الدرس : 2 - سورة مريم - تفسير الآيات 16 - 37 - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الدرس : 2 - سورة مريم - تفسير الآيات 16 - 37


1987-12-18

 الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد ، الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا ، إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا ، وزدنا علما ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .
 أيها الإخوة المؤمنون ... مع الدرس الثاني من سورة مريم .

معجزة ولادة يحيى مقدمة لمعجزة ولادة عيسى عليه السلام :

 القصة الأولى في هذه السورة قصة سيدنا زكريا عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام ، هذه القصة تُعَدُّ من حيث إِن ولادة سيدنا يحيى كانت بإعجازٍ دون إعجاز سيدنا عيسى ، فكأن الله سبحانه وتعالى هيَّأنا من معجزةٍ إلى معجزة ، سيدنا زكريا عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام كان قد بلغ من الكبر عِتياً ، وكانت امرأته عاقراً ، ومع ذلك وهبه الله يحيى عليه السلام لبيان ، وتأكيد كمال قدرة الله عزَّ وجل ، لكن القصة التالية في نظر البشر أعظم إعجازاً من الأولى لأن هذا النبي العظيم سيدنا عيسى عليه السلام ولِدَ من غير أبٍ إطلاقاً ، والحقيقة الناصِعة هي أن كِلا الحالتين عند الله سواء ، لأن أمره ..

 

﴿ إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ﴾

 

( سورة يس : 82)

 وبالنسبة لله سبحانه وتعالى كلا الحالين سواء ، ولكن كتهيئَةٍ وتمهيدٍ لأذهاننا جاءت قصة سيدنا زكريا قبل قصة سيدنا عيسى ، إذْ إنّ الأولى تمهيدٌ للثانية ، وقد بَيَّنْتُ بفضل الله عزَّ وجل كيف أن الإنسان لا يملك إلا الطَلَب ، ما كان من هذا النبي العظيم إلا أن طلبَ ولياً يرثه في الدعوة إلى الله ، فكان أن لبَّى الله طلبه ، لذلك جاء في مطلع هذه السورة :

 

﴿ ذِكْرُ رَحْمَةِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا ﴾

 هذه رحمة الله عزَّ وجل ، ليس لك إلا أن تطلب بصدقٍ وإخلاص ، وعلى الله الباقي ، وأكَّدتُ لكم أن المَعْنِىَّ هو نحن ، لأن هذا النبي الكريم مضى ، وهو في جنَّات القُرُبات ، ولكننا نحن الذين نقرأ هذا القرآن نحن المعنيّون بهذه القصة ، فكلما ضاقت بنا الأمور ، وكلما رغبنا بشيءٍ يُعَدُّ من رحمة الله عزَّ وجل ، ليس لنا إلا أن ندعوَ الله عزَّ وجل مخلصين صادقين حتى تكون الرحمة ، لأن النبي الكريم سيدنا زكريا يقول :

 

﴿ وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيّاً ﴾

 أي ما دعوتك في الماضي دعوةً وحرمتني من الإجابة ، وربنا سبحانه وتعالى يُحَدِّثُنا عن مريم ابنة عِمران ، يقول :

 

﴿ وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَاناً شَرْقِيّاً ﴾

قصة مريم ابنة عمران :

 أيْ اذكر يا محمد لقومك ، واذكر لهم هذه القصة التي جاءت في الكتاب ، واذكر يا محمدُ لقومك هذه القصة لا لذاتها ، بل لتكون دليلاً على كمال قدرة الله عزَّ وجل .

﴿ وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَاناً شَرْقِيّاً ﴾

 عَنْ أَبِي مُوسَى رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :

(( كَمَلَ مِنْ الرِّجَالِ كَثِيرٌ ، وَلَمْ يَكْمُلْ مِنْ النِّسَاءِ إِلَّا آسِيَةُ امْرَأَةُ فِرْعَوْنَ ، وَمَرْيَمُ بِنْتُ عِمْرَانَ ، وَإِنَّ فَضْلَ عَائِشَةَ عَلَى النِّسَاءِ كَفَضْلِ الثَّرِيدِ عَلَى سَائِرِ الطَّعَامِ ))

( من صحيح البخاري عن أبي موسى الأشعري )

 مرتبتها في رأي مُعظم العلماء صدِّيقة ، ومرتبة الصّدِيقيَّة تأتي بعد مرتبة النبوة ، رسالةٌ ، فنبوةٌ ، فصديقيَّة ، فكانت هذه المرأة صدّيقة .

 

﴿ وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ ﴾

 والمقصود ليس اسم مريم ، بل المقصودُ أن يذكر في الكتاب قصة مريم .

 

﴿ وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَاناً شَرْقِيّاً ﴾

إذ انْتَبَذَتْ مِن أَهْلِهَا مَكَانًا شَرقِيًّا

 معنى نبذتُ الشيء أي ألقيته لقلَّة شأنه ، ولكن إذا انتبذت هذه الصديّقة ، أي ابتعدت عن قومها لتعبد ربها ، أي لها خلوتها مع الله عزَّ وجل.

 

﴿ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَاناً شَرْقِيّاً ﴾

 والجلوة من الخلوة ، والموارد من الأوراد ، ومن لم تكن له بدايةٌ محرقة لم تكن له نهايةٌ مشرقة ، " يا موسى أتحب أن أكون معك ؟ فصعق هذا النبي الكريم ، قال : وكيف ذلك يا رب ؟ قال : أما علمت أنني جليس من ذكرني وحيثما التمسني عبدي وجدني " ، والأنبياء جميعاً لهم خلواتهم مع الله عزَّ وجل ، والمؤمنون يجب أن تكون لهم خلواتُهم مع الله عزَّ وجل ، فهذه الصدِّيقة الكريمة ..

 

﴿ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَاناً شَرْقِيّاً ﴾

 أي ابتعدت جهة المَشْرِق لتخلو لنفسها ، وتعبد ربها ، وتتصل به وتقبل عليه ، فتسمو نفسها وتسعد روحها بهذا اللقاء وهذه الخلوة .

﴿ فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجَاباً ﴾

مبالغة مريم عليها السلام في خلوتها للعبادة :

 يبدو أنها أرادت أن تُبالغ في خلوتها ، فجعلت بينها وبين قومها حجاباً يمنع دخولهم إليها ، من أجل ضمان هذه الوجهة ، وتلك العباد ، وهذه الصَبوة .

 

﴿ فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجَاباً فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا ﴾

 تَصَوّرْ امرأة طاهرة ، ملائكية ، عفيفة ، حَصَانًا ، حَيِيَّة ، اتخذت لها مكاناً بعيداً عن قومها ، وأحكمت الحِجاب ، فإذا أمامها رجلٌ وسيم الطَلْعَة قد خَرَقَ عليها الحجاب .

 

﴿ فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا ﴾

إرسال الله عزوجل جبريل إلى مريم عليها السلام :

 من أوجه التفاسير أن (روحنا)هو سيدنا جبريل عليه السلام ، وجبريل كما تروي الكتب له جسمٌ ضخمٌ جدا ، يملأ ما بين السماء والأرض ، ولكن الله سبحانه وتعالى رحمةً بها ، ومن باب اللُّطف الإلهي ، جعل هذا المَلك العظيم ، جعله على شكل إنسانٍ سويٍ كامل الخِلْقَة .

 

﴿ فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا ﴾

 وإنما نُسِبَ هذا الروح إلى الله عزَّ وجل نسبة تكريم ، هذا الملك العظيم الذي يعد رئيس الملائكة هو سيدنا جبريل ، نسب إلى الله عزَّ وجل ، كأنْ يقول الله عزَّ وجل يا عبادي : لا خوفٌ عليكم اليوم ولا أنتم تحزنون ، قل لعبادي ، هذه نسبة تكريمٍ وتشريف .

 

﴿ فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَراً سَوِيّاً ﴾

تمثُّل جبريل عليه السلام بصفة البشر :

 لو أنها رأته كما هو عليه في حقيقتِهِ لصُعِقَت ، ولكن الله سبحانه وتعالى رحمةً بها ، وإكراماً لها ، ولطفاً ببشريَّتها ، وإمكاناتها ، جعل هذا الملك العظيم يتمثل على شكل إنسانٍ سويٍ قريب ، ولكن لطهارتها ، وعفَّتها ، وحيائها ، وقُدْسِيَّتِها ، هالها أن يخترق حجابها شابٌ وسيم ، قالت :

 

﴿ قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيّاً ﴾

استعاذة مريم عليها السلام بالله عند رؤيتها رجلا أمامها :

 أيْ إن كنت تقياً ، إن كنت أيها الرجل تتقي الله ، وتخشاه ، وتخاف منه فابتعد عني .

 

﴿ قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ ﴾

 أيْ عُذْتُ بالله عزَّ وجل من أن تنالني بسوء ، فإن كنت يا هذا تقياً تخشى الله ، وتخشى عقابه ، وتخشى أن تتعدى حدوده ، فاتقِ الله ، وابتعد عني ، وهذا شأن المرأة الصالحة ، إن العفَّة أبرز ما يُمَيِّزُ المرأة الصالحة..

 

﴿ قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيّاً ﴾

طمأنة جبريل مريمَ بأنه رسول من الله :

 قال لها هذا الرجل ، أو هذا الشاب :

 

﴿ قَالَ إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ ﴾

 أنا رسول من عند الله ..

 

﴿ لِأَهَبَ لَكِ غُلَاماً زَكِيّاً ﴾

لأَهَبَ لَكِ غُلاَمًا زَكِيًّا :

 غُلاماً زكياً ، زكيَّ النَفْس ، طاهر النفس ، غلاماً متميِّزاً .

 

﴿ إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلَاماً زَكِيّاً ﴾

 اطمأنَّت على أنه ليس بشراً ، إنه ملك ، لا ينوي السوء ، لا ينوي أن يعتدي عليها ، لا ينوي أن ينالها بسوء ، إنما هو رسولٌ من عند الله ليهَبَ لها غلاماً زكياً .

عجب مريم من كيفية ولادتها من غير أن يمسّها رجل :

 لكنها عَجِبَت ، وحُقَّ لها أن تعجب ، إنها فتاةٌ عذراء ، لم يسبق لها الزواج ، وفضلاً عن ذلك لم تكن امرأةً بغيّا ، والمرأة اَلِبّغي هي التي تبتغي الرجال ، تلاحقهم هي من أجل أن تكسب مالاً عن طريق هذه العلاقة المُحَرَّمة ، وجمع بَغِيّ بغايا .

 

﴿ وَلَمْ أَكُ بَغِيّاً ﴾

 لست متزوجةً ، ولست بغيّاً .

 

﴿ قَالَتْ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ ﴾

أدب القرآن في اختيار الكلمات : وَلَم يَمْسَسْنِي :

 وكلمة (يمسسني)من كنايات الله سبحانه وتعالى ، من الكنايات اللطيفة ..

﴿ أَوْ لامَسْتُمْ النِّسَاءَ ﴾

( سورة النساء : من آية " 43 " )

﴿ وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ * فَمَنْ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْعَادُونَ ﴾

( سورة المعارج : 29-31)

 حينما يُعَبِّرُ الله عزَّ وجل عن حالاتٍ مخصوصة ؛ مثلاً عن : حالةٍ تقع بين المرأة والرجل يعبِّر عن هذه الحالة بألطف الكِنايات ، وكذلك قالت هذه الصِدِّيقة :

 

﴿ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيّاً * قَالَ كَذَلِكِ ﴾

 وأنت على هذه الحالة ، وأنتِ فتاةٌ عذراء ، لم يسبق لكِ الزواج ، وأنتِ على هذه الطهارة ، وعلى حالة البُعد عن الأزواج والرجال ، فَسيكون لكِ هذا الغلام ..

 

﴿ قَالَ كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ ﴾

ليس على الله شيء عسير :

((يَا عِبَادِي ، لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ ، وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ قَامُوا فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ ، فَسَأَلُونِي ، فَأَعْطَيْتُ كُلَّ إِنْسَانٍ مَسْأَلَتَهُ مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِمَّا عِنْدِي إِلا كَمَا يَنْقُصُ الْمِخْيَطُ إِذَا أُدْخِلَ الْبَحْرَ ، يَا عِبَادِي ، إِنَّمَا هِيَ أَعْمَالُكُمْ أُحْصِيهَا لَكُمْ ، ثُمَّ أُوَفِّيكُمْ إِيَّاهَا ، فَمَنْ وَجَدَ خَيْرًا فَلْيَحْمَدِ اللَّهَ ، وَمَنْ وَجَدَ غَيْرَ ذَلِكَ فَلا يَلُومَنَّ إِلا نَفْسَه))

( من صحيح مسلم عن أبي ذر )

﴿ كُنْ فَيَكُونُ ﴾

( سورة يس: 82)

﴿ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ ﴾

 هكذا قال الله عزَّ وجل ، يستوي عند الله عظيم الأشياء وحقيرُها ، خلق الجبال كخلق النِمل ، كلاهما في الخلق سيَّان ..

 

﴿ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَلِنَجْعَلَهُ آَيَةً لِلنَّاسِ ﴾

الأسباب لا تخلق النتائج :

 ذكرت لكم أن الإنسان أحياناً يتوهَّمُ أن الأسباب هي التي تخلق النتائج ، وهذا أحد أنواع الشرك ، وقد سُمي شرك الأسباب ، لئلا يقع الإنسان في شرك الأسباب يجب أن يعلم أن رَبَّ الأرباب في أية لحظةٍ يُعَطِّل هذه الأسباب ، أو يلغيها ، يعطلها حينما توجد ، ولا تُحَقَّقُ النتائج ، من هنا كان فلانٌ وفلانَةٌ زوجين شابين ، ومع ذلك لم ينجبا ولداً ، هنا تعطَّلت الأسباب ، وكالسيدة حواء كانت من دون أم ، وكسيدنا عيسى كان من دون أب ، هنا تعطَّلت الأسباب ، في حالة العُقْرِ تعطلت الأسباب ، أما في حالة السيِّدة حواء وسيدنا عيسى فقد أُلغيت الأسباب إلغاءً ، تعطلت ، أو ألغيت ، إذاً النتيجة لا يخلقها السبب ، ولكن السبب يرافق النتيجة ، هذا هو التوحيد ، فالأشياء تقع - كما يقول علماء التوحيد - عندها لا بها ، أي عند إرادة الله عزَّ وجل لا بالأسباب ، لذلك نارٌ مضرمةٌ أرادوا بها إحراقَ سيدنا إبراهيم ، فقال الله عزَّ وجل :

 

﴿ يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ ﴾

 

( سورة الأنبياء : 69)

﴿ وَلِنَجْعَلَهُ آَيَةً لِلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِنَّا وَكَانَ أَمْراً مَقْضِيّاً ﴾

عيسى عليه السلام آية من آيات الله :

 كما قال الإمام علي كرم الله وجهه : " عَلِمَ ما كان ، وعَلِمَ ما يكون ، وعلم ما سيكون ، وعلم ما لم يكن لو كان كيف كان يكون " ، هذا الأمر مُنتهٍ ، هو من قضاء الله ، ستُنجب هذه المرأة الطاهرة الصدِّيقة غلاماً من دون أب ، ليكون هذا الغلام آيةً على كمال قدرة الله عزَّ وجل .

 

﴿ وَكَانَ أَمْراً مَقْضِيّاً ﴾

وَكَان أَمْرًا مَقْضِيًا

 لذلك الشيء الذي وقع لابدَّ أن يقع ، ومتى وقع فهناك حكمةٌ بالغةٌ ندركها ، أو لا ندركها ، هكذا التوحيد ، الشيء الذي وقع ، لابدَّ أن يقع ، ولو لم يقع لكان عدم وقوعه نقصاً في حكمة الله ، ونقصاً في علمه ، وحاشا لله أن تكون حكمته ناقصة ، وأن يكون علمه ناقصاً ، كمال علمه ، وكمال حكمته يقتضي أن يقع هذا الشيء الذي وقع ، من هنا قال عليه الصلاة والسلام :

 

((الإيمان بالقدر يذهب الهم والحزن))

 

(القضاعي في مسند الشهاب عن أبي هريرة)

 وعَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ :

((لِكُلِّ شَيْءٍ حَقِيقَةٌ ، وَمَا بَلَغَ عَبْدٌ حَقِيقَةَ الْإِيمَانِ حَتَّى يَعْلَمَ أَنَّ مَا أَصَابَهُ لَمْ يَكُنْ لِيُخْطِئَهُ ، وَمَا أَخْطَأَهُ لَمْ يَكُنْ لِيُصِيبَهُ))

( مسند أحمد )

 وانتهى الأمر ، ما دام الشيء قد وقع فهناك حكمةٌ بالغة ، هذه هي العقيدة الصحيحة .

 

﴿ وَكَانَ أَمْراً مَقْضِيّاً ﴾

كل ما يقع هو عينُ الرحمة والحكمة :

 أي أن الذي يقع عين الرحمة ، وعين الحكمة ، وعين العلم ، وعين القدرة ، وعين العدل ، أي شيءٍ وقع ، قد يقع الشيء ، ويتمنَّى الناس أنه لو لم يقع ، وهذا نقصٌ في علمهم ، ونقصٌ في توحيدهم ، لكن الذي يقع إن لم يكن موافقاً للشرع فينبغي أن يسعى الناس لإزالته ، لو وقع فسادٌ فماذا نقول ؟ ماذا يقتضي الإيمان بالقضاء والقدر ؟ لو وقع فسادٌ في بيتٍ من البيوت هل يقول الأب : هذا فسادٌ وقع بتقدير الله عزَّ وجل ، ولا حيلة لي مع الأقدار ، أو أنه يُشَمِّر ليزيل هذا الفساد ؟ لا يعني الإيمان بالقضاء والقدر أن يقف الإنسان المؤمن مكتوف اليَدَيْن ، هذا الفهم فهمٌ سقيمٌ ، لا يتناسب مع الإيمان الصحيح ، أنت مأمورٌ أن تقيم الأشياء على الطريق الصحيح ، أنت مأمورٌ أن تقيم الأمور وَفْقَ ميزانٍ صحيح ، إذا وقعت على غيرٍ المراد فاعلم علم اليقين أنه لابدَّ أن تقع ، وعليك مهمة إصلاحها ، فلعل في وقوعها امتحاناً لك ، ولعل في وقوعها جَلْبَاً للخير ، وأنت في أمسّ الحاجة إليه .

 

﴿ وَكَانَ أَمْراً مَقْضِيّاً ﴾

 لذلك ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ :

((كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا رَأَى مَا يُحِبُّ قَالَ : الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي بِنِعْمَتِهِ تَتِمُّ الصَّالِحَاتُ ، وَإِذَا رَأَى مَا يَكْرَهُ قَالَ : الْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى كُلِّ حَالٍ))

( سنن ابن ماجة)

 وكان عليه الصلاة والسلام يقول :

((عَجِبْتُ لأَمْرِ الْمُؤْمِنِ ، إِنَّ أَمْرَ الْمُؤْمِنِ كُلَّهُ لَهُ خَيْرٌ ، لَيْسَ ذَلِكَ لأَحَدٍ إِلا لِلْمُؤْمِنِ ، إِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ ، وَكَانَ خَيْرًا ، وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ صَبَرَ ، وَكَانَ خَيْرًا))

( من مسند أحمد عن صهيب )

 هكذا الإيمان ، وقعت واقعة أنت كمؤمن يجب أن تُزيلها بدافع إيمانك ، تنتابك مشاعر دقيقة جداً ترضى بها ، لأن الله أرادها ، والله سبحانه وتعالى إذا أراد شيئاً وقع ، وإذا وقع الشيء أراده الله ، هذه علاقةٌ ترابُطِيَّة بين إرادة الله وبين حدوث الأشياء ، كل شيءٍ وقع أراده الله ، وكل شيءٍ أراده الله وقع .. أوّلاً استسلامٌ لقضاء الله وقدره ، ثانياً أنت كإنسان مكلَّفٍ ؛ مكلفٍ بالأمانة ، أنت مكلفٌ أن تقيم الأمور على شكلٍ صحيح ، أنت مكلفٌ أن تستقيم على أمر الله ، أن تأمر بالمعروف ، وأن تنهي عن المنكر ، لأنك مكلفٌ هكذا يجب أن تعمل لإزالة هذا الشيء الذي وقع بأمر الله ، إنه امتحانٌ لك ، إنه كشفٌ لحقيقتك .

 

﴿ فَحَمَلَتْهُ ﴾

حملُ السيدة مريم بعيسى عليه السلام وابتعادها عن قومها :

 تروي بعض الكُتُب أن هذا الرسول الكريم ، المَلك العظيم نَفَخَ في كُمِّها فحملت بغلامها .

 

﴿ فَحَمَلَتْهُ فَانْتَبَذَتْ بِهِ مَكَاناً قَصِيّاً ﴾

 من شدة خجلها ، وشدة قلقها ، وشدة حيائها ، وخوفها على سمعتها، ولأن الفتاة سمعتها في عفَّتِها ، رأسمالها كلُّه في عفتها ، كيف وقد حملت ، وليست متزوجة ، وليست بغِيّاً ، ماذا يقول الناس عنها ؟ كيف تجيبهم ؟ كيف تجابههم ؟ كيف تعتذر لهم ؟ هذه الهموم تعاظَمَتْ عليها ، حملتها على أن تبتعد عن الناس ..

 

﴿ فَحَمَلَتْهُ فَانْتَبَذَتْ بِهِ مَكَاناً قَصِيّاً ﴾

 معنى قصياً أي بعيداً ، إلى أن جاءها المخاض ..

 

﴿ فَأَجَاءَهَا الْمَخَاضُ ﴾

 معنى :

 

﴿ فَأَجَاءَهَا الْمَخَاضُ ﴾

 أي فألْجَأَها المخاض ، شدة الألم ، آلامُ المخاض دفعتها إلى جذع نخلة .

 

﴿ فَأَجَاءَهَا الْمَخَاضُ إِلَى جِذْعِ النَّخْلَةِ قَالَتْ يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنْتُ نَسْياً مَنْسِيّاً ﴾

تمني مريم عليها السلام الموتَ خوفا من كلام الناس :

 هذه طهارتها ، وهذه عفتها ، خوفها على سمعتها ، خوفها من كلام الناس ، هي طاهرة ، والناس ربما لا يصدِّقون طهارتها .

 

﴿ يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنْتُ نَسْياً مَنْسِيّاً ﴾

 ليتني لم أكن شيئاً مذكوراً ، ليتني كنت خِرْقَةً مُلقاةً في الطريق ، ليتني كنت عوداً ، شيئاً لا يعني الناس لا يلتفتون إليه ، لا يأبهون له ..

 

﴿ يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنْتُ نَسْياً مَنْسِيّاً ﴾

 خافت على سمعتها ، وخافت أن يقع الناس بالبُهتان حينما يتهمونها بالسوء ، خافت مرتين ، مرةً أن تسبب للناس الوقوع في المعاصي ، لذلك قال عليه الصلاة والسلام :

((من قذف محصنة يهدم عمل ثمانين سنة))

(الديلمي في الفردوس عن أبي هريرة)

 أن تتهم امرأةً شريفة ، أن تتهم امرأةً حصيفة ، امرأةً عفيفة ، امرأةً طاهرة ، أن تتهمها بالزنا ، والأمر يجري هكذا ، إن الله سبحانه وتعالى يُبطل بهذا الاتهام عمل مئة سنة ، والحكم الشرعي أن يُجَلَدُ هذا الذي يتهم المرأة العفيفة ثمانين جلدة ، وأن يسقط حَقَّهُ المدني في الإدلاء بالشهادة ، وَلاَ تَقْبَلُوا لَه شهادةً أبداً ، فالإنسان قبل أن يخوض في أعراض الناس ، وقبل أن ينقل الأخبار غير الموثوقة عليه أن يتبيّنَ ويتثبت .

 

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ ﴾

 

( سورة الحجرات :6)

﴿ يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنْتُ نَسْياً مَنْسِيّاً ﴾

 ألمُها الشديد وخوفها الشديد من الفضيحة ، ومن أن تلوكَ الناس سمعتها بسوء ، ومن أن تواجه الناس بتهمة الزنا كما يتوهَّمون ..

 

﴿ فَنَادَاهَا مِنْ تَحْتِهَا ﴾

جبريل يطمئن مريم عليها السلام :

 جاءها المَلك مرةً ثانية ، وقد تروي بعض الكُتُب أنها كانت في مكانٍ مرتفع ، جاءها الملك مرةً ثانية ..

 

﴿ فَنَادَاهَا مِنْ تَحْتِهَا أَلَّا تَحْزَنِي ﴾

 لا تحزني ..

 

﴿ قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيّاً ﴾

معنى : سريًّا :

 معنى سرياً ، أي أن هذا الغلام الذي ستلدينه سيكون له شأنٌ عظيم ، سيكون له ذكرٌ كريم في الآفاق ، إنه إنسانٌ يَهَبُ السعادة لمن ولَدَه فلا تحزني ..

 

﴿ أَلَّا تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيّاً ﴾

 سَراة القوم أي عظماء القوم ، وجهاء القوم ، فلانٌ مِن سَراة القوم من عظمائهم ..

 

﴿ تَحْتَكِ سَرِيّاً ﴾

 أيْ سيكون إنساناً عظيماً ، سيكون له شأنٌ كبير ، وفي بعض التفاسير أَنَّ الله سبحانه وتعالى إكراماً لها ، كانت تحتها ساقية ماءٍ جافة ، فأجرى لها الماء ، والقُرآن ذو وجوه ، وهذا هو المعنى الثاني لكلمة " سرياً" .. أي جدول ماء جاف فأجراه الله سبحانه .

 

﴿ وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ ﴾

وهزي : الأخذ بالأسباب :

 قال لي بعضهم : ذهبت إلى بلاد الحجاز ورأيت نخلةً فحاولت أن أهُزَّها فلم أستطع أن أُحَرِّك منها شيئاً ، قال : فكيف قال الله عزَّ وجل :

 

﴿ وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ ﴾

 بعضهم قال : إن هذا من باب الأخذ بالأسباب ، فكيف أن الرزق محتوم ، ومقسوم ، وموزون ، ومع ذلك فالله سبحانه وتعالى أمرنا بالسعي أي بالأخذ بالأسباب ، فما عليها إلا أن تهُز هذا الجذع .
 وبعضهم قال : إن الله سبحانه وتعالى ألانَ لها هذا الجذع ، فاهتز فسقطت التمرات أمامها فأكلتها.

 

﴿ وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَباً جَنِيّاً ﴾

فوائد التمر للمرأة الحامل :

 وفي بعض البحوث العلمية عن التمر وعن الرُطَب ، أن فيها ثمانٍ وأربعين مادةً غذائية ، التمر فيه ثمانٍ وأربعون مادةً غذائية ، وأن التمر فيه مادةٌ مضادةٌ للنزيف ، وفيه مادةٌ مُلَيِّنَةٌ للأمعاء ، وفيه مادةٌ حاثةٌ ، ومحرّضَة على الطلق ، وفيه مادةٌ تنطلق من الفم إلى الدم في عشرين دقيقة ، لذلك لم يكن عبثاً أن يذكر الله سبحانه وتعالى المَخاض ، ويذكر مع المخاض النخلة ، لأن التمر هو الغذاء الأمثل لمَن يضَعْنَ ، أو قبيل الوضع ، فيه مادة مليِّنة من أجل تفريغ الأمعاء لتكون الولادة أسهل ، وفيه مادة تمنع النزيف ، وفيه مادة تحث عضلات الرحم على التقلُّص ، وفيه غذاء من أعلى مستوى ينتقل إلى الدم في أقصر وقتٍ أيْ خلالَ عشرين دقيقة ..

 

﴿ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَباً جَنِيّاً * فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْناً﴾

الراحة التامة للحامل : كلي واشربي وقري عينا :

 وأيضاً نامي ، فسّرها بعضهم " وقرّي عيناً " : أي نامي ، كلي ، واشربي ، ونامي .

وإذا العناية لاحظتك جفونُها  نم فالمخاوف كلُّهنَّ أمان
* * *
أتيناك بالفقر يا ذا الغنى..
.. وأنت الذي لم تزل محسنا
وعوّدتنا كل فضلٍ عسى..
..... يدوم الذي منك عوّدتنا
إذا كنت في كل حالٍ معي
فعن حَمْل زادي أنا في غنى
* * *

﴿ فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْناً فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَداً ﴾

 لا تخافي ، لا تقلقي ، لا تقلقي على سُمْعَتَكِ ، لا تخافي من مواجهة الناس ..

 

﴿ فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَداً فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْماً ﴾

الصوم عن الكلام :

 صومي عن الكلام ، دعي هذا لنا ، نحن نُبرّئك ..

 

﴿ فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْماً فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيّاً ﴾

 قالوا : هذا في شرع مَن كان قبلنا ، أما في الإسلام فالصيام عن الكلام ليس مقبولاً ، بل إن النبي عليه الصلاة والسلام شَرَعَ لنا أن نصوم عن الكلام السيِّئ ، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :

((إِذَا كَانَ يَوْمُ صَوْمِ أَحَدِكُمْ فَلَا يَرْفُثْ ، وَلَا يَجْهَلْ ، وَإِنْ جَهِلَ عَلَيْهِ أَحَدٌ فَلْيَقُلْ : إِنِّي امْرُؤٌ صَائِمٌ))

[ابن ماجه بهذا اللفظ ، وهو في الصحيحين قريبا منه]

 أما أن تصوم مُطلقاً ، وليس في الشرع الإسلامي ما يبيح لك ذلك ، لكن هذا كان في شرع مَن كان قبلنا .

 

﴿ فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَداً فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْماً فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيّاً ﴾

 بعض العلماء قالوا : " هذا الكلام تقوله إشارةً " ، أشيري لهم أنكِ صائمة ، ولا تكلمي أحداً لأيّ سبب .

 

﴿ فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَهَا ﴾

مجيء مريم عليها السلام قومَها بالمولود :

 جاءت قومها ، وهي العَذراء البتول ، والمرأةُ الحَصان ، جاءت قومها تحمل على يديها وليداً ، وهذه هي المشكلة ، هنا العُقدة ..

 

﴿ فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَهَا تَحْمِلُهُ قَالُوا ﴾

إنكار قوم مريم عليها ولادتها :

 وقد هالهم الأمر ، وأدهشهم ..

 

﴿ يَا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئاً فَرِيّاً ﴾

 أي شيئاً عظيماً ، ما من سقوطٍ أعظم عند المرأة من أن تأتي بغلامٍ ، وهي غير متزوِّجة ..

 

﴿ يَا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئاً فَرِيّاً * يَا أُخْتَ هَارُونَ﴾

 نَعْرِفُكِ قديسة ، نعرفكِ عفيفة ، نعرفكِ طاهرة ، نعرفكِ متعبِّدة ، كيف كان هذا ؟ أنتِ أختُ هارون ، وكان سيدنا هارون مضرب المثل ..

﴿يَا أُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيّاً * فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيّاً﴾

إحالة مريم الكلام إلى عيسى عليه السلام :

 قال بعض العلماء : " إن استخفافها بهم حينما أشارت إلى الوليد الذي تحمله كان أشد عليهم مِن اتهامِها عندَهُم .

 

﴿ فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيّاً ﴾

 أتسخرين منا ؟ أهذا يتكلَّم ؟ أهذا يُدافع عنكِ ؟ .

 

﴿ قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ ﴾

كلام عيسى عليه السلام في المهد بالعبودية لله عزوجل والرسالة :

 تكلَّم هذا الطفل الذي في المَهد ..

 

﴿ قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ ﴾

 لِمَ اختار هذه الكلمة : إنّي عبدٌ الله ، وكأن الله عزَّ وجل يعلم ما سيكون ، يعلم أن هناك مَن سيجعله إلهاً ..

﴿ قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آَتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيّاً ﴾

 معنى آتاني ، جاءت بالماضي ، لأن أفعال الله عزَّ وجل يُعَبَّر عنها بالماضي ولو لم تقع ، لأن وقوعها مُحَقَّق ، هذه حكمة قوله :

 

﴿ قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آَتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيّاً ﴾

 قال تعالى :

﴿ وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّي إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلامُ الْغُيُوبِ(116)مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنْ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ ﴾

( سورة المائدة : 116-117)

﴿ قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ ﴾

 تكلَّم هذا الغلام الصَغير ، تكلَّمَ هذا الطفل الرضيع ، وبرَّأَ أُمَّه ..

﴿ آَتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيّاً * وَجَعَلَنِي مُبَارَكاً أَيْنَ مَا كُنْتُ وَأَوْصْانِي بِالصّلاةِ والزَّكَاةِ مَا دُمْت حَيّاً ﴾

﴿ وَجَعَلَنِي مُبَارَكاً أَيْنَ مَا كُنْتُ ﴾

إن الله أمر المؤمنين بما أمر به المُرسلين :

 هكذا المؤمن ، هو نبيٌ عظيم ، ولكنْ ، إن الله أمر المؤمنين بما أمر به المُرسلين .

 

﴿ مُبَارَكاً أَيْنَ مَا كُنْتُ ﴾

 مصدر كل خير ، أينما جلس يُقَدِّمْ الخير للناس ، بعلمه ، ومعروفه، ونصائحه ، ودعوته .

 

﴿ وَجَعَلَنِي مُبَارَكاً ﴾

 هل أنت مبارك أيها الأخ الكريم ؟ أنت مبارك ؟ هذه القصة لنا ، قس نفسك ، هل يُثني الناس عليك أينما حَللت وحيثما ارتحلت ، هل يتمنى الناس أن يلتقوا بك ، أم يتمنون أن يبتعدوا عنك ؟ هل يتقيك الناس مخافة شرِّك ، أم يتمنى الناس التماسَ خيرك ؟

﴿ وَجَعَلَنِي مُبَارَكاً أَيْنَ مَا كُنْتُ ﴾

 هكذا حال المؤمن في سره وجهره ، في خلوته وجلوته ، في حلِّه وترحاله ، في قوته وضعفه ، في كل أحواله ، إنه في خدمة الخلق ، إنه مُحِبٌ للحق ، وفي خدمة الخلق ، مبارك ..

 

﴿ وَجَعَلَنِي مُبَارَكاً أَيْنَ مَا كُنْتُ ﴾

 قد تجد إنساناً مستقيماً في بلده ، فإذا سافر خَرَقَ الاستقامة ، هناك إنسان مستقيم في حالة الفقر ، فإذا اغتنى عتا وطغى ، هناك إنسان مستقيم في حالة القهر ، فإذا صَحَّ ، وقوي بغى وطغى .

 

﴿ وَأَوْصْانِي بِالصّلاةِ والزَّكَاةِ مَا دُمْت حَيّاً ﴾

 هذا هو الدين كله ، اتصالٌ بالخالق ، وإحسانٌ للمخلوق .

 

﴿ مَا دُمْت حَيّاً ﴾

 أنت عاهدت الله عزَّ وجل على أن تكون معه في كل أحوالك ..

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا ﴾

( سورة الأحزاب :41)

﴿ وَعِبَادُ الرَّحْمَانِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمْ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلامًا ﴾

( سورة الفرقان : 63)

﴿ إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لأُولِي الأَلْبَابِ(190)الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ ﴾

( سورة آل عمران :190-191 )

﴿ وَأَوْصْانِي بِالصّلاةِ والزَّكَاةِ مَا دُمْت حَيّاً * وَبَرّاً بِوَالِدَتِي﴾

 جعلني باراً بوالدتي ..

 

﴿ وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّاراً شَقِيّاً ﴾

 كيف اقترن عند الله عزَّ وجل أن يكون المَرْءُ جباراً شقياً ؟ إنّ مِن لوازم كونه جباراً أن يكون شقياً ، وهكذا فكلُ جبارٍ شقيٌّ .

﴿ وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّاراً شَقِيّاً * وَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيّاً﴾

حياة المؤمن كُلُّها سلام :

 حياة المؤمن كُلُّها سلام ، طبعاً فالله سبحانه وتعالى طمأنه فأنطقه ..

 

﴿ وَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيّاً ﴾

 عندها قال الله عزَّ وجل :

 

﴿ ذَلِكَ عيسَى ابْنُ مَرْيَمَ ﴾

 هذه قصَّته ، وهذه حقيقته ، وهذا الذي وقع ، ولم يقع سوى هذا ..

 

﴿ ذَلِكَ عيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ ﴾

حقيقة عيسى عليه السلام :

 من معاني الحق ذِكْرُ الشيء كما وقع .

 

﴿ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ ﴾

 اليهود اتهموها بالزنا ، وقالوا عن يوسف النجار ما قالوا ، وقذفوه أيضاً ، اتهموها بيوسف هذا ، وهو الرجل الذي كان معها ، وبعضهم قال عن الوليد : إنه ابن الله ..

 

﴿ ذَلِكَ عيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ * مَا كَانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ سُبْحَانَهُ﴾

مَا كَان للّهِ أَنْ يَتَّخِذ مِن وَلَدٍ

 ما كان ، أشد أداةٍ ، أشد صيغةٍ من صِيَغِ النَفْي في القرآن الكريم هذه الصيغة ..

 

﴿ مَا كَانَ لِلَّهِ ﴾

 ليس من شأنه ، إنه إلهٌ عظيم ..

﴿ لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ(4)وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ ﴾

( سورة الإخلاص : 3-4)

 ليس من شأنه أن يكون له ولد ليستعين به ، إنه فردٌ صمد ، ليس من شأنه أن يكون له ولدٌ ليخلِّدَ ذكره ، إنه الأول بلا بداية ، والآخر بلا نهاية ، إنه أبديٌ سَرْمَدي ، فلِمَ الولد ؟ نحن نبتغي الولد ليكون خَلَفَاً لنا ، لنستعين به في أيام ضعفنا ، الله سبحانه وتعالى قويٌ عزيز ، حيٌ قيوم ، فردٌ صمد ، ليس من شأنه أن يكون له ولد .

 

﴿ مَا كَانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ سُبْحَانَهُ إِذَا قَضَى أَمْراً فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ﴾

 هذا الميلاد المُعْجِز جعله الله دليلاً على كمال قدرته ، فجاء الناس فأشركوا بالله عزَّ وجل ، وكفروا به إذ جعلوا عيسى ابناً له .

 

﴿ مَا كَانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ سُبْحَانَهُ﴾

﴿ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا ﴾

( سورة الإسراء :43)

﴿ إِذَا قَضَى أَمْراً فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ * وَإِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ * فَاخْتَلَفَ الْأَحْزَابُ مِنْ بَيْنِهِمِْ فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ مَشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ ﴾

من فوائد قصة مريم عليها السلام :

1 – كمال قدرة الله تعالى :

 هذه القصة هي القصةٌ الثانية في سورة مريم التي تبيِّنُ كمال قدرة الله تعالى ، وتبين أن الأشياء تقعُ بقدرة الله ، وبمشيئة الله .

2 – الأسباب لا تخلق النتائج :

 وأن الأسباب ليست هي الخالقة ، والدليل أن الله سبحانه وتعالى قد يُعَطِّلُ الأسباب في حالة العُقْرِ ، وقد يلغي الأسباب في حالة هذا الميلاد المُعجز لسيدنا عيسى عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام .

3 – شرف المرأة المؤمنة وحرصها على سمعتها :

 شيءٌ آخر .. تبيِّن هذه القصة شَرَفَ المرأة المؤمنة ، وخوفَها على سمعتها ، وحزنَها الشديد في أن تواجه الناس بتهمةٍ هي بريئةٌ منها ، وكيف أن النبي عليه الصلاة والسلام شدد على موضوع قذف المحصنة فقال :

((من قذف محصنة يهدم عمل ثمانين سنة))

[الديلمي في الفردوس عن أبي هريرة]

 وأن الإنسان مؤاخذٌ بما يقول ..

﴿إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولاً﴾

( سورة الإسراء : 36)

 أيها الإخوة الأكارم ... اقرؤوا هذه القصة ، واحفظوها ، وعلموها أهلكم وبناتكم ليعرفوا شرف المرأة المؤمنة ، وأن هذه الصِدِّيقة العظيمة حَصانٌ رَزان ، وكيف أن الله عزَّ وجل وصفها بالصفات التي يجب أن تتحلى بها كل امرأةٍ مؤمنة .

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018