الدرس : 13 - سورة الروم - تفسير الآيات 44-47 - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الدرس : 13 - سورة الروم - تفسير الآيات 44-47


1991-04-26

 الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
 أيها الأخوة الأكارم مع الدرس الثالث عشر من سورة الروم.

الهدى يرفعك والكفر يسحقُكَ:

 وصلنا في الدرس الماضي إلى قوله تعالى:

﴿ مَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِأَنْفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ (44) ﴾

( سورة الروم )

 أيها الأخوة الأكارم الأدوات في اللغة ككلمة على، وحتَّى، ومتى، والـ لام، وعن، ومِن، هذه كُلها أدوات، أي كلمات لها معانٍ لا تبدو إلا مع غيرها من الكلمات، فربنا عزَّ وجل يقول:

 

﴿ مَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ (44) ﴾

 الكفر عَلَيْهِ أي فوقه، سيسحقه، أما الهُدى والإيمان:

 

 

﴿ أُوْلَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ ﴾

 

(سورة البقرة: من آية " 5 " )

 الهدى يرفعك ؛ والكفر يسحقُكَ، الكفر عليك ؛ والهدى لك، لذلك ربنا عزَّ وجل حينما جاء بكلمة عليه:

 

﴿ فَعَلَيْهِ (44) ﴾

 أي كمن يضع في صندوقه المواد الضارَّة، والمواد المتفجَّرة، والمواد المؤذية، والمواد المُمْرِضَة، فكل شيءٍ يفعله الإنسان سيدفع ثمنه باهظاً.

 

البشر صنفان إما موصول منضبط محسن أو مقطوع متفلِّت مُسيء:

 قال تعالى:

﴿ مَنْ كَفَرَ (44) ﴾

 الكفر ـ كما تعلمون ـ فيه جانب فكري، وجانب نفسي، وجانب سلوكي، الجانب الفكري التكذيب بما جاء به الأنبياء والمرسلون، الجانب النفسي الإعراض عن الله عزَّ وجل، الجانب السلوكي التفلُّت من منهج الله، الانسياق وراء الشهوات، فالكفر من جهة تكذيب، من جهة إعراض، من جهة انحراف، فيمكن أن نقول: إن البشر صنفان موصول منضبط محسن ؛ مقطوع متفلِّت مُسيء، فلا بدَّ أن يكون المرء أحد رجلين مؤمن بخالق الكون، مؤمن بمنهجه، إذاً منضبط بهذا المنهج، يتقرَّب إلى الله بالأعمال الصالحة، إذاً يُقْبِلُ على الله، لأن الطريق مع الله سالكة، كذَّب بهذا القرآن، أو بما جاء به الأنبياء، أو بالحق، فلمَّا كذَّب ليس هناك منهج، إذا آمنت بالله يجب أن تؤمن مع الإيمان بالله بمنهجه، بشرعه، بكتابه، فالذي كفر بالله من باب أولى هو كفر بمنهجه، إذاً متفلِّت، له حركة واسعة جداً.
 مثلاً طالب في أول حياته منضبط، وقته مُنَظَّم، دوامه في المدرسة منظَّم، دراسته منظَّمة، هذا الطالب مع مرور الأيام يزداد رُقِياً في بنائه النفسي، وبنائه العقلي، وبنائه الشعوري إلى أن يصبح ذا مكانةٍ مرموقةٍ في المجتمع ؛ الطالب الآخر الذي كان متفلِّتاً من أي هدف، من أي نظام، كان يفعل ما يشاء، ينتقل من مكان إلى مكان، من بُستان إلى بستان، من رفيق إلى رفيق، من نُزهة إلى نزهة، فيما يبدو هذا متفلِّت، هذا حر، الأول مُقَيَّد بدوام المدرسة، بوظائفه، بواجباته، بتعليمات والده، هذه القيود رفعته إلى أن أصبح في ذروة المجتمع، بينما هذا التفلُّت جعله في أسفل سافلين.

الهدى في خدمتك أما الضلال فهو سجن لك:

 النقطة الدقيقة جداً: أنه يبدو لك أن الضال لا قيد يقيِّدُهُ لأنه يفعل ما يشاء، يأكل ما يشاء، يذهب إلى أي مكان يشاء، يلتقي مع من يشاء، ينتهك حُرُمَات من يشاء يتمتع بالحريَّة ؛ ولكن هذه الحرية في ظاهرها حرية وفي حقيقتها قيد:

﴿ كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ(38) ﴾

(سورة المدثر)

 المؤمن منضبط، آمن بالله عزَّ وجل، ما دام آمن بالله الله له منهج، هناك شيء يقول لك الله عزَّ وجل: افعله، فأنت كمؤمن ليس لك أن لا تفعله، وهناك شيء آخر أمرك أن لا تفعله، فأنت مقيَّد ليس لك أن تفعله، فيبدو لك أن الإيمان فيه قيود، طبعاً في صلوات خمس، وغض بصر، وعدم مصافحة النساء مثلاً، وتحرِّ الدخل ؛ هذه شبهة، هذه ربا، هذه علاقة ربويَّة، هذه كذب، هذه تدليس، هذه غيبة، هذه نميمة، فيبدو لك أن هناك أوامر دقيقة جداً أنت مُقَيَّد بها، لكن هذه القيود ترفعك إلى أن تحتلَّ مكانك الصحيح، المخلوق الأول والمكرَّم، بينما التفلُّت الذي يبدو على شكل حريَّة عند بعض الناس، هذا التفلُّت يجعلك في قيد المعاصي، لذلك قال ربنا عزَّ وجل:

 

﴿ وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ(24) ﴾

 

(سورة سبأ)

 الهدى معها (على)، الهدى يرفعك، أنت على الهدى، الهدى في خدمتك ؛ أما الضلال هو سجنٌ لك:

 

﴿ كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ(38) ﴾

 


(سورة المدثر)

الكفر هو تفلُّت من منهج والمنهج لمصلحتك:

 قال تعالى:

﴿ بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ ﴾

( سورة البقرة: من آية" 81 " )

 هنا تقريباً الآية لها معنى يقترب من ذاك المعنى:

 

﴿ مَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ (44) ﴾

 كفره فوقه يسحقُهُ، لأن الكفر تبعات، الكفر إنكار حقيقة، فإذا كُشِفَت الحقيقة في وقتٍ لا ينفع فيه كشفُها، لا ينفع فيه الندم، فهناك الندم الأبدي، هناك الخسارة الأبديَّة، الكفر تفلُّت من منهج، والمنهج لمصلحتك، والمنهج تعليمات الصانع، المنهج تعليمات صيانتك، المنهج وسائل لسعادتك، فلمَّا كفر الإنسان بوجود الله، وكفر بمنهجه، فلا يوجد عنده منهج يقيِّده فتفلَّت، فلمَّا تفلَّت أساء وأخذ ما ليس له، فاستحقَّ العقوبات، إذاً حياته سلسلة من التبعات، والمسؤوليات، والمضايقات، والمعالجات، والجحيم، وفي النهاية شقي إلى أبد الآبدين، هذا معنى قوله تعالى:

 

 

﴿ مَنْ كَفَرَ (44) ﴾

 أنت عندك جانب فكري، يؤمن أو يكفر، وجانب نفسي، يُقْبِل أو يعرض، وجانب سلوكي، ينضبط أو يتفلَّت، يحسن أو يسئ، لهذا قال النبي الكريم عليه أتم الصلاة والتسليم:

 

 

(( ليس الإيمان بالتمني، ولا بالتحلي، ولكن هو ما وقر في القلب وصدقه العمل ))

 

[ الجامع الصغير: عن " أنس " ]

الإيمان تصديق وإقبال والتزام والكفر تكذيب وإعراض وتفلُّت:

 انظر إلى الناس الآن أكثرها بالتمني، كلَّما ذكر الإيمان يقول: يا رب اجعلنا مؤمنين، الحمد لله، دعوات، تَنَهُّدَات، تمنيِّات، تطلُّعات، ولكن بعيداً عن الاستقامة، بعيداً عن التطبيق:

(( ليس الإيمان بالتمني، ولا بالتحلي))

[ الجامع الصغير: عن " أنس " ]

 يوم الجمعة لباس أبيض وزي إسلامي يضفي عليك الوقار والصلاح والتقى ولكن لا انضباط، ولا وقوف عند كتاب الله، ولا كسب حلال، ولا صدق، ونحن نريد الاستقامة

 

(( ليس الإيمان بالتمني، ولا بالتحلي))

 

[ الجامع الصغير: عن " أنس " ]

 نعلِّق مصحفاً في المركبة، ونطلق النظر يميناً وشمالاً نتابع الفتيات في الطريق والمصحف معلَّق في المركبة، في مدخل المحل كُتِبْ: " إنَّا فتحنا لك فتحاُ مبيناً " وإذا باع واشترى غش، وكذب، وهناك سعرين، ودجل، فلذلك ليس الإيمان بالتمني ولا بالتحلي ولكن ما وقر في القلب وأقرَّه اللسان وصدَّقه العمل.
 هناك جانب عقلي، وجانب نفسي، وجانب سلوكي، فالإيمان تصديق وإقبال والتزام، والكفر تكذيب وإعراض وتفلُّت، التفلُّت معه إساءة، فربنا عزَّ وجل يقول:

 

﴿ مَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ (44) ﴾

 عَلَيْه، أما:

 

 

﴿ أُوْلَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ ﴾

 

( سورة البقرة: من آية " 5 " )

 المؤمن فوق الهدى، الهدى في خدمته، المؤمن يرفعه الهدى ليس عبئاً عليه، أما الكفر يضغط عليه ساحقاً.

القرآن إعجازه في إيجازه:

 قال تعالى:

﴿ مَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا (44) ﴾

 طبعاً هنا توجد عندنا نقطة في اللغة دقيقة جداً، القرآن الكريم فيه إيجاز، والإيجاز يحتاج إلى توقُّد ذهن، طبعاً المعنى من كفر وعمل سوءاً فعليه كفره، ومن آمن:

 

﴿ مَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِأَنْفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ (44) ﴾

 ربنا عزَّ وجل قال:

 

 

﴿ مَنْ كَفَرَ (44) ﴾

 لم يذكر وعمل سوءاً، أنت تشتقها من: (من عمل صالحاً) بالمقابل، ولمَّا ذكر المؤمنين ما قال: ومن آمن ؛ بل قال:

 

 

﴿ وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا (44) ﴾

 تشتقُّ آمن من كفر، مقابل آمن كفر، ومقابل عمل صالحاً عمل سوءاً، فالبلاغة في الإيجاز.

 

من يقرأ القرآن يتوقَّد ذهنه:

 هناك آية أوضح من ذلك:

﴿ قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرَى كَافِرَةٌ ﴾

(سورة آل عمران: من آية " 13 " )

 ما المعنى الدقيق ؟ فئةٌ مؤمنةٌ تقاتل في سبيل الله، وأخرى كافرةٌ تقاتل في سبيل الشيطان، هذا المعنى الكامل، فالقرآن إعجازه في إيجازه، الذي يقرأ القرآن يتوقَّد ذهنه:

 

﴿ قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ﴾

 

(سورة آل عمران: من آية " 13 " )

 ما قال: مؤمنة بل قال: فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، يا ترى هذه الفئة هل مؤمنة ؟ تستنبط أنها مؤمنة من قوله:

 

﴿ وَأُخْرَى كَافِرَةٌ ﴾

 

(سورة آل عمران: من آية " 13 ")

 إذاً الأولى مؤمنة، ولكن يا ترى الكافرة تقاتل في سبيل من ؟ في سبيل الشيطان ولكن لم يذكر هذا الله عزَّ وجل.

الاشتباك في البلاغة:

 قال:

﴿ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرَى كَافِرَةٌ ﴾

(سورة آل عمران: من آية " 13 " )

 انظر إلى الإيجاز، لو أن الله عزَّ وجل قال: فئة مؤمنةٌ تقاتل في سبيل الله وأخرى كافرةٌ تقاتل في سبيل الشيطان، كم كلمة ؟ أما عندما جعلك تستنبط المؤمنة من كلمة وفئة كافرة، وجعلك تستنبط تقاتل في سبيل الشيطان من تقاتل في سبيل الله، هذا هو الإيجاز كذلك هنا:

 

﴿ مَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ (44) ﴾

 هذا اسمه في البلاغة الاشتباك، معاني مشتبكة كل معنى يدل عليه معنى مقابل:

 

 

﴿ مَنْ كَفَرَ (44) ﴾

 وعمل سوءاً، من لوازم الكفر أبداً، والدليل:

 

 

﴿ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ أَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ(1) ﴾

 

( سورة محمد)

 لو وجدت كافراً أعماله صحيحة هو منضبط، محسن، متواضع، ليس له أغراض شخصيَّة دنيويَّة، دائماً منضبط بالكمال، إذاً الإيمان لا حاجة له، التغى الإيمان.

 

جاء الكفر مفرداً والإيمان جمعاً لأن الإيمان يجمع والكفر يفرِّق:

 

 لكن:

﴿ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ أَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ(1) ﴾

( سورة محمد)

 تجد هناك حماقات، انحرافات، تجاوزات، انتهاك للحُرُمات، إنسان ينمو على حساب مجموع، إنسان يجمع أموال طائلة على حساب فقر أُناس كثيرين:

 

﴿ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ أَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ(1) ﴾

 

( سورة محمد)

 إذاً:

 

﴿ مَنْ كَفَرَ (44) ﴾

 والمعنى المشتق: وعمل سوءاً فعليه كفره وإساءته:

 

 

﴿ وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا (44) ﴾

 أي ومن آمن وعمل صالحاً:

 

 

﴿ فَلِأَنْفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ (44) ﴾

 بعضهم قال: جاء الكفر مفرداً والإيمان جمعاً، لأن الإيمان يجمع والكفر يفرِّق.

 

لا يجمع إلا الإيمان:

 ربنا عزَّ وجل قال:

﴿ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى ﴾

(سورة الحشر: من آية " 14 " )

 لا يجمع إلا الإيمان، والدليل:

 

﴿ لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ ﴾

 

(سورة الأنفال: من آية " 63 " )

 أحياناً الكفار ينفقون أموالهم الطائلة ليصدّوا عن سبيل الله، قال:

 

﴿ فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ ﴾

 

( سورة الأنفال: من آية " 36 " )

 أنت إذا أنفقت المال بعيداً عن منهج الله، بعيداً عن هدف التأليف بين المؤمنين، إذا أنفقت المال على أُناسٍ غير مؤمنين بالله عزَّ وجل من أجل أن توفِّق بينهم، من أجل أن تقرِّب بينهم، هذه الأموال الطائلة التي تنفقها لا تزيدهم إلا بعداً وحسداً وبغضاً، والدليل قوله تعالى:

 

﴿ وَأَلَّفََ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ﴾

 

( سورة الأنفال: من آية " 63 " )

مجتمع المؤمنين الكامل لا مشكلة فيه لأن كل إنسان يعرف حدوده:

 من علامات الإيمان أن المؤمن يهفو قلبه إلى مؤمنٍ في طرف الدنيا، يشعر بالمودَّة، والمحبَّة، والقرب، بل إن من علامات الإيمان أن يكون أخوك المؤمن الذي في آخر الدنيا أقرب إليك من أخيك النَسَبِيّ وأنت لا تدري، من أخيك الذي من أمِّك وأبيك، هكذا قال عليه الصلاة والسلام:

(( الأَرْوَاحُ جُنُودٌ مُجَنَّدَةٌ فَمَا تَعَارَفَ مِنْهَا ائْتَلَفَ وَمَا تَنَاكَرَ مِنْهَا اخْتَلَفَ ))

[ صحيح البخاري: عن " السيدة عائشة " ]

 وقال:

 

(( إن المؤمنين قوم نصحة بعضهم لبعض متوادون وإن بعدت ديارهم وأبدانهم، وإن المنافقين قوم غششة بعضهم لبعض ))

 

[ كنز العمال: عن " علي بن أبي طالب" ]

 أن تقول لمؤمن جاء من بلدٍ آخر: أنت أجنبي، والله هذه جريمة، هذا أجنبي ؟ هو أخوك في الله، ليس بينك وبينه فرقٌ إطلاقاً، هو من جلدتك، من جِبِلَّتك، من طينَتِك، أقرب الناس إليك ولو كان قد ولِدَ في طرف الدنيا الآخر، هذا الإيمان، هذه عظمة الإيمان، الإيمان يجمع ولا يفرِّق، الكفر يفرِّق، لأن الكفار ليس لهم منهجٌ من خالقهم يسيرون عليه، مناهجهم أرضيَّة، والمناهج متضاربة، متناقضة، المصالح متناقضة، لا انضباط ومصالح متناقضة إذاً لا بدَّ من عدوان، لا بدَّ من أن يأخذ الكافر ما ليس له، فإذا أخذ ما ليس له نشأت العداوة والبغضاء، ونشأت الأزمات، والصراعات، والحروب، وأصبحت الأرض كلُّها في شقاءٍ عميم، خالق الكون له منهج، له مبادئ، له أوامر، له نواه، له حدود، له تشريع، فأنت تأخذ ما لك وتدع ما ليس لك، تقف عند حدك، رحم الله عبداً عرف حدَّه فوقف عنده، مجتمع المؤمنين الكاملين ليس فيه مشكلة لأن كل إنسان يعرف حدوده:

 

﴿ فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا(65)﴾

 

( سورة النساء)

كلمة حر كلمة راقية جداً لا تليق إلا بالمؤمن:

 الحديث الشريف هو الحكم بيننا، النبي الكريم قال كذا وقال كذا، آية أخرى:

﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمْ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ ﴾

(سورة الأحزاب: من آية " 36 " )

 ليس لي اختيار، أنا مخيَّر في أن أؤمن أو لا أؤمن، أما إذا آمنت فهناك منهج:

 

(( الإِيمَانُ قَيَّدَ الْفَتْكَ لا يَفْتِكُ مُؤْمِن ))

 

[ من سنن أبي داود: عن " أبي هريرة " ]

 يقول لك المؤمن: أنا لا أستطيع أن أفعل هذا، أنا مقيَّد بالشرع، والله وسام شرف له، هذا وسام شرف، البطولة أن تكون طليق الإرادة والقوة، وأنت مقيَّد بالشرع، بالكمال، بالموقف الأخلاقي، فلذلك إذا شعر الإنسان بنفسه أنه قوي كأن يكون مقتدراً مادياً، قوة عضلية، اجتماعية، نفسية، وشعر أن له خصوم لكن الشرع قيَّده، هذا القَيْد وسام شرف، عليه أن يرفع رأسه عالياً، يا رب لك الحمد الذي عرَّفتني وجعلتني أنضبط بمنهجك أأتمر بأمرك وأنتهي عما عنه نهيت.
 لذلك كلمة حر أنا أستكثرها على أهل الدنيا وأقول له: غير منضبط، أقرب لهم من كلمة حر، الحرية تعني ؛ حر التفكير، حر الإرادة، حر ليس تبعاً لأحد، ليس عبداً لتقاليده، لشهواته، كلمة حر كلمة راقية جداً لا تليق إلا بالمؤمن، أما أن تقول لإنسان ليس مؤمناً، متفلتاً من منهج الله عزَّ وجل، يفعل ما يحلو له، يتحرَّك من دون منهج، أن تقول له: حُر، لا والله، هذه كلمةٌُ لا يستحقُّها، ربنا عزَّ وجل يقول:

 

﴿ مَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا (44) ﴾

 كلمة (عمل صالحاً) أي أنه عمل عملاً يصلح أن يعرضه على الله عزَّ وجل، إذا وقفت يوم القيامة بين يدي الله عزَّ وجل وسألك: كنت معلِّماً وهؤلاء الطلاب ماذا فعلت لهم ؟ ماذا علَّمتهم ؟ إلى ماذا وجَّهتهم ؟ ما القيَم التي رسَّختها فيهم ؟ هل أقمت بينهم أمر الله عزَّ وجل ؟ هل عدلت بينهم ؟ إذا كنت طبيباً هؤلاء المرضى الذين جاءوك، منحوك ثقتهم، هل أخلصت لهم أم ابتززت أموالهم ؟ هل أوهمتهم أن مرضهم خطير، وأن عليهم أن يأتوك كل أسبوع، أم طمأنتهم وكنت حكيماً ؟ أنت كمحام، كطبيب، كمدرِّس، كصاحب متجر، كصاحب معمل، كصاحب مستشفى، ماذا فعلت ؟

 

اللسان جزء من قوة الإنسان:

 كل شيءٍ تفعله سوف تُسأل عنه، والبطل أيها الأخوة هو الذي يُعدُّ لله جواباً صحيحاً، لأن الإنسان جزء من قوَّته لسانه، فهناك أشخاص منحرفون جداً ولكن عندهم قوة إقناع عالية جداً، تجده دائماً يبدو لك وكأنه ملاك من السماء، وهو غارق في إيقاع الأذى بالناس، فإذا حدَّثك حدَّثكَ بالقيم والفضائل والانضباط والتواضع، هذا قوته في لسانه، بإمكانه أن يخدع بعض الناس إلى أمدٍ طويل، وبإمكانه أن يخدع كل الناس إلى أمدٍ قصير، ولكن يوم القيامة ربنا عزَّ وجل يقول:

﴿ الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ ﴾

(سورة يس: من آية " 65 " )

 سلاحه سحبناه منه:

 

﴿ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ(65) ﴾

 

(سورة يس: من آية " 65 " )

 لا طليق لسان في الآخرة، يزوِّر الحقائق ويكلمك كلاماً مقنعاً:

 

﴿ الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ ﴾

 

البطولة أن تراقب الله عزَّ وجل بكلماتك وحركاتك وسكناتك:

 الموقف مع الله صعب جداً، فلا طلاقة لسان تفيد ولا حجة تنفع، والدليل النبي عليه الصلاة والسلام سيِّد الخلق وحبيب الحق، سيد ولد آدم، المخلوق الأول الذي يوحى إليه قال تعالى:

﴿ وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ(4) ﴾

( سورة القلم)

 الذي بلغ سدرة المنتهى، لو استطعت بذكائك، بقدراتك اللفظيَّة، بطلاقة لسانك، بحجَّتك، أن تنتزع من فمه الشريف حكماً لمصلحتك وأنت لست على حق، هل تنجو من عذاب الله، إنه قال:

 

(( إنما أنا بشر وإنكم تختصمون إلي، ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض فأقضي له على نحو ما أسمع، فمن قضيت له من حق أخيه شيئا فلا يأخذه فإنما أقطع له قطعة من النار ))

 

[ البخاري: عن "أم سلمة" ]

 الموقف مع من ؟ مع الله عزَّ وجل، مشكلتك مع الله، ألم يقل له: "بعني هذه الشاة وخذ ثمنها "، قال له: " ليست لي "، قال له: " قل لصحابها ماتت ".
 الآن يقول له: كن ليناً، ولا تكن صعب المداس، أي اكذب، دلِّس، تجاوز الحدود، لا تدقِّق، لا تشدِّد، لا تتزمَّت، قال: " بعني هذه الشاة وخذ ثمنها "، قال له: " ليست لي "، قال له: " قل لصاحبها ماتت "، قال له: " ليست لي "، قال له: " قل له أكلها الذئب ـ يا أخي ـ وخذ ثمنها "، قال له: " والله إنني لفي أشدِّ الحاجة إلى ثمنها، ولو قلت لصاحبها ماتت أو أكلها الذئب لصدَّقني فإني عنده صادقٌ أمين، ولكن أين الله ؟ ".
 هذه مشكلتك، هذا المؤمن:

 

(( الإِيمَانُ قَيَّدَ الْفَتْكَ ))

 

[ من سنن أبي داود: عن " أبي هريرة " ]

 بموضع ثقة إن كان طبيباً، إن كان محامياً، إن كان مهندساً، إن كان مدرِّساً، الناس يثقون بك، فالبطولة أن تراقب الله عزَّ وجل بكلماتك، بحركاتك، بسكناتك.

 

لن تنجو من عذاب الله إلا إذا كنت في مرضاة الله عزَّ وجل:

 

 

 أيها الأخوة الأكارم الموضوع موضوع مصيري، وليست القضية أنه درس علم حضرناه، والله ممتع وفيه أمثلة جميلة، فيه تفسير عميق ؛ بل القضيَّة أخطر من ذلك، القضيَّة متعلِّقة بمصيرك الأبدي وعلاقتك مع الله فقط، ما دام النبي عليه الصلاة والسلام حكم لك بشيء ولم تكن على حق لا تنجو من عذاب الله، القضيَّة لم تنتهِ، لا تنجو إلا إذا كنت كما يريد الله عز وجل، لا تنجو إلا إذا كنت في مرضاة الله عزَّ وجل، فلذلك:

 

﴿ مَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ (44) ﴾

 وشيءٌ آخر ـ وإن كان الوقت ضيِّقاً ـ لو أتيح لك أن تتتبَّع معاملة الله للناس في الدنيا لعرفت الحقيقة، المستقيم مُكَرَّم، الطائع لله عزَّ وجل معزَّز، الله يدافع عنه، يحميه، يكرمه، ينصره، والمنحرف يدفع الثمن باهظاً في الدنيا قبل الآخرة، وإن كان الرصيد في الآخرة، هناك دفعات على الحساب للمؤمن تشجيعاً له، وهناك ضربات على الحساب للكافر ردعاً له، دفعات على الحساب وضربات على الحساب، أما رصيد الضربات يوم القيامة، ورصيد الدفعات يوم القيامة، الحساب التام:

 

 

﴿ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ﴾

 

( سورة آل عمران: من آية " 185 " )

 هذا المعنى لو رأيت إنساناً كافراً منحرفاً يزداد قوَّة يزداد شأناً:

 

﴿ لا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلادِ(196)مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ(197)لَكِنْ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ ﴾

 

( سورة آل عمران )

أبواب المعرفة ثلاثة:

 قال تعالى:

﴿ وَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الأَبْصَارُ(42)﴾

( سورة إبراهيم )

 الظلم ظلماتٌ يوم القيامة، ومع ذلك الدنيا على أنها قصيرة ومحدودة مليئة بالعظات والعبر، أنا أعطيك ثلاثة أبواب للمعرفة، أتحب أن ترى الله من خلال الكون ؟ الكون يكفي، أتحب أن ترى الله من خلال أفعاله ؟ تتبَّع المستقيم، تتبع المنحرف، تتبع الزاني، تتبع العفيف، تتبع الصادق، تتبع الكاذب، تجد أن الكاذب له معاملة من الله، والصادق له معاملة، أي أن الخيارات كثيرة جداً، وإن شئت أن تعرفه وأن ترى الله من خلال كلامه فدونك القرآن، هذا القرآن باب، والكون باب، وأفعال الله عزَّ وجل باب.
 الحقيقة الطرائق إلى الخالق بعدد أنفاس الخلائق، من كأس ماء تعرف الله، من ابنك الذي في البيت يلعب أمامك تعرف الله، من رغيف الخبز تعرف الله، من الشمس والقمر تعرف الله، من الليل والنهار تعرف الله، من الزلازل تعرف الله، بلد مستقرَّة، أبنية شامخة، ثلاثة عشر طابق، خمسة عشر، عشرين، أربعين، الناس في طمأنينة، ترى بعينك كيف أن بعض البلاد يصبح عاليها سافلها، في دقائق، في ثوانٍ، إذاً نعمة الاستقرار من نعم الله الكبرى، فإن لم تعرفها وأنت مستقر ربَّما عرفتها في وقت آخر، إذاً:

 

﴿ مَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِأَنْفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ (44) ﴾

 

لمؤمن من حبِّه لذاته يطيع الله ويستقيم على أمره:

 من باب ضرب الأمثلة: إذا كان لديك صندوق في البيت فتحته ووضعت فيه ألف ليرة وقفلته، فتحته مرَّة ثانية ووضعت خمسة آلاف، كلَّما فتحت هذا الصندوق ألقيت فيه مبلغاً كبيراً، والصندوق لك ومفتاحه معك، فأنت ماذا فعلت ؟ فخدمت من ؟ فعلت معروف مع من ؟ فعلت معروف مع نفسك:

﴿ فَلِأَنْفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ (44) ﴾

 الحقيقة المؤمن يحبُّ ذاته، ومن حبِّه لذاته آثر الباقية على الفانية، ولطموحه آثر الباقية على الفانية، المؤمن من حبِّه لذاته أطاع الله، من حبِّه لذاته استقام على أمره، من حبِّه لذاته أنفق الغالي والرخيص والنفس والنفيس، لأنه يعرف مع من هو يتعامل، إنه يتعامل مع جهة القرش بألف، بعشرة آلاف، بمئة ألف، تطعم لقمة لزوجتك تراها يوم القيامة كجبل أُحُد.
 إنسان ما إذا أنشأ شركة استثماريَّة وأعطى بالمئة أربعين، تجد الناس يذهل عقلهم ويقبلون عليه إقبالاً منقطع النظير، يمكن أن يسحب أموال البلد كلها إذا أعطى أربعين بالمئة، أما ستين أو سبعين تتعطَّل كل المصالح، لاجتماع المال عنده، وإذا كان الاستثمار بالمئة مليون وثابتة وليس هناك تفليس بعد ذلك، نصاب بأمراض قلب من وراء الاستثمارات الضخمة، الله عزَّ وجل عطاءه لا يقدَّر بثمن، فالبطولة أن تعرف مع من تتعامل.

التجارة أن تتاجر مع الله لأن الله يحب أن تربح عليه:

 الله عزَّ وجل يحبُّ أن تربح عليه، الآية الكريمة:

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ(10) ﴾

( سورة الصف )

 تجارة الدنيا مختلفة يقول لك: سنة اشتغلنا، واستقبلنا بضاعة، ودفعنا مصاريف باهظة، ودفعنا ضرائب، فكان الربح بالمئة خمسة عشر، بالمئة ثمانية عشر، بالمئة عشرين، بالمئة خمسة وعشرين، هكذا الدنيا:

 

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أليمٍ(10)تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ(11) ﴾

 

( سورة الصف )

 هذه التجارة، أن تتاجر مع الله لأن الله يحب أن تربح عليه، إذا التاجر أعطاك ربحاً معقولاً يقول لك: والله بضاعته مجبورة، أي أنه طلعت من عينه، أحب لي أن أربح، هكذا كلام التجار، ربنا عزَّ وجل يحب أن تربح عليه، يحب أن تنفق من مالك في سبيله، إنفاقاً استهلاكياً، إنفاق الناس كله استهلاكي ؛ على ترتيب البيوت، على التزيين، على العناية، على الرفاهية، على الطعام، على الشراب، على اللباس، ما ترك شيئاً لآخرته، كل دخله إنفاق استهلاكي، ألا تريد إنفاقاً استثمارياً ؟ اجعل جزءاً من دخلك لله لكي يأتيك أضعاف مضاعفة، هكذا قال سيدنا عمر عندما أمسك بتفَّاحة، فقال: " أكلتها ذهبت أطعمتها بقيت ". والله شيءٌ رائع: " أكلتها ذهبت أطعمتها بقيت ".

على الإنسان أن ينفق المال إما استهلاكياً أو استثمارياً:

 أنت إما أن تنفق المال إنفاقا استهلاكياً، وإما أن تنفقه إنفاقاً استثمارياً، والاستثمار غالٍ كثيراً، بالمئة مليون، بالمئة عشرة ملايين، بالمئة مليار، وشيء مضمون وثابت:

﴿ مَثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مئة حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ(261)﴾

( سورة البقرة )

 وقال:

 

﴿ مَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِأَنْفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ (44) لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ(45)﴾

 نحن عندنا الآخرة وعندنا الإيمان بالله: آمنت بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، وقضائه وقدره خيره وشرِّه. من بين هذه الخمس أركان للإيمان يوجد ركنان أساسيان جداً: الإيمان بالله وباليوم الآخر، لو ألغيت الإيمان باليوم الآخر لا معنى للعمل الصالح، كأنك إذا لم تؤمن باليوم الآخر أصبحت الحياة بلا معنى، لأن العمر قصير والمطالب كبير جداً، أما إذا آمنت باليوم الآخر أصبح لهذه الحياة معنى، أصبحت أنت في مدرسة، في مزرعة، أصبحت الدنيا دار تكليف والآخرة دار تشريف، أصبحت الدنيا دار عمل والآخرة دار جزاء، فهكذا تنظم الحياة.

 

إذا صحَّ إيمانك بالآخرة تحاسب نفسك على كل حركةٍ وسكنةٍ:

 الآن المسلم يقول لك: أنا آمنت بالآخرة، ولكن عملياً إيمانه بالدنيا فقط، تجد أنه يحسب حساباً لكل شيء في الدنيا ؛ أما هذه الحياة الأبديَّة خارج اهتمامه، والدليل تجد أنه على مشارف الخمسين ولا يصلي، بالخمسينات ماله حرام، نساؤه كاسيات عاريات، ليس له منهج، يقول لك: أنا الحمد لله مؤمن بالله وباليوم الآخر، هذا كلام لا معنى له في الأساس، إذا الإنسان آمن باليوم الآخر تجده في كل حركة وكل سكنة يهيئ جواباً لله عزَّ وجل، فهذه الزوجة بهذا الشكل أترضي الله عزَّ وجل ؟ كيف ستواجه الله عزَّ وجل يوم القيامة ؟ وهذا العمل، هذه تجارة مرفوضة، هذه التجارة مشبوهة لأن البضاعة ممنوعة في الإسلام، هذه الطريقة بالتعامل ممنوعة.
 الإيمان بالآخرة إذا صح يقلب حياة الإنسان رأساً على عَقِبْ، إذا صحَّ إيمانك بالآخرة تحاسب نفسك على كل حركةٍ وسكنةٍ، وعلى كل نَفَس، لأنك آمنت أن هناك يوم آخر وسوف تسأل عن كل أعمالك، وبعضهم يقول: يا رب كل شيء لا تسألنا عن شيء، هذا كلام خلاف القرآن، قال تعالى:

﴿ فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ(92)عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ(93) ﴾

( سورة الحج )

 وقال:

 

﴿ أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ(115) ﴾

 

( سورة المؤمنون )

 وقال:

 

﴿ أَيَحْسَبُ الإِنسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى(36) ﴾

 

( سورة القيامة )

 هكذا ؟!

الله تعالى يحاسب كل الناس غني وفقير لأنه هو حق:

 مثلاً جامعة كلفة الأبنية فيها مئات الملايين، الحدائق، المكتبات، المخابر، لكل خمس طلاب دكتور له رواتب ضخمة، وله معاش تقاعدي، وله مكافآت، وتجلس في الجامعة وبدون امتحان، فقط لأنك دخلت إلى الجامعة أثناء العام الدراسي عدة مرَّات، وتحمل على يدك ثوباً أبيض، ماشي أمام رفاقك كالطاووس، وبعد ذلك تمنح دكتوراه، هل هذه جامعة ؟ هناك امتحانات ؛ أسبوعيَّة، وشهرية، وسنوية، وفصليَّة، وهناك أطروحة، ومؤلَّفات، ودكاترة، ودكاترة مشرفين، فجامعة بلا امتحان ! غير معقول.
 نريد أن نعيِّن أطبَّاء، كل واحد يصلح أن يكون طبيباً، أم أن الدولة تقول: أين شهادتك المصدَّقة ؟ من وزارات عدة:

﴿ أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ(115) ﴾

( سورة المؤمنون )

 هكذا قوي وضعيف ؟ القوي أكل الضعيف، والحياة انتهت ولم يبقَ شيء، يقول لك: هكذا ترتيبه، يجب أن يحاسب كل الناس، غني وفقير، الغني أنفق المال جزافاً على شهواته الثانويَّة، والفقير يتحرَّق على لقمة طعام، والحياة انتهت، وانتهى كل شيء ولا يوجد حساب، الغني لا يحاسب والفقير لا يحاسب ؟!

 

﴿ أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ(115)فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ ﴾

 لأنه هو حق.

 

ندم أهل النار شديد لأنهم خسروا أنفسهم إلى الأبد:

 ربنا عزَّ وجل قال:

﴿ مَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِأَنْفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ (44) لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ(45)﴾

 معنى هذا ليجزي الذين آمنوا وعملوا الصالحات ؛ وليعاقب الذين كفروا وفعلوا السيئات، هذه اللام لام المآل، أو لام العاقبة، قال:

 

(( إن أهل النار ليبكون حتى لو أجريت السفن في دموعهم لجرت، وإنهم ليبكون الدم ))

 

[ الجامع الصغير: عن " أبي موسى " ]

 هذا الندم الشديد لأنه ضيَّع نفسه، خسروا أنفسهم، خسروا الأبد، خسروا الجنَّة وتمتَّعوا بالدنيا، قال:

 

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمْ انفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الأَرْضِ ﴾

 

( سورة التوبة: من آية " 38 " )

 دائماً يعتذر، همَّته ضعيفة، يرغب الراحة، يرغب الاستقرار، لا يحب أن يعمل أعمالاً صالحة، لا يحب أن يبذل ماء وجهه لأحد، يريد أن يرتاح، مواعيده، وسهراته، ولقاءاته، وسروره، ونزهاته، وزوجته، وأولاده، وعمله هذا كل شيء في حياته، هذا الذي أحبَّ الدنيا واطمأن لها، رضوا بالحياة الدنيا:

 

﴿ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنْ الآخِرَةِ ﴾

 

( سورة التوبة: من آية " 38 " )

أدلة من السُّنة الشريفة على أن متاع الحياة الدنيا قليل:

 قال:

﴿ مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمْ انفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنْ الآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الآخِرَةِ إِلا قَلِيلٌ(38)﴾

 قليل، هكذا قال عليه الصلاة والسلام:

 

(( ما أخذت الدنيا من الآخرة إلا كما أخذ المخيط ـ إبرة ـ غرس في البحر من مائه ))

 

[الطبراني: عن " المستورد بن شداد"]

 الآن اذهب إلى الساحل السوري، واركب قارباً وأخرج دبوساً وأنزله في البحر، وأخرج محرمة وامسح الدبوس، بماذا رجع هذا الدبوس ؟ هذا المخيط أو الإبرة بماذا رجع ؟ قال:

 

(( لَوْ كَانَتِ الدُّنْيَا تَعْدِلُ عِنْدَ اللَّهِ جَنَاحَ بَعُوضَةٍ مَا سَقَى كَافِرًا مِنْهَا شَرْبَةَ ))

 

[من نن الترمذي: عن " سهل بن سعد " ]

أدلة من القرآن الكريم على أن متاع الحياة الدنيا قليل:

 الآية الثانية:

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ ﴾

(سورة الأنفال: من آية " 24 " )

 الآية الثالثة:

 

﴿ قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ ﴾

 

(سورة النساء: من آية " 77 " )

 يا مساكين (قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ)، فأحياناً من باب تقريب الأمثال: طعام نفيس جداً، كلف مئات الليرات، يأتي الابن من المدرسة ويأكل طعاماً خشناً جداً، فتقول له أمه: يا بني انتظر، أنا هيَّأت لك طعاماً طيِّباً، طعاماً نفيساً:

 

﴿ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنْ الآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الآخِرَةِ إِلا قَلِيلٌ(38) ﴾

 

(سورة التوبة )

 الآية الرابعة:

 

﴿ وَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَزِينَتُهَا وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى أَفَلا تَعْقِلُونَ(60)أَفَمَنْ وَعَدْنَاهُ وَعْدًا حَسَنًا فَهُوَ لاقِيهِ كَمَنْ مَتَّعْنَاهُ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ الْمُحْضَرِينَ(61)﴾

 

(سورة القصص )

 هكذا ؟!!

أعلى مرتبة ينالها الإنسان في الكون أن يرضى الله عنه:

 قال تعالى:

﴿ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ (45) ﴾

 ألا تحبّ أن يحبُّك الله عزَّ وجل ؟ والله إذا أحبَّك إنسان عادي له مرتبة، في ليلتها لا تنام الليل، إذا تصورت صورة معه تضعها في حقيبتك، وكلَّما التقيت مع إنسان تقول له: كنت وفلان معاً انظر هذه الصورة، أنت تتمنَّى شخص فوق العادي بقليل يكون صديقك تسهر معه أو تتصوَّر معه، ألا تحبُّ أن يحبُّك خالق الكون ؟ ألا تحب أن يرضى عنك خالق الكون ؟ والله كلمة:

 

﴿ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ﴾

 

(سورة المائدة: من آية " 119 " )

 لو نعقل معناها، فأعلى مرتبة ينالها الإنسان في الكون أن يرضى الله عنه، المال يزول، والمراتب تزول، والوجاهات تزول، والمناصب تزول، والبيوت الفاخرة تزول، والمركبات الأنيقة تزول، كله يزول، أما إذا كان الله راضياً عنك هذا لا يزول ؛ بل تسعد به إلى الأبد، فإذا قرأت الآية الكريمة:

 

﴿ لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنْ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ ﴾

 

(سورة الفتح: من آية " 18 " )

 ألا تشعر برعشة ؟ ألا تشعر أن قلبك خفق.

في العبوديَّة لذائذ وسعادات لا يعلمها إلا من ذاقها:

 عندما قال سيدنا رسول الله لسيدنا معاذ:

(( يَا مُعَاذُ، وَاللَّهِ إِنِّي لَأُحِبُّكَ، وَاللَّهِ إِنِّي لَأُحِبُّكَ ))

[ سنن أبي داود: عن " معاذ بن جبل " ]

 ألا تتمنَّى أن يحبُّك رسول الله سيد الخلق ؟ عندما قال النبي الكريم لسيدنا سعد:

 

(( ارْمِ سَعْدٌ فِدَاكَ أَبِي وَأُمّي ))

 

[ أخرجه الشيخان: عن " علي بن أبي طالب " ]

 ألا تتمنَّى أن تكون كسيدنا سعد ؟ وعندما دخل على رسول الله فقال:

 

((هذا خالي فليرني امرؤ خاله))

 

[الترمذي: عن " جابر بن عبد الله" ]

 هذه المراتب العليا أن تكون عند خالق الكون محبوباً:

 

فلو شاهدت عيناك من حسننا الذي  رأوه لما ولَّيت عنا لغيرنا
***

 الإنسان يبحث عن السرور ويتصور أنه إن سهر بهذا الفندق أو مع الجيران، سيشعر بالسرور، أنت تعرف ما عند الله عزَّ وجل، أبيت عند ربي يطعمني ويسقيني، ترغب في الدنيا والدنيا زائلة:

 

 

فلو شــاهـدت عيناك من حسـننا  الذي رأوه لما ولـيـت عنا لغيرنا
ولـو سمعت أذناك حســن خطابنا  خـلعت عنك ثياب العجب و جئتنا
***

 والله في العبوديَّة لذائذ، هناك سعادات لا يعلمها إلا من ذاقها، الذي ذاق الطعام والشراب، واللذائذ المباحة ـ لم أقل المعاصي المباحة ـ والبيوت الفخمة، والمركبات الفارهة، والعز، والسلطان، والأناقة، واللبس، والسهرات، والنزهات، والاحتفالات، وركوب الطائرات، والسكنى في الفنادق، الذي ذاق هذه الأشياء وذاق طعم القرب يقول لك والله لا توجد نسبة بينهما، حتَّى أن أحد العارفين بالله قال: "والله لو يعلم الملوك ما نحن عليه لقاتلونا عليه بالسيوف ". والله في نفس المؤمن من سعادة لو وُزِّعَ على أهل بلدٍ لكفاهم، ما السعادة ؟ أن تشعر أن خالق الكون يحبك، وأنت غالٍ عليه:

 

 

﴿ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا ﴾

 

(سورة الطور: من آية " 48 " )

 إن الله ليباهي الملائكة بالشاب المؤمن، أطلق بصرك كما تشاء، ليس لك قيمة عند الله، أما القيمة إذا غضضت البصر، إن الله ليباهي الملائكة بالشاب المؤمن يقول:

 

(( انظروا إلى عبدي، ترك شهوته من أجلي ))

 

[ أجه ابن السني الديلمي في مسند الفردوس: عن " طلحة "]

الإيمان مرتبة أخلاقية وجماليَّة وعلميَّة:

 سيدنا يوسف عندما دعته امرأةٌ ذات منصبٍ وجمال، لو قَرَّب ما كان سيدنا يوسف، ولكان شخصاً من الأشخاص التافهين الذين مروا بالحياة، لأنه قال:

﴿ مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ ﴾

(سورة يوسف: من آية " 23 " )

 هل عندك في حياتك موقف كهذا ؟ إن كان متعلِّقاً بالنساء ؟ أو متعلِّقاً بكسب المال الحرام، تقول: معاذ الله هذا المبلغ لا أخذه لأنه ليس لي، عندك الموقف دائماً معاذ الله ؟ عندك موقف صُلب لا يلين ؟ كنت أقول مرَّة في أول خطبة في هذا المسجد، خطبتها عام أربعة وسبعين:  أن الإيمان مرتبة أخلاقية، ومرتبة جماليَّة، ومرتبة علميَّة، ما اتخذ الله ولياً جاهلاً لو اتخذه لعلَّمه، مرتبة علميَّة، المؤمن عنده علم، ومرتبة أخلاقية ؛ لا تقوى سبائك الذهب اللامعة ولا سياط الجلادين اللاذعة على أن تقوِّض إيمانه، موقف.
 السحرة قالوا لفرعون:

 

﴿ فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا(72)إِنَّا آمَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنْ السِّحْرِ وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى(73)﴾

 

( سورة طه)

سرّ السعادة تطابق الهدف مع الحركة:

 قال أبو سفيان لخبيب بن عدي: " أتحبُّ أن يكون محمدٌ مكانك ؟ " خبيب بن عدي صحابي جليل، على وشك أن يموت قتلاً، سأله أبو سفيان فقال له: " يا خبيب أتحبُّ أن يكون محمدٌ مكانك ـ ما هو قولك ؟ ـ وأنت معافى "، فانتفض خبيب وقال: " والله ما أحبّ أن أكون في أهلي وولدي ـ مع زوجته وأولاده هذه تمام الحياة ـ وعندي عافية الدنيا ونعيمها ـ ليس العافية فقط، الصحة، بل النعيم أي عنده ورود، وعنده مكيف، وعنده سيارة على الباب، وعنده مشاريع للصيف ـ وعندي عافية الدنيا ونعيمها ويصاب رسول الله بشوكة ـ ليس مكاني بل بشوكة ـ "، قال أبو سفيان: " والله ما رأيت أحداً يحب أحداً كحبِّ أصحاب محمدٍ محمداً ".
  هذا هو الإيمان، هل عندك مثل هذه المواقف ؟ أي أن الدنيا كلها تحت قدمك، هذا الإيمان، لا أفعل ورب الكعبة ولو قُطعت إرباً إِرباً، هل عندك موقف كهذا ؟ هذا الإيمان، ليرة، مئة ليرة، ألف، مئة ألف، مليون، مئة مليون هي عنده كالصفر، فيها شبهة لا تأخذها بل تقول: معاذ الله، هذا هو الإيمان، لا تقوى سبائك الذهب اللامعة، ولا سياط الجلادين اللاذعة، على أن تقوِّض إيمانهم، هذا الإيمان.
 الإيمان مرتبة أخلاقيَّة، ومرتبة جماليَّة، أي أنه يعيش في سعادة لا يعرفها إلا من ذاقها، ما هي السعادة ؟ تطابق الهدف مع الحركة، افترض أحد الطلاب بعد شهر أو بعد أسبوعين عنده فحص لمادَّة مهمَّة جداً يتوقَّف نجاحه عليها، يتوقَّف تخرُّجه عليها ـ طب مثلاً ـ وإذا أخذ الشهادة يستطيع فتح عيادة، ويتزوج، فجاء أصدقاؤه وأخذوه نزهة، لماذا هو في هذه النزهة مُنْقَبِض ؟ مكان جميل، طعام طيب، مناظر جميلة، أصدقاء محبون، لماذا أنت أيها الإنسان في هذا المكان الجميل مع هؤلاء الأصحاب الأفاضل، ومع هذا الطعام اللذيذ أنت منقبض ؟ لأن هذه الحركة تتناقض مع هدفه.
 خذ هذا الطالب وضعه في غرفة قميئة مظلمة، تراه قد قرأ هذا الكتاب المقرَّر وفهمه، يشعر براحة، ما هذه الراحة ؟ هي تطابق الهدف مع الحركة، إذا سألتموني عن سر السعادة أقول لكم: إذا تطابق الهدف مع الحركة شعرت بالسعادة، ذهبت إلى فرنسا لعقد صفقة، فلم تجد فندقاً جيداً، ولا مطعماً جيداً بعد الظهر كله مغلق، ولكن قابلت مدير المعمل وأخذت صفقة رابحة جداً، إنك تنسى أن الفندق درجة خامسة، والطعام سيئ جداً، كل شيء تنساه لأن هدفك تحقَّق، فلو نمت في فندق جيد، ودخلت مطعماً ولكن البضاعة ما بيعت، وعدَّت بخفي حنين فأنت تقيس، فسر السعادة أن تشعر أن حريتك جاءت مطابقةً لهدفك.

إذا أردت أن يحبُّك الله فكن تقياً ومستقيماً:

 إذاً:

 

﴿ مَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِأَنْفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ (44) لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ(45)﴾

 ألا تحب أن يحبك الله عزَّ وجل ؟ افتح القرآن، إذا واحد أحب أن يقرأ القرآن يقرؤه كل مرَّة بهدف، إذا أردت أن تعرف الله من يحب اقرأ الآيات، إن الله يحب الصادقين قال تعالى:

 

 

﴿ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ(222) ﴾

 

( سورة البقرة )

 وقال:

 

﴿ فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ(76) ﴾

 

(سورة آل عمران )

 إذا أردت أن يحبُّك الله فكن تقياً، وكن مستقيماً، وكن صادقاً، وكن أخلاقياً، وكن متطهِّراً، المحبوبات معروفة، التعامل مع الله تعامل واضح جداً، الله لا يوجد عنده إنسان أفضل من إنسان، هذه حقيقة أساسيَّة، قال سيدنا عمر لسيدنا سعد:
" يا سعد لا يغرَّنك أنه قد قيل: خال رسول الله، فالخلق كلهم عند الله سواسية ليس بينه وبينهم قرابةٌ إلا طاعتهم له ".

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018