الدرس : 3 - سورة مريم - تفسير الآيات 38 - 59 - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الدرس : 3 - سورة مريم - تفسير الآيات 38 - 59


1987-12-25

 الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد ، الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا ، إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا ، وزدنا علما ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .
 أيها الإخوة المؤمنون ... مع الدرس الثالث من سورة مريم ، وصلنا في الدرس الماضي إلى قوله تعالى :

﴿ ذَلِكَ عيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ * مَا كَانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ سُبْحَانَهُ إِذَا قَضَى أَمْراً فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ * وَإِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾

عيسى عليه السلام عبدُ الله ورسولُه :

 هذه هي الحقيقة ، هذا هو واقع الأمر ، وكلُّ الذي يُدَّعى ، ويُقال عن هذا النبي العظيم عدا ما تضمنته هذه الآيات فلا أصل له ..

 

﴿ ذَلِكَ عيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ * مَا كَانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ﴾

مَا كَانَ للّهِ أنْ يَتَّخذّ مِن ولدٍ

 هذا يستحيل في حقِّ الله أن يكون له ولد ، لأنه غنيٌّ عن الولد ، الولد يُتَّخَذُ عادةً لتخليد الذكر ، والولد يُتَّخذ عادةً ليعين أباه في سنِّ الضعف ، والله سبحانه وتعالى قويٌ ، غنيٌ ، أبديٌّ ، سرمديٌ ، واحدٌ أحدٌ ، فردٌ صمدٌ ..

 

﴿ مَا كَانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ سُبْحَانَهُ إِذَا قَضَى أَمْراً فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ﴾

 أمرُ الله بين الكاف والنون ..

 

﴿ وَإِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ ﴾

 فحينما تكلمَ هذا النبي الكريم يوم كان صغيراً :

 

﴿ قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آَتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيّاً * وَجَعَلَنِي مُبَارَكاً أَيْنَ مَا كُنْتُ وَأَوْصْانِي بِالصّلاةِ والزَّكَاةِ مَا دُمْت حَيّاً * وَبَرّاً بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّاراً شَقِيّاً * وَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيّاً﴾

﴿ وَإِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ * فَاخْتَلَفَ الْأَحْزَابُ مِنْ بَيْنِهِمِْ ﴾

 اليهود اتهموا هذه السيدة الصِدِّيقة البتول بالزنا ، والنصارى قالوا : هذا ابن الله ..

 

﴿ وَإِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ ﴾

 كيف كذبوا على الله ، وكيف قالوا على الله من دون علمٍ ، ولا هدىً ، ولا كتابٍ مبين .

﴿ أَسْمِعْ بِهِمْ ﴾

 هنا وصلنا بالضبط :

 

﴿ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنَا لَكِنِ الظَّالِمُونَ الْيَوْمَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ ﴾

صيغة التعجب في العربية :

 في اللغة العربية صيغتان قياسيَّتان من صيغ التعجُّب ، تقول : ما أعدل القاضي ، وأعدِل به ، ما أفعله ، وأفعِل به ، فصيغة أَفْعِلْ به صيغةٌ من صيغ التعجُّب ، فالله سبحانه وتعالى يقول :

 

﴿ أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ ﴾

 متى ؟

 

﴿ يَوْمَ يَأْتُونَنَا ﴾

الشقي من عرف الحقيقة بعد فوات الأوان : يَوْمَ يَاْتُونَنَا :

 أيْ ما أشدَّ سمعهم ، وما أشدَّ بصرهم يوم القيامة ، ولكن بعد فوات الأوان ، أما في الدنيا يوم فكان ينفعهم سمعهم وأبصارهم ، فقد كانوا صُماً بكماً عُمياً عن كل حقيقة ، أما يوم القيامة ، يوم لا ينفعهم سمعهم وأبصارهم فحينئذٍ ..

 

﴿ أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ ﴾

 هذا هو الشقي ، إنّهُ يعرف الحقيقة بعد فوات الأوان ، الطالب الكسول يفتح الكتاب ليقرأ الإجابة عن السؤال بعد الامتحان ، بعد أن نال الصفر ، ما قيمة فهمك لهذا الكتاب الآن ؟ ما قيمة هذا الفهم وهذه القراءة ؟ فالله سبحانه وتعالى يقول :

 

﴿ أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ ﴾

 أي ما أشدَّ سمعهم ، وما أشدَّ بَصَرَهُم ، وهذا يؤيِّده قوله تعالى :

﴿ فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ ﴾

( سورة ق : 22)

 رؤيةٌ ثاقبة ، رؤيةٌ صحيحة ، إدراكٌ عميق ، فهمٌ دقيق ، كشفٌ للحقائق ، ولكن متى ؟ بعد فوات الأوان ..

 

﴿ أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ ﴾

 ليتَهم أبصروا هذه الحقيقة ، وهم في الدنيا ، ليتهم عرفوا ربهم ، وهم في أَوْجِ قوَّتهم ، يوم كان من الممكن أن يُصَحَّح كل شيء ، وأن يُفتَحَ مع الله صفحةً جديدة ، ليتهم سمعوا ، وأبصروا يوم كانوا أحياء بيدهم الدرهم والدينار ، به يستطيعون التقرُّب إلى الله عزَّ وجل ، به يستطيعون تلافي أغلاطهم ، به يستطيعون تكفير سيّئاتهم ، ليتهم سمعوا ، وأبصروا يوم كانوا في الدنيا ، حينما كانوا مخيَّرين ، لهم حريَّة الاختيار ، أما وقد سُلِبَت منهم هذه الحريَّة ، فما قيمة سمعهم وأبصارهم ؟ .
 فهذه النقطة مهمة جداً ، الإنسان في الدنيا باب التوبة مفتوح لَهُ ، الأبواب كلُّها مفتَّحةٌ توصل إلى الله عزَّ وجل ، الأبواب كلُّها مفتَّحةٌ على مصاريعها في الدنيا ، لذلك فالنبي عليه الصلاة والسلام يقول :

((اغتنم خمساً قبل خمس : شبابك قبل هرمك ، وصحَّتك قبل سقمك ، وغناك قبل فقرك، وفراغك قبل شغلك ، وحياتك قبل موتك ))

(الحاكم في المستدرك عن ابن عباس ، وابن أبي شيبة في المصنف عن عمرو بن ميمون)

 ما مضى فات ، والمؤمَّل غيب ولك الساعة التي أنت فيها
 لا تملك إلا هذه الساعة ، الساعة التي ستأتي لا تعرف ما هي ، وأين أنت منها ، هل نحن فوق الأرض ، أم تحتها ؟ في الساعة التي تَلي لا نعرف هل نحن أحياء نُرْزَق ، أم أموات ؟ والساعة التي مضت الحديثُ عنها مضيعةٌ للوقت لأنها مضت وانقضت ، وليس لنا إلا هذه الساعة التي نحن فيها ، يومٌ مفقود ، ويومٌ مشهود ، ويومٌ مورود ، ويومٌ موعود ، ويومٌ ممدود ، فاليوم المورود ، والموعود ، والممدود هذه الأيَّام الثلاثة متوقفةٌ على اليوم المشهود ، إذاً :

 

﴿ أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ ﴾

 ما أشدَّ سمعهم ، وما أشدَّ بصرهم ، لقد كُشِفَ الغطاء ، وعرفوا الحقيقة ، وتبيَّن كل شيء ، وتبين أن الله عزَّ وجل هو الحقُّ المبين ، وأنه لا إله غيره ، وأن الجنَّة حق ، وأن النار حق ، وأن الأنبياء حق ، وكل هذا قد عُرِفَ ، ولكن بعد فوات الأوان ..

 

﴿ أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنَا ﴾

 ليتكم سمعتم ، وأنتم في الدنيا ، ليتكم أبصرتم الحقائق ، وأنتم أحياء ، فالأبواب كلها مفتّحة ؛ بابُ التوبة مفتوح ، بابُ الاستقامة مفتوح ، بابُ العمل الصالح مفتوح ، بابُ العلم مفتوح ، بابُ التقرُّب إلى الله مفتوح ..

 

﴿ أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ ﴾

هل العَجب في الآية من الله أم من الكفار ؟

 لكنَّ بعض المفسِّرين يقول : " لا يجوز التعجُّب على الله عزَّ وجل" ، ما هو العجب ؟ نحن قلنا : هذه صيغةٌ مِن صيغ التعجُّب ، هكذا العرب يقولون : ما أعدل القاضي ، وأعدِل به ، ما أجمل السماء ، وأجْمِل بها ، ما أفعله ، وأفعِل به ، هذا يجوز علينا نحن البشر ، لأن الشيء العجيب هو الشيء الذي يلفت النظر ، ولا تعرف أسبابه ، فإذا ظهر السبب بَطَلَ العجب ، أما على الله عزَّ وجل فليس هذا بعجيب ، لذلك هذا العجب ينتابنا نحن ، أيْ أن ربنا عزَّ وجل يصف عجبنا يوم القيامة كيف يشتدُّ سمعنا وبصرنا ، ولا حيلة لنا ، ويوم كنَّا في الدنيا لا سمع ، ولا بصر ، والحِيَل كلُّها بين أيدينا..

 

﴿ أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنَا لَكِنِ الظَّالِمُونَ الْيَوْمَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ ﴾

 فما من حالةٍ قبيحةٍ بالإنسان ، وحالةٍ بشعةٍ بالإنسان ، وحالةٍ مُزريةٍ بالإنسان ، وحالةٍ مجحفةٍ بالإنسان كأن يكون جاهلاً إلا ناتجة عن الجهل ، والجهل عدو الإنسان ، والعلم فرض عينٍ على كل مسلم ، طلب العلم فريضةٌ على كل مسلم ، فرض عينٍ ، فقد يقول قائل : أنا مهندس ، أنا طبيب ، أنا تاجر ، أنا مُزارع ، أنا مهندس زراعي لا شأن لي بالعلم الديني ، أنا اختصاصي غير هذا ، لا ، هذا كلامٌ مردود ، طلب العلم الديني فرض عينٍ على كل مسلم ، يجب أن تعلم الحقائق التي يجب أن تُعْلَم بالضرورة ، وإلا فقد قصَّرت في حق نفسك وظلمتها ، وأوردتها المهالك ، لأنه ما مِن مأساةٍ إلا وراءها معصية ، وما من معصيةٍ إلا وراءها جهل ، والجهلُ يؤدي إلى المعصية ، والمعصية تؤدي إلى المأساة ، فلذلك إذا أردت أن تسلم في الدنيا فاطلب العلم ، وطبِّق العلم حتى تسعد في الدنيا والآخرة ..

 

﴿ وَأَنْذِرْهُمْ ﴾

إياك مِن يوم الحسرة :

 يا محمَّد ، أنذر قومك ، بل أنذر الناس جميعاً ..

 

﴿ يَوْمَ الْحَسْرَةِ ﴾

 يوم الحسرة من أسماء يوم القيامة .. يوم الحسرة .. لأن الإنسان تأكل قلبَه الحسرة ، فهو في الدنيا كان قد سعى ، وجمع الدرهم والدينار ، وفجأةً أصبح من أهل القبور ، فأيقن أن الذي جمعه لم ينفعه شيئاً ، كان يظنُّ أن المال كلُّ شيء فأفنى عمره في تحصيله وجمعه ، فلمَّا جاءت المَنِيَّة عرف أن المال شيء ، ولكنَّه ليس كل شيء ، وأن كل شيء هو الإيمان ، ومعرفة الواحد الديَّان ، مِن هذا يأتي الندم ، فلا يعرف الشوق إلا مَن يكابده ، ولا الصبابة إلا من يعانيها ، الحسرة لا يعرفها الإنسان إلا إذا ضيَّع شيئاً ثميناً في الدنيا بتصرُّفٍ ساذجٍ جاهل ، يقول : الحسرة تأكل قلبي ، كيف ضيّعت هذه الزوجة ؟ كيف فرَّطت فيها ؟ كيف ضيَّعت هذا البيت ؟ كيف أحجمت عن شراء هذه البضاعة ؟ إذا كان شيءٌ ماديٌّ يُحصَّل في الدنيا مرَّةً ثانية ، وثالثة ، ورابعة ، وضاع منك تتحسَّر عليه ، فكيف إذا عرف الإنسان أن الآخرة كلَّها قد ضاعت ، الأبد كلُّه ضاع ؟ ..
 " فو الذي نفس محمدٍ بيده ما بعد الدنيا من دار إلا الجنَّة أو النار " .

 

﴿ وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ ﴾

 فهؤلاء الذين انغمسوا في الدنيا سيتحسَّرون على أنهم ضيَّعوا عمرهم سدى ..

﴿ يَا حَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ وَإِنْ كُنْتُ لَمِنْ السَّاخِرِينَ ﴾

( سورة الزمر : 56)

﴿ وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ ﴾

( سورة الفرقان : من آية " 37 " )

 العضُّ على اليدين ، والحسرة في القلب والندم ، و ..

﴿ رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ ﴾

( سورة الحجر :2)

 هذه الآيات كلُّها تؤكِّد أن الذي لم يعرف ربه في الدنيا ، ولم يستقم على أمره ، ولم يتقرَّب إليه ، ولم يتعلَّم العلم الذي ينجيه من أهوال يوم القيامة سوف يواجه يوم القيامة حالةً نفسيَّةً لا توصف ، عبَّر الله عنها بكلمةٍ واحدة هي .. يوم الحسرة ..

 

﴿ وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ ﴾

 وما من شعورٍ مسعدٍ مثل أن يكون الإنسان على استعداد لغدِهِ كأن يأتي الموت ، وقد استعدَّ الإنسان له أتم استعداد ، وقد عرف ما له وما عليه ، وقد أدَّى ما عليه لله عزَّ وجل ، عَبَدَهُ ، وأطاعَه ، وأفنى عمره في طاعته ، وفي التقرُّب منه ، فجاء الموت فكان من السُعداء ، لذلك متى يخشى الإنسانُ الموتَ ؟ إذا عَمَّر دنياه ، وخَرَّب آخرته ، متى يخشى الموت ؟ إذا كان يقْدُمُ على حياةٍ لا يعرف عنها شيئاً ، متى يخشى الموت ؟ إذا حمل من الأوزار ما لا يطيق ، لذلك أقْلِل من الذنوب يسهل عليك الموت ، أقلل من الشهوات يسهل عليك الفقر ، أرسل مالك أمامك يسعدك اللحاق به .

﴿ وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ ﴾

يوم الحسرة هو يومُ القضاءِ :

 إذا ارتكب مجرمٌ جريمةً ، واستحقَّ الإعدام ، وصُدِّق الحكم ، وسيق للتنفيذ ، وهو يصعد درجات المشنقة ، فبكاؤه كضحكه ، كرجائه ، كدعائه ، كتوسله ، كلُّها سيَّان ..

 

﴿ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ ﴾

 الحكم مبرم ، ومصدَّق ، والتنفيذ بعد دقائق ، فهذه المشكلة أن الإنسان في الدنيا أمورُه تُصحَّح ، والأخطاء تُغْتَفَر ، والذنوب تغتفر ، والمعاصي تُسْتَر ، الحقوق تؤدَّى ، والمظالم تُسَوَّى ، كل شيءٍ في الدنيا له حل ، أما إذا جاء الموت ، وخُتِمَ العمل فليس هناك من حلٍ أبداً ..

﴿ وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ ﴾

 انتهى الأمر ، هذه ساعة الحكم المبرم ..

﴿ أَمْ أَبْرَمُوا أَمْرًا فَإِنَّا مُبْرِمُونَ ﴾

( سورة الزخرف : 79)

 هم اتخذوا قراراً بأن الدين لا يُجدي في هذه الحياة ، هكذا أبرموا أمراً ، إذاً حينما يأتون يوم القيامة ..

 

﴿ وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ ﴾

غرور الناس بمتاع الدنيا وغفلتهم عن يوم القيامة :

 كانوا في غفلةٍ عن هذا ، كانوا في غفلةٍ عن يوم القيامة ، عن هذا اليوم الرهيب ، عن الطامَّة ، عن الواقعة ، عن يوم الحسرة ، عن يوم الدين ، عن يوم الجزاء ، عن الصَّاخَّة ، هذه كلُّها أسماء ليوم القيامة ..

 

﴿ وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ ﴾

 لم يؤمنوا بالله عزَّ وجل ، ولم يؤمنوا باليوم الآخر ، فغفلوا عنه ، فانغمسوا في شهواتهم ، فجاءهم الموت فجأةً فأصابتهم الحسرة ..

﴿ فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ(8)فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ(9)عَلَى الْكَافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ ﴾

( سورة المدثر : 9 -10)

 يومٌ عسير حينما يُساق الإنسان ليلقى جزاء عمله ، هذا في الدنيا عسير فكيف في الآخرة ؟ في الدنيا المحامون موجودون ، والخروج بكفالة، والوسائط متوفرة ، والقاضي قد يكون منحازاً إلينا ، هناك أسباب كثيرة تخفِّف من وطأة هذه الساعة ، أما يوم القيامة فالله سبحانه وتعالى هو الحكم الفصل بين العباد ، لا محاباة ، ولا مداراة ..

 

﴿ إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا وَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ ﴾

 فعلاقة هذه الآية بأختها واضحة ، فرحهم ، وغفلتهم أَرْدَتْهم ..

 

﴿ وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ ﴾

 لماذا هم لم يؤمنوا ، وكانوا في غفلة، وانغمسوا في الشهوات ؟ لأن الدنيا كانت بين أيديهم ، إنهم فرحوا بها ، افتخروا بها ، تاهوا بها على عباد الله ..

﴿ فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ ﴾

( سورة الأنعام : 44)

 فرحوا بما أوتوا ، قارون قال :

﴿ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِندِي ﴾

( سورة القصص : من آية " 78 " )

﴿ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ ﴾

( سورة القصص :76)

(( إن هذه الدنيا دار التواء لا دار استواء ، ومنزل ترحٍ لا منزل فرح ، فمن عرفها لم يفرح لرخاء ، ولم يحزن لشقاء ...))

( ورد في الأثر )

 من صفات الكفَّار أنهم يفرحون بالدنيا ، يفرحون بها ، تمتلئ قلوبهم فرحةً بنيلها ، فلذلك هذه الدنيا التي فرحوا بها ، واطمأنوا إليها ، وركنوا إليها ، وسكنوا إليها ، وافتخروا بها ، واعتزوا بها هذه لن تدوم لهم ، والدليل :

 

﴿ إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا ﴾

كل شيء لله ملكا وتصرفا ومصيراً :

 هذا البيت الذي أمضيت سنواتٍ طويلة في تزينه ليس لك ، وهذه الدُكَّان التي تعلَّق القلب بها ليست لك ، وهذه المركبة الأنيقة التي تتيه بها على الناس ليست لك سيرثها الله منك ، لابدَّ من أن تتركها ، كل شيءٍ في الدنيا يُتْرَك ، ولا يدخل معك في القبر إلا عملك ، فلذلك هنا لماذا هم في غفلةٍ ؟ لماذا هم لا يؤمنون ؟ لماذا سيتحسَّرون ؟ لأنهم منغمسون في الدنيا ، والدنيا العريضة التي بين أيديهم ليست لهم ، ليست على الدوام لهم ، إنها لهم لوقتٍ محدود .. لمن هذا القطيع من الإبل ؟ قال : " لله في يدي " .. الآن في يدي ، ادخلْ أحد أسواق دمشق ، فهذه الحوانيت أصحابها الحاليون جاؤوا بعد أصحابٍ لها سابقين ، وأصحابها السابقون جاؤوا بعد أصحابٍ لها سابقين ذلك ، وهكذا دواليك ..

 

﴿ إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا ﴾

 وفي النهاية هذه الأراضي الغالية الثمن ، وهذه البيوت الفَخمة ، وهذه المركبات الأنيقة ، وهذه البساتين الغَنَّاء ، وهذه الأموال الوفيرة إنها ليست لأصحابها ، إنها لله عزَّ وجل .

(( إنَّ لله ما أعطى ، وله ما أخذ ... ))

( ابن ماجه عن أسامة بن زيد )

﴿ إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا وَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ ﴾

 يُرجَعون لنحاسبهم على أعمالهم ، وهذه الآيات جاءت بين قصَّتين ، بين قصَّة مريم الصِدِّيقة ، وبين قصَّة سيدنا إبراهيم عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام .. لنقرع نواقيس خطر العودة :

﴿ وَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ ﴾

﴿ وَاذْكُرْ ﴾

 يا محمَّد ..

 

﴿ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ ﴾

قصة إبراهيم عليه السلام مع أبيه وقومه :

 إنَّ العرب جاؤوا من نسله ، وهم يعتزون به ، وهم ينتمون إليه ، وإبراهيم هذا لم يكن مشركاً ، بل كان مؤمناً موحِّداً مسلماً ..

 

﴿ وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقاً نَبِيّاً ﴾

إبراهيم عليه السلام النبيُّ الصدِّيقُ :

 الصِدِّيق صيغة مبالغة للصادق ، والصادق هو الذي يفعل ما يقول ، ويقول ما يفعل ، ليس هناك ازدواجيةٌ في حياته ، ليس هناك مسافةٌ بين أقواله وأفعاله ، يفعل ما يقول ، ويقول ما يفعل ، أي أنه إذا تكلَّم ينطق بالحق ، وإذا فعل يأتي فعله مصداقاً لقوله ، هذا هو الصديق ، وهذه الصفات العالية التي اتصف بها الأنبياء والمرسلون ، ومن ثم فالمؤمنون مكلَّفون أن يتَّصفوا بها لقول النبي عليه الصلاة والسلام :

(( وَإِنَّ اللَّهَ أَمَرَ الْمُؤْمِنِينَ بِمَا أَمَرَ بِهِ الْمُرْسَلِينَ ، فَقَالَ :

﴿ يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنْ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ ﴾

 وَقَالَ :

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ ﴾))

 

( مسلم عن أبي هريرة)

 فيجب أن نكون صادقين ، إذا تكلَّمنا فكلامنا ينبغي أن ينبع من حقيقة لا من دجل ، لا من تزوير ، لا من إخفاء ، لا من تحوير ، لا من تبديل ، وإذا فعلنا يجب أن يكون فعلنا مصداقاً لعقيدتنا ، حيثما كان القول مصدِّقاً للعمل ، وحيثما كان العمل مصدِّقاً للقول فهذه هي الصِدِّيقية ..

 

﴿ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقاً نَبِيّاً ﴾

 قال عليه الصلاة والسلام :

(( يُطْبَعُ الْمُؤْمِنُ عَلَى الْخِلالِ كُلِّهَا إِلا الْخِيَانَةَ وَالْكَذِبَ ))

( مسند أحمد عن أبي أمامة )

 إذا وقع الإنسان في الكذب فكأنما خرج من إيمانه ..

 

﴿ وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقاً نَبِيّاً ﴾

 وكلمة النبي لها معنيان ، إنه تَنَبَّأ بالغيب لما يوحى إليه ، تنبأ بالحق الذي أُوحي إليه ، والنبي من الشيء المرتَفَع ، أيْ مرتبةٌ نفسيةٌ رفيعة ، ومرتبةٌ علميَّةٌ رفيعة ..

﴿ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقاً نَبِيّاً * إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئاً * يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطاً سَوِيّاً * يَا أَبَتِ لَا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيّاً * يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنَ الرَّحْمَنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيّاً ﴾

 القول الأوَّل ، والثاني ، والثالث ، والرابع ، أربع موضوعات ، أولاً :

 

﴿ يَا أَبَتِ ﴾

 أساسها يا أبي ، هذه التاء جاءت نيابةً عن ياء المُتَكَلِّم ..

 

﴿ يَا أَبَتِ ﴾

تلطُّف إبراهيم عليه السلام وأدبُه مع أبيه :

 فيها تحبُّب ، فيها تلطُّف ، فيها مودَّة ، فيها تواضع ، وإذا أردْتَ أيها الأخُ المؤمن أن تنصح أباك فكن غايةً في التلطُّف ، والأدب ، والمودّة ، والاحترام ، لأن الأب أبٌ ، والابن أبنٌ ، أمَّا أن يكون الابن متعالياً ، أو قاسياً ، أو مُقَرِّعاً لأبيه ، فهذا يستحيل أن يؤدِّي هذا الموقف إلى الهداية ..

 

﴿ يَا أَبَتِ ﴾

 نبيٌّ عظيم أبو الأنبياء ، ومع ذلك وقف من أبيه المُشرك وقفةً فيها أدبٌ رفيع ..

﴿ يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنَ الرَّحْمَنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيّاً ﴾

إنكار إبراهيم عليه السلام على أبيه عبادتَه الأصنام :

 يا أبتِ ، موقفُكَ موقفٌ غير معقول ، موقفٌ غير مقبول ، موقفٌ غير منطقي ، موقفٌ غير واقعي أن تأتي إلى صنمٍ من حجر فتعبده من دون الله ، أهو يسمعك إذا ناديته ؟ لا والله ، أهو يراك إن فعلت شيئاً يرضيه ؟ لا والله ، أهو يستجيب لك إن استغثتَ به ؟ لا والله ، أهو يقدِّم لك الحواس ؟ أيقدِّم لك الماء من السماء ؟ أينبت لك الزرع والزيتون ؟ أيَخْلُقُ في بطن زوجتك هذا الغلام اللطيف ؟ لا والله ..

﴿ أَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخَالِقُونَ ﴾

( سورة الواقعة :59)

الأصنام لا تسمع ولا تبصر ولا تغني شيئا :

 ماذا فعل هذا الصنم ؟ ..

 

﴿ لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئاً ﴾

 إذا تعلَّقت بإنسان له سمعٌ ، وله بصر ، وله فكرٌ ، وله إرادة ، وهو أقوى منك ، إذا تعلَّقت به فهذا إشراك ، لأن هذا الإنسان مُضَّطَرٌ إلى مقومات وجوده كاضطرارك أنت ، ولو أن الله عزَّ وجل قطع عنه الإمداد ثانيةً لأصبح جثَّةً هامدة ، إذا كنت منهياً عن أن تعبد إنساناً أرفع منك شأناً ، وأقوى منك ، يسمع ويبصر ، ولكنَّه في النهاية عبدٌ مفتقرٌ في وجوده إلى الله عزَّ وجل ، فإنك لا تُسَمَّى منطقياً ، ولا عاقلاً ، ولا واقعياً ، إذا أطعت إنساناً يبدو لك أنه عظيم ، يبدو لك أنه قوي ، يبدو لك أنه يسمع ويُبْصر ، لأن هذا الإنسان مفتقرٌ في وجوده إلى الله عزَّ وجل كافتقارك أنت ، فكيف تعبد صنماً لا حسَّ له ، ولا سمع له ، ولا بصر له ، ولا إدراك له ، ولا حركة له ، ولا نفع منه ، ولا ضرر من إغضابه ؟ شيءٌ سخيفٌ جداً ..

 

﴿ يَا أَبَتِ لِمَ ﴾

 استفهام إنكاري ..

 

﴿ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئاً ﴾

 فكِّر في هذه الأصنام ..

 

﴿ يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ ﴾

دعوة إلى الله في منتهى الأدب واللباقة :

 إنه منتهى الأدب ، لم يقل له : يا أبتِ إني عالمٌ ، وأنت جاهل ، إنني أعلم كل شيء وأنت لا تعلم شيئاً ، لا ، قال :

 

﴿ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ ﴾

 جاءني بعض العلم الذي لم يأتك .. يُروى أنَّ عالماً شهيراً رأى رجلاً وحوله تلاميذه ، فهاله تجمُّع الناس حوله ، وأراد أن يصغِّره في عيون تلاميذه ، فجلس في مجلسه ، وبعد انتهاء الدرس قال له : " يا هذا ، إن هذا القول الذي تقوله ما سمعنا به ، فمِن أين جئت به ؟ " ، قال : " يا سيدي أو حصَّلت العلم كلَّه ؟ إذا قال : نعم ، فقد خالف نصَّ الآية الكريمة :

﴿ وَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ الْعِلْمِ إِلا قَلِيلاً ﴾

( سورة الإسراء : 85)

 قال : " لا : ، قال : " فهذا من الشطر الذي لم تُحَصِّله " ، وأسكته عن طريق العقل والأدب .. وسيدنا إبراهيم كان في منتهى الأدب مع أبيه..

 

﴿ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي ﴾

وجوب اتباع الأنبياء مطلقا :

 العلماء استنبطوا من هذه الآية أن العالِم يجب أن يُتَّبَع في كل شيء ، ليس في الدين فقط ، بَلْ في أية مصلحة ، فإنّ العالِمَ هو الذي يُتَّبَع ، والأقلُّ علماً هو الذي يجب أن يتبع الأكثر علماً ، في الهندسة ، في الطب ، في أي مجال ، الكلمة الأولى للأعلم ، وفي الدين كذلك ..

 

﴿يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي ﴾

درس وعبرة دعوية :

 أنا أشعر أن هذه الكلمة في منتهى الأدب ، في منتهى التلطُّف ، وهذا درسٌ لنا ، قد تُضطر أن تناقش إنساناً أكبر منك ، قد يكون عمَّك ، أو أباك ، أو من هو أعلى منك في العلم ، أكبر منك سنَّاً ، وأعلى قدراً ، وهو واقعٌ في غَلَطٍ شديد ، واقعٌ في انحرافٍ خطير ، يتكلَّم كلاماً باطلاً ، أنت إن أردت نُصْحَهُ فإيَّاك أن تأتيه مِن فوق ، لأنه لن يستجيب لك ، إيَّاك أن تقسو عليه بالكلمات ، تلطَّف معه ، كأنني سمعت كذا وكذا ، وكأنني أريد أن أستفهم منك ، اجعلْ نُصحك له ، ووعظك إيَّاه على شكل سؤالٍ وجواب .
 فهذا النبي العظيم الموحى إليه ، أبو الأنبياء ، يتلطَّف مع أبيه المشرك ، ويقول له :

﴿يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي ﴾

 وشيءٌ آخر ، ليس هناك اتّباعٌ إلا للعالِم ، أيْ أن طاعة الأب طاعةً مطلقةً عمياء سلوك غير إسلامي ..

(( لَا طَاعَةَ لِمَخْلُوقٍ فِي مَعْصِيَةِ الْخَالِقِ ))

(الترمذي)

﴿ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطاً سَوِيّاً ﴾

اتباع الأنبياء سعادة في الدنيا والآخرة :

 إن اتبعتني سعدتَ في الدنيا والآخرة ، سرتَ على صراطٍ مستقيم ، عرفتَ ما لك وما عليك ، عرفتَ الذي خلقك ، عرفتَ الذي كَوَّنَك .

 

﴿ يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطاً سَوِيّاً * يَا أَبَتِ لَا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ﴾

 هو يعبد هذه الأصنام ، فلِمَ قال له سيدنا إبراهيم :

 

﴿ لَا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ﴾

الشيطان أصل في عبادة الأصنام :

 لأن الشيطان هو الذي يسوِّل للإنسان أن يعبد الأصنام ، الشيطان إذا سوَّل لهم أن يعبدوا الأصنام فإنه يبعدهم عن الواحد الديَّان .. إحدى القبائلِ العربيَّة كانت تعبد صنماً من تمر ، فلمَّا جاعت أكلته ، فكان يقال عنها : أكلت ودٌ ربَّها ، ومرَّة رأى شاعر صنماً وثعلبٌ يبول على رأسه ، فقال :

أربٌّ يبول الثعلبان برأسه ‍‍‍؟‍!!  لقد ذلَّ من بالت عليه الثعالب
* * *

 مستحيل ، كيف يُعبد هذا الصنم من دون الله ؟ ..

 

﴿ يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطاً سَوِيّاً * يَا أَبَتِ لَا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيّاً﴾

سبب الشقاء مخالفة الله وعصيانه :

 أيْ أن سبب كل شقاء يلحق الإنسان ناتج عن الإنسان أنه عصى الرحمن ، وحينما تعصي إنساناً منحرفاً فربما كانت معصيتك له هي الصواب ، ولكن الشيطان عصى الرحمن ، وربنا عزَّ وجل ذكر هذا الاسم ( الرحمن )لأنه جامعٌ للأسماء الحسنى ، و كأنَّ اسم الله الأعظم ، " الله الرحمن " ..

﴿قُلْ ادْعُوا اللَّهَ أَوْ ادْعُوا الرَّحْمَانَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الأَسْمَاءُ الْحُسْنى َ﴾

( سورة الإسراء : من آية " 110 " )

 وبعض العلماء يقول إن هذا الاسم ( الرحمن )هو : " اسم الله الأعظم ، لأن قدرته فيها رحمةٌ ، وحكمته فيها رحمةٌ ، والرحمة تَجمع بين أسمائه كلِّها " ..

 

﴿ يَا أَبَتِ لَا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيّاً ﴾

مراحل إنكار إبراهيم على أبيه عبادتَه الأصنام :

أوّلاً :

 كيف تعبدُ هذه الأصنام التي لا تسمع ، ولا تبصر ، ولا تغني عنك من الله شيئاً ؟!

ثانياً :

 يجب أن تتبعني لأنه قد جاءني من العلم ما لم يأتك .

وثالثاً :

﴿ لَا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيّاً ﴾

 فإذا عبدت الشيطان الذي عصى الرحمن فعبادته معصيةٌ للرحمن ، وأن تطيع العاصي فهي معصية ، ومن المعاصي أن تطيع العاصي ، فالشيطان عاصٍ للرحمن ، فإذا أطعته فقد عصيت الله عزَّ وجل ..

 

﴿ يَا أَبَتِ﴾

أسلوب الترهيب والترغيب :

 الآن خوَّفه ..

 

﴿ يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنَ الرَّحْمَنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيّاً ﴾

 فالمَسُّ ؛ أن يمسَّك عذابٌ من الرحمن ، لِمَ لمْ يقل ربنا عزَّ وجل : إني أخاف أن يمسَّك عذابٌ من الله ؟ هذه إشارة إلى أن كل المصائب على وجه الأرض ، كل العذاب ، كل أنواع العذاب على وجه الأرض إنما في الأساس مبعثها الرحمة ، لقوله تعالى :

﴿ فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ رَبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ وَاسِعَةٍ وَلا يُرَدُّ بَأْسُهُ عَنْ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ ﴾

( سورة الأنعام :147 )

 تقتضي رحمته ألاّ يردُّ بأسه عن القوم المجرمين ..

 

﴿ يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنَ الرَّحْمَنِ ﴾

 فكيف أن المريض الذي التهبت عنده الزائدة ، كيف يُفْتَحُ بطنه ؟ وتُقطَّع شرايينه ؟ وتسيل الدماء على جسده ؟ وكيف يُعطى الأدوية المسكِّنة لوجود الآلام المُبَرِّحة ، كل هذا بدافع الرحمة ، هذا شيءٌ ظاهر يعرفه القاصي والداني ، كذلك فكُلّ شيءٍ وقع على وجه الأرض محضُ رحمةٍ من الله تعالى ، ومحضُ حكمةٍ ، ومحضُ عدالةٍ ، ومحضُ علمٍ ، في كل شيءٍ وقع على وجه الأرض علمٌ ، ورحمةٌ ، وعدالةٌ ، وحكمةٌ من الله عز وجل ، وهكذا :

﴿ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنَ الرَّحْمَنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيّاً ﴾

 حينما يستمع الأب مثلاً إلى كلمةٍ نابيةٍ من ابنه لا يسعه إلا أن يؤدِّبه ، وقد يوقع به ضرباً مؤلماً لئلا يعود لمثل هذه الكلمة ، فهل نقول : الأب انطلق في هذا الضرب من قسوةٍ في قلبه ؟ لا ، بل من رحمةٍ على هذا الابن من أن يكبر على عاداتٍ ، وأخلاقٍ رَدِيَّةٍ سيِّئة ، فغالباً عند الإنسان الذي يتسم بقلبِ كبير ، وتبدو أعماله للآخرين قاسيةً فإنما مبعثها الرحمة ، أما الله سبحانه وتعالى فإنه يقول :

﴿ قُلْ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾

( سورة آل عمران : 26)

﴿ فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ رَبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ وَاسِعَةٍ ﴾

( سورة الأنعام : من آية " 147 " )

﴿ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ ﴾

( سورة الأعراف : من آية " 156 " )

﴿ يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنَ الرَّحْمَنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيّاً ﴾

 إنّ الإنسان إذا أصابه العذاب من الرحمن ، إما أن يستجيب فيتوب ، وإما أن يُصِرَّ على معصيته فيوالي الشيطان ، فلا أحد يعرف كيف يكون ردُّ الفعل على هذه المصيبة ، ربما ساقت هذه المصيبة الإنسان إلى مزيدٍ من الكفران ، وربما أدَّت به إلى التوبة والإحسان ، على كلٍ قد يَمَسُّ ربنا عزَّ وجل عبداً بالعذاب فيكون للشيطان ولياً ، يواليه ..

جواب والد إبراهيم تهديد ووعيد :

 الآن تكلَّم والد سيدنا إبراهيم :

 

﴿ قَالَ أَرَاغِبٌ أَنْتَ عَنْ آَلِهَتِي يَا إِبْرَاهِيمُ ﴾

 كل هذا الكلام المنطقي الواضح اللطيف لم يؤثِّر فيه ..

 

﴿ قَالَ أَرَاغِبٌ أَنْتَ عَنْ آَلِهَتِي يَا إِبْرَاهِيمُ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيّاً ﴾

 معنى ( لأرجمنَّك )أي لأقتلنَّك بالرَجم ، وهو قتلٌ مع إهانة إلى أن تموت ، لأضربنَّك حتى الموت ..

 

﴿ وَاهْجُرْنِي مَلِيّاً ﴾

 فما كان من هذا النبي العظيم إلا أن قال لهذا الأب القاسي الذي لم يفهم فحوى هذا القول ، وهذا النُصح الشديد ..

 

﴿ قَالَ سَلَامٌ عَلَيْكَ﴾

سلام عليك أيها الأب المهدِّد :

 فلن ترى مني إلا الخير ، لن أنالك بسوء ، لن يصيبك مني إلا كل خير ..

 

﴿قَالَ سَلَامٌ عَلَيْكَ﴾

 أيْ مني ..

 

﴿ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي ﴾

 بعضهم قال : " إن تبت فسأستغفر لك ربي " ..

﴿ إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيّاً ﴾

ترفّق المؤمن ورحمته بالناس المخالفين له :

 هكذا المؤمن ، وربنا سبحانه وتعالى يقول في مكانٍ آخر :

﴿ وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنْ الْمُسْلِمِينَ * وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ ﴾

( سورة فصلت : 33 -34)

 هكذا المؤمن ..

﴿ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ ﴾

(( اصنع المعروف مع أهله ، ومع غير أهله ، فإن أصبت أهله أصبت أهله ، وإن لم تصب أهله فأنت أهله ))

(القضاعي في مسند الشهاب عن علي)

 لا ينبغي للمؤمن أن يحقد ، ولا أن يكيل الصاع صاعين ، ولا أن يرد على السيئة بسيئة أخرى ، ولا أن يتخذ موقفاً فيه ثأرٌ لنفسه ، مَن كان كذلك ليس أهلاً أن يكون باباً لله عزَّ وجل ، من كان كذلك ليس أهلاً أن يكون داعياً إلى الله عزَّ وجل ، الدعوة إلى الله تحتاج إلى خُلُقٍ نبيل ، إلى تسامحٍ كبير ، إلى رفعةٍ في التصرُّفات ، إلى رحمةٍ في القلب ، إلى عطفٍ على الخَلْق .. " إذا قال العبد : يا رب وهو راكع قال الله : لبيك يا عبدي ، فإذا قال العبد يا رب وهو ساجد ، قال الله : لبيك ، فإذا قال العبد : يا رب وهو عاصٍ ، قال الله : لبيك ثم لبيك ثم لبيك " .
 هكذا ، هؤلاء المؤمنون الذين يدعون إلى الله عزَّ وجل يحتاجون إلى أخلاقٍ رفيعة ..

 

﴿ سَلَامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيّاً ﴾

 هذه المواقف الأخلاقيَّة مواقف العطف ، والإحسان ، والترفُّق ربما فعلت فعل السحر .

صور تطبيقية للرفق واللين :

1 – مع أبي حنيفة ـ رحمه الله ـ :

 أبو حنيفة رضي الله عنه كان له جارٌ يغني ، فأقلق لياليه كلَّها ، كان يغني ويقول :
 أضاعوني وأي فتىً أضاعوا ..
 وكان يعزف على آلةٍ موسيقيةٍ ذات أوتار ، أقلق الجيران ، قُبِضَ عليه ذات ليلة ، فذهب أبو حنيفة إلى المُحتسب ليتوَسَّط له ، وحينما دخل هذا الإمام العظيم على المحتسب كَبُرَ عليه ذلك ، وأطلق كل من في السجن إكراماً لأبي حنيفة ، أمسك بيد جاره ، وقال له في طريق العودة : هل أضعناك يا فتى ؟ تقول : أضاعوني ، وأي فتى أضاعوا ، فكانت النتيجة أن تاب الفتى على يديه.

2 – مع مالك بن دينار ـ رحمه الله ـ :

 أحد الأئمة العِظام وهو مالكٌ بن دينار كان يمشي في الطريق ليلاً ، فرأى إنساناً مخموراً يقول : الله ، فهاله أن يخرج هذا الاسم العظيم من هذا الفم النجس ، فأخذه إلى البيت ، وأنعشه ، وغسَّله ، واعتنى به ، ثم صرفه ، وذهب مالك إلى المسجد في اليوم التالي ، فرأى في المسجد إنساناً يُصلي بخشوعٍ بالغ ، ويبكي في الصلاة ، وفي الليلة ذاتها رأى في المنام رؤيا ، وسمع صوتاً يقول له : " يا مالك طهَّرت فمه من أجلنا فطهَّرنا قلبه من أجلك " ، فلمَّا سأل هذا المصلي : " من أنت يرحمك الله ؟" ، قال : " إن الذي هداني أخبرك بحالي " .

3 – مع سيدنا عمر ـ رضي الله عنه ـ :

 سيدنا عمر رضي الله عن عمر بلغه أن صاحباً له كان في المدينة زلَّت قدمه ، وذهب إلى الشام ، وشرب الخمر ، وعاقرها ، فكتب له كتاباً رقيقاً ، وقال : " أمَّا بعدُ فإني أحمد الله إليك ، غافر الذنب ، قابل التوب ، شديد العقاب ذي الطول " ، فجعل هذا الصاحب يقرأ الكتاب ويبكي ، وهذا البكاء بسبب هذه الرقَّة في الكلام ، وهذا التلطُّف في الموعظة ، حمله بكاؤه على التوبة ، فلمَّا بلغ عمر رضي الله عنه أنه تاب قال : " هكذا اصنعوا بأخيكم إذا ضل ، كونوا عوناً له على الشيطان ، ولا تكونوا عوناً للشيطان على أخيكم .

﴿ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ ﴾

( سورة فصلت : 34)

﴿ قَالَ أَرَاغِبٌ أَنْتَ عَنْ آَلِهَتِي يَا إِبْرَاهِيمُ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيّاً * قَالَ سَلَامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيّاً﴾

وجوب اعتزال أهل الكفر والإلحاد بعد ردِّهم دعوةَ الحقِّ :

 يجب أن تعتزل أهل الكفر والعصيان ، وأهل الفسوق والفجور ، إنهم كنافخ الكير ، إن لم يحرقوا ثيابك أضرُّوك ..

 

﴿ وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ﴾

 تدعون هنا بمعنى تعبدون ، لأن الدعاء عبادة ، أي إذا عبدتم غير الله أَعتزِلُكُمْ أنتم وما تعبدون .

 

﴿ وَأَدْعُو رَبِّي عَسَى أَلَّا أَكُونَ بِدُعَاءِ رَبِّي شَقِيّاً ﴾

 كما قال سيدنا زكريَّا :

 

﴿ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْباً وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيّاً ﴾

 أي ما دعوتك يا ربي من قبلُ ، وشقيت بهذا الدعاء .. الله عوَّدك الجميل فقس على ما قد مضى .

 

﴿ فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَكُلّاً جَعَلْنَا نَبِيّاً ﴾

إكرام اللهِ إبراهيم عليه السلام بإسحاق :

 فالله سبحانه وتعالى أكرمه بذريةٍ من الأنبياء ..

﴿ وَوَهَبْنَا لَهُمْ مِنْ رَحْمَتِنَا وَجَعَلْنَا لَهُمْ لِسَانَ صِدْقٍ عَلِيّاً ﴾

 فمن يوهب لسان صدقٍ عليَّا ، يتكلَّم بالحق ، فالكلمة الطيِّبة صدقة ، وبالكلمة الطيبة يرتفع بها الإنسان إلى أعلى عليين ..

﴿ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ(24)تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا ﴾

( سورة إبراهيم : 24-25)

﴿ وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مُوسَى إِنَّهُ كَانَ مُخْلَصاً وَكَانَ رَسُولاً نَبِيّاً ﴾

موسى عليه السلام النبي الرسولُ المخلَص :

معنى : مُخْلَصًا :

 عندنا في اللغة مخلِصٌ ومخلَصٌ ، إذا أخلَص العبد لربِّه ، وتجلَّى على قلبه ، ونقَّاه من كل دَرَنٍ صار مخلَصاً ، كان مخلِصاً اسم فاعل ، فصار مخلَصاً اسم مفعول ، أي خلَّصه الله من كل الشوائب ..

 

﴿ وَنَادَيْنَاهُ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيّاً ﴾

مناجاة الله لموسى عليه السلام :

 جعلناه نجِيَّنَا ، كليمنا ..

 

﴿ وَوَهَبْنَا لَهُ مِنْ رَحْمَتِنَا أَخَاهُ هَارُونَ نَبِيّاً * وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولاً نَبِيّاً﴾

 صادق الوعد ..

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُون ﴾

( سورة الصف :2)

إسماعيل عليه السلام : إنه كان صادق الوعد :

 قد تَعِدُ ربَّك بالتوبة ، تعده بالإقلاع عن هذه المعصية ، فلمَ تزِلُّ القَدَم بعدها ، وتفعل ما وعدَّته بتركه ..

 

﴿ وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولاً نَبِيّاً * وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَكَانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيّاً﴾

 هذه صفات الأنبياء صفاتٌ تأخذ بالألباب ..

 

﴿ وَكَانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيّاً ﴾

وَكَانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا

أين نحن من هذه الصفات ؟

 مرضياً عنه ، أين نحن من هذه الصفات ؟ سيدنا عمر يقول : "عجبت لثلاث ؛ لمؤمِّلٍ والموت يطلبه ، وغافلٍ وليس بمغفولٍ عنه ، وضاحكٍ ملء فيه ، ولا يدري أساخطٌ عنه الله أم راضٍ " ، يا ترى ألا يجدر بنا أن نسأل هذا السؤال : يا رب هل أنت راضٍ عني ؟
 قال : يا رب أحد الطائفين حول البيت الحرام قال : " يا رب هل أنت راضٍ عني ؟ " ، كان وراءه الإمام الشافعي فقال له : " هل أنت راضٍ عنه حتى يرضى عنك ؟ " ، قال : " من أنت يرحمك الله ؟ " ، قال : " أنا محمَّد ابن إدريس " . قال : " كيف أرضى عنه وأنا أتمنَّى رضاه ؟ " ، قال: " إذا كان سرورك بالنقمة كسرورك بالنعمة فقد رضيت عنه ، وإذا رضيت عنه رضي عنك " .
 هذا سؤال خطير : يا ترى هل أنا عند الله مرضيٌّ ؟ هل يرضى الله عن أعمالي ؟ عن أقوالي ؟ عن تصرُّفاتي ؟ عن طريقة جمعي للمال ؟ عن طريقة معاملة زوجتي ؟ هل اللهُ راضٍ عن بيتي ؟ هل في بيتي معاصٍ بإمكاني أن أُزيلها ولم أزلها حتى الآن ؟ هل بإمكاني أن أفعل كذا ولم أفعله ؟ أين أنت ؟ أين أنت من الله عزَّ وجل ؟ هل أنت في صفِّ أوليائه أم في صف أعدائه ؟ هل أنت مع المؤيِّدين للحق أم مع المُناهضين له ؟ هل يجدك حيثما أمرك ، ويفقدك حيثما نهاك ؟ أم العكس صحيح ؟

 

﴿ وَكَانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيّاً ﴾

﴿ وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَكَانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيّاً * وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِدْرِيسَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقاً نَبِيّاً﴾

 صدّيقاً كما قلنا : أيْ شديد التصديق للحق ، يقول ما يفعل ويفعل ما يقول ، وليس هناك مسافةٌ بين أقواله وأفعاله ..

 

﴿ وَرَفَعْنَاهُ مَكَاناً عَلِيّاً ﴾

لكل مؤمن نصيب من الرفعة والمكانة العلية :

 ولكل مؤمن نصيب من هذه الآية ، حيثما عرفتَ الله ، واستقمت على أمره ، وأخلصت له فلابدَّ من أن يرفعك الله عزَّ وجل ، لابدَّ من أن يُعلي قدرك ، لابدَّ من أن يطهِّر اسمك ، فلابدَّ من أن يجعل قلوب الناس تهفو إليك ..

 

﴿ وَرَفَعْنَاهُ مَكَاناً عَلِيّاً *أُولَئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ مِنْ ذُرِّيَّةِ آَدَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ وَمِنْ ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْرَائِيلَ وَمِمَّنْ هَدَيْنَا وَاجْتَبَيْنَا إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آَيَاتُ الرَّحْمَنِ خَرُّوا سُجَّداً وَبُكِيّاً ﴾

﴿ أُولَئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ﴾

أُولَئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللّهُ عَلَيْهِمْ

 أنت في الصلاة تقول :

﴿ اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيم(6)صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ ﴾

( سورة الفاتحة : 7)

 فالمغضوب عليهم هم الذين عرفوا الحقَّ وحادوا عنه ، والضالون هم الذين لم يعرفوا الحق أصلاً ، أما الذين أنعم الله عليهم فهؤلاء هم النبيِّون ، والصديقون ، والشهداء ، والصالحون ، فإذا قلت في كل صلاةٍ ، في كل ركعةٍ حصراً :

﴿ اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ(6)صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ ﴾

 يقول ربنا سبحانه وتعالى :

﴿ أُولَئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ مِنْ ذُرِّيَّةِ آَدَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ وَمِنْ ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْرَائِيلَ وَمِمَّنْ هَدَيْنَا وَاجْتَبَيْنَا ﴾

 أيْ اخترنا ..

 

﴿ إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آَيَاتُ الرَّحْمَنِ خَرُّوا سُجَّداً وَبُكِيّاً ﴾

البكاء عند سماع القرآن دليل على حياة القلب :

 أي أنَّ الإنسان إذا لم يبكِ لسماع آيات الله عزَّ وجل فهذه ظاهرةٌ خطيرة ، من علامات المؤمن أنه إذا ذُكِرَ الله وَجِلَ قلبه ، وإذا تليت عليه آياته زادته إيماناً ، من علامات المؤمن أنه يقشعرُّ جلده لذكر الله ، أن عينه بكَّاءَة تبكي إذا ذُكر الله ..

(( عَيْنَانِ لا تَمَسُّهُمَا النَّارُ : عَيْنٌ بَكَتْ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ ، وَعَيْنٌ بَاتَتْ تَحْرُسُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ))

( سنن الترمذي عن ابن عبَّاس )

 وفي روايةٍ :

(( وعينٌ غضَّت عن محارم الله ))

 وطبعاً البكاء لا يكون إرادياً ، لكنْ اجتهد في طريق الإيمان ، واجتهد في معرفة ربنا سبحانه وتعالى من أجل أن تملك قلباً رقيقاً إذا تُلِيَت عليك آيات الله تبكي ، وهذا بكاء الرحمة ، وكان الأنبياء ، والصديقون ، والشهداء ، والصالحون بكَّائين ، فكلَّما تليت عليهم آيات الرحمن بكوا ..

 

﴿ إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آَيَاتُ الرَّحْمَنِ خَرُّوا سُجَّداً وَبُكِيّاً * فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ﴾

 هذه الوجبة الجديدة ..

 

﴿ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيّاً ﴾

خَلْفُ أضاعوا الصلاة واتََّبَعوا الشهوات

 بكلماتٍ قليلة ، بليغة ، محدَّدة لخَّص الله سبحانه وتعالى حال البشرية من بعد هؤلاء الذين أنعم الله عليهم ..

 

﴿ فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ ﴾

 قال العلماء : " ليس تضييعُ الصلاة عدمَ أدائها ، ولكن عدم تحقيق مراد الله منها " .

﴿ إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنْ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ ﴾

( سورة العنكبوت : من آية " 45 " )

 إذا لم تنهَ صلاة المؤمن عن الفحشاء والمنكر فكأنَّه ضيَّعها ..

﴿ فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيّاً ﴾

 والبشريّة تلاقي الغَيّ ، والمصائب ، وفنون العذاب بسبب بعدهم عن الله سبحانه وتعالى ، ولنا عودةٌ إلى هذه الآية في الدرس القادم إن شاء الله تعالى .

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018