الدرس : 1 - سورة الكهف - تفسير الآيات 1 – 8 ، نِعَمُ اللهِ - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الدرس : 1 - سورة الكهف - تفسير الآيات 1 – 8 ، نِعَمُ اللهِ


1987-10-16

 الحمد لله رب العالمين ، وأفضل الصلاة والتسليم على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .
 أيها الإخوة المؤمنون ، مع الدرس الأول من سورة الكهف :
 بسم الله الرحمن الرحيم

﴿ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجاً * قَيِّماً لِيُنْذِرَ بَأْساً شَدِيداً مِنْ لَدُنْهُ وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْراً حَسَناً * مَاكِثِينَ فِيهِ أَبَداً * وَيُنْذِرَ الَّذِينَ قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَداً * مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ وَلَا لِآَبَائِهِمْ كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبا ﴾

فضلُ سورة الكهف :

 عن أبي سعيد الخدري قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :

(( من قرأ سورة الكهف في يوم الجمعة أضاء له من النور ما بين الجمعتين ))

( الجامع الصغير بسند صحيح )

موضوعات سورة الكهف :

القصص :

 الذي يغلب على هذه السورة القصص ، ففيها قصة أهل الكهف ، وقصة سيدنا موسى مع سيدنا الخضر ، وفيها قصة ذي القرنيين ، وهذه القصص إنما تؤكد العقيدة الصحيحة ، وتوضح المنهج الصحيح ، وتصحح بعض القيم .

تصحيح العقيدة :

 في هذه السورة تصحيح للعقيدة ، وللمنهج ، وللقيم ، وسوف نأتي على هذه بالتفصيل ، في أثناء شرح الآيات .
 قبل كل شيء ، يقول الله سبحانه وتعالى في مطلع هذه السورة :

﴿ الْحَمْدُ لِلَّهِ ﴾

نِعَمُ الله لا تعدّ ولا تُحصى : الحَمْدُ للَّهِ :

 أما كلمة الحمد فتعني النعم ، لأن الإنسان يحمد على النعمة ، فكلمة الحمد وحدها تشير إلى أن الإنسان محاط بنعم لا تعد ولا تحصى ، يعجز المرء عن إحصائها ، فضلاً عن شكرها .
 نعمة الوجود ، ونعمة الإمداد ، ونعمة الهدى ، ونعمة هذه الأجهزة التي زودنا الله بها ، كنعمة البصر ، ونعمة السمع ، ونعمة التفكير ، ونعمة الإدراك ، ونعمة الزوجة ، و نعمة الأولاد ، ونعمة الماء العذب الذي صفاه الله لنا ، ونعمة الحيوانات التي ذللها الله لنا ، ونعمة النبات الذي يخرج من الأرض من دون جهد منا .
 فلو ذهبنا إلى تعداد النعم ، فإننا نقضي العمر قبل أن تنقضي بعضها ، ولذلك فكلمة الحمد وحدها تعني أن الإنسان محاط بنعم لا تعد ولا تحصى ، ولا أحد على وجه الأرض ينكر أن يكون الإنسان محاطاً بالنعم ، ولكن المشكلة أن هذا الحمد لمن ؟ إنه لله .
 أهل الكفر يعزون هذه النعم إلى أنفسهم ، إلى جهدهم ، إلى آلهة أشركوها مع الله عز وجل ، والحق أن النعمة موجودة ، ولكن من صاحبها ؟ من الذي يستحق الشكر عليها ؟
 يا داود ، ذكر عبادي بإنعامي عليهم ، فإن النفوس جبلت على حب من أحسن إليها ، وبغض من أساء إليها .
 فلو أن إنساناً أسدل إليك نعمة ، أو عطاءً ، إنك تظل إلى أمد طويلٍ طويل تشكره من أعماقك ، فما بالك وقد أنعم الله عليك بهذا الخلق السوي ؟ إذا نظر الإنسان إلى وجهه في المرآة يجب أن يشكر الله عز وجل .
 وكان عليه الصلاة والسلام : إذا نظر إلى وجهه ، دعا بدعاء ، فعَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتْ : إِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ :

(( اللَّهُمَّ أَحْسَنْتَ خَلْقِي فَأَحْسِنْ خُلُقِي ))

(أحمد في المسند)

 يا رب كيف أشكرك ؟ قال الله عز وجل ، تذكرني ولا تنساني ، إنك إذا ذكرتني شكرتني ، وإذا ما نسيتني كفرتني .

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا*وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا ﴾

( سورة الأحزاب : 41 ـ 42 )

 اذكروه ذكراً كثيرا ، إنك إذا ذكرته شكرته ، وإذا ما نسيته كفرته ، علامة الشكر أن تكثر ذكره ، وأن تعرف أن هذه النعمة من عنده .
 فكلمة الحمد فقط وحدها تعني أنك محاط بنعم لا حدود لها ، لا تنتهي ، ولا حصر لها ، الحمد .

 

كلُّ النَعم من الله وحده :

 

 أما كلمة لله ، فهذه النعم ، التي أنت فيها ، يجب أن تشكر الله عليها ، لأن الله هو مصدرها ، وهذا هو الفرق بين المؤمن والكافر ، فالمؤمن يعرف أن النعم من عند الله ، وغير المؤمن ينسبها إلى غير الله ، وفي الحديث القدسي عن أبي الدرداء عن النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : قَالَ اللَّهُ عَزَّوَجَلَّ :

(( إني والإنس والجن في نبأ عظيم ، أخلق ويُعبد غيري ، وأرزق ويشكر سواي ، خيري إلى العباد نازل ، وشرهم إلي صاعد ، أتحبب إليهم بنعمي ، وأنا الغني عنهم ، ويتبغضون إلي بالمعاصي ، وهم أفقر شيء إلي ))

(البيهقي في شعب الإيمان ، والمناوي في فيض القدير)

كيف أنت مع هذه النعم ؟

1 - نعمة البصر :

 لقد بلغ رجل أعلى المراتب ، وحصل على أعلى الشهادات ، واحتل أرفع المناصب ، وكل شيء يجده على ما يرام ، وفجأةً يفقد بصره ، ويقول لصديقه : أتمنى أن أجلس على الرصيف ، وأتسول ، وأن يرد الله لي بصري فيجيبه : يوم تمتعت بنعمة البصر هل عرفت أن هذه النعمة من الله عز وجل ؟ جعلك ترى الأشياء التي تحبها ، وترى الألوان ، ونعمة السمع ينبغي أن نعرفها قبل أن نفقدها .
 ومن علامة التوفيق أن ترى النعمة بوجودها لا بفقدها ، لكن الناس جميعاً إذا فقدوا بعض النعم تحسسوا لها ، وعندئذٍ عرفوا قيمتها ، ولكن البطولة أن تعرف النعمة وأنت مستمتع بها ، وأن تقول اللهم متعنا بأسماعنا ، وأبصارنا ، و قوتنا ما أحييتنا واجعله الوارث منا .
 فهذا ينسحب أيضاً على سورة الفاتحة تقول في كل صلاة ، وفي كل ركعة : الحمد لله رب العالمين .
 فلو أن قناة العين الدمعية ، وهي أدق قناة في الإنسان ، أغلقت لاضطررت أن تمسك منديلاً تمسح الدمع الذي يفيض على خديك طوال النهار ، ولأثَّر هذا الدمع على صفحة الوجه ، وترك بعض أنواع الالتهاب .

2 - جهاز التوازن :

 وجهاز التوازن الذي منحك الله إياه لولاه لا تستطيع أن تسير على قدمين .

3 - الأذنان :

 والأذنان ، لو أن للإنسان أذناً واحدة لما عرف جهة الصوت ، ولكن الصوت إذا جاءك من خلفك فهناك جهاز في الدماغ يقيس تفاضل وصول الصوتين إلى الأذنين ، والتفاضل واحد على ألف وستمئة وخمسين جزءًا من الثانية ، فتعرف أنت من خلال الأذنين أن جهة الصوت من اليمين ، فإذا كان بوق السيارة من اليمين ، فتتجه نحو اليسار .
 ولو أن للإنسان عيناً واحدة لما عرف البعد الثالث ، فبالعين الواحدة يرى الطول والعرض ، وبالعينين يرى الطول والعرض والبعد الثالث ، ولو أن في الشعر أعصاباً حسية لما أمكننا أن نحلق رؤوسنا ، ما هذه الحكمة البالغة ؟ إن الأظافر ، والشعر ليس فيهما أعصاب حسية .

4 – تسوية الخَلق :

 إنّ الله خلقنا فسوانا .

﴿ لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ ﴾

( سورة التين : 4 )

﴿ الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ*فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ ﴾

(سورة الانفطار : 7 )

 نعمة الخلق ، ونعمة الأجهزة ، ونعمة الأعضاء ، ونعمة الزوجة ، ونعمة الولد ، ونعمة الدفء ، ونعمة الشمس ، ونعمة القمر ونعمة الطعام ، ونعمة الشراب .

وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا

 هذه النعم لا يمكن إحصاؤها ، لذلك يقول الله عز وجل :

﴿ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا ﴾

( سورة النحل : 18 )

 ففي الآية دقة بالغة ، لم يقل الله عز وجل : وإن تعدوا نعم الله ، بل قال :

﴿ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا ﴾

( سورة النحل : 18 )

 إنك إذا أمضيت كل حياتك في تَعداد الفوائد المترتبة على نعمة واحدة لا تستطيع ، فإن كنت عاجزاً عن أن تحصي هذه النعم ، فأنت عن شكرها أعجز .

تعلُّقُ حمدِ اللهِ بأمرين :

1 – إنزال الكتاب :

 الحمد لله ، لكن الحمد هنا متعلق بشيء آخر .

﴿ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ ﴾

2 – خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ :

 وفي سورة أخرى :

﴿ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ ﴾

( سورة الأنعام : 1)

 هناك توازٍ ، فخلق السماوات والأرض شيء يحمد الله عليه ، وإنزال هذا الكتاب شيء آخر يحمد الله عليه .
 توضيحاً لهذه الآية ؛ لو أنك اشتريت جهازاً بالغ التعقيد لتحليل الدم ، وإن كل نقطة من هذا الدم إذا وضعت على الجهاز أعطتك عشرين تحليلاً بكبسة زر ، وإنك إذا استعملت هذا الجهاز ، واستثمرته تجارياً ربما عاد عليك في اليوم بمئات الألوف ، لكنك لا تستطيع أن تشغله إلا بتعليمات الشركة ، والشركة أرسلت لك هذا الجهاز من دون تعليمات ، فمع أن ثمنه باهظ ، ومع أن دخله كبير جداً إلا أن هذا الجهاز مفتقر إلى تعليمات ترسلها الشركة ، فربما كانت هذه التعليمات لا تقل قيمة عن الجهاز ، لأن الجهاز من دون تعليمات معطل ، جمدت ثمنه ، وتعطل استثماره ، فإذا تحصلت على هذه التعليمات ، وأمكنك بموجبها أن تشغل الجهاز ، وأن تجني منه مئات الألوف ، تشعر أن هذه التعليمات المكتوبة لا تقل عن هذا الجهاز الضخم ، من هنا جاء قوله تعالى :

﴿ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ ﴾

( سورة الأنعام : 1)

 خلق السماوات ، وخلق المجرات ، وخلق الشمس ، وخلق القمر ، وخلق النجوم ، وخلق الأرض ، وخلق الجبال ، وخلق الوديان ، والصحارى ، والسهول ، والبحار ، والأنهار ، والأسماك ، والأطيار ، والإنسان ، والغابات ، فإذا لم تعرف الله عز وجل ، وإذا تحركت على الأرض وفق الهوى ، ووفق الشهوة هلكت ، وأهلكت ، إذاً ما قيمة الكون ؟

 

﴿ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ ﴾

نعمة إنزال الكتاب توازي نعمة خلق الكون :

 هذا الكتاب يقول لك : افعل ولا تفعل ، وكل هذا الطعام ، ودع لحم الخنزير ، واشرب هذا الشراب ، ودع الخمر ، وتزوج ، ولا تزن ، إن هذا الكتاب يوضح لك الطريق إلى سعادة الدنيا والآخرة ، فالمنهج السليم إلى السلامة في الدنيا والآخرة فلذلك نعمة الكتاب توازي نعمة خلق الكون ، والدليل القرآن الكريم :

﴿ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ ﴾

( سورة الأنعام : 1)

﴿ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ ﴾

 فخلق السماوات والأرض نعمة الإيجاد ، والكتاب نعمة الإرشاد ، وربما لا تقل نعمة الإرشاد عن نعمة الإيجاد ، وما قيمة وجودنا من دون هدى ؟ وما قيمة الهدى من دون وجودنا ؟ شيئان متكاملان ؛ الإيجاد والهدى .

﴿ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ ﴾

 أي إذا قرأت هذا الكتاب ، ووعيت ما في الكتاب ، وطبقت ما فيه عشت حياةً سعيدةً ، فيها الطمأنينة ، والسكينة ، والاستبشار ، والتفاؤل ، وعرفت أنها مؤقتة ، وأنها مزرعة للآخرة ، وأن الدنيا دار تكليف ، وأن الآخرة دار تشريف ، إذا عرفت هذه الحقائق ، واتصلت بالله عز وجل ، سعدت بقربه ، بعد أن استقمت على أمره ، فإذا فعلت كل هذا تعرف أن هذا الكتاب يحمد الله عليه ، كما يحمد على خلق السماوات والأرض .

﴿ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ ﴾

( سورة الأنعام : 1)

﴿ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ ﴾

أنت أمام نعمتين : نعمة الإيجاد ونعمة الإرشاد :

 ما قيمة الجامعة ، وأبنيتها الشاهقة ، وملاعبها ، ومكتبتها ، وقاعات المحاضرات ، من دون كتب ، ومن دون تدريس ، فروح الجامعة التدريس والكتب ، فكأن البناء شيء ، والمنهج والمدرس ، والكتاب شيء آخر ، ربما كان هو الأهم ، إذاً نحن أمام نعمتين كبيرتين ؛ نعمة الإيجاد .

﴿ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ ﴾

( سورة الأنعام : 1)

 ونعمة الإرشاد .

 

﴿ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ ﴾

 ولذلك قال الله عز وجل :

﴿ فَمَنْ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى ﴾

( سورة طه : 123 )

﴿ فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ﴾

( سورة البقرة : 38 )

﴿ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ ﴾

مقام العبودية لله أرفع مقامات الإنسان :

 والنبي عليه الصلاة والسلام عبده ورسوله ، ومقام العبودية أرفع مقام يناله الإنسان على وجه الأرض ، أي أن يكون عبداً لله ، فالعبودية أن تنقاد انقياداً طوعياً إلى أوامر الله كلها ، صغيرها وكبيرها ، في شتى المناحي والميادين ، انقياداً طوعياً ، وعندئذٍ فهذا الانقياد لابد أن يبنى على معرفة يقينية ، فإذا بني الانقياد الطوعي على معرفة يقينية انتهى هذا الانقياد إلى سعادة أبدية في الدنيا والآخرة .

﴿ وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ﴾

( سورة الذاريات : 56 )

 لذلك ؛ أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله ، فإذا كنت عبداً لله بالمعنى الصحيح الذي أراده الله عز وجل تكون قد حققت الهدف الذي من أجله خُلقت ، وما أروع أن يعرف الإنسان الهدف الذي من أجله خلق ، وما أروع أيضاً أن يكون في الطريق الصحيح نحو هذا الهدف الذي من أجله خلق ، أن تعبد الله ، وأن تطيعه في المنشط والمكره ، فيما عرفت حكمته ، وفيما لم تعرف ، وأن تطيعه في علاقاتك كلها مع جيرانك ، و زوجتك ، و أولادك ، و من تحب ، و من تبغض ، ومع أعدائك و أصحابك ، و من تتعامل معهم .

 

﴿ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ ﴾

معنى الكتاب :

 الكتاب ؛ أي القرآن الكريم ، وفي بعض التفاسير مطلق الكتب السماوية ، فالله عز وجل خلق الخلق ، وهداهم إلى الصراط المستقيم ،

﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً.﴾

( سورة البقرة : 30 )

 لئلا تنقطع الأرض عن الهدى الرباني .
 وسيدنا علي يقول : << يا كميل : العلم خير من المال ، لأن العلم يحرسك ، وأنت تحرس المال ، والمال تنقصه النفقة ، والعلم يزكو على الإنفاق ، يا كميل مات خزان المال وهم أحياء ، والعلماء باقون ما بقي الدهر ، أعيانهم مفقودة ، وأمثالهم في القلوب موجودة ، الناس ثلاثة : عالم رباني ، ومستمع على سبيل نجاة ، وهمج رعاع ، أتباع كل ناعق ، لم يستضيئوا بنور العلم ، ولم يلجئوا إلى ركن وفيق ، فاحذرْ يا كميل أن تكون منهم >> .
 إذاً :

 

﴿ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجاً﴾

عظمة القرآن :

 الكتاب هو هذا القرآن الكريم ، هو الدستور ، هو الغنى الذي لا فقر بعده ولا غنىً دونه ، هو الذي قال عنه صلى الله عليه وسلم :

(( لا يحرَق قارئ القرآن ))

(الديلمي في الفردوس عن أنس)

 هو الذي قال عنه صلى الله عليه وسلم :

 

(( من تعلم القرآن متعه الله بعقله حتى يموت ))

 

(كشف الخفاء عن أنس)

﴿ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجاً﴾

القرآن غير ذي عِوَجٍ :

 لا خلل ، ولا شطط ، ولا إفراط ، ولا تفريط ، ولا خطأ ، ولا تناقض ولا مبالغة ، ولا إغفال ، فكيف أن الكون كامل ؟

﴿ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَانِ مِنْ تَفَاوُتٍ فَارْجِعْ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ*ثُمَّ ارْجِعْ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِئًا وَهُوَ حَسِيرٌ ﴾

( سورة الملك : 3 ـ 4 )

 كيف أن الكون على أكمل وجه ، فهذا الكون خلقه ، وهذا القرآن كلامه ، ولابد من تناسب بين خلقه وكلامه ،و كما أن الكون مطلق الكمال ، كذلك هذا القرآن في مضمونه ، وفي أسلوبه ، وفي مبادئه ، وفي قيمه ، وفي قصصه ، كله كمال ومطلق الكمال ، ويشبه هذه الآية قول الله عز وجل :

﴿ إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ ﴾

( سورة الإسراء : 9 )

﴿ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجاً﴾

 ما من كتاب ألفه بشر إلا وفيه خلل ، ونقص ، وزيادة ، وإيجاز مخل ، واضطراب ، وتناقض خفي ، ونقص ، وزيادة ، ومبالغة ، إلا كتاب الله عز وجل .

﴿ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجاً﴾

 الحقيقة أنه مضى على نزول هذا القرآن الكريم أكثر من1400 عام ، ومع ذلك لم يظهر في العالم كله حقيقة علمية تبطل بعض آياته ، أو تعطل أحكامه ، لأنه من عند الحكيم الخبير .

﴿ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجاً﴾

معنى قيمًا :

المعنى الأول : القيام على مصالح الناس :

 أولاً : قيماً على مصالح الناس ، فالأمور التي نحن بحاجة إليها عالجها القرآن ، والأمور الأساسية في حياتنا ، موضوع الزواج ، وموضوع الطلاق ، والميراث ، وتطهير النفس ، وإقبالها على الله عز وجل ، وهذه العبادات ، والإشارات ، وتلك الأحكام ، والأوامر ، والنواهي ، والوعد ، والوعيد ، هذا كله على أحسن ما يرام في القرآن الكريم .

 

﴿ قَيِّماً﴾

 أي قيماً على مصالح الناس ، ما من صغيرة ، ولا كبيرة إلا أحصاها الله عز وجل في الكتاب .

﴿ مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ﴾

( سورة الأنعام : 38)

المعنى الثاني : قيماً على الكتب السماوية كلها :

 قيماً على الكتب السماوية كلها ، ومهيمناً عليها .
 المعنى الثاني : الاستقامة :
 أنه مستقيم ، ومعنى مستقيم ، أي صحيح مئة في المئة ، كيف وأن الله عز وجل لم يجعل له عوجاً ؟ أي جعله مستقيماً ، والاستقامة هنا استقامة بمعنى أن كل ما فيه صحيح ، وكل ما فيه حق صريح .

عودُ الضمير في : وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا

 بعضهم قال :

﴿ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجاً﴾

 هذه الهاء تعود على مَن ؟

1 – عود الضمير على الكتاب :

 أنها تعود على الكتاب .

2 – عودُ الضمير على النبي :

 وبعضهم أعادها على النبي عليه الصلاة والسلام ، ولم يجعل لهذا النبي عوجا ، لا في أخلاقه ، ولا في معاملته ، ولا في دعوته ، ولا منطقه ، ولا في حياته الخاصة ، كل ما في حياته كمال في كمال .
 فالكتاب :

﴿ وَبِالْحَقِّ أَنزَلْنَاهُ وَبِالْحَقِّ نَزَلَ ﴾

( سورة الإسراء : 105 )

 ومضمون هذا الكتاب حق ، وأنزل على النبي الكريم بالحق ، هذه الآية بمعناها الأول والثاني تؤكد تلك الآية :

 

﴿ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ ً﴾

 أي لهذا النبي الكريم .

 

﴿ عِوَجاً ﴾

 لا في أخلاقه ، ولا في حديثه ، ولا في معاملته ،

وأجملُ منك لم تر قطٌ عيني  وأكملُ منك لم تَلِدِ النساءُ
خُلِقْتَ مُبرأٌ من كل عيـبٍ كأنًكَ قد خُلِقْتَ كما تشاءُ
***

 هذا معنى قول الله عز وجل :

﴿ وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ ﴾

( سورة القلم : 4 )

 ولم يجعل له للنبي الكريم عوجا ، ولقد شهدوا له بقولهم :

 

(( أَيُّهَا الْمَلِكُ ، كُنَّا قَوْمًا أَهْلَ جَاهِلِيَّةٍ ، نَعْبُدُ الْأَصْنَامَ ، وَنَأْكُلُ الْمَيْتَةَ ، وَنَأْتِي الْفَوَاحِشَ ، وَنَقْطَعُ الْأَرْحَامَ ، وَنُسِيءُ الْجِوَارَ ، يَأْكُلُ الْقَوِيُّ مِنَّا الضَّعِيفَ ، فَكُنَّا عَلَى ذَلِكَ حَتَّى بَعَثَ اللَّهُ إِلَيْنَا رَسُولًا مِنَّا نَعْرِفُ نَسَبَهُ ، وَصِدْقَهُ ، وَأَمَانَتَهُ وَعَفَافَهُ ، فَدَعَانَا إِلَى اللَّهِ تَعَالَى لِنُوَحِّدَهُ وَنَعْبُدَهُ ، وَنَخْلَعَ مَا كُنَّا نَعْبُدُ نَحْنُ وَآبَاؤُنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ الْحِجَارَةِ وَالْأَوْثَانِ ، وَأَمَرَ بِصِدْقِ الْحَدِيثِ ، وَأَدَاءِ الْأَمَانَةِ ، وَصِلَةِ الرَّحِمِ ، وَحُسْنِ الْجِوَارِ ، وَالْكَفِّ عَنْ الْمَحَارِمِ وَالدِّمَاءِ ، وَنَهَانَا عَنْ الْفَوَاحِشِ ، وَقَوْلِ الزُّورِ ، وَأَكْلِ مَالِ الْيَتِيمِ ، وَقَذْفِ الْمُحْصَنَةِ ، وَأَمَرَنَا أَنْ نَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ ، لَا نُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا ، وَأَمَرَنَا بِالصَّلَاةِ ، وَالزَّكَاةِ ، وَالصِّيَامِ ... ))

 

(أحمد عَنْ أُمِّ سَلَمَة)

﴿وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجاً * قَيِّماً لِيُنْذِرَ بَأْساً شَدِيداً مِنْ لَدُنْهُ وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْراً حَسَناً﴾

لِيُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِن لَدُنْهُ

 من السذاجة أن يطمئن الإنسان إلى حاضره ، الحاضر جيد ، ولكن ماذا يخبئ الغيب ؟ فإذا جهل الإنسان الله عز وجل ، وما استقام على أمره ، ولا عرف الهدف من وجوده ، ولا عرف المنهج الذي ينبغي أن يسير عليه ، فلماذا يعيش ؟

﴿ لِيُنْذِرَ بَأْساً شَدِيداً﴾

 أي إذا لم يعرف الإنسان الله في الرخاء ، لن يعرفه في الشدة ، فكأن هذا القرآن يبلغنا أن مع الحياة موتاً ، وأن مع العز ذلاً ، وأن لكل شيء حسيباً ، وأن على كل شيء رقيباً ، وإن على كل حسنة ثواباً ، وكل سيئة عقاباً .

 

﴿ لِيُنْذِرَ بَأْساً شَدِيداً ﴾

 فالأمور لا تدوم على هذه الحال ، الآن نحن شباب ، وفي يوم سيأتي سن الكهولة ، وسن الشيخوخة ، وسن الضعف ، ويأتي ملك الموت فإما إلى جنة يدوم نعيمها ، أو إلى نارٍ لا ينفذ عذابها .

 

﴿ لِيُنْذِرَ بَأْساً شَدِيداً﴾

 لا تغتر بحاضرك ، فالعبرة للمستقبل ، والعبرة بخواتيم الأعمال ، وبخريف العمر ، و بساعة اللقاء ، وفي ساعة مغادرة الدنيا ، هنا البطولة ،
 ليس من يقطع طرقاً بطلاً إنما من يتقي الله البطل

 

﴿ لِيُنْذِرَ بَأْساً شَدِيداً﴾

 فكل إنسان مغتر ، الشاب بشبابه ، والغني بماله ، وصاحب المكانة الرفيعة بمكانته ، وصاحب النسب العريق بنسبه ، وصاحب الشكل الجميل بجماله ، فهذا غرور ، وربنا عز وجل قال :

﴿ فَلَا تَغُرَّنَّكُمْ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ ﴾

(سورة لقمان : 33 )

 أي الشيطان .
 فهذا الكتاب يقول لك : إن مع هذه الدنيا آخره ، ومع العز ذلا ، ومع الغنى فقرًا ، ومع الحياة موتًا ، ومع الرخاء ضيقًا ، والأمور لا تبقى على ما هي عليه .

 

﴿ لِيُنْذِرَ بَأْساً شَدِيداً مِنْ لَدُنْهُ ﴾

 فالإنسان الغافل ، الساهي ، اللاهي المنغمس في الدنيا ، وفي جمع الدرهم والدينار ، واللاهف على الشهوات ، الذي همه بطنه ، وهمه فرجه ، وخميصته ، و درهمه وديناره ، فعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :

 

(( مَنْ كَانَتِ الآخِرَةُ هَمَّهُ جَعَلَ اللَّهُ غِنَاهُ فِي قَلْبِهِ ، وَجَمَعَ لَهُ شَمْلَهُ ، وَأَتَتْهُ الدُّنْيَا وَهِيَ رَاغِمَةٌ ، وَمَنْ كَانَتِ الدُّنْيَا هَمَّهُ ؛ جَعَلَ اللَّهُ فَقْرَهُ بَيْنَ عَيْنَيْهِ ، وَفَرَّقَ عَلَيْهِ شَمْلَهُ ، وَلَمْ يَأْتِهِ مِنَ الدُّنْيَا إِلا مَا قُدِّرَ لَهُ ))

 

(الترمذي وابن ماجه)

﴿ لِيُنْذِرَ بَأْساً شَدِيداً﴾

 البطولة ألاّ تغتر بالحاضر ، يوم مفقود ، ويوم مشهود ، ويوم مورود ، ويوم موعود ، ويوم ممدود ، فالماضي مضى ، والمشهود سيمضي ، ولكن البطولة أن تصل إلى اليوم الممدود ، وأنت من أهل الجنة ، لينذر كل إنسان ، كل إنسان غفل عن الله عز وجل وكل إنسان غفل عن هذا الكتاب ، و عن مضمونه ، وكل إنسان جعله وراء ظهره ، وكل إنسان هجره .

﴿ لِيُنْذِرَ بَأْساً شَدِيداً﴾

 والشيء الواقعي أن الإنسان إذا هجر كتاب الله ، أي تركه ، ولم يعمل به ، ولم يأبه لقوانينه ، ولم يعتز بها ، ولم يشعر أنها خطيرة ، قال : هذا كلام الله نقرأه تبركاً ، وفي علاقاته المالية يخالفه ، وفي علاقته مع زوجته يخالفه ، وفي علاقاته الاجتماعية يساير المجتمع ، هذا الذي يخالف كتاب الله عز وجل ، لابد أن يأتيه الهلاك في الدنيا قبل الآخرة ، ففي الدنيا :

﴿ لِيُنْذِرَ بَأْساً شَدِيداً﴾

 هناك أمراض وبيلة ، و فقر مدقع ، و ذل شديد ، و أمراض ، ومصائب لا يعلمها إلا الله .

﴿ لِيُنْذِرَ بَأْساً شَدِيداً﴾

 الحقيقة أن كل إنسان في حاضره مرخى له الحبل ، فإذا كان ذكياً يرى هذا الحبل المرخى ، في لحظة ما يشد الحبل ، أما الأحمق فلا يرى الحبل كلياً ، ويظن أنه لا أحد يحاسبه ، وفي ساعة واحدة تنقلب الآية ، فيقلب له الدهر ظهر المجن ، كما يقولون ، وهذه عبارة أدبية ، أي فجأةً يشد الحبل ، فإذا هو أمام مشكلات لا يملك لها حلاً .

﴿ لِيُنْذِرَ بَأْساً شَدِيداً مِنْ لَدُنْهُ وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْراً حَسَناً﴾

وَيُبَشِّرَ المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا حَسَنًا

 هذا المؤمن الذي عرف الله ، آمن بوجوده ، آمن بوحدانيته ، آمن برحمته ، آمن بحكمته ، آمن بقدرته ، عرف أنه لا إله إلا الله ، ولا معز إلا الله ، لا مذل إلا الله ، لا معطي إلا الله ، لا مانع إلا الله ، ولا رافع إلا الله ، لا خافض إلا الله ، هذا الذي آمن بالله ، وعمل صالحاً أطاع الله ، واستقام على أمره ، خدم الخلق ، وكان عنصراً نافعاً .

﴿ وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْراً حَسَناً * مَاكِثِينَ فِيهِ أَبَدا﴾

لا يقاس بين نعيم الدنيا ونعيم الآخرة : مَاكِثِينَ فِيهِ أَبَدًا

 وماذا أقول لكم عن الأبد ؟ كيف نفهم الأبد ؟ شيء يفوق التصور ، و لو قلنا : ألف مليون ، مليون ، مليون ، مليون ، مليون مَليون ، مليون مليون ، حتى ينقطع النفس ، وألف مليون ، مليون مَليون ، مليون ، حتى ينقطع النفس الثاني ، لو يوجد إنسان له أنفاس منذ أن ولد حتى يموت يقول : ألف مليون ، مليون ، مليون ، لكان الأبد أكبر من ذلك .
 لو أخذت كيساً من الطحين الكبير ، ولعقت منه لعقةً ، وجئت بمجهر ، وعددت حبات الطحين ، وكل طحينة من الطحين مليون سنة ، الكيس كم مليون سنة ؟ طحين العالم كم مليون سنة ؟ حتى الرياضيون قالوا : إنه أكبر رقم ! أكبر رقم ! فما أكبر رقم ؟ ضع واحدًا بدمشق ، وأصفاراً في حلب ، بين كل صفرين ميليمتر ، ضع واحداً في دمشق ، وأصفاراً إلى القطب ، بين كل صفرين ميليمتر ، هذا الرقم الكبير لو وضع صورة مخرجه فلا نهاية ، هذا الرقم قيمته صفر ، أيّ رقم إذا نسب للانهاية فهو صفر ، لا شيء ، فإذا عاش الشخص ستين سنة فلا شيء ، سبعين لا شيء ، ثمانين لا شيء ، لو عاش 950 عاماً كسيدنا نوح لا شيء ، لو عاش ألف مليون ، مليون ، بحبوحة ، ورخاء ، وصحة طيبة ، وطعام ، وشراب ، وعز ، ولذَّات ، وشهوات ، لا شيء إذا قيس بالآخرة .
 << يا بني ، ما خير بعده النار بخير ، وما شر بعده الجنة بشر ، وكل نعيم دون الجنة محقور ، وكل بلاء دون النار عافية >> .

قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيل

﴿ قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ ﴾

( سورة النساء : 77 )

 الإله يقول لك هذا :

﴿ قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ ﴾

 ويقول :

﴿ وَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَزِينَتُهَا وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى أَفَلَا تَعْقِلُونَ ﴾

( سورة القصص 60 )

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمْ انفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنْ الْآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ ﴾

( سورة التوبة : 38 )

 فلو خيروك بين فرنك ، خمسة قروش سورية ، هل يوجد الآن فرنك ؟ لا ، وبين شيك مفتوح تكتب فيه ألف مليون ، ألفي مليون ، ثمانية آلاف مليون ، مليون مَليون ، ألف مليون مَليون ، مقبول مصروف الشك ، هل تأخذ هذه القروش الخمسة ؟

﴿ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ ﴾

 سحرة فرعون قالوا :

﴿ قَالَ آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمْ الَّذِي عَلَّمَكُمْ السِّحْرَ فَلَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلَافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَا أَشَدُّ عَذَابًا وَأَبْقَى * قَالُوا لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءَنَا مِنْ الْبَيِّنَاتِ وَالَّذِي فَطَرَنَا فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا * إِنَّا آمَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنْ السِّحْرِ وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى ﴾

( سورة طه : 71 ـ 73 )

 البطولة أن تتعلق بالأبقى .
 الميت يوضع في قبره ، فيقول الله له : عبدي رجعوا وتركوك ، وفي التراب دفنوك ، ولو بقوا معك ما نفعوك ، ولم يبق لك إلا أنا ، وأنا الحي الذي لا يموت ، العبرة أن تتعامل مع الأبقى ، مع الذي قال :

﴿ وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ ﴾

( سورة الرحمن : 27 )

 أن تكون علاقتك طيبة مع الذي يبقى إلى الأبد .

 

﴿ وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْراً حَسَناً * مَاكِثِينَ فِيهِ أَبَدا﴾

 إن أهل النار يبكون ، وإنهم ليبكون الدم ! ولو أن السفن جرت في دموعهم ، أي حتى أن السفن تجري في دموعهم ، أبدا ، دمعة وراء دمعة ، إلى الأبد ، تشكل بحراً .

﴿ وَيُنْذِرَ الَّذِينَ قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَداً﴾

إنذار المشركين بالله : وَيُنْذِرَ الَّذِين قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا

 هؤلاء لا يعرفون الله عز وجل ، هو الواحد الأحد الفرد الصمد ، لم يلد ولم يولد .

﴿ قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَداً * مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ ﴾

 ما لهم به من علم ، يهرفون بما لا يعرفون ، وربنا عز وجل يعلمنا في هذه الآية ، المنهج الصحيح ، لا تقل كلمة قبل أن تعلم ، لا تقل مالا تعلم ، ولا تمار فيما علمت .

﴿ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ وَلَا لِآَبَائِهِمْ كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِباً ﴾

قاعدة جليلة : إن كنت ناقلاً فالصحة ، وإن كنت مدعيًا فالدليل :

 لقد وصف الله عز وجل الكفار بأنهم لا يتكلمون عن تفكير ، ولا عن علم ، ولا عن نقل صحيح ، ولا عن منطق ، إنما يتكلمون كلاماً عشوائياً جزافاً من غير تبصر .

﴿ كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِباً ﴾

 قال العلماء : إن كنت ناقلاً فالصحة ، وإن كنت مدعيًا فالدليل ، إذا قلت : فلان قال كذا ، يجب أن تتأكد من صحة النقل ، لعله لم يقل .

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ ﴾

( سورة الحجرات : 6 )

 فلا تقبل شيئاً ، ولا ترفضه إلا بالدليل النقلي والعقلي ، يأتي الضلال من قبول الأفكار من دون دليل ، ولا تقبل إلا بالدليل النقلي ؛ قرآن ، أو حديث ، أو قول لعالم مجتهد مشهود له بالاجتهاد ، مع الدليل الذي جاء به ، لا تقبل إلا بالدليل ، ولا ترفض إلا بالدليل ، أما إذا نقلت فتحرَّ الصحة في النقل ، هذا هو المنهج .

 

﴿ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ وَلَا لِآَبَائِهِمْ كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِباً ﴾

 هذا كذب ! فعَنْ أَبِي أُمَامَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :

(( يُطْبَعُ الْمُؤْمِنُ عَلَى الْخِلَالِ كُلِّهَا إِلَّا الْخِيَانَةَ وَالْكَذِبَ ))

(أحمد في المسند)

 هذا كذب ، فلعلك يا محمد ، الله عز وجل يواسي نبيه الكريم .

 

﴿ فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آَثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفاً ﴾

حرص النبي عليه الصلاة والسلام على هداية قومه :

 لماذا أنت متألم من أجلهم ، لماذا كدت تهلك نفسك من أجلهم ؟ قال العلماء : محبة الخلق دليل حب الحق ، فأنت تحب الناس بقدر ما تحب الله عز وجل ، فكلما زادت محبتك لله زادت محبتك للناس .
 اسمعوا قول النبي الكريم ؛ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :

(( ... وَإِنَّ أَبْعَدَ النَّاسِ مِنَ اللَّهِ الْقَلْبُ الْقَاسِي ...))

(سنن الترمذي )

 والآية الكريمة :

﴿ فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ ﴾

( سورة الزمر : 22 )

النبيُّ عليه الصلاة والسلام أَرْحَمُ الخَلق بالخَلقِ :

 إذاً : هناك قانون ، محبة الخلق تتناسب طرداً مع محبة الخالق ، والخلق كلهم عيال الله ، وأحبهم إلى الله أنفعهم لعياله ، والخلق جميعاً ، المؤمن الكامل لو أنه تعامل مع مجوسي ، ومع عابد صنم ، فهذا من خلق الله ، يكرمه ، وينصحه ، ويخلص له ، هذا هو الإيمان ، ليس منا من غش ، مطلقاً من دون تحديد ، من غش فليس منا ، كائناً من يكن هذا الذي غششته ، إن غششته فلست من المسلمين .
 إذاً : النبي الكريم بإجماع العلماء أرحم الخلق بالخلق ، لأنه أقربهم إلى الحق ، وهناك إنسان يقول لك : أنا علي نفسي ، و كلما ضاقت دائرة اهتمامك كلما قلت مرتبتك عند الله ، في أشخاص لا يعنيهم إلا شخصهم فقط من بعد الطوفان ، حتى إنه لا يبالي بزوجته ، ولا بأولاده ، وكلما اتسعت دائرة رحمتك ، واهتمامك ، وعطفك ، وعنايتك ، ارتفعت عند الله درجتك .
 ولذلك فسيدنا رسول الله كانت الإنسانية كلها تعنيه ، بل كان الخلق كله يعنيه ، فكان يصغي إناء للهرة ، فعَنْ شَدَّادِ بْنِ أَوْسٍ قَالَ : ثِنْتَانِ حَفِظْتُهُمَا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ :

(( إِنَّ اللَّهَ كَتَبَ الإِحْسَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ ، فَإِذَا قَتَلْتُمْ فَأَحْسِنُوا الْقِتْلَةَ ، وَإِذَا ذَبَحْتُمْ فَأَحْسِنُوا الذَّبْحَ ، وَلْيُحِدَّ أَحَدُكُمْ شَفْرَتَهُ ، فَلْيُرِحْ ذَبِيحَتَهُ ))

(صحيح البخاري )

 والنبي عليه الصلاة والسلام رأى رجلاً يذبح شاة أمام أختها فغضب غضباً شديداً ، وقال : أتريد أن تميتها مرتين ؟ هلا حجبتها عن أختها ، هذا عطف على من ؟ على حيوان ، قال : ليس منا من فرق ، ملعون من فرق بين أم وابنها ، حتى في الحيوان ، ومن اشترى شاةً دون سخلتها ، وحرام من اشترى سخلة دون أمها .
 فإذا كان النبي الكريم هذا عطفه على الخلق عامة فكيف محبته للمؤمنين :

﴿ لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ ﴾

( سورة التوبة : 128 )

 فأرحم الخلق بالخلق النبي محمد صلى الله عليه وسلم .
 إذاً : تبين من هذه الآية أن أرحم الخلق بالخلق النبي عليه الصلاة والسلام وهذا شيء آخر ، قضية قانون ، كلما زادت صلتك بالله زادت رحمتك ، فانظر من ترحم من ، رحمة المؤمن عامة ، وأهل الدنيا يرحمون أولادهم فقط ، لكن المؤمن رحمته عامة ، لا يبني مجده على أنقاض الآخرين ، ولا يبني غناهم على فقرهم فالنبي عليه الصلاة والسلام بنص القرآن الكريم .

 

﴿ فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آَثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفاً ﴾

 زادت نفسه عليه الصلاة والسلام :

﴿ بَاخِعٌ نَفْسَكَ ﴾

 أيْ مهلِكٌ نفسك ، من أجلهم ، الواحد منا يقيس نفسه إذا كانت أموره ميسرة وعلى الدنيا السلام .
 والشاعر الحطيئة قال بيتاً عُدّ أهجى بيتٍ في الحياة الجاهلية :

دع المكارم لا ترحل لِبُغيتها  واقعد فإنك أنت الطاعم الكاسي

 فإذا أَمّن أحدهم مصالحه ، وأمّن حاجاته ، انتهت مشاكله ، أما المؤمن فما انتهى من مشاكله شيء ، بدأت مشاكله ، من لم يهتم بأمر المسلمين فليس منهم .
 وسيدنا عمر جاءته هدية من أذربيجان ، فقال : ما هذا ؟ قال له : طعام نفيس لا يصنع إلا هناك ، قال له : هل يأكل عندكم عامة المسلمين هذا الطعام ؟ قال له : لا هذا طعام الخاصة ، قال له : هل أعطيت فقراء المدينة كما أعطيتني ؟ قال لا : هذا لك وحدك ، قال له حرام على بطن عمر أن يذوق حلوى لا يذوقها فقراء المسلمين .
 فموضوع الرحمة : يجب أن ترحم من معك ، عندك بالمحل صانع ارحمه ، بالوقت ، والجهد ، والأجر ، عندك من هم دونك في العمل فارحمهم ، وفي الأثر : فإذا أردتم رحمتي فارحموا خلقي .
 إذاً : النبي الكريم كان رحيماً .

 

﴿ فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آَثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفاً * إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً * وَإِنَّا لَجَاعِلُونَ مَا عَلَيْهَا صَعِيداً جُرُزاً ﴾

مِن سُننِ الكون : الابتلاء :

 هذه الآية تعد أصلاً في العقيدة ، يعني أحد سنن الكون الابتلاء .

﴿ إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً ﴾

 الدنيا خضرة نضرة ، فيها نساء ، وأموال ، فيها بيوت فخمة ، ومزارع فيها مجالس أنس وطرب ، و مباهج .

﴿ إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً ﴾

 من الذي يؤثر طاعة الله عز وجل عن هذا المجلس مجلس اللهو ؟ من الذي يؤثر مجلس العلم على مجلس اللهو ؟ من الذي يؤثر الحلال القليل على الحرام الكثير ؟ من الذي يؤثر أن يبقى مع زوجته عن أن ينظر إلى غيرها ؟

﴿ إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً ﴾

 نحن في دار ابتلاء ، ونحن مبتلون ، و في دار امتحان ، إن هذا الابتلاء ثمن الجنة ، والسقوط في هذا الامتحان مما يوجب النار ، والنجاح في الامتحان ثمن الجنة ، ليهلك من هلك عن بينة ، ويحي من حيَّ عن بينة ، فالجنة لها ثمن ، وهو النجاح في هذا الامتحان ، والنار لها موجب ، وهو السقوط في هذا الامتحان .

﴿ إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً ﴾

 لكن اطمئنوا :

﴿ وَإِنَّا لَجَاعِلُونَ مَا عَلَيْهَا صَعِيداً جُرُزاً ﴾

﴿ إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنْ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالْأَنْعَامُ حَتَّى إِذَا أَخَذَتْ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ * وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ ﴾

( سورة يونس :24 ـ 25 )

 وفي النهاية :

﴿ كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ ﴾

( سورة الرحمن : 26-27)

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018