الدرس : 5 - سورة مريم - تفسير الآيات 66 - 76 - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الدرس : 5 - سورة مريم - تفسير الآيات 66 - 76


1988-01-08

 الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد ، الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا ، إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا ، وزدنا علما ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .
 أيها الإخوة المؤمنون ... مع الدرس الخامس من سورة مريم ، وصلنا في الدرس الماضي إلى قوله تعالى :

﴿ وَيَقُولُ الْإِنْسَانُ أَئِذَا مَا مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيّاً ﴾

الأصل في الكافر إنكارُ اليوم الآخر :

 هذا الإنسان المقصود به هو الإنسان الغافل ، وربما كان الإنسان الكافر ، هذا الإنسان الذي عطَّل فكره ، هذا الإنسان الذي غفل عن ذكر ربه ، هذا الإنسان الذي عاش ليستمتع بشهوات الدنيا ، انغمس فيها وغفل عن سرِّ وجوده ، غفل عن سرِّ خلقه ، غفل عن الغاية التي خُلِقَ من أجلها..

 

﴿ وَيَقُولُ الْإِنْسَانُ أَئِذَا مَا مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيّاً ﴾

 هذا الاستفهام هو استفهامٌ إنكاري ، كأنَّه يستنكِرُ ، أو يستغرِبُ أن يعود الإنسان بعد الموت حيَّاً ..

 

﴿ وَيَقُولُ الْإِنْسَانُ أَئِذَا مَا مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيّاً ﴾

الإيمان باليوم الآخر حافز للاستقامة والعمل الصالح :

 مع أن الإنسان لا يستطيع أن يستقيم على أمر الله ، وأن يأخذ ما له ويدع ما ليس له إلا إذا آمن باليوم الآخر ، إلا إذا آمن بيومٍ يُحاسب فيه الإنسان عن أعماله كلها ، إلا إذا آمن بأن الله عزَّ وجل من أسمائه الحقُّ العَدْلُ ، إذا آمنْتَ باليوم الآخر تستطيع أن تستقيم على أمر الله .
 فهذا الإنسان لماذا ينكر اليوم الآخر ؟ إنه يُنكر هذا اليوم ، ويكذِّب به ليحقِّق التوازن مع نفسه ، إنه يفعل ما يشاء مِن دون انضباط ، يأخذ ما له ، وما ليس له ، إنه يعتدي على أموال الآخرين ، إنه يعتدي على أعراضهم ، إنه يبني غِناه على فقرهم ، كيف يفعل هذا وهو مؤمن أنّ هناك يوماً آخر يُحاسب فيه الإنسان ؟ لذلك :

﴿ أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ(1)فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ ﴾

( سورة الماعون : 1-2)

العلاقة بين التكذيب بالدين والانحراف في السلوك :

 مِن لوازم التكذيب بالدين دَعُّ اليتيم ، ومِن دَعَّ اليتيم فقد كذَّب بالدين ، هناك علاقةٌ ترابطيَّة ، المُنحرف من شأنه أن يكذِّب بهذا اليوم ، والذي يصدِّق بهذا اليوم من شأنه أن يستقيم ، لأن الإنسان لا يتوازن مع نفسه ، ولا يتوازن مع عقله أن يفعل السيِّئات ، وهو موقنٌ بأنه سيحاسب عنها ، مستحيل ، كيف يطمئنُّ له بال ؟ كيف يقرُّ له قرار ، وهو يعلم أنه سيحاسب ؟ لو أنَّنا آمنا باليوم الآخر لهانت علينا الاستقامة ، ولهان علينا أن نأخذ ما لنا ، وندع ما ليس لنا ، إن كل المشقَّات التي يجدها الإنسان في الاستقامة على أمر الله تهون إذا هو آمن باليوم الآخر ، نَعَم تهون .. أَقلِلْ من الشهوات يسهُل عليك الموت .. إنك لن تستطيع أن تؤمن باليوم الآخر وأنت مقيمٌ على المعاصي ، فاعلموا علم اليقين أن لكل معصيةٍ عقاباً في الدنيا ، وفي الآخرة .
 فلاحظْ أنّ هناك علاقةً ترابطيَّةً بين عدم الإيمان باليوم الآخر وبين الانحراف في السلوك ، يؤكِّدها قوله تعالى :

﴿ فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ ﴾

( سورة القصص : من آية " 50 " )

 يؤكِّدها قوله تعالى :

﴿ أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ(1)فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ ﴾

( سورة الماعون :1-2)

 لذلك ؛ الركن الثاني من أركان الإيمان هو الإيمانُ باليوم الآخر ، فلو أن في الإنسان حساسيةً عالية المستوى وقال لك أحدهم : أشكوك إلى الله عزَّ وجل ، يجب أن ترتعد فرائصك من هذه الكلمة لأن الله سبحانه وتعالى هو الحق المبين .. وإليكم هذا الحادث وما فيه من عبرة .
 دخل إنسان إلى بيت في العصور القديمة ، وقد أُبيحت المدينة للجُند ، أعطى قائد الجند أمراً أنَّ هذه المدينة مباحةٌ لكم ، دخل أحد الجنود إلى أحد البيوت فرأى فيه امرأةً ، ورجلاً ، وولدين ، فقتل الرجل ، وقال للمرأة : أعطني ما عندك ، أعطته سبعة دنانير ذهبيَّة ، فقتل الولد الأول ، فلمَّا رأته جادَّاً في قتل الولد الثاني أعطته درعاً مُذْهَبَةً ، لقد أعجبته هذه الدرع ، قرأ عليها بيتين فوقع مغشياً عليه ، ماذا في هذين البيتين ؟ ..

إذا جَاَرَ الأميرُ وحاجِباه وقاضي  الأرضِ أسْرَفَ في القضاءِ
فويلٌ ثمَّ ويلٌ ثمَّ ويلٌ لقاضي....  الأرضِ منْ قاضي السَّماءِ
* * *

 في أثناء تعاملك مع الناس قد يأتيك طفلٌ صغير ، بكل بساطة تستطيع أن تأخذ ماله ، وأن تغشَّه ، قد تأتيك امرأةٌ بسيطة ، ليست خبيرةً بهذه البضاعة ، قد تبيعها الحاجة السيِّئة بالسعر المرتفع ، وهي لا تدري ، لكنَّك لو علمت أ‍نّ لك مع الله وقفَةً يحاسبك فيها عن هذا الغش في بيعك .. عن هذه المرأة .. لماذا عاملتها هذه المعاملة ؟ لاستقامت معاملتك .
 هنا المشكلة ؛ الحياة تجمع بين المتناقضات فيها القوي ، وفيها الضعيف ، القوي مبتلى بالقوَّة ، والضعيف مبتلى بالضعف ، الغني مبتلى بالغنى ، والفقير مبتلى بالفقر ، وذو المكان الرفيع مبتلى بهذا المكان الرفيع ، وذو المكان الوضيع مبتلى بهذا المكان الوضيع ، والله سبحانه وتعالى ينظر إلينا كيف نعمل ، كيف نتحرَّك ، كيف نتصرَّف ، هل نقف عند حدودنا ؟ هل نقف عند حدود الله عزَّ وجل ؟ هل نأتمر بأمر الله ؟ هل ننتهي عما عنه نهى الله عزَّ وجل ، فالمشكلة كبيرة جداً ، أكثر الناس يظنُّون أنهم بذكائهم يُحَصِّلون ما ليس لهم ، هذا ليس ذكاءً ، هذا هو الحُمق بعينه ، لأن الله سبحانه وتعالى سيوقفك يوم الدين ليحاسبك عن أعمالك كلها ، صغيرها وكبيرها ، جليلها وحقيرها .
 إذاً :

 

﴿ وَيَقُولُ الْإِنْسَانُ أَئِذَا مَا مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيّاً ﴾

 لماذا هو يُنْكِر ؟ ليفعل ما يشتهي ، ليُغَطِّي انحرافه بهذه العقيدة الضالَّة ، متى تزيغُ العقيدة ؟ إذا زاغ السلوك ، هناك ترابطٌ ، وعلاقةٌ ترابطيَّةٌ دائمةٌ مستمرَّةٌ بين زيغ العقيدة ، وبين زيغ السلوك ..

 

﴿ وَيَقُولُ الْإِنْسَانُ أَئِذَا مَا مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيّا ً﴾

تذكير بأصل خَلق الإنسانِ : من ماءٍ مهين :

 هو نقطةٌ من ماء مَهين ، كل ثلاثمئة مليون حيوان منوي تختار البويضة حيواناً واحداً منها ، من ثلاثمئة مليون ، هذا الحيوان المنوي الذي لا يُرى بالعين المُجَرَّدة ، فكيف يدخل إلى البويضة ؟ وكيف يلقِّحها ؟ وكيف تنقسم خلال يومين أو ثمانية أيَّامٍ إلى عشرات الألوف من الخلايا؟ وكيف تصل هذه البويضة المُلَقَّحة إلى الرحم ؟ وكيف تلتصق على جدار الرحِم ؟ وكيف تتشكَّل جنيناً صغيراً ؟ كيف يتشكَّل القلب والرئتان ؟ وكيف تتشكل الأعضاء والأجهزة ، والدماغ والأعصاب ، والشرايين والأوردة ، والعظام ، والعضلات ؟ هذه الأجهزة المُعَقَّدة صنع من ؟ يدُ من؟ ..

 

﴿ وَيَقُولُ الْإِنْسَانُ أَئِذَا مَا مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيّاً * أَوَلَا يَذْكُرُ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئاً ﴾

 ما منَّا واحدٌ إلا ، وله تاريخ ميلاد ، قل قبل خمس سنين من تاريخ ميلادك أين كنت ؟ ومن أنت ؟ ومن يعرفك ؟

﴿ هَلْ أَتَى عَلَى الإِنسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا ﴾

( سورة الإنسان : 1)

 وبالمقابل ، سيأتي حينٌ من الدهر آخر نصبح جميعاً تحت أطباق الثرى ، ولا يبقى إلا العمل الذي فعلناه إن خيراً فخير ، وإن شرَّاً فشر ..

 

﴿ أَوَلَا يَذْكُرُ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئاً ﴾

 ما كنتَ شيئاً مذكورا ، هذا دليل ، فالإنسان إن لم يَذكر كيف خُلِقَ ابنه أمامه ، فهو إذاً يعلم علم اليقين أنه لم يُسهِم في تخليق ابنه ، بل إنه ما فعل شيئاً إنما هي يد العناية الإلهيَّة ، هي التي خلَّقت هذه النطفة وهذه البويضة ، وجعلتْهُما علقة فمضغة ، فشكَّلت العظام ثم وكُسيت العظام لحماً..

﴿ فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ ﴾

قسم الله على بعث الناس :

 أيْ أن هؤلاء الذين ينكرون البعث ، هؤلاء الذين ينكرون اليوم الآخر ، ويفعلون أفعالاً لا تُرضي الله عزَّ وجل ، ويحتالون على الناس ، ويتباهَوْنَ بذكائهم أنهم أخذوا ما ليس لهم ، هؤلاء الذين فعلوا ما يشتهون ، وانغمسوا في المُتَعِ الرخيصة ، واعتدوا على الأموال والأعراض ، هؤلاء الذين كفروا بالله عزَّ وجل ، وكفروا بآياته ، وكفروا باليوم الآخر لن يُتركوا سُدى ..

﴿ أَيَحْسَبُ الإِنسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى(36)أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنَى(37)ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى(38)فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالأُنثَى(39)أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى ﴾

( سورة القيامة : 36-40)

﴿ أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ(115)فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ ﴾

( سورة المؤمنون : 115 - 116)

 تعالى الله أن يخلقكم عبثاً ..

﴿ وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلا ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ النَّارِ ﴾

( سورة ص : 37)

﴿ وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لاعِبِينَ ﴾

( سورة الدخان : 38)

 هذه السماوات والأرض لم تُخْلَقْ باطلاً ، هذه السماوات والأرض لم تُخْلَق لعباً ، هذه السماوات والأرض لم تُخْلَق عبثاً ، لابدَّ من الحساب، لابدَّ من الجزاء ، لابدَّ من الدينونة ، لابدَّ من يوم الدين ، لابدَّ من اليوم الآخر .

 

﴿ فَوَرَبِّكَ ﴾

 الله سبحانه وتعالى أقسم بذاته ..

 

﴿ فَوَرَبِّكَ ﴾

 يا محمَّد ..

﴿ لَنَحْشُرَنَّهُمْ ﴾

﴿ إِذَا زُلْزِلَتْ الأَرْضُ زِلْزَالَهَا(1)وَأَخْرَجَتْ الأَرْضُ أَثْقَالَهَا(2)وَقَالَ الإِنسَانُ مَا لَهَا(3)يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا(4)بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَها(5)يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتًا لِيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ(6)فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَه(7)وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ ﴾

( سورة الزلزلة )

 هذه السورة تلاها النبي عليه الصلاة والسلام على أعرابيٍّ جاء يطلب منه الموعظة ، قال : " يا محمَّد عظني وأوجِزْ " ، فتلا عليه الصلاة والسلام هذه السورة ، فقال : " لقد كُفيت " ، والله الذي لا إله إلا هو لو لم يكن في كتاب الله إلا هذه السورة لكَفَتْ ..

﴿ فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَه(7)وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ ﴾

 قال : " قد كُفيت " ، فقال النبي عليه الصلاة والسلام : " فَقُهَ الرجل" ، صار فقيهاً من سورةٍ واحدة ..

﴿فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ ﴾

 هؤلاء المكذِّبون ، هؤلاء الفاسقون ، هؤلاء الضالَّون ، هؤلاء المنافقون ، هؤلاء العصاة ..

﴿ فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ وَالشَّيَاطِينَ ثُمَّ ﴾

 الشياطين الذين سَوَّلوا لهم المعاصي ، الذين وسوسوا لهم ، زيَّنوا لهم المُنْكَرات ، زينوا لهم خَرْقَ الحُرمات ، زينوا لهم مخالفة ربِّ الأرض والسماوات ، هؤلاء الشياطين سيُحشرون مع الكفَار الذين تعاونوا على إضلال الناس ..

 

﴿ فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ وَالشَّيَاطِينَ ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيّاً ﴾

معنى : جثيًّا :

 ومعنى جثيَّا ، أي الوقوف على الرُكبتين ، وهذه وقفةٌ فيها ذُل ، كلكم رأيتم في بعض الصور كيف أن الأسرى يُساقون في وضعٍ ذليل ، هؤلاء الكُفَّار ، والمنافقون ، والفُجَّار ، والمنحرفون ، والذين طغوا وبغوا ، وعصوا وعَتَوْا عن أمر ربِّهم هؤلاء جميعاً يُساقون إلى جهنَّم ..

 

﴿ ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيّاً﴾

 في وضعٍ ذليل ..

﴿ هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ(1)وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ(2)عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ(3)تَصْلَى نَارًا حَامِيَةً ﴾

( سورة الغاشية :1-4)

﴿ ثُمَّ لَنَنْزِعَنَّ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمَنِ عِتِيّاً ﴾

ثُمَّ لَنَنْزِعَنَّ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمَنِ عِتِيًّا

 كل جماعةٍ ، كل فئةٍ ، كل مجموعةٍ من البشر ، كل قومٍ ، كل أمَّةٍ ، كل جماعةٍ لَنَنْزِعَنَّ منها أشدَّها كفراً ، وأشدَّها طغياناً ، وأشدَّها عصياناً ، وأشدها كِبْراً ، وأشدها انحرافاً :

 

﴿ ثُمَّ لَنَنْزِعَنَّ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمَنِ عِتِيّاً ﴾

 أيهم أشدُّ على الرحمن تَمَرُّدَاً وانحرافاً ، أمَّا لماذا قال الله عزَّ وجل:

 

﴿ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمَنِ ﴾

 ولم يقل مثلاً : أشدُّهم على الله ؟ أيْ أن هذا الذي عتا على الرحمن ، وقد بعث سبحانه بالأنبياء ليرحمَه بهم ، أنزل الكتاب بالحق ليهتدي به ، بعث له من المصائب ما يوقظه من غفلته ، المصائب ، والأنبياء ، والرُسل ، والكتب ، والدعاة ، وكل هذه من أجل أن يعود إلى الله عزَّ وجل ، إن هذا كلَّه هو عينُ الرحمة ..

 

﴿ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمَنِ عِتِيّاً ﴾

 ومع ذلك كان ردُّه الكفر والجُحود ، والمعصية والانحراف ، والاتجاه نحو طريق الشهوات ..

 

﴿ ثُمَّ لَنَنْزِعَنَّ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمَنِ عِتِيّاً ﴾

 يؤخذ الأكثر جرماً أولاً ، ويُلقى في النار ليكون في هذا موعظةٌ لأولي الألباب ، ليكون في هذا موعظةٌ لكل شيعةٍ من هذه الشِيَع ، وكيف أن الذي تولَّى كِبْرَهُ منها ، وتولَّى دعوتها إلى الكفر ، والفسق ، والفجور كيف أنه سيُحاسَب بادئ ذي بدء ، وسيلقى الجزاء العادل .
 فإذا أُلقي القبض على عصابة يُحاسَب زعيم هذه العصابة قبل كل شيء ، وتُلقى عليه التبعة كلُّها ، ويلقى أشدَّ العذاب ، وهكذا ..

 

﴿ ثُمَّ لَنَنْزِعَنَّ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمَنِ عِتِيّاً ﴾

 أيُّهم عصى ، وبغى ، أكثرهم عصياناً ، وأكثرهم طغياناً ، وأكثرهم انحرافاً ، الذي ضلَّ وأضل ، والذي زَلَّ وأزل ..

 

﴿ ثُمَّ لَنَحْنُ أَعْلَمُ بِالَّذِينَ هُمْ أَوْلَى بِهَا صِلِيّاً ﴾

النار لمَن استحقَّها

 الله سبحانه وتعالى عليمٌ حكيم ، يعلم من الذي يستحقُّ العذاب أول شيء ، يعلم كل إنسانٍ ما درجة العذاب التي تناسبه ، والتي يستحقُّها ..

 

﴿ ثُمَّ لَنَحْنُ أَعْلَمُ بِالَّذِينَ هُمْ أَوْلَى بِهَا صِلِيّاً * وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْماً مَقْضِيّاً﴾

تفسير ورود جهنم :

المعنى الأول : ورودُ جميع الناس :

 اختلف بعض العلماء في هذه الآية ، جمهور العلماء على أن الناس جميعهم ؛ مؤمنهم ، وكافرهم ، تقيَّهم ، وفاجرهم سيرِدُ النار ، وورود الناس شيء ، ودخولها شيءٌ آخر ، فرقٌ كبير بين أن تردها فتطَّلع على ما فيها ثمَّ تنجو ، وبين أن يردها الإنسان فيقع فيها ، قد يسأل سائل : ما الحكمة في أن المؤمنين ، الصالحين ، الصادقين ، التائبين ، الطائعين سيردون على النار ؟ قال بعضهم : " إن الحكمة من ذلك لتزيد سعادة المؤمنين في الجنَّة ، ليروا المكان الذي كانوا يستحقُّونه لو لم يؤمنوا بالله عزَّ وجل ، ليروا المكان الذي سيُعَذَّبون فيه فيما لو لم يستقيموا على أمر الله " .
 إنك إذا وُضِعْتَ أمام خيارين ، واخترت الأسلم ، وسعدت بهذا الاختيار ، ثم رأيت الشقاء الذي حلَّ بمن اختار الاختيار الآخر ، فإن هذا يضاعف سرورك وسعادتك لحسن اختيارك .
 فلذلك ربنا سبحانه وتعالى من بعض المعاني المستفادة من أن هؤلاء المؤمنين ، التائبين ، الطائعين ، الأتقياء لماذا يردون النار ؟ من تلك المعاني إنها لن تؤذيَهُم ، ولن يسمعوا حسيسها ، ولن يتأثَّروا بلهبها ولا بحرِّها ، إنهم سيرون فقط مصير الذين كانوا في الدنيا من أهل المعصية والفجور ، ليتحقَّق اسم الله الحق ، قد يكون لك في الدنيا جارٌ يؤذيك ولا تستطيع أن تَكُفَّ أذاه عنك ، وقد توافيك المنيَّة قبل أن يلقى جزاءه في الدنيا، يوم القيامة لابدَّ أن يتحقَّق اسم الحق وترى هذا الذي اعتدى ، وطغى ، وبغى ، وآثر الحياة الدنيا ، كيف أن الله سبحانه وتعالى وضعه في المكان الصحيح ، وقد لقي الجزاء العادل .
 إنَّ ورود الإنسان المؤمن على النار ، والورود غير الدخول يزيد من سعادة المؤمن لسلامة اختياره ..

 

﴿ وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا ﴾

 وليتحقَّق هدفان ؛ الأول أن تتحقَّق من أن الله هو الحقُّ المبين ، وأنه لن يُفلَتَ أحدٌ من جزائه العادل ، لن يُفْلَتَ أحدٌ من عقاب الله ، لن يُفْلَتَ أحدٌ من الحساب الدقيق ..

﴿ وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ ﴾

( سورة الأنبياء :47)

 هذا الشعور بأن الناس جميعاً سيُحاسَبون ..

﴿ قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ إِنِّي كَانَ لِي قَرِينٌ(51)يَقُولُ أَئِنَّكَ لَمِنْ الْمُصَدِّقِين(52)أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَئِنَّا لَمَدِينُونَ(53)قَالَ هَلْ أَنْتُمْ مُطَّلِعُونَ(54)فَاطَّلَعَ فَرَآهُ فِي سَوَاءِ الْجَحِيمِ(55)قَالَ تَاللَّهِ إِنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ(56)وَلَوْلا نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنتُ مِنْ الْمُحْضَرِينَ ﴾

( سورة الصافات 51-57)

 إذاً أن يطَّلع المؤمن على أهل النار ، وكيف يعذَّبون يعلم أن الله هو الحقُّ المبين ، وأن إنساناً ما لن يستطيع أن يتفلَّت من قبضة الله عزَّ وجل ، فالذي مقدّرٌ أن تراه في الدنيا تراه في الدنيا ، والذي لم تره في الدنيا لابدَّ أن تراه في اليوم الآخر .. أما الهدف الثاني ليدرك مدى السعادة التي أدركها عندما نجا من النار ..

﴿ وَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ ﴾

( سورة يونس : من آية " 46 " )

 النبي عليه الصلاة والسلام قد يعيش ليرى جزاء الله العادل في الكفَّار ، أو قد تُدْرِكُهُ المنيَّة قبل أن يرى ، ولكنَّنا جميعاً لابدَّ أن نرى يوم القيامة ، فجمهور العلماء على أن هذه الآية تعني أن الناس جميعاً ؛ مؤمنَهم وكافرَهم ، تقيَّهم ، وفاجرَهم سيرِدون النار ، فالأتقياء لا تؤذيهم ، ولا يمسَّهم لهبها ، ولا يتأثَّرون بحرِّها ، ولا يَصْلَوْنَ سعيراً ، بل إنهم يطَّلعون على ما فيها لتتضاعف بهذا سعادتهم يوم القيامة ، لتتضاعف بهذا لذَّتهم في الجنَّة ، إنهم يرون مصيرهم فيما لو لم يؤمنوا ، مصيرهم فيما لو عصوا ، مصيرهم فيما لو لم يستقيموا على أمر الله ، هذه واحدة .
 أما الثانية : ليروا أن الله هو الحقُّ المبين ، فيجب أن توقن أن الله سبحانه وتعالى لا يضيِّع مثقال حبَّةٍ من خردل ، وإن تكن حسنةً يضاعفْها ، ويؤت مِن لدنه أجراً عظيماً .
 وبعضهم قال : إن هذه الآية :

 

﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا ﴾

المعنى الثاني : أنها خاصة بالكفار :

 تعني هؤلاء الكفَّار الفجَّار حصراً ، ألم يقل الله عزَّ وجل :

﴿ وَيَقُولُ الْإِنْسَانُ أَئِذَا مَا مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيّاً * أَوَلَا يَذْكُرُ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئاً * فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ وَالشَّيَاطِينَ ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيّاً * ثُمَّ لَنَنْزِعَنَّ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمَنِ عِتِيّاً * ثُمَّ لَنَحْنُ أَعْلَمُ بِالَّذِينَ هُمْ أَوْلَى بِهَا صِلِيّاً * وَإِنْ مِنْكُمْ ﴾

 أيُّها الكفَّار ، كأن الله عزَّ وجل لا يخاطب المؤمنين ، بل يخاطب الكفَّار فقط دون غيرهم ..

 

﴿ وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْماً مَقْضِيّاً﴾

 هذا هو المعنى الآخر ، أنّ هذه الآية ليستْ لعامَّةِ الناس ، بل إنها خاصَّةٌ بالكفَّار .
 كيف نتابع الآية ؟ يقول الله عزَّ وجل :

 

﴿ ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيّاً﴾

نجاة المتقين من نار جهنم :

 إما أن نقول : ثُمَّ ، وإما أن نقول : ثَمَّ ، ثُمَّ حرف عطفٍ يفيد الترتيب على التراخي ، لكنَّ ثَمَّ ظرف مكانٍ ، فإذا فسَّرنا الآية بأن جميع الناس مؤمنهم وكافرهم ، تقيَّهم وفاجرهم سيردون على النار ليتعظوا بها نقول :

 

﴿ ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيّاً ﴾

 وهذا الذي قال عنه بعض العلماء : من أن الله سبحانه وتعالى يَنْصِبُ على النار صراطاً لابدَّ أن يمرَّ عليه كل الناس ، فالمؤمن يقطعه بلمح البصر ، أيْ يقطعه سريعاً ، ربما اطّلع على أهل النار ، وعلى ما فيها من عذابٍ أليم بلمح البصر تجاوزها ، ودخل إلى الجنَّة ، فسرعة عبور الصراط المستقيم متوقفةٌ على استقامة المرء ، وصلاحه ، وحُسن عمله ، إذاً إن جميع الناس لابدَّ أن يَرِدوا هذه النار وروداً لا دخولاً ..

﴿ وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ ﴾

( سورة القصص : من آية " 23 " )

 أيْ وصل إلى مدين ..

 

﴿ ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا ﴾

 الأتقياء يجتازون الصراط سريعاً إلى الجنَّة ، وتزيد بهذه النظرة سعادتهم ، وتزيد بهذه النظرة قناعتُهم بأن الله هو الحق المبين .

﴿ قَالُوا يَا وَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَانُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ ﴾

( سورة يس : 52)

 لذلك الميت يُلَقَّن فيقول : أشهد أن النار حق ، وأن الجنَّة حق ، وأن البَعث حق ، وأن الحساب حق ، وأن الحَشْرَ حق ، فهذا الذي شهدتَ به أنه الحق ستراه عين اليقين .
 فعلى معنى أنّ كل الناس سيردون النار تأتي ثُمَّ حرف عطفٍ يفيد الترتيب على التراخي ..

 

﴿ ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيّاً﴾

 واقفون وقفةً ذليلة ينتظرون أن يلقوا العذاب الأليم ..

 

﴿ وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آَيَاتُنَا ﴾

 هؤلاء في الدنيا ، هؤلاء الذين سيقفون على النار جثيَّا ، وقفةً ذليلةً ، هؤلاء كانوا في الدنيا ..

﴿ وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آَيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آَمَنُوا أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَقَاماً وَأَحْسَنُ نَدِيّاً﴾

مقياس الكفار الدنيا ومفاتنها :

 أي أنه استنباطٌ مُضحك ، أهل الدنيا الكفَّار في الدنيا إذا ناقشتهم ، إذا دعوتهم إلى الله عزَّ وجل ، إذا لفتَّ نظرهم إلى آيات الله ، إذا دللتهم على الحق المبين ، إذا فسَّرت لهم آيةً يقولون : أنت لا تفقه شيئاً ، أنت جاهل ، نحن كل شيء ؛ والدليل أن الله أكرمنا بهذه الدنيا ، وأعطانا إكراماً منه ، واستحقاقاً ، يَعُدُّون عطاء الله لهم إكراماً ، فيستنبطون أن الله يحبهم لا من استقامتهم على أمره ، ولا من عملهم الطيِّب ، ولكن لأن الله أعطاهم الدنيا ، فيعدُّون الدنيا مقياساً لمحبَّة الله عزَّ وجل ، مع أن الله يعطي الدنيا لمن يحب ولمن لا يحب .

﴿ إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ وَآتَيْنَاهُ مِنْ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ(76)وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الآخِرَةَ وَلا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنْ الدُّنْيَا ﴾

( سورة القصص : 76 -77)

 " ... فمن عرفها لم يفرح لرخاء ولم يحزن لشقاء ، قد جعلها الله دار بلوى وجعل الآخرة دار عٌقبى " ، فهؤلاء الكفَّار في الدنيا كانوا ..

 

﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آَيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ﴾

 آيات القرآن ، أو آيات الكون ..

 

﴿ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آَمَنُوا أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَقَاماً وَأَحْسَنُ نَدِيّاً ﴾

 انظر إلى بيوتنا ، انظر إلى المال الذي بين أيدينا ، انظر إلى مكانتنا ، انظر إلى وجاهتنا ، انظر إلى دنيانا العريضة ، ماذا عندك أنت ؟ عطاء الله لنا دليل محبَّته لنا ، يستنبطون من هذا أن الله يحبُّهم ، وما أشدَّ خطأهم في هذا الاستنباط ، وما أسخفه من استنباط ..

﴿ فَأَمَّا الإِنسَانُ إِذَا مَا ابْتَلاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ(15)وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ(16)كَلا ﴾

( سورة الفجر : 16-17)

 حرف نفيٍ وردعٍ ، كلا ليس عطائي إكراماً ، ولا منعي حرماناً ، عطائي ابتلاء ، وحرماني دواء .

 

لو كانت الدنيا تساوي عند الله …‍‍‍‍‍‍ !!!

 أيُّها الأخُ الكريم ... لا تتخذ الدنيا مقياساً لمحبَّة الله لك ، دخل سيدنا عمر رضي الله عنه على النبي عليه الصلاة والسلام وقد اضطجع على حصير ، فأثَّر الحصير في خدِّه الشريف ، فبكى عمر ، قال : " يا عمر ما يبكيك ؟ " ، قال عمر رضي الله عنه : " رسول الله ينام على الحصير ؛ وكسرى ملك الفُرس ينام على الحرير ؟! " . قال : " يا عمر إنما هي نبوَّةٌ وليست مُلكاً أما ترضى أن تكون الدنيا لهم والآخرة لنا ؟ " .
 عديُّ بن حاتم كان مَلِكاً ، دخل على النبي عليه الصلاة والسلام في مجلسهِ قال : " من الرجل ؟ " ، قال : " عديُّ بن حاتم " ، رحَّب به ، ولمَّا انتهى المجلس أخذ به إلى البيت ، وفي الطريق استوقفته امرأةٌ مُسِنَّة فوقف معها طويلاً تكلِّمه في حاجتها ، قلت في نفسي : " والله ما هذا بأمر ملك "، وحينما دخل بيت النبي قال عدي : " تناول وسادةً من أدمٍ محشوةً ليفاً وقال: " اجلس على هذه " ، قلت : " بل أنت " ، قال : " بل أنت " ، قال : "وجلست عليها وجلس النبي على الأرض ، لأنه لم يكن في بيت رسول الله صلى الله عليه وسلَّم إلا هذه الوسادة " .
 أَفَتُعَدُّ الدنيا مقياساً أيُّها الإخوة ؟! هل بقي عندكم ذرَّة شكٍّ بأن الدنيا ليست مقياساً ؟ لا والله ، ما هي بمقياس مهما غلا عطاؤها .

 

﴿ فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ ﴾

( سورة الأنعام : 44 )

 كان النبي عليه الصلاة والسلام إذا صلَّى قيام الليل حين السجود تُنَحّي السيدة عائشة رجليها ، لأن غرفة النبي لا تتسع لصلاته ونومها ، هذه غرفة النبي ، وهذا الأثاث الذي عنده وسادة واحدة ، لما جلس عليها عدي جلس النبي على الأرض ، فلينظر ناظرٌ بعقله كما قال الإمام علي : " إن كان الله أكرم محمداً أم أهانه حين زوى عنه الدنيا ؟ فإن قال : أهانه فقد كذب ، وإن قال أكرمه فلقد أهان غيره حيث أعطاه الدنيا " . لا تنظر إلى الدنيا لا إن أقبَلتْ ولا إن أدبَرتْ ، لأنها إن أقبلت لا تدوم ، وإن أدبرت لا تدوم ، لا تنظر إلى الدنيا وانظر إلى الآخرة ..

 

(( كَمْ مِنْ أَشْعَثَ أَغْبَرَ ذِي طِمْرَيْنِ لا يُؤْبَهُ لَهُ لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللَّهِ لأَبَرَّهُ ))

 

( من سنن الترمذي عن أنس بن مالك )

 هؤلاء الكفَّار بسذاجةٍ ، وسخافةٍ يرون أن الله عزَّ وجل يُحِبُّهم أكثر من المؤمنين ، لا لشيء إلا لأنهم قد نالوا من الدنيا الكثير ؛ ودعواهُم :

 

﴿ أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَقَاماً ﴾

 أنت أين ساكن ؟ يفتخر بحيِّه الراقي الذي يسكنه ، وبمساحة بيته الكبيرة ، وبفرشه الأنيق ، وبتزييناته الرائعة ..

 

﴿ أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَقَاماً وَأَحْسَنُ نَدِيّاً ﴾

معنى : ندِيًّا :

 النَدِيّ من النادي ، أي نحن نرتاد النوادي الراقية ، أنت أين تسهر؟ تسهر في بيتك ، أنت فقير ، لكننا نسهر في المكان الفُلاني ، وندفع الثمن الفلاني ثمن العشاء ، ونسهر مع فلان وعلاَّن ، أين أنت منَّا ؟ هؤلاء الكفَّار يظنون أن هذه الأموال ، وهذا البيت ، وهذا الفرش ، وهذا الأثاث ، وهذه النشاطات الاجتماعيَّة الراقية زيفاً وغروراً ، وهذا المجتمع المُخْمَلِي .. كما يقولون .. هو مقياسٌ رفيعٌ عند الله عزَّ وجل ..

 

﴿أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَقَاماً وَأَحْسَنُ نَدِيّاً * وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هُمْ أَحْسَنُ أَثَاثاً وَرِئْياً﴾

كأن لم تَغْنْ حضارةٌ بالأمس :

 أقوامٌ كثيرون بلغوا أَوْجَ الحضارة ، لا تزال حضارة المصرين مجهولة الأسرار ومع ذلك أهلكهم الله عزَّ وجل ، أين الرومان الذين عمَّروا القصور ، وأنشؤوا المدارج ؟ أين أصحاب الآثار ؟ بلادنا كُلُّها آثار أين أصحابها ؟ أين عادٌ وثمود ؟

﴿ وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِي(9)وَفِرْعَوْنَ ذِي الأَوْتَادِ(10)الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلاد(11)فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ(12)فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ(13)إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ ﴾

( سورة الفجر 9-14 )

﴿ وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هُمْ أَحْسَنُ أَثَاثاً وَرِئْياً﴾

 أي إذا أقاموا في مكان فمكانهم جميل ، وبيتهم أنيق ، وفرشُهُم وثيرة .. فمدن بأكملها تُصيبها الزلازل ، أغادير من أجمل مدن الساحل الأطلسي في دقائق معدودة أصبحت قاعاً صفصفاً .

﴿ لا تَرَى فِيهَا عِوَجًا وَلا أَمْتًا ﴾

( سورة طه : 107)

صور عن تدمير الله للكفار :

1 - كـولـومبيا :

 قبل سنوات ثار فيها بركانٌ قريبٌ منها فأحرقها وأهلكها ، وأذاب الثلوج ففاضت عليها فأغرقتها ، خمسة وثلاثون ألف إنسان ماتوا في يومين ، استمعوا إلى الأخبار ، هناك قُرى بأكملها تتلاشى ، قد يركب الإنسانٌ طائرةً ، ويظنَّ أن هذا من منجزات العصر ، ما هي إلا دقائق حتى يقال : وقد مات جميع رُكَّابها ، أين هم ؟ ..

 

﴿ وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هُمْ أَحْسَنُ أَثَاثاً وَرِئْياً﴾

2 - سفينة التـيتـانيك :

 أجمل سفينةٍ صُنعَتْ في القرن الماضي اسمها ( تيتانيك )، هذه أضخم البواخر في العالم ، ساهم في بنائها أمهر الصُنَّاع ، زيِّنَت بأجمل النجفات ، الخشب من أعلى الأنواع ، الأثاث ، في أول رحلةٍ لها من بريطانيا إلى أمريكا ، رَكِبَ فيها أثرياء أوروبا ، قُدِّر ثمن الحِلي التي زُيِّنَت بها النساء بمئات الملايين ، وكانوا يقولون : إن القَدَرَ لا يستطيع إغراق هذه السفينة ، لم تُصْنَع لها قوارب للنجاة ، وانشقّتْ السفينة نصفين في أول رحلةٍ لها ، فيما أذكر قبل سنة أو أقل وصل الغوَّاصون إليها ، في سنة ألف وتسعمئة واثنتي عشرةَ غرقت هذه السفينة ، ومن فيها ، وما فيها ، وقال بعض القساوسة : " إن غرق هذه السفينة درسٌ من السماء للأرض"..

 

﴿ وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هُمْ أَحْسَنُ أَثَاثاً وَرِئْياً﴾

3 - المركبة الفضائية ( شلنجر ) :

 أما سفينة الفضاء (شلنجر )ترجمتها المُتَحَدِّي ، فقد تحدوا بها السماء ، وما هي إلا سبعون ثانية من إقلاعها حتى أصبحت كتلةً من اللهب، أين هي ؟ ..

 

﴿ وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هُمْ أَحْسَنُ أَثَاثاً وَرِئْياً﴾

 كانوا أغنياء ، كانوا مرفَّهين ، كانوا يعرفون أين يسكنون ، وكيف يزينون البيوت ، ويقتنون أجمل الأثاث ، ويزينون بيوتهم بالتحف الراقية ، ويعرفون كيف يأكلون ما لذَّ وطاب من الطعام ، فإذا جاء مَلَكُ الموت أخذهم ، ولا يَلْوون على شيء .

﴿ قُلْ مَنْ كَانَ فِي الضَّلَالَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَنُ مَدّاً ﴾

سنستدرجهم من حيث لا يعلمون :

 هذا استدراج ..

 

﴿ قُلْ مَنْ كَانَ فِي الضَّلَالَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَنُ مَدّاً حَتَّى إِذَا رَأَوْا مَا يُوعَدُونَ إِمَّا الْعَذَابَ وَإِمَّا السَّاعَةَ فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ شَرٌّ مَكَاناً وَأَضْعَفُ جُنْداً ﴾

 الآية الأخيرة في جلستنا هذه :

 

﴿ وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى ﴾

 إذا اختار الإنسان الهُدَى زاده الله هُدى ..

﴿ إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى ﴾

( سورة الكهف : 13)

 لمجرَّد أن تطلب الهُدى يأتيك الهدى أضعافاً مضاعفة .. عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَرْوِيهِ عَنْ رَبِّهِ قَالَ :

((إِذَا تَقَرَّبَ الْعَبْدُ إِلَيَّ شِبْرًا تَقَرَّبْتُ إِلَيْهِ ذِرَاعًا وَإِذَا تَقَرَّبَ مِنِّي ذِرَاعًا تَقَرَّبْتُ مِنْهُ بَاعًا وَإِذَا أَتَانِي مَشْيًا أَتَيْتُهُ هَرْوَلَةً))

[متفق عليه]

﴿ وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾

( سورة العنكبوت :69)

﴿ وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى ﴾

مَن اختار الهدى هداه الله :

 تختار الهُدى فيعينك الله على أمر دنياك كي يُفَرِّغَكَ للهدى ، يعينك الله على أمر دينك بزوجةٍ صالحة ، يلهمك رُشدك ، يجمعك مع أهل الحق، يفتح بصيرتك ، هذا كلُّه مما يُفْهَم من هذه الآية ..

 

﴿ وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَاباً وَخَيْرٌ مَرَدّاً ﴾

تفسير : الباقيات الصالحات :

 الباقيات جمع ، مُفْرَدُه الباقية ، كل شيءٍ يبقى بعد الموت ينضوي تحت هذه الآية ، فتعلُّمك كتاب الله ، وعملك الصالح ، واستقامتك على أمره ، وخدمة الخلق ، وأداء العبادات ، وأداء الأمانات ، أيُّ عملٍ تعمله ابتغاء وجه الله يبقى لك بعد الموت ، اجعل الموت فَيْصَلاً في أعمالك ، الشيء الذي ينتهي عند الموت لا تُعْنَى به كثيراً ، مهما بَلَغْتَ فيه ، مهما حَصَّلت منه ، مهما تفوَّقت فيه ، مهما علوت في الأرض من خلاله يأتي مَلَك الموت ، ويأخذ منك ما حصَّلته في ثانيةٍ واحدة ، وأما الشيء الذي يبقى بعد الموت فهذا الذي يجب أن تُعنى به ، هذا الذي يجب أن تكرِّس .. إن صحَّ التعبير .. كل جهودك من أجله ، هذا الذي يجب أن يأخذ كلَّ اهتمامك، هذا الذي يجب أن ينال إعجابك ، الشيء الذي يبقى بعد الموت .
 طلب العلم فرض عينٍ ، وآثار طلب العلم تبقى بعد الموت ، تعلُّم كتاب الله فرض عينٍ ، وآثار هذا التعَلُّم تبقى بعد الموت ، الاستقامة على أمر الله تبقى آثارها بعد الموت ، الأعمال الصالحة تبقى آثارها بعد الموت ، الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر تبقى آثارهما بعد الموت ، أداء العبادات ؛ إقامة الصلوات ، حج بيت الله ، صيام رمضان ، تعليم القرآن ، خدمتك للناس ، تربيتك لأولادك ، أي عملٍ تبقى آثاره بعد الموت هذا الذي عليه المُعَوَّل ، هذا الذي يجب أن تُفني عمرك من أجله ، هذا الذي يجب أن تُمضي شبابك فيه ، هذا الذي يجب أن تَهُزَّ كتفيك من أجله ..
 " أيُّها الناس شمِّروا فإن الأمر جَد ، وتأهَّبوا فإن السفر قريب ، وتزوَّدوا فإن السفر بعيد ، وخفِّفوا أثقالكم فإن في الطريق عقبةٌ كؤود لا يجتازها إلا المُخِفّون ، وأخلصوا النيَّة فإن الناقد بصير " .
 هذا هو الفَيْصَل ، هذا هو المقياس ، اجعل الموت حدًّا ، فالعمل الذي ينتهي عند الموت دعه ..

كل ابن أنثى وإن طالت سلامت ه يوماً على آلةً حدباء محمولُ
فإذا حملتَ إلى القبور جنازةً..  يوماً فاعلم أنَّك بعدها محمولُ
* * *

 لكنَّ الذي يبقى بعد الموت هو الباقيات الصالحات ..

 

﴿ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَاباً وَخَيْرٌ مَرَدّاً ﴾

 طبعاً :

﴿ فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمْ اقْرَءُوا كِتَابيه(19)إِنِّي ظَنَنتُ أَنِّي مُلاقٍ حِسَابِيه(20)فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ(21)فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ(22)قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ(23)كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الأَيَّامِ الْخَالِيَةِ(24)وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيه(25)وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيه(26)يَا لَيْتَهَا كَانَتْ الْقَاضِيَةَ(27)مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيه(28)هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيه(29)خُذُوهُ فَغُلُّوهُ(30)ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوه(31)ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا فَاسْلُكُوهُ(32)إِنَّهُ كَانَ لا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ ﴾

( سورة الحاقَّة : 19-32 )

 فيا أيُّها الإخوة الأكارم ... هذه الآيات دقيقةٌ جداً ، ومحورها أن الدنيا ليست مقياساً ، لا تحزن على الدنيا ، سيدنا الصديق رضي الله عنه قيل عنه : " إنه ما نَدِمَ على شيءٍ فاته من الدنيا قط " ، الأصل أن تعرف الله عزَّ وجل ، والأصل أن تعمل عملاً يبقى بعد الموت ، أما الذي ينتهي بالموت فلا جدوى منه ، والخاسر هو الذي أمضى وقته في نشاطٍ سخيف..

﴿ قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالأَخْسَرِينَ أَعْمَالا(103)الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا ﴾

( سورة الكهف : 104)

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018