الدرس : 6 - سورة مريم - تفسير الآيات 77 - 98 - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الدرس : 6 - سورة مريم - تفسير الآيات 77 - 98


1988-01-15

 الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد ، الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا ، إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا ، وزدنا علما ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .
 أيها الإخوة المؤمنون ، مع الدرس السادس من سورة مريم ، وصلنا في الدرس الماضي إلى قوله تعالى :

﴿أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآَيَاتِنَا وَقَالَ لَأُوتَيَنَّ مَالاً وَوَلَداً * أَطَّلَعَ الْغَيْبَ أَمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْداً ﴾

أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا

 فهذا الكافر الذي أنكر عظمة الله عزَّ وجل ، ولم يعبأ بآياته ، لا آياته القُرآنية ، ولا آياته الكونية ، هذه الآيات التي بثَّها الله في السماوات والأرض لم يعبأ بها ، واستخف بها ، ولم تلفت نظره ، ولا آيات القرآن المُعْجِزَة ، لا هذه ، ولا تلك ، وما كان منه إلا الكفر ، الإنكار ، والإعراض ، أمَّا الإيمان والتصديق والإقبال فهو حظّ المؤمن ، يصدِّق بآيات ربه الكونية والقرآنية ويقبل عليه ، والكافر يكذِّب بآيات ربه الكونية ، والقرآنية ، ويُعْرِضُ عن الله سبحانه ، فالكافر يكذب بآيات الله ، لا يعبأ بها ، لا يؤمن بها ، لا يوقِّرُها ، لا يُعظمها ، لا تملأ قلبه ، وهو كذلك يعرض عن الله عزَّ وجل ، يدير ظهره لهذا الدين ، يلتفت إلى الدنيا ، يَنْكَبُّ عليها ، تشغله دنياه ، يسعى لمصالحه .

 

﴿أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآَيَاتِنَا﴾

 أفرأيته أيها المؤمن ، انظر إلى أخلاقه ، انظر إلى قيمه ، انظر إلى صفاته النفسية ، انظر إلى علاقاته الاجتماعية ، انظر إلى تعامله مع الناس، انظر إلى الكبر الذي سيطر عليه ، انظر إلى العُجْبِ الذي استحوذ على لُبِّه ، انظر إلى حبه لذاته ، انظر إلى بغضه للآخرين ، انظر إلى قسوة قلبه ، انظر إلى إخلافِه مواعيدَه ، انظر إلى أخذه ما ليس له ، انظر إلى بذاءته ، انظر إلى حقارته ..

 

﴿أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآَيَاتِنَا﴾

 أيْ ..

﴿ أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ (1)فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ ﴾

( سورة الماعون : 1-2)

 هذا الترابط الوجودي بين الكفر وبين الانحراف ..

﴿ فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ ﴾

( سورة القصص : من آية " 50 " )

 أفرأيت أيها المؤمن ؟ يَدَعَمُ هذه الآية آيةٌ أخرى :

﴿ أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى(9)عَبْدًا إِذَا صَلَّى ﴾

( سورة العلق : 9-10)

 انتهت الآية ، أي هل نظرت إليه ؟ هل نظرت إلى أخلاقه ؟ هل نظرت إلى علاقاته ؟ إلى معاملته ؟ إلى صفاته ؟ إلى قِيَمِهِ ؟ .

 

﴿أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآَيَاتِنَا﴾

 جعل الدين وراء ظهره ، جعل هذا القرآن العظيم مهجوراً ، لم يَرَ في هذا القرآن نظاماً معجزاً شاملاً كاملاً ، يصلح للتطبيق في كل مكانٍ وزمان ، رآه كتاباً انقضى وقته وانتهى زمنه ، ولا يصلُحُ لهذا الزمان .

﴿أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآَيَاتِنَا﴾

 هذا الترابط كله في حاليته : إيماناً وكفراً يلخصه قول النبي عليه الصلاة والسلام :

(( فَالنَّاسُ رَجُلانِ : بَرٌّ تَقِيٌّ كَرِيمٌ عَلَى اللَّهِ ، وَفَاجِرٌ شَقِيٌّ هَيِّنٌ عَلَى اللَّهِ ))

( من سنن الترمذي : عن ابن عمر )

 فالكافر من لوازم كفره الإعراض ، ومن نتائج الإعراض الأخلاق الذَميمة ، ومن لوازم الإيمان الإقبال ، ومن نتائج الإقبالِ الأخلاق الفاضلة ، فكأن الإيمان مجموعةٌ من القِيَمِ الخُلُقِيَّة ، لذلك الذي يميز المؤمن عن غير المؤمن ليس الصلاة والصيام ، لا ، ولكن الذي يميّز المؤمن عن غير المؤمن أخلاقه الإيمانية العالية ، إن الصلاة كما قال عليه الصلاة والسلام دعائم لهذا الدين :

(( بُنِيَ الإِسْلامُ عَلَى خَمْسٍ ))

( من صحيح البخاري عن ابن عمر )

 هذه الخمس ليست هي الدين ، إنما بني عليها الدين ، فمن ظن الدين صلاةً جوفاء ، وصياماً لا معنى له ، فقد ضلَّ ضلالاً بعيداً .

 

﴿ أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآَيَاتِنَا وَقَالَ لَأُوتَيَنَّ مَالاً وَوَلَداً﴾

لأُوتَيَنّ مالً ووَلدًا

 هذه الآية مطلقةٌ ، فبعضهم قال في معناها : إن هذا الكافر يتبجَّح ، ويتحدَّى ويقول : " حتى في اليوم الآخر لي حظٌ كبير في هذا اليوم " ..

 

﴿ لَأُوتَيَنَّ ﴾

 في اليوم الآخر ، إذا رُدِدتُّ إلى ربي لأوتيَنَّ مالاً وولداً ، وبعضهم قال : في الدنيا ، هذا الذي يحسب حساباتٍ دقيقة وينسى أن الله عزَّ وجل بيده كل شيء ، فهو مستغنٍ عن رحمة الله ، مستغنٍ عن حفظه ، مستغنٍ عن توفيقه ، مستغنٍ عن إمداده ، مستغنٍ عن ألوهيته ، يقول : أنا سأفعل كذا وكذا ، يخطط لمستقبله ، سأشتري البيت في عام كذا ، سأتزوَّج ، وغاب عنه أنه ربما وقع ضحية حادثٍ طفيفٍ جعله مشلولاً ، أو ربما نَمَتْ بعض الخلايا في جسده نمواً غير منضبط فأصبحت حياته جحيماً ، فهذا الذي يخطط لمستقبله ويقول :

﴿ لَأُوتَيَنَّ مَالاً وَوَلَداً﴾

 ولا ينتبه إلى أن الله عزَّ وجل هو الموفِّق ، وما توفيقي إلا بالله ، لا يتحقق هدفٌ على وجه الأرض إلا بتوفيق الله ، لا في زراعةٍ ، ولا في صناعةٍ ، ولا في تجارةٍ ، ولا في زواجٍ ، ولا في صحةٍ ، ولا في معالجةٍ.

﴿ لَأُوتَيَنَّ مَالاً وَوَلَداً﴾

 يُخَطّطون وقد غفلوا عن الواحد الديَّان ، قالوا : هذه المركبة ( شلنجر )سوف تنطلق في الساعة كذا وكذا من القاعدة ، بعد سبعين أو ثمانين ثانية ستكون في المدار الأول ، بعد كذا وكذا ، تعود بعد ثمانية أيام ، وسنسميها المتحدي ، وبعد ثوانٍ معدودة أصبحت كتلةً من اللهب ، مثلها مثلُ الذي قال :

﴿ لَأُوتَيَنَّ مَالاً وَوَلَداً﴾

مَن هو صاحب الأفق الضيق ؟

 إن الذي يخطط لمستقبله ويغفل عن الله عزَّ وجل إنسانٌ غبي ضيق الأفق ، بل هو معتوه لأنه ينسى القوة الكبرى في الكون ، في الكون حقيقةٌ كُبرى هي كل شيء ، وهي الله عزَّ وجل ، لأن هذه الحقيقة إذا غفلتَ عنها فَلأَلف سببٍ وسبب يمكن أن تُخْفِقَ في كل مسعاك ، لأَلف سببٍ وسبب يمكن أن تحبطَ كل أعمالك ، لأَلف سببٍ وسبب يمكن أن تكون صفر اليدين ، قد يفقد الإنسان بعض أعضائه ، قد يفقد عقله ، فهذا البيت الذي اشتراه لا يستمتع به ، يؤخذ إلى المستشفى ، يفقد أهله ، يفقد أولاده ، فالإنسان كما يقول العامة ، وهو كلامٌ لطيفٌ جداً : الإنسان تحت ألطاف الله عزَّ وجل .
 لا تقل : لأفعلنَّ كذا وكذا ، هذا كلام الأحمق ، هذا كلام الجاهل ، هذا كلام الغافل ، هذا كلام الذي لا علم له ، قل : إن شاء الله ، إن مكنني ربي ، إن يَسَّرَ لي ، إن وفَّقَني ، إن أراد لي ، إن سمح لي .
 فهذا الكافر الذي كفر بآيات الله الكونية والقرآنية ، ولم يعبأ بها ، لم يعظمها ، لم تملأ عقله ، لم تملأ وجدانه ، لم تملأ حياته ، حياته ليست معنيةً بهذه الحقائق الدينية ، فلذلك يقول : سأفعل كذا وكذا ، وهذا متمثِّل أكثر ما يبدو في المجتمعات الغَربية ، يفعلون كل شيء ، وكأن الله غير موجود ، فتتوالى عليهم الآفات ، يأتي مرضٌ يجعل حياتهم جحيماً ، يَدُبُّ القلق فيهم ، ترتعد فرائصهم خوفاً من هذا المرض الذي انتشر الآن في بلاد الغرب بأرقامٍ خيالية ، إنه نقص المناعة ، أين تخطيطهم ؟ خططوا لدنيا عريضة ، بَنَوْها على أنقاض الآخرين ، بنوها على أنقاض الشعوب ، بنوها على فقر الشعوب وعلى استغلالهم ، فجاءت الأمراض والأوبئة ، وانتشرت المخدرات في مجتمعاتهم ، فهذا الذي يقول :

 

﴿ لَأُوتَيَنَّ مَالاً وَوَلَداً﴾

 هذا الكلام من لوازم الكُفر ، من لوازم الغَفْلَةِ عن الله عزَّ وجل ، فرَبُّنا سبحانه وتعالى يقول :

﴿ أَطَّلَعَ الْغَيْبَ ﴾

أَطَّلَعَ الغَيْبَ أَمْ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا

 أيْ هل عرف في عِلْمِ الغيب أنه سيكون كذا ، وكذا كما خطط ؟ إنه أحمق ..

 

﴿ أَمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْداً﴾

 هل سبق عهدٌ من الرحمن له ، أم أنه اطّلع على علم الغيب ؟ فلا يستطيع إنسانٌ أن يقول : سأفعل كذا وكذا إلا بسببين ، أن يكون قد اطّلع على علم الغيب الذي هو من خصوصيات الله ، والذي لا يعطيه الله عزَّ وجل إلا لمن يصطفي من أنبيائه ..

﴿ عَالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا(26)إِلا مَنْ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ ﴾

( سورة الجن : 26-27)

﴿ أَطَّلَعَ الْغَيْبَ ﴾

إنما الغيبُ للّه :

 لا يعلم الغَيْبَ إلا الله ، وكل من يزعم أنه يعلم الغيب فهو كذَّاب ، قل لا أعلم الغيب ، هكذا قال عليه الصلاة والسلام ، كما في قوله تعالى :

﴿ قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلا ضَرًّا إِلا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لاسْتَكْثَرْتُ مِنْ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِي السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ﴾

( سورة الأعراف : 188)

 إذا كان النبي عليه الصلاة والسلام وهو مَن هو في رِفعة الشأن ، إنه قمة البشر ، إنه سيِّد ولد آدم ، إنه سيد الأنبياء والمرسلين ، ومع ذلك لا يعلم الغيب ، فمن يدَّعي ممن دونه أنه يعلم الغيب فهو كذَّاب .

 

﴿ أَطَّلَعَ الْغَيْبَ ﴾

 حتى يَصِحَّ أن يقول هذا الكلام :

 

﴿ لَأُوتَيَنَّ مَالاً وَوَلَداً ﴾

 أَلَه علمٌ بأن المستقبل سيكون كما أراد ؟ هل اتخذ عند الله عهداً ، والله سبحانه وتعالى لن يخلف عهده ؟ لا ..

 

﴿ كَلَّا ﴾

 أداة ردعٍ ونفيٍ ..

 

﴿ كَلَّا ﴾

ردعُ الله لمن قال هذا الشطط مِنَ القول :

 فرقٌ كبيرٌ بينها وبين لا ، قد تُسأل : هل أنت جائعٌ فتقول : لا ، تنفي أنك جائع ، لكن قد يُسأل الإنسانُ فيقال له : هل أنت سارقٌ ؟ فلا ينبغي أن يقول كلمة : لا ، بل يجب أن يقول : كلا ليس هذا من شأني ، إن الذي يقول : كلا ، لا ينفي فقط ، بل ينفي ، ويرْدَع السائل ..

 

﴿ كَلَّا ﴾

 الله سبحانه وتعالى يردع هؤلاء عن هذا الشطط في القول ، عن هذا القول الفاسد ، عن هذه الفِرْيَة ، عن هذا الكذب ..

﴿ كَلَّا نَكْتُبُ مَا يَقُولُ﴾

كُلّ شيء مكتوب مسجَّلٌ :

 هذه الكلمة سُجِّلَتْ عليه ، وسوف يواجه بها يوم القيامة .

 

﴿ كَلَّا نَكْتُبُ مَا يَقُولُ﴾

 أيها الإخوة المؤمنون ، الإنسان عليه أن يضبط لسانه مع حضرة الله عزَّ وجل ، الذنب كما قال عليه الصلاة والسلام :

((الذنب شؤمٌ على غير صاحبه ، إن ذكره فقد اغتابه ، إن عَيَّرَهُ فقد ابتلي به ، إن رضي به فقد شاركه في الإثم ))

[الديلمي في الفردوس عن أنس]

 لا ينبغي للإنسان أن يقول لإنسان مرتكب معصية : هنيئاً له ، إن قلت هكذا فأنت شريكه في الإثم ، ولا ينبغي أن تعيِّره ، إن فعلت تبتلى به ، ولكن يجب أن يكون الإنسان دقيقاً في ألفاظه دقةً مُتناهية ، وإلا وقع في شَرِّ عمله .

 

﴿ كَلَّا نَكْتُبُ مَا يَقُولُ﴾

 واللهِ الذي لا إله إلا هو لو يعلم الإنسان مَغَبَّةَ هذه الآية أن الذي يقول ، ويتبجَّح ، ويتحدى ، وينسى أنه عبدٌ فقير ، ينسى أنّ حياته بيد الله العلي الكبير ، ينسى أن رزقه بيد الله ، ينسى أن نجاحه بتوفيق الله ، ينسى أن الذي حَصَّلَهُ في هذه الدنيا من رحمة الله ، هذا الذي ينسى :

﴿ كَلَّا نَكْتُبُ مَا يَقُولُ﴾

 هذه الكلمات الغبيَّةُ الجاهلة سجلت في صحيفته ، وسوف يحاسب عليها في الآخرة ، البشر مع من هُم من طينتهم ، لو أنك تورَّطت بكلمة ، وكتبت عليك ، ثم استدعيت فووجِهْتَ بها ، ترتعد فرائصك من إنسان لا يملك من أمره شيئاً ، فكيف لو كانت هذه الكلمة بحقِّ الواحد الديَّان ؟ وسألك عنها يوم القيامة ، وحاسبك عنها حساباً عسيراً .

﴿ كَلَّا سَنَكْتُبُ مَا يَقُولُ وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ الْعَذَابِ مَدّاً ﴾

ونمدُّ لهُ مِن العذابِ مدًّا

 هناك رجل عنده معمل للحلويات ، في قُطر عربي مجاور ، حدَّثني بعض من أثق بحديثه عنه ، قال : إنه يُصَدِّرُ كل يومٍ طائرةً محملةً بهذه الحلويات إلى بعض دول النفط ، فقد كان هذا الإنسان في أوج نجاحه ، فالملايين تتدفق عليه ، دخل مرةً إلى معمله ، وقد رأى بعض العُمَّال لا يجيدون عَجْنَ العجين ، فوضع كتلة العجين على الأرض ، وعركها بقدميه ، وبحذائه ، وقال لعماله : هكذا يُعْرَكُ العجين ، ما هي إلا أشهرٌ معدودة حتى قُطِعَتْ رجلاه من ركبتيه ، هذا الذي يتحدى ، هذا الذي يتكبَّر ، هذا مصير الذي يظن أنه كل شيء ، وهو لا شيء ، هذا مصيره التَّلَف والهوان .

 

﴿ سَنَكْتُبُ مَا يَقُولُ﴾

 كُتبتْ هذه الكلمة في صحيفته ، سُجِّلَتْ ، وسوف يواجه بها يوم القيامة، وقد يواجه بها في الدنيا قبل الآخرة .

 

﴿ كَلَّا سَنَكْتُبُ مَا يَقُولُ وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ الْعَذَابِ مَدّاً ﴾

 وسوف يتحمَّل مَغَبَّةَ هذه الكلمة ، سوف يلقى ألوان العذاب جزاءً وفاقاً لهذه الكلمات التي تفوَّه بها .

 

﴿ وَنَرِثُهُ مَا يَقُولُ ﴾

مع الموت نفقد كل شيء :

 هذا الذي أوتي المال والولد ، وأوتي الجاه العريض ، وجاءته الدنيا ، وهي راغمة ، واستعلى بها على الناس ، كل مكتسباته ، وكل عِزِّه ، وكل جبروته ، إنما جاءه من المال الوفير الذي هو بين يديه ..

 

﴿ وَنَرِثُهُ مَا يَقُولُ ﴾

 لابدَّ أن يموت ، وحينما يموت يفقد كل شيءٍ في ثانيةٍ واحدة ، ليس في الكَفَنِ جيب ، هل أحدٌ منكم رأى في الكفن جيباً لوَضْع دفتر الشيكات ؟ لا ، وألف لا ، قماشٌ أبيضٌ من أرخص أنواع الأقمشة يُلَفُّ به ، ويوضع في القبر ، أحد كبار الأثرياء بنى لنفسه قبراً جعله آيةً ، هذا القبر آيةٌ في الجمال والفخامة ، كَلَّفَ الملايين ، بناه في جبلٍ أخضر مُشْرِفٍ على البحر ، أيْ حتى لو مات في أقصى الأرض فعليهم أن يحضروه ، فهذا قبره ، كان يركب طائرته الخاصة فوق البحر ذات يوم ، فسقطت الطائرة في البحر ، استقدمت زوجته مجموعةً من أمهر الغواصين من بلاد الغرب لانتشال جُثَّتِهِ من البحر ، ودفعت هذه الزوجة أيضاً مئات مئات الألوف ، فما تمكَّن الغوَّاصون إلا أن ينتشلوا جثة الطيار ، أمَّا هو فلم يُتَح له أن يدفن في هذا القبر ..

﴿ وَنَرِثُهُ مَا يَقُولُ ﴾

 أحد أكبر أغنياء العالم كان يُقْرِضُ الدولة من حينٍ لآخر ، دخل إلى بعض مستودعات الذهب التي يملكها ، فأغلق عليه الباب خطأً ، فجعل يصيح ملء فمه ، ولا أحد يستمع إليه ، إلى أن جرح يديه ، وكتب على حائط هذا المستودع : أغنى أغنياء العالم يموت جوعاً .

﴿ وَنَرِثُهُ مَا يَقُولُ ﴾

 فهذا البيت الذي تتباهى به ليس لك ، البيت الحقيقي هو المثوى الأخير ، هذه المركبة التي تتيه بها ليست لك ، إنها لله وضعت بين يديك ، أعرابيٌ أجاب أَدَقّ إجابةٍ وأصح إجابةٍ وأوجز إجابةٍ ، كان يقودُ قطيعاً من الإبل قيل له : لمن هذا القطيع ؟ قال : لله في يدي ، أي أن هذا البيت لله تسكنه أنت الآن ، ليس لك ؟ والدليل لابدَّ من أن يخرج أحدنا من بيته بشكلٍ أفقي دون أن يعود ، والذي يُعَدُّ بطلاً فلْيتحدَّ ، ولا يخرج من بيته ، مهما كنت قد اعتنيت بهذا البيت لابدَّ أن تخرج منه بشكلٍ أفقي من دون أن تعود .

﴿ وَنَرِثُهُ مَا يَقُولُ ﴾

 وكذلك مركبته ، وكذلك محله التجاري ، وكذلك وجاهته ، وكذلك ممتلكاته .

﴿ وَنَرِثُهُ مَا يَقُولُ وَيَأْتِينَا فَرْداً ﴾

ويأتينا فَرْدًا

 أين جماعتك ؟ ..

 

﴿ وَيَأْتِينَا فَرْداً ﴾

 أين عُزْوَتُك ؟ ..

 

﴿ وَيَأْتِينَا فَرْداً ﴾

 أين خُطورتك ؟ ..

 

﴿ وَيَأْتِينَا فَرْداً ﴾

 الإنسان أحياناً في الحياة الدنيا يلتفُّ حوله أشخاص ، هذا حوله إخوة ، هذا حوله أقارب ، هذا حوله تلاميذ ، هذا حوله أتباع ، كل إنسان يعتز بمن حوله ، لكن البشر جميعاً سيقدمون على الله عزَّ وجل فُرادىً ..

﴿ وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ ﴾

( سورة الأنعام : من آية " 94 " )

 لا تخلو الحياة الدنيا من بعض الأصدقاء ، تتصل بفلان ، تُوسِّط فلاناً الآخر صديق فلان ، يُخرجك بسند كفالة ، ممكن ، هذه في الدنيا ، فلان يكتب كلاماً لمصلحتك في الضبط ، هذا ممكن في الدنيا ، لكن يوم القيامة ..

 

﴿ وَيَأْتِينَا فَرْداً * وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آَلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزّاً﴾

 هذا هو الحُمْقُ بعينه ، أن تتخذ من دون الله إلهاً لتعتزَّ به ، فقد يعتزُّ فلانٌ بقريبه إذا كان في مكانٍ مرموق ، وقد يعتز الإنسان بماله ، ويَعُدُّ ماله إلهاً له ، يعتز به ، وقد يعتز فلانٌ بكذا وكذا ..

 

﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آَلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزّاً * كَلَّا سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدّاً﴾

كل معبود بالباطل يصير عدوا لعابده يوم القيامة :

 قال علماء التفسير : إن كانت هذه الآية موجَّهَةٌ إلى من اتخذ أشخاصاً من بني البشر ، اتخذهم آلهة يعبدهم من دون الله ، ويرجوهم ، ويخشاهم ، ويطيعهم ليكونوا له عزاً ، فهؤلاء الأشخاص يوم القيامة سيكفرون بهذه العبادة ، ويقولون : يا من كنت مغفلاً نحن بشر مثلك ، لا نستحقُّ العبادة ، نحن ضعاف ، نحن مفتقرون إلى الله ، إن هؤلاء الذين اتّخذوا آلهةً من دون الله سيكفرون بعبادتهم ، وسيشهدون ضدهم .

 

﴿ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدّاً﴾

 وقال علماء التفسير : وإذا كان هؤلاء الذين اتخذوا من دون الله أصناماً فإن الله عزَّ وجل ينطقهم يوم القيامة ليكونوا شهودَ إثباتٍ على كفر هؤلاء .

 

﴿ كَلَّا سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدّاً * أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزّاً﴾

معنى : تؤزّهم :

 معنى تؤزُّهم أي تُهَيِّجُهُم ، تستفزِّهم ، تحرِّضهم ، الذي يجعلك في حيرةٍ من أمر بعض الناس أن هذا الإنسان يحب أن يؤذي ، لماذا يؤذي؟ ولا مصلحة له شخصية في هذا الأذى ، لكن يحب أن يؤذي ، هذا الإنسان تنطبق عليه هذه الآية :

 

﴿ أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ ﴾

 لو أن الله عزَّ وجل قال : ألم تر أنّا أرسلنا الشياطين عليهم ، لكان هذا المعنى غير مستقيم ، لكن الله عزَّ وجل يقول :

 

﴿ أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ ﴾

 أيْ أنهم بعد أن كفروا ، واختاروا الكفر بمحض اختيارهم استحقوا أن تأتيهم الشياطين لتؤزُّهم أزَّاً ، فعندئذٍ تجد الكافر لا هم له إلا إيذاء الناس ، يؤذيهم ، يسلبُهُم بعض ممتلكاتهم ، يأخذ ما عندهم ، يوقِع بهم الضَرَر ، فقد يكون الجار كذلك ، يرتاح إذا أوقع جاره في ورطة ، يشفى غليله إذا سَبَّب لجاره بعض المتاعب ، هناك أشخاصٌ تحارُ في أمرهم ، لماذا يؤذون ولا مصلحة لهم في هذا الأذى ؟ هؤلاء كما قلت قبل قليل تنطبق عليهم هذه الآية ، لذلك قال بعضهم : " إذا أردت أن تعرف مقامك فانظر فيما استعملك" ، فهناك أشخاصٌ يحبُّهم الله عزَّ وجل يستعملهم في الخير ، إذا أحب الله عبداً جعل حوائج الناس إليه ، إذا أحب الله عبداً طَرَقَ الناس بابه ، إذا أحب الله عبداً أجرى الخير على يديه ، خَلَقَ الفضل ، ونسبه إليه ، وهناك أشخاصٌ مفاتيح للشر ، يستخدمهم الله عزَّ وجل لتأديب عباده ، فلا يجري على يديهم إلا الشر .

 

﴿ أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزّاً *فَلَا تَعْجَلْ عَلَيْهِمْ إِنَّمَا نَعُدُّ لَهُمْ عَدّاً﴾

الإنسان بضعة أيام معدودة :

 كل شيءٍ معدود هو شيءٌ قليل ، حياتنا في هذه الدنيا أيامها معدودة، إذاً هي قليلة ، الإنسان بضعة أيام كلما انقضى يومٌ انقضى بِضْعٌ منه ، كل شيءٍ معدودٌ هو قليل ، فهذا الذي يتمنَّى على الله عزَّ وجل أن يُدَمِّرَ هذا الجار الظالم أو هذا القريب الجاحد ، فلا ..

 

﴿ فَلَا تَعْجَلْ عَلَيْهِمْ إِنَّمَا نَعُدُّ لَهُمْ عَدّاً ﴾

 أيْ أَنَّ أيامهم معدودة ، لابدَّ من أن تنقضي ..

الليل مهما طال فلا..  بدّ من طلوع الفجر
والعمر مهما طال فلا  بدَّ من نزول القبر.
* * *
وسبحان من قهر عباده بالموت .
***
كل ابن أنثى وإن طالت سلامته يوماً على آلةٍ حدباء محمول
فإذا حملت إلى القبور جنازة ..  ...فاعلم بأنك بعدها محمول
* * *

 واعلموا أن ملك الموت قد تخطانا إلى غيرنا ، وسيتخطى غيرنا إلينا فلنتخذ حذرنا .
 القضية سهلة ، محسومة ، واضحة ..

 

﴿ فَلَا تَعْجَلْ عَلَيْهِمْ إِنَّمَا نَعُدُّ لَهُمْ عَدّاً ﴾

 أحياناً تُستخدم بعض العبارات يقالُ لك : فلان انتهى ، ولكن القضية قضية وقت ، أي أنه بقي له أيام معدودة ، أحياناً يقول الطبيب هكذا: انتهى . أي بقي له أيام ، ميئوسٌ من شفائه ، فهذا الذي أعرض عن الله عزَّ وجل وركب رأسه ، وعصى ربه ، وجحد نعمته ، وتنكَّب طريق الحق ، وأراد أن يطفئ نور الله ، الإنسان قد يقول فيه : ليت الله يهلكه . فلا ..

﴿ فَلَا تَعْجَلْ عَلَيْهِمْ﴾

 له عند الله أجلٌ لا ينقص ولا يزيد :

﴿ وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَكَانَ لِزَامًا ﴾

( سورة طه )

 لزاماً هلاك الكفار .

﴿ وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَكَانَ لِزَامًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى ﴾

( سورة طه : 129)

﴿ فَلَا تَعْجَلْ عَلَيْهِمْ إِنَّمَا نَعُدُّ لَهُمْ عَدّاً * يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْداً﴾

تكريم الله للمؤمنين وفدا وفدًا :

 ما هذا التبجيل ؟ ما هذا التكريم يا رب العالمين ؟ هؤلاء المتقون يذهبون إلى الرحمن وفداً ، علامة التكريم ، وعلامة الإسعاد ، وفدٌ كريم يَقْدِمُ على الله عزَّ وجل ، يرحَّب بهم ، يقال لهم :

﴿ سَلامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ ﴾

( سورة الزمر :73)

﴿ لا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلا تَأْثِيمًا(25)إِلا قِيلا سَلامًا سَلامًا ﴾

( سورة الواقعة )

﴿ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْداً﴾

 وفدٌ رفيع المستوى ، تقام له الزينات ، وينزل في أرقى البيوتات ، ويقدَّمُ له ما لَذَّ وطاب ، هذا شأن الدنيا ، الوفود رفيعة المستوى يُحْتَفَلُ بها احتفالاً كبيراً ، فكيف بالمتقين الذين أمضوا حياتهم في طاعة الله ، أمضوا حياتهم في التقرُّب إليه ، أمضوا حياتهم في خدمة عباده ؟ هؤلاء يوم القيامة يحشرون إلى الرحمن وفداً ، هنيئاً لهم ، نرجو الله أن نكون منهم ، وأما المجرمون لا يحشرون ولكن يُساقون ..

 

﴿ وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ وِرْداً ﴾

 لابدَّ من أنكم رأيتم أحداً أُلقي القبض عليه بجريمة ، كيف يساق إلى سيارة رجال الضابطة ؟ هل يقابَل بالترحيب ؟ وهل يقالُ له : تفضل ، أم يستقبل بالضرب والركل ؟

 

﴿ وَنَسُوقُ الْمُجْرِمينَ إِلَى جَهَنَّمَ وِرْداً﴾

إهانة الله للمجرمين وسوقهم على الجحيم بالسلاسل :

 سَوْق ..

﴿ أَفَمَنْ وَعَدْنَاهُ وَعْدًا حَسَنًا فَهُوَ لاقِيهِ كَمَنْ مَتَّعْنَاهُ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ الْمُحْضَرِينَ ﴾

( سورة القصص : 61)

 مُحْضَرًا ، أي ألقي القبض عليه ، ووضعت في يديه الكلاليب ، واقتيد إلى مصيره المحتوم ، هذه هي الخسارة ..

 

﴿وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ وِرْداً * لَا يَمْلِكُونَ الشَّفَاعَةَ﴾

لا شفاعة لمعبود بالباطل :

 أيْ أنَّ هؤلاء الآلهة الذين عبدوهم من دون الله لا يملكون لهم الشفاعة ، تماماً ( في الدنيا كعصابة سرقة مثلاً )ألقي القبض عليها ، زعيم العصابة كان قبل إلقاء القبض عليه ، يُصدر الأوامر لأفراد عصابته ، ويأمر وينهى، ويطمئن ، فإذا ألقي القبض عليه مع أفراد عصابته فليقل أحدهم له : خلَّصنا يا زعيم ، يا فلان خلصنا ، إنه لا يستطيع ..

 

﴿ لَا يَمْلِكُونَ الشَّفَاعَةَ﴾

 هؤلاء الآلهة الذين عبدتموهم من دون الله ، يخاطب الله الكفار :

﴿ لَا يَمْلِكُونَ الشَّفَاعَةَ﴾

 لا يستطيعون كَشْفَ الضر عنكم ولا تحويله ، لا يملكون لأنفسهم ضَرَّاً ولا نفعاً ، فإن كانوا عاجزين عن أن يملكوا لأنفسهم نفعاً أو ضراً فهم عن أن يملكوا لكم نفعاً أو ضراً أعجز .

﴿ لَا يَمْلِكُونَ الشَّفَاعَةَ إِلَّا مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْداً﴾

تفسير : إِلاَ مَن اتّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا

 قال علماء التفسير : العهد هو الإيمان والعمل الصالح ، فمن كان في الدنيا مؤمناً ، ومن كان ذا عملٍ صالحٍ ربما نالته شفاعة النبي عليه الصلاة والسلام ، من مات غير مشركٍ بالله عزَّ وجل ، هكذا ورد في بعض الأحاديث الصحيحة فقد تناله الشفاعة .

 

﴿ وَقَالُوا ﴾

الفرية العظيمة : اتَّخَذَ اللّهُ وَلَدًا

 العرب قالوا : إن الملائكة بنات الله ، واليهود قالوا : عُزَيِر ابن الله، والنصارى قالوا : المسيح ابن الله ..

 

﴿ وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَداً ﴾

 لمَ يتخذ الرحمن ولداً ؟ أهو كالبشر يحتاج إلى من يخلِّد ذكره ؟ أهو كالبشر في سنه ، في خريف العمر يحتاج إلى من يساعده ؟

﴿ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا ﴾

( سورة الإسراء :43)

﴿ وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَداً *لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئاً إِدّاً﴾

 أيْ شيئاً عظيماً ، افتراءً كبيراً ، وصفاً لا حدود لفظاعته .

 

﴿ لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئاً إِدّاً * تَكَادُ السَّمَوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ﴾

تَكَاد السَّمَاوَاتُ تَتَفَطَر من نسبة الولد لله تعالى :

 إذا كانت السماء بما فيها من أجرام تكاد تتفطَّرُ أنْ سمعت أنَّ هناك أُناساً يزعمون أن الله عزَّ وجل اتخذ ولداً ، فما بال هؤلاء الذين يعقلون يزعمون هذا الزَعم ؟! .

 

﴿ تَكَادُ السَّمَوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ﴾

 من هذا القول الفظيع ..

 

﴿ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدّاً * أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَداً﴾

وَتَنْشَقُّ الأَرْضُ وَتَخِرّ الجِبَالُ هَدًّا

 أيْ أنَّ هذا الجبل الأَشَمّ لو سمع أن هناك من يدَّعي أن الله عزَّ وجل قد اتخذ ولداً ، إن هذا الجبل ينهَدُّ ويصبح رُكاماً ..

 

﴿ وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَداً ﴾

ليس من شأن الله أن يتخذ ولدًا

 سبحانه وتعالى ليس كمثله شيء ، ليس بمتبعضٍ ولا متجزِّئٍ ، ولا صورةٍ ، لا يُسأل عنه بمتى كان لأنه خالق الزمان ، ولا أين هو لأنه خالق المكان ، وكل ما خطر في بالك فالله بخلاف ذلك ، عَلِمَ ما كان ، وعَلِمَ ما يكون ، وما سيكون ، وما لم يكن لو كان كيف كان يكون ،

﴿ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا ﴾

( سورة الإسراء : 43)

﴿ وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَداً ﴾

 هو أعظم من ذلك ، ليس كمثله شيء ، هو فوق كل شيء ، وليس تحتَهُ شيء ، وهو في كل شيءٍ لا كشيءٍ في شيء ، ليس كمثله شيء .

﴿ إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آَتِي الرَّحْمَنِ عَبْداً ﴾

كل مخلوق يأتي ربَّه عبدا فردا

 بما فيهم سيدنا المسيح عيسى بن مريم سيأتي الرحمن عبداً ، بما فيهم عُزير سيأتي الرحمن عبداً .

 

﴿ لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدّاً ﴾

قدرة الله وإحاطته بكل شيء علمًا :

 معنى أحصاهم أي أحاط بهم ، وقد عدَّهُم عدَّا ، أحياناً إنسان يهرب من مكان عمله فيوقِّع عنه رفيقه ، يرفع الدوام للمدير يرى أن الكل في دوامهم كالمعتاد ، والأمور تجري على ما يرام ، ويكون أحد هؤلاء قد خَرَجَ قبل نهاية الدوام ، فهذا الذي يَقْبَع وراء مكتبه ليس في إمكانه أن يحيط بكل موظفيه ، وأن يحصيهم ، وأن يعدَّهمٍ عداً ، الإنسان قاصر ؛ فمعلوماته تأتيه من الآخرين ، لابدَّ أن يكلف أناساً بضبط الدوام ، لضبط الدخول والخروج ، متى دخل ؟ متى خرج ؟ لكن الله سبحانه وتعالى محيطٌ بكل شيء لقد أحصاهم ، فما دام الله عزَّ وجل يسمع صوت النملة السوداء على الصخرة الصمَّاء في الليلة الظَلْمَاء ، نملةٌ سوداء تمشي على صخرة صماء في ليلةٍ ظلماء يسمعها ويراها ، وما تسقط من ورقةٍ إلا هو يعلمها ، وقمْ تجوَّلْ في البساتين في الخريف ، ما أكثر الأوراق التي تتساقط .

﴿ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلا يَعْلَمُهَا ﴾

( سورة الأنعام : من آية " 59 " )

 لذلك :

 

﴿ لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدّاً ﴾

 معنى أحصاهم أحاط بهم .

 

﴿ وَعَدَّهُمْ عَدّاً ﴾

 فرداً فرداً ، حالةً حالة .

﴿ وَكُلُّهُمْ آَتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْداً ﴾

 فالإنسان يوم القيامة كما قلنا قبل قليل : ليس له جماعة ، ولا أقارب ، ولا من يقوِّي شأنه ، ولا من يُدافع عنه ، ولا من يتوسَّط له ، بل هو فرد مَهيض الجناح ..

 

﴿ وَكُلُّهُمْ آَتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْداً * إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدّاً﴾

مودة الله للمؤمنين :

 واللهِ الذي لا إله إلا هو لو لم يكن في كتاب الله من إكرامٍ للمؤمن إلا هذه الآية لَكَفَت ..

 

﴿ إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدّاً ﴾

المعنى الأول للمودة :

 قال العلماء : المعنى الأول أن الله سبحانه وتعالى يُلقي في قلب الناس جميعاً مَحَبَةَ المؤمن ..

يُنَادى له في الكون : أنا نحبه  فيسمع مَن في الكون أمر مُحِبنا
* * *

 وبعضهم يقول : إن المودَّة هنا تعني تحقيق ما يحب ، فكل مؤمنٍ يحب أن يلقى الله ، يحب أن يدخل الجنة ، يحب رضوان الله ، الله سبحانه وتعالى سيؤتيه سُؤْلَهُ ، والمعنى الثالث :

 

﴿ إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدّاً ﴾

 أيْ أنَّ هذه المودة بين الله وبين المؤمنين أثمن ما في الوجود ، يا محمد ، جبريل عليه السلام جاء سيدنا محمد قال له : " يا محمد قل لصاحبك : إن الله راضٍ عن أبي بكر ، فهل هو راضٍ عن الله ؟.

 

﴿ إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدّاً ﴾

 إذاً :

 

﴿ إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدّاً ﴾

 فالمودة مطلقةٌ ؛ إما أنها بينك وبين الناس ، وإما أنها بينك وبين الله سبحانه ، فالله عزَّ وجل يجعلُ قلوب الناس تهفو إليك ، يحبونك ويعجبون لهذه المحبة ، لأن الله عزَّ وجل تجلَّى عليك ، فجعل القلوب تهفو إليك ، أنت كمؤمن هكذا يحبك الناس ، ومن علامة صدق إيمانك محبَّة الناس لك ، ومن علامة النفاق بُغض الناس لك ، علامة الإخلاص محبة الناس ، ألسنة الخلق أقلام الحق ، إذاً :

 

﴿ إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدّاً ﴾

((المؤمنون بعضهم لبعضٍ نصحةٌ متوادون ولو ابتعدت منازلهم ، والمنافقون بعضهم لبعضٍ غَششةٌ متحاسدون ولو اقتربت منازلهم ))

[البيهقي في شعب الإيمان عن قتادة]

 إذاً هذا هو المعنى الأول .

المعنى الثاني للمودة :

 وأما المعنى الثاني فالمودة بينك وبين الله، ففي الحديث القدسي :

((وجبت محبتي للمتحابين فيَّ ، والمتجالسين فيَّ ، والمتبادلين فيَّ ، والمتزاورين فيَّ ، والمتحابون فيَّ جلالي على منابر من نور يغبطهم عليها النبيون يوم القيامة))

( أحمد )

 وخلاصة المعنى الثاني أن الذي ترغبه وتحبه فإنّ الله سبحانه وتعالى سيؤتيك إياه ..

 

﴿ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدّاً ﴾

 هذا الذي أحبوه سيجعله لهم ، سيقَدره لهم ، سيكافئهم به .

المعنى الثالث للمودة :

 والمعنى الثالث : هو أنك إذا كنت في طاعة الله ، وعبَدَّتَهُ حق العبادة يدنيك منه ، إنك إذاً في مقعد صدقٍ عند مليكٍ مقتدر ، إذاً يدافع الله عنك ، تشعر بهذه المودة ..

﴿ وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ(14)ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ(15)فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ ﴾

( سورة البروج : 14-16)

﴿ فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْماً لُدّاً ﴾

القرآن نذير :

 لُدَّا أيْ : خَصمين ، شديدي الخصومة .

 

﴿ وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ ﴾

 اذهب إلى تدمر حيث آثار التدمريين ، مملكةٌ ذات شأنٌ كبير كانت في بادية الشام ، وهذه آثارها تدلُّ على عظمة شأنهم ، اذهب إلى البتراء حيث قوم ثمود .

﴿ وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ ﴾

( سورة الفجر :9)

 اذهب إلى أهرامات مصر .

﴿ وَفِرْعَوْنَ ذِي الأَوْتَادِ(10)الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلادِ(11)فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ(12)فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ(13)إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ(14)﴾

( سورة الفجر )

﴿ وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ ﴾

هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِن أَحَدٍ أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزًا

 هل هناك أحدٌ يجيبك ؟ هل هناك أحدٌ يسمعك ؟ هل هناك أحدٌ تتحدَّثُ إليه ؟ .

 

﴿ هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزاً ﴾

 رِكْزَاً يعني صوتاً ، أحد الشعراء ، وهو البحتري وقف في إيوان كسرى ، وقد نُقِشَت على حائطه لوحةٌ تصويريةٌ رائعةٌ جداً عن معركةٍ تاريخيةٍ جرت بين الفُرس والروم ، فقال ، وقد كانت الصورة رائعةً :

يَغتَلي فيهمُ ارْتِيابـــــــيَ  حَتّى تَتقَرّاهُمُ يَدايَ بلَمْـــــسِ
حَضَرَتْ رحليَ الهُمُومُ فَوَجّهْـ  ـتُ إلى أبيَضِ المَدائنِ عُنْسِــي
أتَسَلّى عَنِ الحُظُوظِ ، وَآسَــى  لَمَحَلٍّ من آلِ ساســــانَ دَرْسِ
ذَكّرْتَنيهمُ الخُطُوبُ التّوَالـــي  وَلَقَدْ تُذكِرُ الخُطوبُ وَتُنسِــــي
وَكَأنّ الإيوَانَ منْ عَجَبِ الصّنْـ  ــعَةِ جَوْبٌ في جنبِ أرْعَنَ جِلسِ
لَيسَ يُدرَى: أصُنْعُ إنْسٍ لجــن ٍّ سَكَنوهُ أمْ صُنعُ جنٍّ لإنْــــسِ
عَمَرَتْ للسّرُورِ دَهْراً، فصَارَتْ  للتّعَزّي رِبَاعُهُمْ ، وَالتّأسّــــي
***

 وهكذا ، ونحن على هذا الطريق سائرون ، لابدَّ من أن يأتي يومٌ لا يبقى فيه واحدٌ منا فوق الأرض ، بعد مئة عام كلنا تحت أطباق الثرى ، كلنا في قبور مبثوثة هنا أو هناك ، تقرأ شاهدة ؛ هنا قبر فلان ، كان إنساناً ، كان موظفاً ، كان تاجراً ، كان عالماً ، كان ذا شأنٍ كبير ، كان أديباً ، كان مؤرِّخَاً ، كان مهندساً ، كان طبيباً ، أين هم ؟.

 

﴿ هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزاً ﴾

 لذلك قالوا : الدنيا ساعة اجعلها طاعة ، والنفس طمّاعة عوّدها القناعة .

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018