٍ إلا هو آخذٌ بناصيتها ، وإن كلمة الحق لا تقطع رزقاً ولا تقرِّب أجلاً ، إذا أيقن الإنسان هذا اليقين عرف أن أمره بيد الله .
 ولذلك ..

 

﴿ قُلْنَا لَا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلَى﴾

 قال تعالى :

﴿ وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلا(141)﴾

( سورة النساء )

 لن هذه لنفي المستقبل ، أي هكذا سُنَّةُ الله سبحانه وتعالى ، وهذه قوانينه ..

﴿ وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلا(141)﴾

 آيةٌ ثانية :

﴿ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ(128)﴾

( سورة الأعراف )

 الأمور تدور ، وتدور ، وتدور ، ثم تستقر على أن تكون العاقبة للمتقين..

﴿ وَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَزِينَتُهَا وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى أَفَلا تَعْقِلُونَ(60)﴾

( سورة القصص )

 انظر حينما وقف أبو جهلٍ وأبو لهبٍ في وجه الدعوة الإسلاميَّة هل أطفأ الدعوة الإسلاميَّة أم كانت العاقبة عليهما ؟ التاريخ البشري كلُّه يؤكِّد أن الحق لا يستطيع أن يقف في وجهه شيء أبداً ..

 

﴿ قُلْنَا لَا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلَى﴾

المؤمن هو الأعلى :

 في آيات أخرى ..

﴿ وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمْ الأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ(139)﴾

( سورة آل عمران )

﴿ إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنْ الَّذِينَ آمَنُوا ﴾

( سورة الحج : من آية " 38 " )

﴿ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا ﴾

( سورة الطور : من آية " 48 " )

 وقد قيل : " إذا كان الله معك فمن عليك ؟ وإذا كان عليك فمن معك ؟

﴿ وَأَنْتُمْ الأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ(139)﴾

 إذا كنت مع الله في كل علاقاتك الاجتماعيَّة ، في كل علاقاتك الإنسانيَّة فأنت الأعلى ، وإذا كنت مع غير الله فأنت الأدنى ، لكن هناك امتحاناتٍ قاسية ، قد يبدو لك أنك إذا كنت مع الله ستكون الأدنى ، وإذا كنت مع زيدٍ أو عُبيد ستكون الأعلى ، قد يبدو لك الأمرُ هكذا ، الله عزَّ وجل يمتحنك بهذا ، فإما أن تؤثر رضوان الله عزَّ وجل ، وإما أن تؤثر الدنيا ، وسوف نأتي على هذا الموضوع بالتفصيل بعد قليل .

﴿ قُلْنَا لَا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلَى * وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ﴾

 لِمَ لمْ يقل الله عزَّ وجل : وألق عصاك ؟ ألق الحيَّة ..

 

﴿ وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ﴾

لا شيء إلا بإرادة الله :

 قال علماء التوحيد : " إن هذه إشارةٌ رائعة إلى أن الشيء لا يكون على حقيقته إلا إذا أراد الله " ، هذه التي بيدِ سيدنا موسى ما هي ؟ إذا قلنا : هي عصا ؟ لا ليست عصا ، هل هي ثعبان ؟ لا ، إذاً اتصاف الشيء بصفاته لا يكون إلا بإرادة الله عزَّ وجل ، يجب أن نؤمن أن الحديد صُلْبٌ ، لأن الله أراد له ذلك ، وفي أية لحظة يصبح الحديد ليِّنا ، إن اتصاف الأشياء بخصائصها ، واتصاف الأشياء بصفاتها ، إن هذه الطِباع التي أودعها الله في الحيوان إنها بإرادته ، وليست بذواتها ، فكل شيءٍ مخيفٍ لك يجب أن تعلم علم اليقين أنه بيَدِ الله ، اتصافه بهذه الصفة عائدٌ لأمر الله ولإرادته ، فألطف عبارةٍ يُعبَّر بها عن هذه العصـا .

 

﴿ وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ﴾

 أن تكون هذه التي بيمينك عصا فهو بإرادة الله ، أو أن تكون هذه التي في يمينك أفعى فهو بإرادة الله ..

 

﴿ وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ مَا صَنَعُوا ﴾

﴿ تَلْقَفْ ﴾

 إنهم جاؤوا بحبالٍ وعصي وجوَّفوها ، ووضعوا في داخلها زئبقاً ، ولوَّنوها تلويناً بارعاً ، وجعلوها فوق مكانٍ حار ، وهذا كلَّه كذب ، هذا كله تزوير ، هذا كله حِيَل ، أما هذه التي ألقاها سيدنا موسى فهي أفعى بكل ما في هذه الكلمة من معنى ، لم يكتفِ ربنا سبحانه وتعالى أن جعلها ثعباناً ، أو أفعى ، أو حيَّةً كما تأتي بعض الآيات ، وهنالك تفسير لهذا التباين في الأوصاف ، لم يجعلها كذلك فقط ، بل جعلها تأكل حبالهم وعصيَّهم ، هذا أبلغ ، هل تستطيع أفعى أن تأكل عصا أو حبلاً ؟

 

﴿وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ مَا صَنَعُوا إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى﴾

الحق دامغ للباطل :

 هل يقوى الباطل على أن يقف في وجه الحق ؟ هل يقوى صُنع نفرٍ من الناس بكيدٍ واضحٍ على أن يُسْكِتَ الحق ؟ ..

 

﴿وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ مَا صَنَعُوا إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى﴾

 فإذا تخليت عن الحق افعل ما شئت لن تفلح ، لن تحقِّق الهدف .

﴿ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ ﴾

( سورة الأنفال : من آية " 36 " )

 هناك ما وراء السطور ، وما بين السطور ، الآيات واضحة ، لكن يمكن أن تقاس على كل آيةٍ أشياء كثيرة ..

 

﴿ وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى﴾

 أي إنك لن تفلح إذا أردت أن تُلفت نظر الناس إلى شيءٍ لا ينتمي إلى الحق ، لن تُفلح إطلاقاً إذا أردت أن تستعيض عن شرع الله بشرعٍ وضعي ، لا يمكن أي تشريعٍ وضعيٍ من صنع البشر أن ينجح ، ولا يمكن أن يحقِّق أهدافه ، ولا يمكن أن يُفْلِحَ أصحابه لأنهم بشر ، الإنسان مقيدٌ بمصالحه ، مقيدٌ بنزواته ، مقيدٌ بمحدوديَّته ..

 

﴿ وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى﴾

 حينما رأى السحرة ـ وهم على علمٍ بالسحر وفنونه ـ حينما رأى السـحرة العصا أصبحت أفعى وحيَّةً بكل ما في هذه الكلمة من معنى ..

﴿ فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سُجَّداً ﴾

هذا ما يصنعه الحقٌّ :

 قد يسأل سائل : لِمَ لمْ يقل ربنا عزَّ وجل : فسجد السحرة ؟ قال :

﴿ فَأُلْقِيَ ﴾

 وكأن قوَّةً كبيرة ، خطيرةً ، عظيمةً أرغمتهم على السجود ، أُلقي فعل مبني للمجهول ، شيءٌ أرغمهم على أن يسجدوا ، وهو الحق ، هذا الذي فعلوه سحر ، أما هذه فهي آيةٌ عُظمى دالَّةٌ على عظمة الله عزَّ وجل ..

 

﴿ فَأُلْقِيَ ﴾

 وكأن شيئاً قد أرغمهم على أن يسجدوا ، إنه الحق ، لذلك الإنسان الذي لا يخفق قلبه للحق إنسانٌ ميِّتٌ ، الإنسان الذي لا يقشعّر جلده لآيةٍ دالَّةٍ على عظمة الله إنسانٌ ميِّت ..

ليس من مات فاستراح بميِّتٍ  إنمــا الـميِّت مـيِّتُ الأحياءِ
* * *

حسبكم الكون معجزة :

 يقول بعض العلماء الذين اكتشفوا أحدث نظريَّة في الفيزياء ، وهي النظرية النسبيَّة ، هذه النظريَّة معقَّدةٌ غاية التعقيد ، إنها تعطي الأشياء بعداً رابعاً ، ألا وهو الزمن ، إنها تؤكد أن الشيء إذا سار بسرعة الضوء أصبح ضوءً ، وأن الشيء إذا تجاوز هذه السرعة عاد الزمن نحو الوراء ، موضوعٌ دقيقٌ لا مجال للحديث عنه ، لكن هذا العالِم يقول : " كل إنسانٍ لا يرى في هذا الكون قوَّةً هي أقوى ما تكون ، حكيمةً هي أحكم ما تكون ، رحيمةً هي أرحم ما تكون هو إنسانٌ حي ، ولكنَّه ميِّت".
 أي أن هؤلاء السحرة سجدوا للـه عزَّ وجل بعد أن رأوا هذه الآية .

﴿ وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ(105)﴾

( سورة يوسف )

 أليس ابنك الذي ولد من قريبٍ آية دالَّة على عظمة الله ؟ هذا الطفل الصغير الذي يأكل ويشرب مزوَّدٌ بكل الأجهزة الدقيقة ؛ دماغٌ ، وعظامٌ ، وعضلاتٌ ، وأوردةٌ وشرايين ، وقلبٌ ورئتان ، وكليتان ، وعضلات ، هذا الطفل صنع من ؟ من خلقه ؟ من كوَّنه ؟ من صوَّره بهذا الشكل ؟ أليس الطفل المولود حديثاً آيةٌ من آيات الله عزَّ وجل ؟ أليس في خلقكم وفي خلق ما حولنا من حيوان ومن نبات آياتٌ دالَّةٌ على عظمة الله ؟
 نحن المعنيون بهذه السورة أو هذه القصَّة ، هؤلاء السحرة حينما رأوا هذه الآية سجدوا لله عزَّ وجل ، حسبكم الكون معجزة .
 هذه البقرة التي تأكل الحشيش ، تعطي الحليب ، هل في الأرض كلِّها جهةٌ تستطيع تحويل هذا الطعام الذي تلتهمه إلى هذا الشراب السائغ الذي يخرج .

﴿ مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَنًا خَالِصًا سَائِغًا لِلشَّارِبِينَ(66)﴾

( سورة النحل )

 أليس في هذا آية ؟ هذه الدجاجة تأكل كل شيء وتعطيك هذه البيضة، تحوي كذا فيتامين ، كذا معدن ، كذا شبه معدن ، هي غذاءٌ كامل ، الآيات التي حولنا لا تُعدُّ ولا تُحصى ، خلق الإنسان ، خلق الحيوان ، طباع الحيوان ، خلق النبات ، طباع النبات ، خلق الأرض ، اختلاف الليل والنهار ، الشمس والقمر ، المجرَّات ، الكواكب ، الهواء ، الماء ، آياتٌ لا تعدُّ ولا تحصى ، كأن الله عزَّ وجل يدعونا أن نسجد له ..

 

﴿فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سُجَّداً قَالُوا آَمَنَّا بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَى﴾

 أي هم آمنوا بالله وبرسله ، حينما قالوا :

 

﴿ بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَى ﴾

 أضافوا إلى إيمانهم بالله إيمانهم برسالة سيدنا موسى وسيدنا هارون ، هنا تدخَّل فرعون :

 

﴿ قَالَ آَمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آَذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ ﴾

سلاح التهديد مفزَعُ الضعفاء :

 غاب عنه أن لهذا الكون إلهاً عظيماً ، وأن له آياتٍ دالَّةً على عظمته ، غاب عنه أن هؤلاء السحرة رأوا شيئاً جعلهم يوقِنون أن هذا الإنسان الذي ألقى العصا إنما هو رسول الله عزَّ وجل ، غاب عنه ذلك ، فكأنه ظنَّ أنهم آمنوا ليفتنوا الناس عنه ..

 

﴿ قَالَ آَمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آَذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ ﴾

 لا يزال مُصِرًّا على أن هذا النبي العظيم هو ساحرٌ كبير ، وأنه إنما يهدِفُ من هذا العمل أن يصرف الناس عن فرعون ، وأن يحلَّ محلَّه في المُلك ..

 

﴿ فَلَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلَافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَا أَشَدُّ عَذَاباً وَأَبْقَى﴾

 لا يملك فرعون من سلطان من سلطانٍ على هؤلاء الناس إلا أن يقتلهم ، أو أن يعذِّبهم قبل أن يقتلهم ، فله أن يقطِّع أيديهم وأرجلهم من خِلاف ، يقطع اليد اليمنى والرجل اليسرى ، وله أن يصلِّبهم ، لا أن يَصْلِبَهُم ، أي يُكْثِرُ من صلبهم كقولك : قطَّعته و قَطَعْتُهُ ، له أن يبالغ في صلبهم على جذوع النخل ، يضعهم على جذع النخل ، ويخرق فيهم المسامير ، وله أن يقطع أيديهم وأرجلهم من خِلاف ، ثم يؤكِّد فرعون :

 

﴿ وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَا أَشَدُّ عَذَاباً وَأَبْقَى﴾

 أنا أم ربُّ موسى ، عجيبٌ أمر هؤلاء السحرة ، قبل قليل ، قبل ساعة كانوا يقولون :

﴿ بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ إِنَّا لَنَحْنُ الْغَالِبُونَ(44)﴾

( سورة الشعراء )

 قالوا لفرعون :

﴿ بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ إِنَّا لَنَحْنُ الْغَالِبُونَ (44)﴾

 ماذا حصل ليؤمنوا بربِّ هارون وموسى ؟ جاء بهم فرعون ليقفوا في وجه هذا النبي الكريم ، فإذا هم معه ، هذه مشكلة ، أجابوه إجابةً دقيقةً جداً ، وجعل بعض العلماء من المفسِّرين من كل فقرةٍ من إجاباتهم رداً على كلام فرعون ..

﴿ قَالُوا لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ ﴾

جرأة السحرة بعد إيمانهم برسالة موسى عليه السلام :

 أي أننا عرفنا أن هناك إلهاً عظيماً أعظم منك ، وما عنده من خيراتٍ لا تملكها أنت ، وما عنده من عذاب لا تقوى على فعْله أنت لذلك :

 

﴿ لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ ﴾

 هذه العصا التي أصبحت ثعباناً مبيناً دلَّتنا على أن لهذا الكون إلهاً عظيماً ، وهذا الإله العظيم عطاؤه عظيم ، وعذابه عظيم ، فإذا وازنا بين ما وعدتنا من أن نكون مقرَّبين إليك ، وأن تعطينا بعض الأموال ، أو إذا وازنا ما عند الله من عذابٍ عظيم ، وما تُوعدنا به من عذابٍ دنيوي .

 

﴿ لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالَّذِي فَطَرَنَا فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ ﴾

 أي افعل ما بدا لك ، إنك تملك شيئاً واحداً ، إنك تملك أن تقتلنا ، أو أن تقطع أيدينا وأرجلنا من خِلاف كما تقول ، أو أن تصلِّبنا في جذوع النخل ، أنك تملك هذا كلُّه ، ولكنَّك لا تملك نفوسنا ، لا تملك قلوبنا إذا آمنت بالله عزَّ وجل ، ولا تملك مـا بعد الموت ، تملك الحياة الدنيا فقط ..

 

﴿ لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالَّذِي فَطَرَنَا فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ ﴾

 ماذا شاهدوا من هذه المعجزة حتى حملتهم مشاهدتهم على أن يقولوا لفرعون ـ وفرعون له في ذلك العصر رهبةٌ شديدة ـ أن يقولوا له :

 

﴿ فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾

 أي أن كل ما تملكه أن تنهي حياتنا ، وهذه حياةٌ دنيا ليست عُظمى، ليست عُليا ..

﴿ يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي(24)﴾

( سورة الفجر )

 قال عليه الصلاة والسلام :

(( ما أخذت الدنيا من الآخرة إلا كما يأخذ المخيط إذا غمس في مياه البحر ))

( ورد في الأثر )

 اغمس إبرةً في مياه البحر ، ثم اسحبها فانظرْ بِمَ ترجع ؟ هذا الذي أخذته الدنيا من الآخرة ، فلذلك :

 

﴿ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا*إِنَّا آَمَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾

 ردُّوا عليه ، ألمْ يقل فرعون قبل قليل :

 

﴿ وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَا أَشَدُّ عَذَاباً وَأَبْقَى﴾

 قالوا :

 

﴿وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾

وَاللّهُ خيرٌ وأبقى

 أي ما عند الله من خير ليس بعده خير ، وما عند الله من خلود ليس بعده خلود ، لذلك وازنَّا فوجدنا أن الله خيرٌ وأبقى .
 وهذه الآية أيُّها الإخوة ، والله الذي لا إله إلا هو لو تمثَّلناها جميعاً لاتجهنا إلى الله بكليَّتنا ..

 

﴿وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾

 من الدنيا وما فيها ، من زيدٍ أو عبيد ، كل مكاسب الدنيا تنتهي عند الموت ، وكل ما وعد الله به المؤمنين يبدأ بعد الموت ..

﴿وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾

 الدنيا زائلة ، الدنيا محدودة لكن الآخرة باقية وأبديَّة ، ماذا قال فرعون ؟ قال :

﴿ فَلَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلَافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَا أَشَدُّ عَذَاباً وَأَبْقَى﴾

 ردُّوا عليه ..

 

﴿ إِنَّهُ مَنْ يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِماً فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَا﴾

وعيد الله للمجرمين :

 أنت إذا قتلتنا فسوف تنتهي هذه المصيبة بثوان وتبقى الجنَّة لنا ، أما الذي يأتي ربَّه مجرماً ..

 

﴿ فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَا﴾

 لا يموت فيستريح ، ولا يحيا حياةً فيخفف عن العذاب ، حالةٌ لا توصف ، لا موت ولا حياة ..

 

﴿ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَا﴾

 حينما قلت لنا بعد أن سألناك :

﴿ إِنَّ لَنَا لأَجْرًا إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ(114)قَالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ لَمِنْ الْمُقَرَّبِينَ(114)﴾

( سورة الأعراف )

 ردُّوا عليه :

 

﴿ وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِناً قَدْ عَمِلَ الصَّالِحَاتِ فَأُولَئِكَ لَهُمُ الدَّرَجَاتُ الْعُلَا﴾

 أي أن مكانتنا عند الله إذا آمنا به وأطعناه أفضل بكثير من مكانتنا عندك لو تابعناك على باطلك ، أنت أوعدتنا بالقتل والتعذيب ، لكن ..

 

﴿ إِنَّهُ مَنْ يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِماً فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَا﴾

 ووعدتنا بالزُلفى منك ، وأن تمدُّنا بما نشتهي ، لكن ..

﴿وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِناً قَدْ عَمِلَ الصَّالِحَاتِ فَأُولَئِكَ لَهُمُ الدَّرَجَاتُ الْعُلَا﴾

وعد الله للمؤمنين :

 شتَّان بين وعدك ووعد الله عزَّ وجل ، وبين وعيدك ووعيد الله عزَّ وجل ، من هنا قالوا :

 

﴿ لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالَّذِي فَطَرَنَا﴾

﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ مَنْ تَزَكَّى﴾

فضل التزكية وثوابها :

 من زكَّى نفسه ، ألم يقل الله عزَّ وجل :

﴿ قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا(9)وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا(10)﴾

( سورة الشمس )

﴿ قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ(1)الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ(2)﴾

( سورة المؤمنون )

 هذا جزاء من تزكَّى ، من زكَّى نفسه أيْ طهَّرها من الأدران ، طهرها من الشرك ، طهرها من الكِبر ، طهرها من العُجب ، طهرها من الأنانية ، طهرها من القسوة ، جعلها تصطبغ بالكمال الإلهي ، فالذي تزكَّى هذا جزاؤه عند الله عزَّ وجل .

 

﴿وَلَقَدْ أَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقاً فِي الْبَحْرِ يَبَساً ﴾

 الأرض اليابسة بالتعريف الدقيق أرضٌ جَفَّ منها الماء ..

 

﴿ فَاضْرِبْ لَهُمْ ﴾

المعجزة الإلهية العظيمة : طريق في البحر يبَس :

 لا على وجه الحقيقة ، أي أشر بعصاك إلى البحر ينفلق طريقٌ كالطود العظيم ، كما جاء وصفه في سورةٍ أخرى ..

 

﴿ فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقاً فِي الْبَحْرِ يَبَساً لَا تَخَافُ دَرَكاً وَلَا تَخْشَى﴾

 يبدو أن سيدنا موسى مع أصحابه كانوا قلَّة .

﴿ إِنَّ هَؤُلاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ(54)وَإِنَّهُمْ لَنَا لَغَائِظُونَ(55)﴾

( سورة الشعراء )

﴿ فَأَتْبَعُوهُمْ مُشْرِقِينَ(60)﴾

( سورة الشعراء )

 لا يوجد تكافؤ ، هم قلَّةٌ قليلة مضطهدة ، مستضعفة ، خائفة لا سلاح بيديها تجاه فرعون وجنوده ، لذلك طمأن الله عزَّ وجل هذا النبي العظيم :

 

﴿ لَا تَخَافُ دَرَكاً وَلَا تَخْشَى﴾

إنها معية الله حفظا ونصرا وتوفيقا :

 لن يُدركك فرعون ، لن يلحق بك ، لن يطولك ، حينما رأى أصحاب موسى أن البحر من أمامهم ، وأن فرعون من ورائهم خافوا ..

﴿ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ(61)قَالَ كَلا إِنَّ مَعِي رَبِّي سَيَهْدِينِ (62)﴾

( سورة الشعراء )

 هذا إيمان الأنبياء ، سيدنا الصديق رضي الله عنه قال وهو في الغار : " والله يا رسول الله لو نظر أحدهم إلى موطئ قدمه لرآنا " ، فقال عليه الصلاة والسلام :

((يا أبا بكر ، ما ظنُّك باثنين الله ثالثهما))

( البخاري )

 تروي بعض الروايات أنه وقعت عين بعض المشركين على عين أبي بكر ، وقعت العينُ على العين ففزع الصِدِّيق وقال : " يا رسول الله لقد رأوني " ، قال : يا أبا بكر ألم تقرأ قوله تعالى :

﴿ وَتَرَاهُمْ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لا يُبْصِرُونَ(198)﴾

( سورة الأعراف )

بين قصة موسى في البحر وقصة الصحابة في الخندق :

 فأصحاب سيدنا محمد خافوا في غزوة الخندق .

﴿ هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالا شَدِيدًا(11)وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلا غُرُورًا(12)﴾

( سورة الأحزاب )

 أي حينما أحاط الكفَّار بالمسلمين ، وحينما خان اليهود العهد ، وحين انكشف ظهورهم ، وحين كان الإسلام على وشك أن ينتهي ، بقيت المشكلة مشكلة الزمن فقط ، انتهى الإسلام ، وضعهم الله عزَّ وجل في تجربةٍ قاسية حتى قال الضعفاء : " أيعدنا صاحبكم أن تُفْتَح علينا بلاد قيصر وكسرى ، وأحدنا لا يأمن أن يقضي حاجته ؟! " ..

﴿ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلا(23)﴾

( سورة الأحزاب )

 فأصحاب سيدنا موسى حينما رأوا فرعون وجنوده من خلفهم والبحر من أمامهم ولا أمل لهم بالنجاة .

﴿ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ(61)قَالَ كَلا إِنَّ مَعِي رَبِّي سَيَهْدِينِ(62)﴾

( سورة الشعراء )

 طمأنه ربنا سبحانه وتعالى فقال :

 

﴿ لَا تَخَافُ دَرَكاً وَلَا تَخْشَى*فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ بِجُنُودِهِ ﴾

هلاكِ فرعون وشيعته :

 تبعهم في هذا الطريق البحري ، فلمَّا صار فرعون في منتصف المسافة بين البر والبحر ، وكان سيدنا موسى مع أصحابه قد خرج إلى الضفَّة الثانية من البحر الأحمر عاد البحر بحراً ..

 

﴿فَغَشِيَهُمْ مِنَ الْيَمِّ مَا غَشِيَهُمْ * وَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ وَمَا هَدَى﴾

 هذا ردّ من الله عزَّ وجل على فرعون حينما قال :

﴿ وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلا سَبِيلَ الرَّشَادِ(29)﴾

( سورة غافر )

 إذاً ليس هذا الذي هداهم له هو سبيل الرشاد ، إنه سبيل الهلاك ..

 

﴿ وَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ وَمَا هَدَى﴾

 وفي آيةٍ أخرى ..

﴿ قَالُوا إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ يُرِيدَانِ أَنْ يُخْرِجَاكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِمَا وَيَذْهَبَا بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلَى﴾

 ليست طريقته مُثلى ، وهو لم يهدهم سبيل الرشاد ، بل ..

 

﴿ وَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ وَمَا هَدَى﴾

 يوم القيامة يلقي الإنسان التبعة على من أضلَّه ، فالشيطان يردُّ على هؤلاء :

﴿ وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ(22)﴾

( سورة إبراهيم )

 آياتٌ كثيرة فيها دعوى أنه : يا رب فلان قد أضلَّنا ، وهؤلاءِ قد أضلَّوني ، ولكنَّه في الحقيقة لا يضلُّ أحدٌ أحدا ، هذا الذي يبدو لك أن فلاناً قد أضلَّه هو في الأساس ضال ، لـو لم يكن ضالاً لما اتبع فلاناً ، إذاً :

 

﴿ وَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ وَمَا هَدَى﴾

 وهكذا قُضِيَ على فرعون ، لأنه أراد أن يقف في وجه الحق ، وإن شاء الله تعالى في درسٍ قادم نتابع هذه القصَّة .

 

كلمةٌ قصيرة : قصة موسى في حياة المسلمين اليوم :

 القصَّة وقعت ، وانتهت ، ولكنَّ المقصود نحن ، فحينما أُلقي السحرة سجَّداً لما رأوا من آيات الله البينات ، نحن نرى في كل يوم ، وفي كل لحظة ، وفي كل ساعة آياتٍ لا حصر لها ، الكون في حدِّ ذاته معجزة ، فيا ترى هل سجدنا لله عزَّ وجل سجود التعظيم ؟ وهل آثرنا جانب الله عزَّ وجل على جانب البشر ؟ هل آثرنا ما عند الله على ما عند الناس ؟ هل آثرنا الآخرة على الدنيا ؟ هل آثرنا طاعة الله على طاعة الشُرَكاء ؟ الإنسان أمام موقف صعب ، وأمام خيار صعب ، إما أن يكون مع الحق ، وإما أن يكون مع الباطل ، إما أن يكون مع الله ربِّ العالمين ، وإما أن يكون مع آلهةٍ لا تملك له نفعاً ولا ضرَّا ، إما أن يصبَّ اهتمامه على الدنيا الفانية أو على الآخرة الباقية ، فهذا الخيار نجح به سحرة فرعون أيَّما نجاح ، وتفوَّقوا ، فالمفروض أن يقول الإنسان :

 

﴿ وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى ﴾

 لا أن يؤثر الدنيا على الآخرة ، لا أن يؤثر رضاء زوجته على طاعة الله عزَّ وجل ، لا أن يؤثر رضاء أخيه أو أبيه أو صاحبته على ما عند الله من نعيمٍ مقيم ، الموضوع موضوع اختيار ، فإما أن تختار الأبقى ، وإما أن تختار الشيء الفاني ..

 

﴿ وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾

 فالخير من حيث الكميَّة والنوعية ، وأبقى من حيث الأبديَّة ..

﴿ قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى(14)وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى(15)بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا(16)وَالآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى(17)إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الأُولَى(18)صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى(19)﴾

( سورة الأعلى )

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018