الدرس : 4 - سورة مريم - تفسير الآيات 59 - 65 - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الدرس : 4 - سورة مريم - تفسير الآيات 59 - 65


1988-01-01

 الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد ، الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا ، إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا ، وزدنا علما ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .
 أيها الإخوة المؤمنون ... مع الدرس الرابع من سورة مريم ، وصلنا في الدرس الماضي إلى قوله تعالى :

﴿ أُولَئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ مِنْ ذُرِّيَّةِ آَدَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ وَمِنْ ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْرَائِيلَ وَمِمَّنْ هَدَيْنَا وَاجْتَبَيْنَا إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آَيَاتُ الرَّحْمَنِ خَرُّوا سُجَّداً وَبُكِيّاً * فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيّاً ﴾

فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ

معنى الخلْف والخلَف

 قال العلماء : الخَلْفُ شيء ، والخلَف شيءٌ آخر ، فالخلْف - بتسكين اللام - الذرية السيِّئة ، والخَلَفُ - بفتح اللام - الذرية الصالحة ، فإذا قلت لرجلٍ فقد أباه تقول له : خير خلَفٍ لخير سلف . أما الخلْف فهي الذرية السيئة ، فربنا سبحانه وتعالى بعد أن ذكر عن هؤلاء الأنبياء العظام ، وعن صفاتهم الراقية ، وعن شكرهم ، وعن عرفانهم ، وعن طاعتهم ، وعن محبتهم ، وعن أعمالهم الطيبة ، وعن نفسياتهم السامية ، بعد أن ذكر كلّ ما ذكر عن كل هؤلاء قال تعالى :

 

﴿ فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ﴾

 من بعد هؤلاء الأنبياء ..

 

﴿ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيّاً ﴾

العلاقة الترابطية بين إضاعة الصلاة واتباع الشهوات :

 هناك علاقةٌ ترابطيةٌ بين إضاعة الصلاة واتباع الشهوات ، من أضاع الصلاة اتَّبع الشهوات ، من أقام الصلاة ابتعد عن الشهوات ، والمقصود بالشهوات الشهوات الدَنِيَّة ، لأنك إذا تزوَّجت فبهذه الشهوة ترقى إلى الله عزَّ وجل ، وإذا كسبت المال الحلال وأنفقته في وجوهه المشروعة ، فبهذا الكسب ، وبهذا الإنفاق ترقى إلى الله عزَّ وجل ، ولكن الشهوات التي وردت في هذه الآية إنما تعني الشهوات المُنْحَطَّة التي ما شرعها الله عزَّ وجل ، ولا سمح بها ، فمثلاً أن تعتدي على أعراض الآخرين هذه شهوةٌ منحطة ، طبعاً هذا الاعتداء مبعثُه الشهوة ، ولكن هذه الشهوة إنما أودعت فيك لترقى بها إلى الله عزَّ وجل ، عن طريق الزواج إيجاباً ، ولترقى بها إلى الله عزَّ وجل سلباً عن طريق الابتعاد عن المحرَّمات ، فكل الشهوات التي أَودعها الله في الإنسان من أجل أن يرقى بها رُقِيّاً في حالتين ؛ في حالة الإيجاب ، وفي حالة السَلب ، فإذا ابتعد عن المحرمات من الشهوات يرقى إلى الله عزَّ وجل ، فإذا أخذ منها ما سمح الله به حصراً يرقى إلى الله عزَّ وجل ، لكن اتباع الشهوات هنا المقصود به ، اتباع الشهوات التي حرَّمها الله عزَّ وجل ، والتي ما أنزل الله بها من سلطان ، والتي نهى عنها النبي العدنان ، اتباع الشهوات هنا ، الشهوات الخسيسة ، المنحطة ، التي تجعل من الإنسان حيواناً بهيمياً .
 فكأن هناك علاقةٌ ترابطيةٌ بين إضاعة الصلاة وبين اتباع الشهوات ، ما إضاعةُ الصلاة ؟
 مِن المُجْمَع عليه أنه : ليس معنى إضاعة الصلاة تركها ، ولكن تأخيرها عن وقتها ، أو عدم الاستقامة قبلها ، إن لم تستقم قبل الصلاة فلا تنعقد الصلة بينك وبين الله عزَّ وجل ، والصلاة ليست أقوالاً ، وأفعالاً تفتتح بالتكبير ، وتختتم بالتسليم فحسب ، بل هي صلةٌ بالله عزَّ وجل ، وإقبالٌ عليه ، واتصالٌ به ، واقتباسٌ من كماله .

﴿ إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنْ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ ﴾

( سورة العنكبوت : من آية " 45 " )

 أعيد هذه العبارة مرةً ثانية .. ليست الصلاةُ في حقيقتها أقوالاً وأفعالاً تفتتح بالتكبير ، وتختتم بالتسليم فحسب ، بل هي إقبالٌ على الله عزَّ وجل ، واتصالٌ به ، واستمدادٌ من كماله ، لأنك إذا اتصلت بالله عزَّ وجل مصدرِ الحقِ ، والخيرِ ، والجمالِ فلابدَّ أن تنعكس هذه الصفات على قلبك ، لابدَّ أن يفيض قلبُك بالخير ، لابدَّ أن تحب الحق ، وأن تكون ناصراً له ، لابدَّ أن تبتعد عن كل دَنِيَّة ، لأن الصلاة كما أرادها الله عزَّ وجل تنهى عن الفحشاء والمُنكر .
 لا تجد مؤمناً يصلي صلاةً صحيحة يؤذي الناس ، أو يأخذ ما ليس له ، أو يعتدي على حقوقهم ، أو على أعراضهم ، أو على أشخاصهم ، لا تجد مؤمناً حقاً يُصلي صلاةً صحيحة ، وهو مسيءٌ إلى الناس ، فمن لوازم المصلي أنه محسن ، فمن لوازم المصلي أنه مُنْصِف ، من لوازم المصلي أنه يخجل من الله عزَّ وجل ، يشيع فيه الحياء ، والحلم ، والعفو ، فمكارمُ الأخلاق يمكن أن تشتق بعضها من خلال الصلاة ، لأن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر ، فإذا ضُيِّعَت الصلاة فالأمرُ عسير ، فتضييع الصلاة ألاّ تكون مستقيماً قبل الصلاة ، فإن لم تكن مستقيماً قبل الصلاة وقفت لتصلي ، وأنت في حجابٍ عن الله عزَّ وجل ، لأن المعاصي ، والمخالفات والاعتداءات ، والتقصير هذه كلها حُجُبٌ بينك وبين الله عزَّ وجل ، كلما ازداد حجم المعصية ازداد الحجاب ثخانةً ، وكلما خفَّت المعصية رَقَّ الحجاب ، فإذا استقمت على أمر الله عزَّ وجل ارتفع الحجاب بينك وبين الله ، عندئذٍ أقبلت عليه ، ورأيت الطريق مُيَسَّرةً إليه ، ورأيت أن أجمل ما في الحياة أن تكون مع رب الأرباب ، أن تكون مصلياً ، " يا موسى أتحب أن أكون معك ؟ " فصعق هذا النبي الكريم وقال : " يا رب كيف ذلك ؟ " قال : " أما علمت أنني جليس من ذكرني وحيث ما التمسني عبدي وجدني ؟ " .

 

﴿ فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ ﴾

 من بعد هؤلاء الأنبياء العظام خَلَفَ خَلْفٌ سيِّئون ، من علامة سوئهم أنهم أضاعوا الصلاة .

 

﴿ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ ﴾

 هناك علاقةٌ ترابطيةٌ بين إضاعة الصلاة وبين اتباع الشهوات ، إضاعة الصلاة يكون بعدم الاستقامة قبل الصلاة ، هذا الذي يبيع ويشتري ويملأ عينيه من الحرام ، لا يستطيع أن يعقد الصلة بينه وبين الله عند أذان الظُهر ، يستطيع أن يذهب إلى المسجد ، ويتوضَّأ كما أمر النبي عليه الصلاة والسلام ، وأن يصلي السنة ، وأن يصلي الفريضة ، وأن يتم حركات الصلاة ، ولكن لا يستطيع أن يتصل بالله عزَّ وجل ، لأن المخالفات التي ارتكبها في دكَّانه في أثناء البيع والشراء حالت بينه وبين انعقاد الصلة مع الله عزَّ وجل ، فمن أطلق بصره في الحرام ، أو من غَشَّ في بيعه وشرائه ، أو من حلف يميناً كاذبةً ، أو مَن فعل من المعاصي ما شاء ، هذا يضيِّع عليه الاتصال بالله عزَّ وجل ، هذا يضيِّع الصلاة ، تضييع الصلاة ألاّ تكون مستقيماً فيما بين الصلاتين ، إن لم تكن مستقيماً فيما بين الصلاتين أضعت الصلاة ، بمعنى أن صلاتك أصبحت جوفاء لا معنى لها ، أصبحت أقوالاً وأفعالاً تفتتح بالتكبير ، وتختتم بالتسليم ، وانتهى الأمر ، لأن :

(( الصلاة عماد الدين فمن أقامها فقد أقام الدين ، ومن هدمها فقد هدم الدين ))

( الجامع الصغير عن علي بسند ضعيف )

 وقال بعض العلماء : " من أضاع الصلاة التي هي عماد الدين فهو للعبادات الأخرى أشد إضاعةً " ، فهي عماد الدين .

 

﴿ فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيّاً ﴾

الغي والهلاك جزاء إضاعة الصلوات واتباع الشهوات :

 والغَيُّ هو الشر ، ومن علامات قيام الساعة كما جاء في بعض الأحاديث الشريفة هلاك العرب ، لماذا هلاكهم ؟ لأنهم ضيَّعوا الصلاة ، واتبعوا الشهوات فسوف يلقون غياً .

العودة إلى الدين سبب للتمكين :

 أما إذا عادوا إلى دينهم ، واتصلوا بربهم ، فزكت نفوسهم ، وطابت أعمالهم ، واستقامت سريرتهم ، وأَْتلَفُوا فيما بينهم ، وكانوا صفاً واحداً على من عاداهم ، عندئذٍ يعودُ لهذه الأمة مَجْدُها ، ويصدق عليها قول الله عزَّ وجل :

﴿ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمْ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا ﴾

( سورة النور : من آية " 55 " )

 فلا يكون التبديل إلى الأمن بعد الخوف ، ولا يكون التمكين بعد الضَعف ، ولا يكون الاستخلاف حاصلاً إلا بشرطٍ واحد :

﴿ يَعْبُدُونَنِي ﴾

( سورة النور : من آية " 55 " )

 هذه الآية تصحُّ على مستوى الأمة وتصح على مستوى الفرد ، أنت وحدك إذا أقمت الصلاة وجَهِدْتَ أن تتصل بالله عزَّ وجل فلَنْ تتصل به إلا إذا كنت مستقيماً على أمره ، إذا اتصلت بالله سَمتْ نفسك ، فكنت أبعد الناس عن الشهوات المُنحطة ، وعن الانغماس في المحَرَّمات ، وعن اتباع الشهوات التي لا ترضي الله عزَّ وجل ، كأن إقامة الصلاة واتباع الشهوات شيئان متناقضان ، وجود أحدهما ينقض وجود الآخر ، أكرر للاعتبار : كأن إقامة الصلاة واتباع الشهوات شيئان متناقضان ، بمعنى أن أحدهما ينقض الآخر ، وجود أحدهما ينقض الآخر .

 

﴿ فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ ﴾

 ضيَّعوها بعدم الاستقامة ، ضيعوها بالتفلُّت من قواعد الدين ، ضيعوها بمخالفة أوامر الشرع ، ضيعوها بالاستخفاف بمجالس العلم ، ضيعوها بالانغماس في الشهوات .

 

﴿ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ ﴾

 مِن لوازم تضييع الصلاة اتباع الشهوات ، ومِن نتائج اتباع الشهوات تضييع الصلاة ، إذاً هناك علاقةٌ ترابطيةٌ بين إضاعة الصلاة وبين اتباع الشهوات ، مَن ضبط شهوته اتصلت نفسه بالله عزَّ وجل ، من أسباب الاتصال بالله عزَّ وجل ترك الشهوات الخسيسة `:

﴿ وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنْ الْهَوَى * فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى ﴾

( سورة النازعات : 40-41)

الدين كله هو الصلاة :

 شيءٌ رائع ، هذه الآية دقيقةٌ جداً ، كأن الدين كله هو الصلاة ، الصلاة عماد الدين ، الصيام من أجل الصلاة ، والحج من أجل الصلاة ، والزكاة من أجل الصلاة ، والصلاة من أجل الصلاة ، الصلاة عماد الدين من أقامها فقد أقام الدين ، ومن هدمها فقد هدم الدين ، إذاً اتباع الشهوات سببٌ لإضاعة الصلاة ، إضاعة الصلاة من لوازمها اتباع الشهوات ، لا يجتمع في الإنسان إقامةٌ للصلاة واتباعٌ للشهوات ، شيئان متناقضان أحدهما ينقض الآخر ، معنى إضاعة الصلاة عدم الاستقامة فيما بين الصلوات ، ومعنى إضاعة الصلاة تأخيرها عن وقتها ، ومعنى إضاعة الصلاة تركها ، ضيَّعها فتركها ، ضيعها فأخَّرها ، ضيعها بأن لم يستقم قبلها فوقف أمام ربه كأنه خُشُبٌ مُسَنَّدة ، لم يفقه منها شيئاً ، وفي بعض الأحاديث تقول الصلاة لصاحبها ؛ لمن لم يستقم قبلها فوقف وقفةً جوفاء لا معنى لها ، تقول له الصلاة ضيَّعك الله كما ضيّعتَني ، ما هذه الصلاة ؟
 وهذا الإنسان الذي يرى زيداً من الناس يصلي ، وقد أصابه بالأذى ، رأى عمرواً يصلي ، وقد أكل مال زيد ، رأى فلاناً يصلي ، وقد اعتدى على عُبَيد ، رأى فلاناً يصلي ، وقد تجاوز حدوده ، ظلم الآخرين عندئذٍ يسهم هذا الذي يصلي ، ولم يستقم بإضعافِ قيمة الدين في نظر هؤلاء ، إنه أداةٌ للتنفير من الدين ، لذلك الإمام علي كرم الله وجهه يقول : " قوام الدين والدنيا أربعة رجال ؛ عالمٌ مستعملٌ علمه ، وجاهلٌ لا يستنكف أن يتعلم ، وغنيٌ لا يبخل بماله ، وفقيرٌ لا يبيع آخرته بدنياه ، فإذا ضيَّع العالم علمه استنكف الجاهل أن يتعلَّم ، وإذا بخل الغني بماله باع الفقير آخرته بدنيا غيره " ، الصلاة عصام الدين ، وركن اليقين والصلاة عماد الدين فمن أقامها فقد أقام الدين ومن هدمها فقد هدم الدين .

 

﴿ فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيّاً ﴾

 وقد لقي مضيِّعو الصلاة ومتبعو الشهوات هذا الغَي :

صور عن جزاء من أضاع الصلاة :

﴿ وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ ﴾

( سورة النحل : 112)

 وقد لَقِيَتْ القُرى التي أضاعت الصلاة واتبعت الشهوات لقيت ذلك الغي .

﴿ قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ ﴾

( سورة الأنعام : من آية " 65 " )

 لقد ذاقت القُرى التي أضاعَتْ الصلاة ، واتبعت الشهوات ذاقت ذلك الغَي ، لقد أذاقها الله ذلك الغي ..

 

﴿ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيّاً ﴾

 اعملوا ما شئتم ، جميع البشر مجزيّون بما عملوا ، إن لكل حسنةٍ ثواباً ، ولكل سيئةٍ عقاباً ، لكن رحمة الله واسعة ، باب التوبة مفتوح ، لو أن مجتمعاً بأكمله ضيَّع الصلاة ، واتبع الشهوات فاستحق الهلاك ، استحق الغَي أيْ الشر : نقصٌ في الأموال والأولاد ، شحٌ في السماء ، ضيقٌ في الأرزاق ، قهرٌ للضُعفاء ، خصوماتٌ لا تنتهي ، تمزقٌ للحياة الاجتماعية ، تسيُّبٌ في الأعمال ، هذا هو الغَي .

 

﴿ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيّاً ﴾

 إذا كان المجتمع كله قد ضيَّع الصلاة واتبع الشهوات فلابدَّ من أن يلقى ذلك الغَي ، وقد لقي ذلك الغَي ، والشواهد على هذا كثيرة ، لكن الله عزَّ وجل جلَّت حكمته ، ووسعت رحمته كل شيء ، لكن الله عزَّ وجل فتح باب التوبة لآحاد المسلمين ، فيا أيها المسلم لو أن المجتمع كله فسد ، وضيع الصلاة ، واتبع الشهوات واستحق الهلاك ، فَإِنّك إذا استقمت وحدك ، وإذا رجعت إلى الله ، واستقمت على أمره ، وعقدت الصلة بينك وبينه ، وحسَّنت عملك ، وتقرَّبت إليه ، وأحسنت للخلق ، فأنت وحدك تنجو من هذا الغَي الذي وعد الله به تاركي الصلاة ، ومتبعي الشهوات ، جاءت الآية الأولى في صيغة الجَمع ، وجاء باب التوبة في صيغة المُفرد ، أي أن آحاد المسلمين إذا عادوا إلى ربهم ، واتبعوا أمر دينهم ، وأحكموا صلتهم لن تنطبق عليهم هذه الآية ، أبداً ، ولو كنت في مجتمعٍ فاسد ، ولو كنت في مجتمعٍ قد ضيَّع الصلاة ، ولو كنت في مجتمعٍ قد اتبع الشهوات ، ولو كنت في مجتمعٍ يستحق الغَي من الله عزَّ وجل ..

﴿ إِلَّا مَنْ تَابَ وَآَمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ شَيْئاً ﴾

التوبة محو لما سبق ، ونيلُ جزاءٍ لاحق :

 معنى تاب : الإمام الغزالي رضي الله عنه ، في كتاب إحياء علوم الدين ، وفي باب التوبة يُعَرِّف التوبة بأنها عِلمٌ ، وندمٌ ، وإقلاعٌ ، وعزيمة، فالذي يفعل السوء ولا يدري أنه سوء ، هذا كيف يتوب ؟ لابدَّ أن تحضر مجالس العلم حتى تعرف ما هو حقٌ ، وما هو باطل ، ما هو حلالٌ ، وما هو حرام ، ما يجوز ، وما لا يجوز ، ما يُرضي الله ، وما لا يرضيه ، يجب أن تعلم ، فإذا علمت أن هذا العمل لا يرضي الله ، وأنّ هذه الطريقة في البيع والشراء لا ترضي الله ، وأنّ إخفاء العَيب لا يرضي الله ، وأنْ تبيعَ بسعرين من دون سببٍ مشروعٍ لا يرضي الله ، أن تزيد في الثمن بزيادة الأجل لا ترضي الله ، أن تبيع بضاعةً محرّمةً لا يرضي الله ، أن تطلِق لبناتك العنان يفعلْن ما يشأْنَ بدافع التربية الحديثة ، وما تدَّعيه من الحرية ، لا يرضي الله .
 إن لم تجلس في مجالس العلم ، وتعرف من خلال هذا المجلس حدود الله وشرعه ، وما يجوز ، وما لا يجوز ، كيف تتوب ؟ فقوام التوبة العلم ، العلم بالحلال والحرام ، كذلك ومن لوازم التوبة الندم على ما مضى ، وأن يكره التائب أن يعود في الكفر كما يكره الرجل أن يُلقى في النار .

من لوازم التوبة النصوح :

 - من لوازم التوبة الندم على ما مضى .
 - من لوازم التوبة الإقلاع الفوري عن المعصية ، لا تسويف ، غداً أتوب ، وبعد غدٍ أتوب ، وسوف أتوب ، وفي أول العام القادم أتوب ، وبعد الفحص أتوب ، وبعد الزواج أتوب .
 - ومن لوازم التوبة العَزْمُ الأكيد في المستقبل على ألاّ يعصي الله ، إذاً هي علمٌ ، وندمٌ ، وعزمٌ ، وإقلاعٌ ، فإذا كانت المعاصي قد تعلَّقت بها حقوق العباد فلابدَّ من إصلاح ، فلان له بذمتك مبلغٌ من المال ، وطالبك به كثيراً حتى يئس منك ، وأنت عدت إلى الله لابدَّ أن تؤدي هذا المبلغ إليه ، كل حقوقٍ ماديةٍ ، أو أدبيةٍ ، أو معنويةٍ ، أو ماليةٍ يجب أن تؤدَّى مع التوبة .

 

﴿ إِلَّا مَنْ تَابَ وَآَمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً ﴾

 العمل الصالح في هذه الآية كلمةٌ عامة تشمل العبادة كلها .

﴿ تَابَ وَآَمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً ﴾

 أصناف طاعة الله :
 أطاع الله في العبادات ، وفي المعاملات ، وفي مكارم الأخلاق ، في الإسلام : عقائدَ ، وعبادات ، ومعاملات ، ومكارم أخلاق ..

- 1 الطاعة في العقائد :

 أن تؤمن بالله ، واليوم الآخر ، والملائكة ، والكتاب ، والنبيين .

2 - الطاعة في العبادات :

 أن تشهد أنه لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله ، وأن تؤدي الصلاة ، وتصوم رمضان ، وأن تزكي ، وأن تحج البيت إذا كنت مستطيعاً ، هذه العبادات .

3 - الطاعة في المعاملات :

 يجب أن تعرف أحكام البيوع ، وأحكام الزواج ، وأحكام الطلاق ، وأحكام الإرث من أجل أن تعبد الله وفق شرعه .

4 - الطاعة في مكارم الأخلاق :

 وأما مكارم الأخلاق فإذا اتصلت بمنبع الأخلاق ، إذا اتصلت بمصدرها ، اشتقَّتْ نفسُك من كمال الله كمالاً ، فإذا أنت رقيقُ الحاشية ، رحيم القلب ، لطيف ، حليم ، شفوق ، عَفُوٌ ، كريم ، سَخِيّ ، هذه المكارم الأخلاقية التي يذوب لها الإنسان ، إنما هي أثرٌ من آثار الصلاة .

 

﴿ فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ ﴾

﴿إِلَّا مَنْ تَابَ﴾

 بالجمع ..

 

﴿ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيّاً ﴾

 أَيْ أنَّهُ إذا فسد المجتمع ، واتجه نحو الدنيا ، وصار مادياً ، وغَدَتْ قيمة المرء فيه بقدر ما يملك ، وتغلَّب القويُ على الضعيف ، وضاع الحق مع الباطل ، وصار الإنسان بين مجتمعٍ من الذئاب ، إذا كنت في مثل هذا المجتمع فَلُذْ بالتوبة ، والإيمان ، والعمل الصالح ، عندئذٍ يقبل الله عملَ أولئك ، ويجزيهم على هذا العمل الطيِّب بإدخالهم الجنة ..

 

﴿ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ شَيْئاً ﴾

لا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى

 فمن القواعد الثابتة في القرآن الكريم أنه :

﴿ لا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ﴾

( سورة الأنعام : من آية " 164 " )

﴿ كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ ﴾

( سورة المدثر : 38)

 وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ :

(( قَامَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ أَنْزَلَ اللَّهُ :

﴿ وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ ﴾

قَالَ : يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ ، أَوْ كَلِمَةً نَحْوَهَا ، اشْتَرُوا أَنْفُسَكُمْ ، لَا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنْ اللَّهِ شَيْئًا ، يَا بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ ، لَا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنْ اللَّهِ شَيْئًا ، يَا عَبَّاسُ بْنَ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ ، لَا أُغْنِي عَنْكَ مِنْ اللَّهِ شَيْئًا ، وَيَا صَفِيَّةُ عَمَّةَ رَسُولِ اللَّهِ ، لَا أُغْنِي عَنْكِ مِنْ اللَّهِ شَيْئًا ، وَيَا فَاطِمَةُ بِنْتَ مُحَمَّدٍ ، سَلِينِي مَا شِئْتِ مِنْ مَالِي ، لَا أُغْنِي عَنْكِ مِنْ اللَّهِ شَيْئًا ))

(متفق عليه)

 هذا هو الشرع .. " يا سعد بن أبي وقاص لا يغرنَّك أنه قد قيل : خال رسول الله ، فالخلْق كلهم عند الله سواسية ، ليس بينه وبينهم قرابةٌ إلا طاعتهم له " ، الطاعة هي القرابة ..

(( أنا جَدَّ كل تقي ولو كان عبداً حبشياً ))

(كشف الخفاء 615)

﴿ تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ ﴾

( سورة المسد :1)

 عم رسول الله ..

﴿ تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ(1)مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ(2)﴾

( سورة المسد )

((أنا جَدُّ كل تقي ولو كان عبداً حبشياً ))

( كشف الخفاء (615)) و:

(( سلمان منا آل البيت ))

( الحاكم في المستدرك(6539)) و:

(( نعم العبد صهيب ))

(كشف الخفاء 2831)

 هكذا الإسلام ، فَسيدنا عمر رضي الله عنه خرج من المدينة ، وكان أميراً للمؤمنين ، خرج إلى ظاهر المدينة ليستقبل سيدنا بلالاً ، وسيدنا الصديق كان إذا ذُكِر عند عمر قال عنه : " هو سيدنا وأعتق سيدنا " ، أي بلالاً ، هكذا الإسلام ، كل الناس سواسية كأسنان المشط .

 

﴿ إِلَّا مَنْ تَابَ وَآَمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ شَيْئاً ﴾

 لك أن تقول : شيّا وشيئا ، شيّا على التخفيف ، وشيئاً على التحقيق ، كأن تقول : تاريخ وتأريخ ، كفُواً وكفُؤاً .

 

﴿ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدَ الرَّحْمَنُ عِبَادَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّهُ كَانَ وَعْدُهُ مَأْتِيّاً ﴾

الجزاء الأوفى للتائب : جنات عدن :

 جنات عدنٍ ، فالإنسان إذا مات كتب على نعيه : "وسيشع إلى مثواه الأخير " ، إذا كان القبر هو المثوى الأخير ، فالبيت في الدنيا هو المثوى المؤقت ، فاعتَنِ به ما شئت ، بالغ في تزيينه ، إنه مثوى موقت ، أمّا :

 

﴿ جَنَّاتِ عَدْنٍ ﴾

 ففي الجنة لا يوجد قلق ، والإنسان في الدنيا ولو حَصَّل منها كُلَّ ما يريد فقلقٌ خفيٌ كثير يعتلج في نفسه ، كم أعيش ؟ هل أصل إلى الستين ، أم أموت في الخمسين ، أم في الأربعين ؟ هذا القلق مِن مُفارقة الدنيا ، قلقٌ مزعج ، هل أبقى في هذا البيت ؟ هل يسمح لي دخلي ، أم أبقى فيه أن أضطر إلى بيعه ، وشراء بيتٍ أصغر منه ؟ هل تبقى لي هذه المركبة ؟ هل يبقى لي هذا المحل الجيِّد ، هل تبقى زوجتي صحيحة البدن ، أم يصيبها المرض ؟ الحياة كلها مُقلقات ، لكن الجنة هي جنة عدنٍ ، جنة الإقامة ، جنة الاستقرار ، جنة الخلود ، لا قلق ، ولا هم ، ولا حزن ، هل تبقى المواد متوافرة أم يصيبها اختناق ؟ في الجنة لا يوجد اختناق مواد ، المواد متوافرة ، الفاكهة لا مقطوعةٌ ولا ممنوعة ، أحياناً هناك فاكهة مقطوعة لها مواسم ، وقد تكون متوافرة حولَنا ولكن ممنوعة عندنا ، لا مقطوعة ولا ممنوعة ، هكذا الجنَّة ..

 

﴿ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدَ الرَّحْمَنُ عِبَادَهُ بِالْغَيْبِ ﴾

العاقل لا يعيش لحظته :

 الإنسان العاقل المفكِّر لا يعيش وقته فحسب ، ولكنّ الإنسان إذا ضاق فكره ، وكان محدوداً عاش لحظته ، وغاب عما سيكون ، فالإنسان الذي يعيش لحظته ، ولا يفكر في مستقبله إنسان محدود ، سمكاتٌ ثلاث كانت في غدير ، مرَّ صيَّادان ، فتواعدا أن يرجعا ليصيدا ما فيه من السمك ، فسمَعت السمكات قولهما ، أمَّا أكيسُهنَّ ، أيْ أعقلهَّن فإنها ارتابت وتخوَّفت ، وقالت : العاقل يحتاط للأمور قبل وقوعها ، ولم تُعَرَّجْ على شيءٍ حتى خرجت من الغدير ، وأما الأقل كياسةً وعقلاً ذكاءً فبقيت في مكانها حتى عاد الصيادان ، فذهبت لتخرج من حيث خرجت رفيقتها فإذا بالمكان قد أُغلق ؛ فقالت : فرَّطتُ ، وهذه عاقبة التفريط ، غير أن العاقل لا يقنط من منافع الرأي ، ثم إنها تماوتت فطفت على وجه الماء ، فأخذها الصيادان ووضعاها على الأرض بين النهر والغدير ، فوثبت في النهر فنجت ، وأما العاجزة فلم تزل في إقبالٍ وإدبارٍ حتى صيدَتْ .
 فالإنسان بين أن يكون كيّساً ، بمعنى أنه عاقل يحتاط للأمور قبل وقوعها ، فلتذكرْ إذاً أنّ الموت حق ، وما منا واحدٌ إلا وسيموت ..

الليل مهما طال فـلا  بدَّ من طلوع الفجر
والعمر مهما طال فلا  بدَّ من نزول القبر
* * *

 إذا أيقنا أنه لابدَّ من الموت فماذا أعددنا له ؟ ماذا أعددت للقبر ؟ ما العمل الصالح الذي أعددته للقبر ؟ هل تصلي وأنت تودِّع العمر ؟ هكذا قال النبي الكريم :

(( ... فَصَلِّ صَلاةَ مُوَدِّعٍ ))

( من سنن ابن ماجة عن أبي أيوب )

 فالعاقل يحتاط للأمور قبل وقوعها ، والأقل عقلاً يحتاط لها بعد وقوعها ، والغبي لا قبل وقوعها ، ولا بعد وقوعها ، إذاً :

 

﴿ الَّتِي وَعَدَ الرَّحْمَنُ عِبَادَهُ بِالْغَيْبِ ﴾

وعدُ الله ووعيدُه محقَّقان لا ريب فيهما :

 خالق الكون وعدنا بالجنة ، ألا نقبل هذا الوعد ؟ ألا نصدقه ، تصدق إنساناً مثلك ضعيفاً لا يقوى على أن يحيا ساعةً باختياره ، تصدقه ، ولا تصدق خالق الكون !!

 

﴿ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدَ الرَّحْمَنُ عِبَادَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّهُ كَانَ وَعْدُهُ مَأْتِيّاً ﴾

﴿ قَالُوا يَا وَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا ﴾

( سورة يس : من آية " 52 " )

 فيأتي الصوت العظيم :

﴿ هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَانُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ ﴾

( سورة يس : من آية " 52 " )

 البطولة أن يكون الإنسان في هذه الساعة الخطيرة قد أعدَّ لها ما يناسبها ، أما أن يعيش الناس هكذا مع شهواتهم ، مع انحرافاتهم ، مع حظوظهم ، مع مُتعهم ، مع خصوماتهم ، مع انحرافاتهم ، وينسون هذه الساعة فهذا من الحُمق ، قال عليه الصلاة والسلام :

(( الْكَيِّسُ مَنْ دَانَ نَفْسَهُ ، وَعَمِلَ لِمَا بَعْدَ الْمَوْتِ ، وَالْعَاجِزُ مَنْ أَتْبَعَ نَفْسَهُ هَوَاهَا ، وَتَمَنَّى عَلَى اللَّهِ ))

( من سنن الترمذي عن شداد بن أوس )

﴿ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدَ الرَّحْمَنُ عِبَادَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّهُ كَانَ وَعْدُهُ مَأْتِيّاً ﴾

إِنَّه كَانَ وَعْدُهُ مَأْتِيًّا :

 مأتيًّا أيْ آتياً ، الشيء بعد أن تلتقي به ، إما أنَّك أتيته ، وإما أنه أتى إليك ، إذا ركبت المصعد فإما أنك بهذا المصعد أتيت إلى الطابق الرابع ، وإما أن هذا الطابق الرابع أتى إليك ، تحصيل حاصل ..

 

﴿ إِنَّهُ كَانَ وَعْدُهُ مَأْتِيّاً ﴾

 بمعنى : آتياً ..

﴿ لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْواً إِلَّا سَلَاماً ﴾

سلامةُ ألسنة وقلوب ساكني الجنة لسلامة الدار والجار :

 لا يوجد لغو ، اللغو مُزعج ، أن تستمع إلى كلامٍ باطل ، أن تستمع إلى كلامٍ كاذب ، كلامٍ فيه دَجَل ، كلامٍ ليس واقعياً ، هذا لغو ، كل كلامٍ ليس حقيقياً ليس واقعياً ليس حقاً إنما هو لغوٌ .

﴿ قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ ﴾

( سورة المؤمنون : 1-3)

 الجنةُ ليس فيها لغو ، أما في الدنيا فقد تضطر إلى أن تجلس مع أُناس يتحدثون كلاماً باطلاً ، كلاماً منحطاً ، كلاماً سخيفاً ، كلاماً لا جدوى منه ، قد ينهشون أعراض بعضهم بعضاً ، قد يتفاخرون بشيءٍ سخيف تافهٍ ، هذا كله لغو ، لكنك في الجنة لم يجمعك الله في الجنة إلا مع الكُمَّل ، مع المؤمنين الصالحين ، مع الأنبياء ، والصادقين ، والشهداء ، والصالحين ، هؤلاء لا يتكلمون اللغو ، كلام لا فائدة منه ، كلام باطل ، كلام مُزخرف ، كلام فيه دجل ، كلام فيه تزوير ، كلام فيه مبالغة ، كلام فيه كذب ، كلام فيه تجاوز، كلام سخيف ، موضوعات تافهة ، لا ، لا ، هذا كله في الجنة غير موجود ، اطمئنوا .

 

﴿جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدَ الرَّحْمَنُ عِبَادَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّهُ كَانَ وَعْدُهُ مَأْتِيّاً * لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْواً إِلَّا سَلَاماً﴾

﴿ سَلامٌ قَوْلا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ ﴾

( سورة يس : 58)

 رب العزة يسَلِّم عليهم .

﴿ ادْخُلُوهَا بِسَلامٍ آمِنِينَ ﴾

( سورة الحجر : 46)

 والملائكة يسلمون عليهم .

 

﴿ إِلَّا سَلَاماً ﴾

 يعني تسليماً ، ويعني طمأنينةً ما بعدها قلق ، سلام ، قد أقول لإنسان : سلامٌ عليك ، أي لن ترى مني إلا الخير ، لن ترى مني إلا الأمن ، لن ترى مني إلا الخدمة ، سلامٌ عليك ، وهذا معنى السلام : السلام عليكم ، أي اطمئن أنا إنسان طيب خيِّر لن أصيبك بالأذى ، لن ينالك مني ضرر ..

﴿ قَالَ سَلَامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي ﴾

 هذا معنى السلام ، إذاً :

 

﴿ إِلَّا سَلَاماً ﴾

اطمئنان أهل الجنة على وفرة الرزق :

 وليس في الجنة قلقٌ على الرزق ..

 

﴿ وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيّاً ﴾

 أحياناً يكون الإنسان ضَيْفاً على أُناس كرماء ، ففي الساعة السابعة تفضل على الأكل ، كله جاهز ، أَكَلَ وزَحَلَ ، غَسّل ، فجلس ، وكذلك عند الظهر تفضل على الأكل ، لا يهتم لشراء الطعام ، ولتأمين المال لشراء الطعام ، واختيار المواد الجيدة ، وكيف يُطبخ ، وكيف يقدَّم ، هذا كله سهل ميسور ، وتلك الهموم التي في الدنيا لن تكون في الجنة ، لن يكون قلق أبداً .

 

﴿لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْواً إِلَّا سَلَاماً وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيّاً * تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ مِنْ عِبَادِنَا مَنْ كَانَ تَقِيّاً﴾

 تنتفي هناك الوراثة ، فلا تسمع أنا ابن فلان ، أو هذه ورقة الطابو ، اسمح لي بالجنة .

 

﴿ مَنْ كَانَ تَقِيّاً ﴾

وراثة الجنة بحسب درجات الأعمال :

 الوراثة هنا بحسب العمل لا بحسب النسب .

 

﴿ تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ مِنْ عِبَادِنَا مَنْ كَانَ تَقِيّاً ﴾

 والتقوى مباحة لكل الناس ، مفتحةٌ أبوابها لكل الناس ، رحمة الله مبذولة ، رحمة الله واسعة ، موجبات الرحمة متوافرة ، هناك تكافؤٌ في الفُرَص ، أي عبدٍ قال : يا رب ، يقول الله : لبَّيك يا عبدي ، أي عبدٍ قال : يا رب قد تبت إليك ، يقول الله : وأنا قد قبلت ، يا رب أنا قد أذنبت ، يقول : وأنا قد عفوت .
 عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : قَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى :

(( يَا ابْنَ آدَمَ ، إِنَّكَ مَا دَعَوْتَنِي وَرَجَوْتَنِي غَفَرْتُ لَكَ عَلَى مَا كَانَ فِيكَ وَلَا أُبَالِي ، يَا ابْنَ آدَمَ ، لَوْ بَلَغَتْ ذُنُوبُكَ عَنَانَ السَّمَاءِ ، ثُمَّ اسْتَغْفَرْتَنِي غَفَرْتُ لَكَ وَلَا أُبَالِي ، يَا ابْنَ آدَمَ ، إِنَّكَ لَوْ أَتَيْتَنِي بِقُرَابِ الْأَرْضِ خَطَايَا ، ثُمَّ لَقِيتَنِي لَا تُشْرِكُ بِي شَيْئًا لَأَتَيْتُكَ بِقُرَابِهَا مَغْفِرَةً ))

( الترمذي)

﴿ قُلْ يَا عِبَادِي الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ﴾

( سورة الزمر : 53)

((للهُ أشد فرحاً لتوبة عبده مِن الضال الواجد ، والعقيم الوالد ، والظمآن الوارد ))

( الديلمي في الفردوس عن أبي هريرة)

﴿ تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ مِنْ عِبَادِنَا مَنْ كَانَ تَقِيّاً ﴾

 جعلنا الله من أهلها ، هذه الدنيا قصيرة ، كم سنة ؟ كلها متاعب .. إن هذه الدنيا دار التواء لا دار استواء ، ومنزل ترحٍ لا منزل فرح ، فمن عرفها لم يفرح لرخاء ، ولم يحزن لشقاء قد جعلها الله دار بلوى .. الدنيا دار تكليف ، والآخرة دار تشريف .. وجعل الآخرة دار عُقبى ، فجعل بلاء الدنيا لعطاء الآخرة سبباً وجعل عطاء الآخرة من بلوى الدنيا عوضاً ، فيأخذ ليعطي ويبتلي ليجزي .

﴿ تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ مِنْ عِبَادِنَا﴾

 نعطيها لا بحسب النسب ، لا .. بل ..

 

﴿ مَنْ كَانَ تَقِيّاً ﴾

 لذلك ليس مَن يقطع طُرُقاً بطلاً إنما من يتَّق الله البطـــل
 هذه هي البطولة .

﴿ وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا وَمَا خَلْفَنَا وَمَا بَيْنَ ذَلِكَ وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيّاً ﴾

ومَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا

 هذه الآية كما قال معظم المفسرين : جاءت معترضةً بين سياق هذه الآيات كي تُطَمْئِنَ النبي عليه الصلاة والسلام إلى أن انقطاع الوحي عنك ليس عن نسيانٍ من ربك ، إنما هو لحكمةٍ بالغة ..

﴿ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا ﴾

( سورة الطور : من آية " 48 " )

 اطمئنْ يا محمد ، حتى إن بعض علماء تفسير القرآن الكريم يقولون : إن مِن حكمةِ نزول القرآن مُنَجَّماً أن النبي عليه الصلاة والسلام سيواجه متاعب الدعوة ، وسيواجه إعراض المُعرضين ، وتكذيب المكذبين ، وافتراء المفترين ، وإبطال المبطلين ، سيواجه الكفار والمشركين ، سيحاربونه ، سيأتمرون على قتله ، سيخرجونه ، سيضطهدون أصحابه ، لو أن القرآن نزل على النبي دُفعةً واحدة في أول الرسالة ، وانقطع لاستوحش النبي عليه الصلاة والسلام ، لكن الله عزَّ وجل من أجل أن يؤنسه ، ومن أجل أن يثبِّته ، ومن أجل أن يكون معه دائماً ، جعل هذا القرآن الكريم يُنَزَّلُ على قلبه مُنَجَّمَاً ، فكلما ضاقت به الحيَل ، وكلما اشتدت مؤامرات الكفار عليه جاء الوحي برداً وسلاماً على قلبه الشريف ، فالله سبحانه وتعالى هنا يُطمئن النبي عليه الصلاة والسلام على لسان الملائكة أَنْ أيها النبي نحن الملائكة ..

 

﴿ وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ ﴾

 التنزُّل فيه معنى التراخي ، فيه معنى الطواعية ، نتنزَّل مرةً بعد مرة ، شيئاً فشيئاً ، من حينٍ لآخر ، هذا التنزُّل ، المُتراخي ، المنجَّم ، هذا من تخطيط الله عزَّ وجل .

 

﴿ وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا وَمَا خَلْفَنَا وَمَا بَيْنَ ذَلِكَ﴾

 بعض العلماء قالوا : هذه(ما)تعني المكانية ..

 

﴿ لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا ﴾

معاني : لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا وَمَا خَلْفَنَا

1 – المعنى المكاني :

 أي هذا الذي أمامنا نراه أمرُه لله ، وهذا الذي خلفنا ، ولا نراه أمرُه لله ، وهذا الذي حولنا ، ولا نراه أمره لله ، أي ما أمامنا ، وما هو خلفنا ، وما هو عن جوانبنا كله لله ، هذا المعنى المكاني .

2 - المعنى الزماني :

 الماضي ، والمستقبل ، والحاضر لله عزَّ وجل ، فالكون مكاناً وزماناً أمرُه لله ، فنحن مأمورون .

 

﴿ لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا وَمَا خَلْفَنَا وَمَا بَيْنَ ذَلِكَ وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيّاً ﴾

 إنّ الله لا ينسى .
 تُرْوى قصة رمزية : امرأةٌ متقدمةٌ في السن كانت على عهد سيدنا نوحٍ عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام ، وقد عَلِمَتْ منه أن هناك طوفاناً سيعُمُّ الأرض ، وسيهلك الكفار جميعاً ، وأخبرها هذا النبي العظيم أن هناك سفينةً سوف يركب فيها المؤمنون ، وينجون من هذا الهول العظيم ، وهي تقبَعُ في كوخٍ لها فقالت له : يا نوحٍ لا تنسني ، إذا جاء الطوفان لا تنسني ، يا نوح لا تنسني ، جاء الطوفان ، وصار المَوْجُ كالجبال ، ونسيها هذا النبي العظيم ، وجَلَّ الذي لا ينسى ، وقد قال عليه الصلاة والسلام :

(( إنني بشر ، أنسى كما ينسى البشر ))

( ورد في الأثر )

 فلما كان هذا النبي الكريم على ظهر السفينة ، وهي كريشةٍ في مهب الريح ، والأمواج من كل جانبٍ كالجبال تذَّكَر هذِهِ المرأة .. لا حول ولا قوة إلا بالله ، هذه التي رجتنا أن نذكرها ، وأن نأتي بها إلى هذه السفينة نسيناها ، فلما استوت السفينة على الجودي ، وقيل : يا أرض ابلعي ماءَك ، ويا سماء أقلعي ، وغيض الماء ، وقضي الأمر ، واستوت على الجودي ، وجلس نوحٌ مع أصحابه جاءت هذه المرأة فقالت : يا نوح متى الطوفان ؟
 إن الله لا ينسى ، إذا عملتَ عملاً طيباً فالله لا ينسى ، إذا آثرت رضاء الله عزَّ وجل فالله لا ينسى ، إذا خدمتَ عباد الله فالله لا ينسى ، إذا آثرت رضاء الله على شهوتك فالله لا ينسى ، بل يثيب على القليلِ الجزيلَ .

 

﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيّاً * رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا﴾

 فمن هو بعد ذلك ؟

﴿ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا ﴾

الله رب ُّ كلِّ شيء :

 أي رب كل شيء ، هذه بلاغة ، مثلاً :

﴿ الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا ﴾

( سورة آل عمران : من آية " 191 " )

 واقفون ..

﴿ وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ ﴾

( سورة آل عمران : من آية " 191 " )

 فكم للإنسان من حالة ؟ إما أنه واقف ، وإما أنه قاعد ، وإما أنه مضطجعٌ ، فإذا كان يذكر الله واقفاً ، وقاعداً ، ومضطجعاً فإنه يذكر الله دائماً ، فإذا كان الله سبحانه وتعالى :

 

﴿رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا﴾

 إذاً رب كل شيء ، هو المُمِدُّ لكل شيء ..

 

﴿ فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيّاً ﴾

﴿ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيّاً﴾

الأمرُ بالعبادة والصبرُ عليها :

 فاعبده أي : أطعه في كل ما أمرك به ، والعبادة كما تعرفون طاعةٌ طوعية ، لو أنها طاعةٌ قسرية لما كانت عبادةً ، طاعة طوعية ، فالإنسان مخيَّر لا إكراه في الدين ، طاعةٌ طوعية تسبقها معرفةٌ يقينية ، لا يمكن أن تطيع الله عزَّ وجل في كل ما أمر به إلا إذا أيقنت أن هذا الأمر لمصلحتك ، وأنه ربٌ ، وأنك عبدٌ ، وإنه عليك أن تطيعه ، ولا خيار لك في ذلك .. تسبقها معرفةٌ يقينية ، وتفضي إلى سعادةٍ أبدية ، لكن جلَّت حكمة الله عزَّ وجل من العبادات ما هو متوافقٌ مع طبيعة النفس ، كالأمر بالزواج مثلاً ، الزواج أمرٌ ، النبي الكريم يقول :

(( وَأَتَزَوَّجُ النِّسَاءَ ، فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي ))

( من صحيح البخاري عن أنس بن مالك )

 وهناك عبادات قد تخالف طبيعة النفس ، فالإنسان أَمْيَل للراحة ، يقال له : قم فَصَلِّ الصبح في وقته ، فلا يفعل أو قد يفعل ، الإنسان أميل إلى النجاة من المسؤولية ، فالشرع يأمره أن يكون صادقاً ، ولو كان في هذا الصدق متاعب كثيرة ، إذاً الإسلام فيه حج ، والحج فيه مشقة ، عبادةٌ بدنيةٌ ، وماليةٌ ، ومكانيةٌ ، وزمانية ، الصيام فيه مشقة ، فيه ترك الطعام والشراب ، الصلاة فيها جهد ، فالعبادات فيها جُهد ، والأوامر ، والنواهي قد تكون متناقضةٌ مع رغبات النفس ، لذلك قال عليه الصلاة والسلام :

(( حُفَّتِ الْجَنَّةُ بِالْمَكَارِهِ ، وَحُفَّتِ النَّارُ بِالشَّهَوَاتِ ))

( من صحيح مسلم عن أنس بن مالك )

 وفي حديثٍ آخر ..

(( إِنَّ عَمَلَ الْجَنَّةِ حَزْنٌ بِرَبْوَةٍ ، ثَلاثًا ، أَلا إِنَّ عَمَلَ النَّارِ سَهْلٌ بِسَهْوَةٍ ))

( من مسند أحمد عن ابن عباس )

 فتصور طريقًا صاعدة ووعرة ، كلها أكمات ، وكلها حفر ، وأنت راكب دراجة ، فهناك جهدٌ كبير في تخطي هذه العقبات ، وفي صعود هذه الأكمات حتى تبلغ نهاية الطريق ، وفي نهاية الطريق قصرٌ منيف ، وفي هذا القصر كل شيء ، أما الطريق النازلة فطريقٌ ممهدة تحف بها الرياحين والورود ، ولكنها تنتهي إلى حفرةٍ ما لها من قرار ، فإن عمل الجنة حزنٌ بربوةٍ ، وإن عمل النار سهلٍ بسهوةٍ ، قد تشتهي النفس أن تملأ عينيها من محاسن النساء في الطريق ، هذه شهوة الإنسان ، لكنَّ الله عزَّ وجل يقول :

﴿ وقُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ ﴾

( سورة النور : من آية " 30 " )

 إذاً :

(( حُفَّتِ الْجَنَّةُ بِالْمَكَارِهِ ))

﴿ فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ ﴾

 فإذا علمتَ أن عبادة الله عزَّ وجل ألزمتك أن تكبح من جماح نفسك ، وأن تضبط شهوتك ، وأن تضبط مشاعرك وحواسك ؛ فهذه العبادة ترقى بها إلى أعلى عليين .

 

﴿ فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ ﴾

 اصطبر لهذه العبادة إن لم تعرف حكمتها ، واصطبر لهذه العبادة إن كانت مُتناقضةٌ مع راحتك ، أو مع ميولك الطبيعية ، واصطبر لهذه العبادة إن كلَّفتك جهداً ومالاً ، دفعُ الزكاة على البُخلاء شاق ، أن تدفع من مالك الذي عندك مبلغاً كبيراً هكذا فيه المشقة ..

﴿ فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيّاً ﴾

 هل تعلم له مماثلاً ؟ هل هناك ربٌ آخر تعبده من دونه ؟ هو إلهٌ واحدٌ : في السماء إله ، وفي الأرض إله ، لا إله إلا هو ، إذاً هذه الآية :

 

﴿ فَاعْبُدْهُ ﴾

 أي أطعُه في كل ما أمرك ، ولو كان أمر الله عزَّ وجل يجلب لك المشقة أحياناً ، وبذل المال أحياناً ، ومعاكسة الشهوات أحياناً ، والتعب أحياناً ، والقلق أحياناً ، في بعض الأحوال يكذب الرجل ليرتاح ، لكنَّ المؤمنَ لا يكذب بل يصدق فتأتيه المتاعب ، هذه المتاعب مقدَّسة لأنها كانت بسبب الصدق ، الإنسان أحياناً يأمر بالمعروف ، وينهى عن المنكر ، وقد يكون هذا الأمر جالباً له بعض المتاعب ، فإذا سكت كانت النجاةٍ .

 

﴿ فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ ﴾

 قل الحق ولا تخشَ في الله لومة لائم ..

﴿ الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلا اللَّهَ ﴾

( سورة الأحزاب : من آية " 39 " )

 فلو أن الجنة كلها مسرَّات لأقبل الناس عليها لا حباً لله عزَّ وجل ، ولكن حباً بأنفسهم ، لكن الله جعل الجنة محفوفةً بالمكاره ، وجعل النار محفوفةً بالشهوات ، هذه حكمة الله ، الرزق الحلال مُتعب ، والحرام سهل ، أحياناً حركة بسيطة تأخذ فيها مئة ألف ، وأحياناً من أجل أن تجمع هذا المبلغ تعمل عاماً بأكمله ليلاً ونهاراً ، الحلال مُتعب ..

(( من أمسى كالا من عمل يديه أمسى مغفورا له ))

( الجامع الصغير عن ابن عباس بسند ضعيف )

 طلب الجنة من غير عملٍ ذنبٌ من الذنوبٌ ، إذاً :

 

﴿ فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ ﴾

 ألا ترضى أن يقول الله لك : يا عبدي اصطبر عليّ ، أنا سوف أكافئك ..

﴿ وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى ﴾

( سورة الضحى : 5)

 سوف يأتيك يومٌ تنسى فيه كل مشقة ، أعددتُ لعبادي الصالحين ما لا عينٌ رأت ، ولا أذنٌ سمعت ، ولا خطر على قلب بشر ، اصطبر يا عبدي ، لا تَضِجّ ، لا تَلِجّ ، لا تضق ذرعاً اصطبر .

 

﴿ فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ ﴾

 الصبر نصفُ الإيمان ، قال عليه الصلاة والسلام :

(( الإيمان نصفٌ صبرٌ ، ونصفٌ شكرٌ ))

( ورد في الأثر )

(( والصبر من الإيمان كالرأس من الجسد ، فإذا ذهب الصبر ذهب الإيمان ))

( ورد في الأثر )

 الله عزَّ وجل يقول : يا عبدي اصطبر من أجلي ، اصطبر ، فـ :

﴿ إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ ﴾

( سورة الزمر : من آية " 10 " )

﴿ فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ ﴾

 مَن تعبدُ ؟ خالقَ الكون ، الذي ليس له مماثل ، ولا شبيه ، ولا كفؤ، هو الأبدي السرمدي ، هو الأول والآخر ، الظاهر والباطن ، الحيُّ القيوم ، هو كل شيء .

 

﴿ فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيّاً ﴾

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018