الخطبة : 1005 - قول سيدنا حذيفة كنت أسأل عن الشر مخافة أن أقع به - التمسك بمضون السنة. - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠1خطب الجمعة
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الخطبة : 1005 - قول سيدنا حذيفة كنت أسأل عن الشر مخافة أن أقع به - التمسك بمضون السنة.


2006-05-12

 الخطبة الأولى
 الحمد لله نحمده، ونستعين به، و نسترشده، ونعوذ به من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مُضل له، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، إقراراً بربوبيته، وإرغاماً لمن جحد به وكفر، وأشهد أن سيدنا محمداً صلى الله عليه وسلم رسول الله، سيد الخلق و البشر، ما اتصلت عين بنظر، أو سمعت أذن بخبر، اللهم صلِ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه، وعلى ذريته ومن والاه ومن تبعه إلى يوم الدين، اللهم علمنا ما ينفعنا و انفعنا بما علمتنا و زدنا علماً، و أرنا الحق حقاً و ارزقنا اتباعه و أرنا الباطل باطلاً و ارزقنا اجتنابه، و اجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه و أدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.

معنى: إِنّ الحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ

 أيها الإخوة الكرام، يقول الله عز وجل:

﴿ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ﴾

[ سورة هود: 114]

 فهل يستنبط من هذه الآية أن بعض السيئات تذهب الحسنات ؟

 

السيئات إما أمراض خبيثة أو أمراض وبيلة:

 

 أيها الإخوة الكرام، هذا تشبيه بليغ، فإنّ بعض السيئات تشبه الأمراض الوبيلة، يصاب الإنسان بمئات الأمراض، لكن هذه الأمراض لا تنهي حياته، لكن بعض الأمراض الوبيلة العضالة تنهي حياته، تشمع الكبد، فشل كلوي، خثرة في الدماغ، ورم خبيث، هذه أمراض تنهي حياته، مع أن هناك مئات الأمراض تزعجه، وليست خطيرة على حياته.
 لو انتقلنا إلى عالم النفس، هناك ذنوب كثيرة، والمؤمن مذنب تواب، والله عز وجل غافر الذنب، إلا أن بعض الذنوب تشبه الأورام الخبيثة، تلغي عمل الإنسان الذي عمله طوال حياته.
 أيها الإخوة الكرام، الأعمال السيئة بمنزلة الأمراض الخبيثة، والحسنات بمنزلة الشفاء، والصحة والعافية بمنزلة التوبة، هناك أمراض وبيلة وهناك صحة وعافية وهناك مرض عضال.

كَانَ أَصْحَابُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَسْأَلُونَهُ عَنْ الْخَيْرِ …

 أيها الإخوة الكرام، هذه الخطبة من نوع آخر، تنطلق من فقه سيدنا حذيفة بن اليمان رضي الله عنه: فقال حُذَيْفَةُ: << كَانَ أَصْحَابُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَسْأَلُونَهُ عَنْ الْخَيْرِ، وَكُنْتُ أَسْأَلُهُ عَنْ الشَّرِّ مخافةَ أن يُدركَني >>.
 الخير بديهي، والخير لا جدل حوله، ولكن هناك أعمال سيئة تحبط الأعمال الصالحة، هذا الذي أردته في هذه الخطبة، أن يبصر المؤمنون بصيانة الأعمال الصالحة من المفسدات أو من المبطلات، هناك أعمال سيئة تفسد العمل الصالح كما يفسد الخل العسل، وهناك أعمال تبطلها قليلاً، فإذا فعلنا كما فعل حذيفة بن اليمان رضي الله عنه فسألنا عن هذه الأعمال الوبيلة التي تفسد أو تبطل الأعمال الصالحة نجونا.

مِمَّا يُحبط الأعمال الصالحةَ

 أيها الإخوة الكرام، الله عز وجل ذكر إحباط العمل في آيات كثيرة، فالأعمال التي تحبط الأعمال الصالحة كثيرة، على رأسها:

1 - الأعمال الدنيوية:

 الأعمال الدنيوية التي لا تغني في القيامة غناءً لا وزن لها، ولا أثر مستقبليًّا لها إطلاقاً.
 هناك أعمال مباحة، فإذا استغرق الإنسان نفسه في هذه الأعمال المباحة هذه حلت محل الأعمال الصالحة التي كان من الممكن أن تكون سبب نعيمه في الجنة، قال تعالى:

﴿ وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُوراً ﴾

[ سورة الفرقان ]

 أيها الإخوة الكرام، معكم مقياس دقيق، العمل الذي لا يدخل معك في قبرك هو من الدنيا، لكنك إذا عملت عملاً للدنيا وأعانك على الآخرة هذا عمل مقبول، إذا تزوجت وكسبت المال الحلال وكفيت نفسك وأهلك العمل من الدنيا لكنه كان سبباً لصونك عن مسألة الناس ولإكرام أهلك وأولادك وإبعادهم عن أن ينحرفوا، الدنيا إن كانت من أجل الآخرة كانت ملحقة بأعمال الآخرة.
 أيها الإخوة الكرام، الأعمال الدنيوية التي ليس لها أثر مستقبلي:

 

2 - الأعمال الأخروية:

 هناك أعمال أخروية، لكن لم يقصد بها صاحبها وجه الله تعالى، كيف ؟
 عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ....

 

 

(( إِنَّ أَوَّلَ النَّاسِ يُقْضَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَيْهِ رَجُلٌ اسْتُشْهِدَ، فَأُتِيَ بِهِ، فَعَرَّفَهُ نِعَمَهُ، فَعَرَفَهَا، قَالَ: فَمَا عَمِلْتَ فِيهَا ؟ قَالَ: قَاتَلْتُ فِيكَ حَتَّى اسْتُشْهِدْتُ، قَالَ: كَذَبْتَ، وَلَكِنَّكَ قَاتَلْتَ لِأَنْ يُقَالَ: جَرِيءٌ، فَقَدْ قِيلَ، ثُمَّ أُمِرَ بِهِ فَسُحِبَ عَلَى وَجْهِهِ حَتَّى أُلْقِيَ فِي النَّارِ، وَرَجُلٌ تَعَلَّمَ الْعِلْمَ، وَعَلَّمَهُ، وَقَرَأَ الْقُرْآنَ، فَأُتِيَ بِهِ، فَعَرَّفَهُ نِعَمَهُ، فَعَرَفَهَا، قَالَ: فَمَا عَمِلْتَ فِيهَا ؟ قَالَ: تَعَلَّمْتُ الْعِلْمَ، وَعَلَّمْتُهُ، وَقَرَأْتُ فِيكَ الْقُرْآنَ، قَالَ: كَذَبْتَ، وَلَكِنَّكَ تَعَلَّمْتَ الْعِلْمَ لِيُقَالَ: عَالِمٌ، وَقَرَأْتَ الْقُرْآنَ لِيُقَالَ: هُوَ قَارِئٌ، فَقَدْ قِيلَ، ثُمَّ أُمِرَ بِهِ فَسُحِبَ عَلَى وَجْهِهِ حَتَّى أُلْقِيَ فِي النَّارِ... ))

 

[ مسلم، الترمذي، النسائي، أحمد ]

 عمل دنيوي ليس له أثر مستقبلي أبداً، أو عمل من أعمال الآخرة، ولكنه ابتغى به صاحبه الدنيا.

 

3 – الأعمال الصالحة المقابَلة بالسيئات:

 

 أن تكون أعمال صالحة، ولكن بإزائها سيئات تزيل عليها، وهذا معنى قوله تعالى:

﴿ وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ ﴾

[ سورة القارعة ]

 هناك أعمال صالحة، لكن كفة الأعمال السيئة رجحت، فكفة لأعمال الصالحة خفت وارتفعت، إذاً هذا نوع ثالث من الأعمال المحبطة.

 

4 – الكفر:

 

 أيها الإخوة الكرام، هناك أعمال تنقض الصالحات الكفر ينقض الإيمان، هناك أعمال تترافق مع الأعمال الصالحة، ولكن تزيد عليها فتحبطها، إما أن يكون هناك أعمال متعاكسة تجتمعان خلطوا عملاً صالحاً و آخر سيئاً أو أن يكون هناك عمل ينقض الإيمان أصلاً.

ما هو إحباط العمل في الميزان الشرعي ؟

 أيها الإخوة الكرام، شيء آخر، الإحباط إحباط العمل في الميزان الشرعي ما هو ؟ زوال أثر الأعمال الصالحة في الدنيا وفي الآخرة، ففي الدنيا الله عز وجل وعد المحسنين بالحفظ، ووعدهم باليقين، ووعدهم بالراحة، ووعدهم بالسعادة، و وعدهم بالسكينة، و وعدهم بالرضا، و وعدهم بالتوفيق، و وعدهم بالنصر، كل الأعمال الصالحة التي وعد الله عليها عباده المؤمنين مزيداً من الخير المادي والمعنوي الأعمال التي أحبطتها تلغي أثرها.
 أوضح لكم هذا بمثل في اللغة العربية، لو أن طالباً أعرب كلمة في الامتحان، وهي مفعول به، قال: مفعول به مرفوع، يأخذ علامة الصفر، مع أنها مفعول به، لكن الخطأ في الجزء الثاني يُذهِب صواب الجزء الأول، هذا هو الإحباط، فهو عمل سيئ يلغي العمل الصالح، إما أنه يزيد عليه فترجح كفة السيئات، وتخف كفة الحسنات،

﴿ وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ ﴾

 أو أن الأعمال السيئة تلغي الأعمال الصالحة وتتناقض معها.

 

آثار إحباط العمل في الدنيا:

 

الأثر الأول: زوال أثر الأعمال الصالحة:

 أيها الإخوة الكرام، أول خطر من الأعمال المحبطة زوال أثر الأعمال الصالحة في الدنيا الله عز وجل يقول:

﴿ مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً ﴾

[ سورة النحل: 97]

 الذي يعمل أعمالاً محبطة لعمله إذاً لن يذوق الحياة الدنيا الطيبة التي وعد الله بها المؤمنين، قال تعالى:

 

﴿ مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً ﴾

 

[ سورة النحل: 97]

من آثار إحباط العمل في الآخرة:

 إنّ الأعمال التي نتحدث عنها الآن هي الأعمال التي يتقرب بها من الله، فتأتي الأعمال السيئة فتحبطها، وتلغي قيمتها، وتلغي أثرها، وتلغي الجزاء الذي وعد به المؤمنون، وتلغي ثمارها، كما قال سيدنا حذيفة: << كَانَ أَصْحَابُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَسْأَلُونَهُ عَنْ الْخَيْرِ وَكُنْتُ أَسْأَلُهُ عَنْ الشَّرِّ مخافة أن أقع فيه >>.
 هذا محور الخطبة.

من فوائد الأعمال الصالحة في الآخرة:

 أيها الإخوة الكرام، من فوائد الأعمال الصالحة في الآخرة النجاة من النار وسرعة دخول الجنة وتبوء الدرجات العليا في الجنة، إحباط العمل قد يمنع من دخول الجنة أو قد يبطئ من دخولها أو قد يمنع نيل الدرجات العلا فيها قال تعالى:

﴿ انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَلَلْآَخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلاً ﴾

[ سورة الإسراء: 21]

هل تلغي الكبائر جميعَ الأعمال الصالحة ؟

 أيها الإخوة الكرام، نحن لا نعتقد كما تعتقد بعض الفرق الضالة من أن الكبائر تلغي جميع الحسنات، ولكن هناك من يعتقد أن الكبائر تلغي ما يقابلها من ميزان الحسنات.
 أيها الإخوة الكرام، إذا كانت السيئات لا تحبط جميع الحسنات، هناك من يرى أنها تحبط بقدرها، وقال بعض العلماء: إن هناك من ينكر ذلك، وهناك من يثبته بهذه الأدلة، قال تعالى:

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى ﴾

[ سورة البقرة: 264]

 يبطل العمل صدقة ثمينة دفعت من مالك والمال محبب ولكن المن والأذى يبطل ثواب هذا العمل هذا الدليل.
 دليل آخر، أن السيدة عائشة قالت لامرأة: أبلغي زيداً أن جهاده بطل.
 وصدقوا أيها الإخوة الكرام أن الإنسان إذا ارتكب الكبائر، وأراد إيذاء المسلمين فكأنه ألغى صلاته وصيامه وحجه وزكاته، إذا ارتكب الكبائر، وتفنن في إيذاء المسلمين ظناً منه أن دينه قويم، لأنه يصلي، وأن هذا شيء آخر، إيذاء المسلمين وظلمهم، والاعتداء عليهم، وابتزاز أموالهم، والاعتداء على أعراضهم هذا يبطل العبادات، والدليل أن السيدة عائشة قالت: قولوا لزيد: إنه أبطل جهاده مع رسول الله، وقد قال تعالى:

 

﴿ وَلاَ تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ ﴾

 قال الحسن: " بالمعاصي والكبائر ".
 وقال عطاء: " بالشرك والنفاق ".
 وقال ابن السائب: " بالرياء والسمعة ".
 وعن مقاتل: " بالمن، ذلك أن قوماً منوا بإسلامهم ".
 وقد ذكر عن الحسن أن المعاصي والكبائر تحبط الأعمال.

 

 

وَكُنْتُ أَسْأَلُهُ عَنْ الشَّرِّ مخافة أن أقع فيه

 أيها الإخوة الكرام، نعود إلى محور الخطبة، قال سيدنا حذيفة: << كَانَ أَصْحَابُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَسْأَلُونَهُ عَنْ الْخَيْرِ وَكُنْتُ أَسْأَلُهُ عَنْ الشَّرِّ مخافة أن أقع فيه >>.
 إن الرجل ليعبد الله ستين عاماً ثم يضر في الوصية فتجب له النار.
 الإحباط أن يلغى العمل.
 عَنْ ثَوْبَانَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ:

(( لَأَعْلَمَنَّ أَقْوَامًا مِنْ أُمَّتِي يَأْتُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِحَسَنَاتٍ أَمْثَالِ جِبَالِ تِهَامَةَ بِيضًا، فَيَجْعَلُهَا اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ هَبَاءً مَنْثُورًا، قَالَ ثَوْبَانُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، صِفْهُمْ لَنَا، جَلِّهِمْ لَنَا، أَنْ لَا نَكُونَ مِنْهُمْ، وَنَحْنُ لَا نَعْلَمُ، قَالَ: أَمَا إِنَّهُمْ إِخْوَانُكُمْ، وَمِنْ جِلْدَتِكُمْ، وَيَأْخُذُونَ مِنْ اللَّيْلِ كَمَا تَأْخُذُونَ، وَلَكِنَّهُمْ أَقْوَامٌ إِذَا خَلَوْا بِمَحَارِمِ اللَّهِ انْتَهَكُوهَا ))

[ ابن ماجه ]

 أعمال محبطة، أعمال تلغي ثمار الأعمال الصالحة، أعمال تلغي نتائج الأعمال الصالحة، أعمال تلغي ثواب العمال الصالحة.

 

ما هي السبل التي يتقي بها المؤمنُ إحباط عملِه ؟

 أيها الإخوة الكرام، ماذا ينبغي للمؤمن أن يعمل لئلا يحبط عمله ؟ بالمناسبة إحباط العمل له نوعان: إما أن يكون العمل سيئاً في ذاته، كمَن أقام مشروعًا يعتمد على اللهو، وعلى ابتزاز أموال الناس بالباطل، هذا العمل أصلاً محبط، وهو يخالف منهج الله أصلاً، ومبني على إفساد الناس أصلاً، مبني على ابتزاز أموالهم، هذا نوع من الإحباط، أو أن يكون العمل في شكله طيباً، ولكن الإنسان يبتغي منه الدنيا، فإحباط العمل إما في شكله، أو في أجره.

السبيل الأول: الازدياد من الخوف من الله تعالى:

 أيها الإخوة الكرام، حتى نتقي إحباط العمل ينبغي أن يزداد خوفنا من الله عز وجل، قال إبراهيم التيمي: " ما عرضت قولي على عملي إلا خشيت أن أكون كذاباً.
 وقال ابن أبي مليكة: " أدركت ثلاثين من أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام كلهم يخاف النفاق على نفسه ".
 ويذكر الحسن أنه " ما خاف الله إلا مؤمن، ولا أمنه إلا منافق، وما يحذر من الإصرار على النفاق والعصيان من غير توبة "، لقول الله عز وجل:

﴿ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ ﴾

[ سورة آل عمران ]

 من تأمل أحوال الصحابة رضي الله عنهم وجدهم في غاية العمل مع غاية الخوف، هذا الخوف الشديد من أن يحبط العمل، أو من ألا يقبل العمل صيانة للعمل من أن يحبط، أما الاطمئنان الساذج، وعدم التدقيق في النيات، وعدم التدقيق في شكل العمل، لأن الله عز وجل لا يقبل العمل إلا إذا كان خالصاً وصواباً، خالصاً ما ابتغي به وجه الله، وصواباً ما وافق السنة، تحقيقاً لقوله تعالى:

 

﴿ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحاً تَرْضَاهُ ﴾

[ سورة الأحقاف: 15]

 العمل الصالح مقيد أن يقبله الله، والله عز وجل لا يقبل العمل الصالح إلا إذا كان خالصاً لله، أي ابتغي به وجه الله، وصواباً ما وافق السنة.

 

كلمات ومواقف للصحابة في موضوع الخوف من الله:

 يقول سيدنا الصِّدّيق: << وددت أني شعرة في جنب عبد مؤمن >>.
 ولما قرأ سيدنا عمر سورة الطور إلى أن بلغ قوله تعالى:

﴿ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ ﴾

 بكى، واشتد بكاؤه حتى مرض، وعاده عواده .
 وقال لابنه وهو في سياق الموت: << ويحك، ضع خدي على الأرض، عسى الله أن يرحمني، ثم قال: ويل أمي إن لم يغفر الله لي، قالها ثلاثاً ثم قضى >>.
 كان سيدنا عثمان إذا وقف على القبر يبكي حتى تبتل لحيته، ويقول: << لو أنني بين الجنة والنار ولا أدري إلى أيتهما يؤمر بي لاخترت أن أكون رماداً قبل أن أعلم إلى أيها المصير >>.
 وسيدنا علي بن أبي طالب رضي الله عنه << كان بكاؤه وخوفه، وكان يشتد خوفه من اثنتين، طول الأمل، واتباع الهوى، قال: فأما طول الأمل فينسي الآخرة، وأما اتباع الهوى فيصد عن الحق، ألا وإن الدنيا قد ولت مدبرة، وأن الآخرة قد أسرعت مقبلة، ولكل واحدة منهما بنون، فكونوا من أبناء الآخرة، ولا تكونوا من أبناء الدنيا، فإن اليوم عمل ولا حساب، وغداً حساب ولا عمل >>.
 تميم الداري قرأ سورة الجاثية، فلما أتى على هذه الآية:

﴿ أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ﴾

 رددها وبكى حتى أصبح.
 قال أبو عبيدة بن الجراح: << وددت أني كبش فذبحني أهلي، وأكلوا لحمي، وحسوا مرقي >>.
 أيها الإخوة الكرام، لازلنا مع قول سيدنا حذيفة << كَانَ أَصْحَابُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَسْأَلُونَهُ عَنْ الْخَيْرِ، وَكُنْتُ أَسْأَلُهُ عَنْ الشَّرِّ مخافة أن أقع فيه >>.

 

السبيل الثاني: الإشفاق من ضياع العمل:

 ثانياً الإشفاق على العمل من أن يصير إلى ضياع، أن يتهم الإنسان نفسه بالنفاق دائماً هذا يقي من إحباط العمل، وأن يقلق قلقاً شديداً على عمله من أن يصير إلى الضياع، هذا أسلوب آخر لتلافي إحباط العمل.
 يقول ابن القيم: " إشفاق على العمل أن يصير إلى ضياع فيخاف المرء على عمله من أن يكون من الأعمال التي قال الله فيها:

 

 

﴿ وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا ﴾

 وهي الأعمال التي كانت لغير الله، وابتغي بها غير وجه، الله وهي على غير أمر الله، وعلى غير سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويخاف أيضاً أن يضيع عمله في المستقبل، إما بتركه أو بمعاصي تحبطه ".
 الآن عمل جيد، يا ترى أبقى على هذا العمل طوال حياتي ؟ هذا هو القلق المقدس، المؤمن قلق، لكن قلقه مقدس، قلق على سلامة نيته، قلق على صواب عمله، قلق على استمرار عمله، قلق على ألا يفعل في نهاية حياته عملاً يحبط أعماله الصالحة، قال تعالى:

 

 

﴿ أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ لَهُ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَأَصَابَهُ الْكِبَرُ وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفَاءُ فَأَصَابَهَا إِعْصَارٌ فِيهِ نَارٌ فَاحْتَرَقَتْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآَيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ ﴾

[ سورة البقرة ]

 وهذه آية أخرى واضحة وضوحاً كبيراً في إحباط العمل، يقول الإمام القرطبي: " إن هذا مثل ضربه الله تعالى للكافرين والمنافقين، كهيئة رجل غرس بستاناً فأكثر فيه من الثمر، فأصابه الكبر، وله ذرية ضعفاء، يريد صبيانًا وبنات وغلمانًا، فكانت معيشته ومعيشة ذريته من ذلك البستان، فأرسل الله على بستانه ريحاً فيها نار فاحترقت، ولم يكن عنده قوة فيغرسه ثانية، فأرسل الله على بستانه ريحاً فيها نار فأحرقته، ولم يكن عنده قوة فيغرسه ثانية، ولم يكن عنده بنون يعينونه على غرسه، وكذلك المنافق والكافر إذا ورد إلى الله تعالى يوم القيامة ليست له كرة يبعث فيها، فيستقيم ثانية، هذا شأن الذين حبطت أعمالهم في الدنيا ".
 جاء رجل إلى السيدة عائشة رضي الله عنها، وهو عبد الله بن عباس يستأذن عليها، قالت: << لا حاجة لي به، قال عبد الرحمن بن أبي بكر: إن ابن عباس من صالحي بنيكِ جاءكِ يعودك، فدخل عليها، فقال: يا أماه، أبشري، فوالله فما بينك وبين أن تلقي محمداً صلى الله عليه وسلم والأحبة إلا أن تفارق روحك جسدك، كنت أحب نساء رسول الله إليه، ولم يكن يحب امرأة مثلك، هذا قاله سيدنا ابن عباس، قالت: هلكت ؟ قال: ولمَ ؟ فحدثته كثيراً عن قلقها، ثم قال لها: يكفي أن الله أنزل براءتك من فوق سبع سماوات، فقالت: يا ابن عباس، دعني منك ومن تذكيتك، فوالله لوددت أني كنت نسياً منسياً >>.
 أنا أقدم لكم أيها الإخوة قلق الصحابة الكرام، وهم قمم في الطاعة والكمال والإخلاص، فهؤلاء الذين لا يقلقون أبداً، ولا يتأثرون، ولهم أعمال لا ترضي الله، وهم مطمئنون، واثقون من قبول الله لأعمالهم هذه سذاجة أو غباء، إن صح التعبير.
 أيها الإخوة، قال ابن القيم في منزلة الورع: " ينبغي أن توفر الأعمال الصالحة، فإن اشتغل المرء بالقبائح نقصت عليه الحسنات.

 

السبيل الثالث: صيانة العمل من النية السيئة:

 والآن ينبغي أن نصون الحسنات عن النيات السيئة، فهما شيئان: العمل ثم نيته، يجب أن أصون العمل عن أن يكون مخالفاً للسنة، وينبغي أن أصون العمل عن أن تكون نيته ليست إرضاء الله عز وجل.
 أيها الأخوة، غيرة العبد لربه أحدهما غيرة من نفسه، ألا يجعل شيئاً من أعماله وأقواله وأوقاته وأنفاسه لغير ربه، قال تعالى:

 

 

﴿ قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ﴾

 

[ سورة النعام ]

 شيء آخر، وغيرة أن يغضب لمحارمه إذا انتهكها المنتهكون، ولحقوقه إذا تهاون بها المتهاونون، أن يغضب لله، أن يغضب إذا جاء عمله لا يرضي الله عز وجل، أو لم تكن نيته صالحة، ثم أن يغضب إذا انتهكت حرمات الله، ومنعت الحقوق التي أمر الله بها.

 

السبيل الرابع: الدعاء:

 أيها الإخوة الكرام، ثم الدعاء، قال تعالى:

 

 

﴿ فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ فَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي وَقَاتَلُوا وَقُتِلُوا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ثَوَاباً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ ﴾

[ سورة آل عمران ]

 أيها الإخوة، لا تقولوا في أنفسكم: إنني أشدد عليكم، إنني آتيكم بالكتاب والسنة، آتيكم بالوحيين، آتيكم بسلوك الصحابة الكرام الذين شهد لهم النبي صلى الله عليه وسلم بالخيرية، والذين يلونهم من التابعين، والذين يلونهم من تابعي التابعين، لأن الجنة فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، لها ثمن باهظ، ألا إن سلعة الله غالية، ألا إن سلعة الله غالية، تحرَّ أن يكون العمل وفق السنة، وتحرَّ أن تكون النية طيبة، هذا القلق وهذا الخوف، وهذه المتابعة، وهذا التعهد هو الذي يصونك عن أن يحبط عملك.
 إذا علم الثقيل أنه ثقيل فليس بثقيل، هذا التائه والشارد الذي لا يبالي أيقبل عمله أو لا يقبل، إن تصدق منَّ ودل بإحسانه على من أعطاه، وإن عمل عملاً قليلاً تحدث عنه كثيراً، وإن قام ليلة ذكر هذا القيام عشرات المرات، وإن حفظ كتاب الله يتيه به على من لم يحفظ، أحياناً تزل القدم فيكون العمل لغير الله.
 أيها الإخوة الكرام، مع الإخلاص ينفع قليل العمل وكثيره، ومن دون إخلاص لا ينفع لا قليل العمل ولا كثيره، وإذا قال الله عز وجل:

 

﴿ فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصاً لَهُ الدِّينَ ﴾

[ سورة الزمر ]

 قالوا: انصياع الجوارح لأوامر الله عز وجل عبادة الظاهر، وإخلاص القلب عبادة الباطن، إذاً الإخلاص نصف العمل، لكن بعضهم اعترض، وقال: " الإخلاص هو العمل كله، فإن لم يكن مخلصاً لا قيمة لعمله الظاهري ".
 إذاً لا بد من الإخلاص، والإخلاص يحتاج إلى توحيد، وحينما ترى أن الله وحده يعطي، ويمنع، يرفع ويخفض، يعز ويذل، تعقد العزم على أن تتجه إليه وحده، وأن تسأله وحده، وأن تعلق عليه الآمال وحده، وأن تخاف منه وحده، لذلك قالوا: " هناك حب في الله هو عين التوحيد، وهناك حب مع الله هو عين الشرك ".
 أيها الإخوة الكرام، يقول سيدنا عمر:<< تعاهد قلبك >>.
 هذا التسيب، منشغلون في الدنيا إلى ما لا نهاية، هذا القلب هل تفحصته ؟ هل تأملته ؟ هل يرجو غير الله ؟ هل يخاف من غير الله ؟ هل يعلق آمالا على غير الله ؟ هذا العمل الذي تعمله هل يرضي النبي، سألت عالماً ورعاً عن صوابه، أما أن العمل مزاجي والنيات لا نعلق عليها أهمية إطلاقاً، فهذه المحبطات.
 أيها الإخوة في خطبة قادمة إن شاء الله تعالى نتحدث عن الأعمال المحبطة من كتاب الله عز وجل، وإن شاء الله في خطبة ثالثة نتحدث عن الأعمال المحبطة من سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم.
 وما هذه الخطبة إلا مقدمة لخطبتين قادمتين، كما قال سيدنا حذيفة بن اليمان: << كَانَ أَصْحَابُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَسْأَلُونَهُ عَنْ الْخَيْرِ، وَكُنْتُ أَسْأَلُهُ عَنْ الشَّرِّ مخافة أن أقع فيه >>.
 ولا تنسوا أن الأعمال السيئة بعضها لا يحبط الأعمال، يتوب منها، وينتهي الأمر، لكن هناك أعمال تلغي الأعمال الصالحة كما أن هناك مئات الأمراض لا تلغي الحياة، لكن هناك أمراض محدودة، إن أصيب بها الإنسان انتهت حياته، وازن أو شبه المحبطات للأعمال الصالحة بالأمراض العضالة، وشبه الأخطاء العادية بالأمراض العادية، فنحن نخاف أن نقع في عمل يحبط أعمالنا الصالحة، قال تعالى:

 

﴿ وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُوراً ﴾

[ سورة الفرقان ]

 هذا كلام الله، وهذه سنة رسول الله.

 

(( دخلت امرأة النار في هرة حبستها، لا هي أطعمتها، ولا هي تركتها تأكل من خشاش الأرض ))

 

[ البخاري]

(( إن فلانة تذكر أنها تكثر من صلاتها وصيامها وصدقتها، غير أنها تؤذي جيرانها بلسانها، قال: هي في النار ))

[ الترمذي]

 أقدم لكم مئات الشواهد إن شاء الله من كتاب الله ومن سنة رسول الله على أن بعض الأعمال تلغي العبادات، تلغي الأعمال الصالحة.
 ذكرت قبل قليل أن الرجل ليعبد الله ستين سنة، ثم يضر في الوصية فتجب له النار، لذلك نحاول قدر الإمكان أن ننتبه في الخطبتين القادمتين إن شاء الله تعالى إلى الأعمال المحبطة التي تلغي الأعمال الصالحة بنص القرآن الكريم.
 والأعمال التي تحبط الأعمال الصالحة وتلغي ثوابها بنص حديث رسول الله الصحيح.

 

 أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم لي ولكم فاستغفروه يغفر لكم، فيا فوز المستغفرين.

* * *

 الخطبة الثانية
 الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله صاحب الخلق العظيم، اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

سبب اختيار الموضوع:

 أيها الإخوة، ما اخترت هذا الموضوع من فراغ، اخترته لأنه يصل إلي من حين إلا آخر أن إنسانًا لا يدع الصلاة في المسجد، وله أعمال لا يمكن أن تصدر عن إنسان لا يؤمن بالله أصلاً، محل تجاري يبيع الأقراص المدمجة الإباحية، وصاحبه يصلي الصلوات الخمس في المسجد، أنت ماذا تفعل ؟ كيف تتوازن مع عمل كهذا ؟ ومع صلاة كهذه الصلاة ؟ امرأة كاسية عارية كل مفاتنها ظاهرة تثير شهوات الشباب، وتوقعهم في بعض الانحرافات الجنسية، وتقول: أنا أصلي، ولا أدع الصلاة، إنسان يأكل الربا أو يوكله، ولا يشعر بالتناقض أبداً مع عباداته التي يؤديها ؟ هذه مشكلة كبيرة.
 والله هناك مَسبَح في هذه البلدة يستقبل النساء والرجال معاً، مسبح مختلط، وأقام حفلا بمناسبة ميلاد النبي الكريم، ودعا إليه بعض من تكلموا وأثنوا، كيف توازن مسبح مختلط المرأة كما خلقها الله أمام الرجال، وتكسب هذا المال من إقبال الناس على هذا المسبح بهذه الطريقة الفاضحة، ثم تقيم حفل ذكرى مولد النبي عليه الصلاة والسلام ؟!
 جاءتني ورقة قبل أسبوعين أن بعض التجار رفض أن يزين محله بمناسبة ذكرى المولد، وقد ظن أنه لا يحب هذه الذكرى، قال: لا، أنا أحب النبي أكثر منكم، ولكنكم لا تتبعون سنة النبي، إقامة الزينة سهلة، لا تكلف شيئاً، أنا أسمي هذا احتفالاً فلكلورياً، نقيم الزينات، نرفع اللافتات، نزين بالأعلام، نلقي الكلمات، فإذا تتبعنا سلوك الناس الذين يحتفلون تجدهم بعيدين عن منهج النبي عليه الصلاة والسلام، قال تعالى:

﴿ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ ﴾

[ سورة الأنفال: 33]

 فإذا كان الله يعذبنا كل يوم، وكل أسبوع، وكل شهر، وكل يوم خبر سيئ، وكل يوم العدو يزداد علينا تطاولاً، لأن هناك علة فينا نغفل عنها، قال تعالى:

 

﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ ﴾

[ سورة الرعد: 11]

 والله الذي لا إله إلا هو مظاهر الاحتفال بعيد المولد والله يملأ القلب فرحاً، شيء رائع جداً، أنا مع هذه المظاهر، وهي تعبير عن إيمان الناس، لكنني لا أرضى أن يكون هذا المظهر، ليس غير، فإذا تتبعنا أعمال الناس في كسب أموالهم، وفي إنفاق أموالهم، وفي أفراحهم، وفي  أتراحهم، وفي تزويج بناتهم، وفي اختيار زوجاتهم، وفي زي نسائهم فإنه لا يوافق السنة أبداً.
 هناك أعمال أيها الإخوة لا تكلف شيئاً، وهي ممتعة، أما حينما تستقيم على أمر الله تشعر أنك أرضيك الله عز وجل.
 أنا أريد أن أضيف ـ دققوا ـ إلى هذه الاحتفالات الرائعة، وقد قال النبي الكريم عن هذه البلدة:

 

(( رأيت عمود الإسلام قد سل من تحت وسادتي، فأتبعته بصري، فإذا هو بالشام، فعليكم بالشام في آخر الزمان ))

 

[ أحمد]

 أنا أفرح فرحاً لا حدود له من أن مظاهر الاحتفال بعيد المولد بلغت درجة تلفت النظر، وكأن الإيمان تحرك، ولكن أريد أن أهمس في آذان المؤمنين: إذا اكتفينا بالاحتفال الفلكلوري، ولم نتبع سنة النبي لا ننجو من عذاب الله.
 قدم طالب لمعلمه وردة فشكره عليها، افتح الوظيفة لم يكتب، هذه الوردة لا تلغي العقاب، إذا كان المعلم حريصاً على مستقبل هذا الطالب، وردة لا تلغي التقصير، ولا تلغي الإهمال، والمصير السيئ.
 أنا أتمنى أن يكون الاحتفال بعيد المولد، وقد بلغ أوجه في هذا العام، وهذا شيء يشكر عليه المسؤولون والقائمون على كل الاحتفالات، ولكن أريد أن أضيف إلى أن هذا الاحتفال ينبغي أن يكون مدعماً بالعمل.

 

الدعاء

 اللهم اهدنا فيمن هديت، وعافنا فيمن عافيت، وتولنا فيمن توليت، وبارك لنا فيما أعطيت، وقنا واصرف عنا شر ما قضيت، فإنك تقضي بالحق، ولا يقضى عليك، وإنه لا يذل من واليت، ولا يعز من عاديت، تباركت ربنا وتعاليت، ولك الحمد على ما قضيت، نستغفرك و نتوب إليك، اللهم اهدنا لصالح الأعمال لا يهدي لصالحها إلا أنت، اللهم اهدنا لأحسن الأخلاق لا يهدي لأحسنها إلا أنت، اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا، وأصلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا، وأصلح لنا آخرتنا التي إليها مردنا، واجعل الحياة زاداً لنا من كل خير، واجعل الموت راحة لنا من كل شر، مولانا رب العالمين، اللهم اكفنا بحلالك عن حرامك، وبطاعتك عن معصيتك، وبفضلك عمن سواك، اللهم بفضلك ورحمتك أعل كلمة الحق والدين، وانصر الإسلام وأعز المسلمين، وأذل الشرك والمشركين خذ بيد ولاة المسلمين لما تحب وترضى يا رب العالمين، إنك على ما تشاء قدير، وبالإجابة جدير.

 

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018