الدرس : 11 - سورة الروم - تفسير الآيات 40-41 - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الدرس : 11 - سورة الروم - تفسير الآيات 40-41


1991-04-05

 الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
 أيها الأخوة الأكارم مع الدرس الحادي عشر من سورة الروم.

الإيمان بالله عزَّ وجل إيمان تحقيقي من خلال الكون ومن خلال الفكر:

 وصلنا في الدرس الماضي إلى قوله تعالى:

﴿ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَفْعَلُ مِنْ ذَلِكُمْ مِنْ شَيْءٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ(40)﴾

( سورة الروم )

 أيها الأخوة الأكارم الإنسان إذا تأمَّل في الأكوان، وجال فيها جولاتٍ طويلة، فكَّر في خَلْقِهِ، فكر في طعامه وشرابه، فكَّر في ظاهرة النبات التي حوله، فكر في الأمطار والبحار، فكر في الأطيار والحيوانات، هذه الجولة الطويلة تنتهي بحقيقةٍ يقينيَّة وهي أنه لا بدَّ لهذا الكون من خالق، لكن من هو هذا الخالق ؟ ولماذا خَلَقَ ؟ وماذا يريد منا ؟ هذا يجيبنا عنه القرآن الكريم، جاء الجواب:

 

﴿ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ (40) ﴾

 أي يا أيها الإنسان أعطيتك عقلاً أو فكراً، وأعطيتك كوناً سخَّرته لك ؛ تسخير تعريف وتسخير تكريم، إذا أعملت عقلك في هذا الكون، فلو عندك قطعة قماش ومعك متر بإمكانك أن تقيس هذه القطعة بهذا المتر، خلق الكون وأعطاك قوةً إدراكيَّة، خلق الكون وأعطاك عقلاً، صمَّم الكون على أن كل شيءٍ فيه له سبب، ورَكَّب في عقلك مبدأ السببيَّة، خلق الكون وصمَّمه على أن كل شيءٍ له غاية، ورَكَّب عقلك على مبدأ الغائيَّة، خلق الكون ولم يجعل فيه تناقضاً وركَّب عقلك على مبدأ الهوِيَّة، فمبادئ عقلك تتوافق توافقاً كاملاً مع مبادئ خلق الله عزَّ وجل، عندما تفكِّر تصل إلى الله، أو تصل إلى أنه لا بد لهذا الكون من خالق، إذاً الإيمان بالله عزَّ وجل إيمان تحقيقي من خلال الكون ومن خلال الفكر.

 

عندما ينتهي دور العقل يأتي دور النقل أي القرآن:

 قال تعالى:

﴿ إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لأُولِي الأَلْبَابِ(190)الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾

( سورة آل عمران)

 إذاً عقلك يصل إلى حقيقةٍ يقينيَّة وهي أنه لا بدَّ لهذا الكون من خالق، فأنت أمام مركبة ـ سيارة ـ أمام آلة حاسبة، أمام كمبيوتر، أمام جهاز هاتف، هل يعقل أن تقتنع أن هذا الجهاز صنع من غير صانع ؟ كم مهندس مصمِّم، كم مهندس منفِّذ، المواد الأوليَّة، القوالب، الحقن البلاستيكي، الصمَّامات، المراجعة الأخيرة، تجميع القِطَع، غير ممكن، فإذا فكرت قليلاً في الكون وصلت إلى أنه لا بدَّ لهذا الكون من خالق، لا بدَّ له من مربٍ، لا بدَّ له من مسير، يأتي القرآن، الآن انتهى دور العقل وجاء دور النقل، يقول لك:

 

﴿ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ (40) ﴾

 إذا تساءلت أيها الإنسان عن خالق الكون إنه الله:

 

 

﴿ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ (40) ﴾

 

العين واللسان وغيرهما من آيات الله الدالة على عظمته:

 هذا التصميم، عينان:

﴿ أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ(8) ﴾

(سورة البلد)

 قرنيَّة، وقُزَحِيَّة، وعدسة، وخلط مائي، وخلط زجاجي، وعضلات إنسية، ووحشيَّة، وعلويَّة، وسفليَّة، ومائلة، وشبكيَّة مكوَّنة من عشر طبقات، مئة وثلاثين مليون عصيَّة ومخروط وعصب بصري، تسعمئة ألف عصب في الدماغ، عن طريق الدماغ تتم الرؤية، العين:

 

﴿ أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ(8)وَلِسَانًا ﴾

 

(سورة البلد)

 هذا اللسان كل حرفٍ تنطق به يُسْهِمُ في صنعه سبعة عشرَ عضلة، فإذا نطقت بكلمة مكوَّنة من عشرة حروف، تسهم في هذه الكلمة حوالي ثمانين عضلة، أي ثمانين حركة، فلو جملة من خمس كلمات، مقطع من خمس جمل، خطبة من خمس مقاطع، كم حرف ؟!!

 

﴿ أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ(8)وَلِسَانًا وَشَفَتَيْنِ(9) ﴾

 

(سورة البلد)

 قال:

 

﴿ ذَلِكُمْ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَتَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ(64) ﴾

 

(سورة غافر )

الله عزَّ وجل أوجد الإنسان من عدم:

 إذا فكَّرت في طعامك، في شرابك، في ابنك، في زوجتك، في النبات ؛ النبات الحدودي، ونبات الزينة، ونبات الأخشاب، ونبات الثمار، ونبات العطريات، الله قال:

﴿ وَهُوَ الَّذِي أَنزَلَ مِنْ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ ﴾

(سورة الأنعام: من آية " 99 " )

 تصل إلى أنه لا بدَّ لهذا الكون من خالق، من هو ؟

 

﴿ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ (40) ﴾

 الله عزَّ وجل أوجدك من عدم، قال:

 

 

﴿ ثُمَّ رَزَقَكُمْ (40) ﴾

 الله خلق الكون وفيه عناصر، وصلوا الآن إلى مئة واثني عشر عنصراً أو مئة واثنين، هذه العناصر هي أبسط المواد في الكون، كل هذه العناصر على الحرارة تتمدَّد، وعلى البردة تتقلَّص، مبدأٌ ثابت، فكل الأجسام تتمدَّد بالحرارة وكلها تنكمش بالبرودة، إلا الماء، إذا رفعت درجته من ثلاثين إلى أربعين يزداد حجمه، برَّدته إلى الخمسة والعشرين يتقلَّص، وهكذا إلى أن تصل درجة الحرارة إلى زائد أربعة، بقدرة قادر، الآية تنعكس، تحت الأربعة يزداد حجمه، هل تعلم أن هذه الظاهرة لها علاقةٌ بهذه الآية:

 

 

﴿ ثُمَّ رَزَقَكُمْ (40) ﴾

 

القرآن الكريم فيه عناوين موضوعات:

 هل تصدِّق أن الماء لو لم يزدد حجمه حين التبريد تحت الأربع درجات لا يمكن أن يعيش على وجه الأرض شيء ؟ لأن الماء عندما يزداد حجمه تقل كثافته، وعندما تقل كثافته يطفو على سطح الماء، فالمحيطات تتجمَّد كلها طبقة عليا، وتحت المحيطات الماء دافئ وفيه حيوانات، في أسماك، لو أن الماء إذا تجَّمد قلَّ حجمه، فازدادت كثافته، فرسب إلى قاع البحر، بعد سنوات عدَّة تصبح البحار كلها بحاراً متجمِّدةً، ينعدم التبخُّر، ينعدم السحاب، تنعدم الأمطار، يموت النبات، يموت الحيوان، يموت الإنسان، هذه الخاصَّة، لذلك تسأل في إفريقيا مثلاً، منطقة صحراويَّة انقطعت عنها الأمطار، فماتت النباتات، تبعتها الحيوانات، هجرها السكَّان، ونحن ـ لا سمح الله ولا قدَّر ـ كنا قبل أشهر على هذا الطريق، طريق التصحُّر والجفاف، لولا أن منَّ الله علينا وأكرمنا وتفضَّل علينا بهذه الأمطار التي أيقظت الآمال في المحاصيل وفي الينابيع، أبداً، فإذاً لو أن الماء يصغر حجمه كلَّما برَّدته إلى ما لا نهاية، لانعدمت الحياة من على سطح الأرض وانتهى كل شيء إذاً:

﴿ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ (40) ﴾

 ساق السُحُب، أنزل الأمطار، نبت الكلأ، أكل الحيوان، ازداد وزنه، أكلته أنت، نمت المحاصيل ؛ القمح والشعير وغيرها، نمت الأشجار المثمرة، نمت الخضراوات أكلت، وشربت، وتطهَّرت بهذا الماء المبارك، إذاً هذا القرآن فيه عناوين موضوعات:

 

﴿ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ (40) ﴾

 أنت في أي صورة ما شاء ركَّبك، أي أن الله عزَّ وجل جعل الإنسان متوازناً، لو أن جهاز التوازن التهب يختل توازنه، يحتاج إلى كرسي يمشي عليه، أما أنت تقف على قدمين لطيفتين صغيرتين مقبولتين، لولا هذا الجهاز ـ جهاز التوازن ـ لاحتجت إلى قاعدة استناد عرضها سبعين سنتيمتر كالتماثيل، هكذا القاعدة أو أقدام كبيرة جداً، انظر إلى تصميم خلقك، انظر إلى جهاز التوازن، انظر إلى السمع والبصر، انظر الكليتين، انظر الرئتين، انظر القلب، الأوردة، الشرايين، العضلات.

 

الله خلقك وقدَّر لك رزقك لذلك فمستقرٌ ومستودع:

 قال تعالى:

﴿ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ (40) ﴾

 يوجد سؤال دقيق جداً هو أن الله عزَّ وجل ما قال: هو الذي خلقكم ثمَّ يرزقكم ؛ بل إنه قال:

 

﴿ ثُمَّ رَزَقَكُمْ (40) ﴾

 أي أنه جاء بالفعل الماضي، تقريباً لو أن إنساناً أرسل شخصاً إلى دولة أجنبيَّة لمهمَّة، دراسة مثلاً، نقول له: أودعنا لك في المصرف الفلاني ـ مع التحفُّظ على جواز هذا العمل شرعاً ـ أودعنا لك ما يكفيك طوال ست سنوات من أجل أن تطمئن، لذلك:

 

 

(( عبدي لي عليك فريضة ولك عليَّ رزق، فإذا خالفتني في فريضتي لم أخالفك في رزقك ))

 

[ورد في الأثر]

 لأنه:

 

﴿ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ (40) ﴾

 بالفعل الماضي، لمجرَّد أنه خلقك قدَّر لك رزقك، لذلك فمستقرٌ ومستودع، هذه الدابَّة لها مستقر ولها مستودع، أنت مستقر في دمشق، ولك مستودع ماء في المكان الفلاني الله يغذيه، ارتفع منسوب المياه إلى أعلى درجة من دون أن تكون الأمطار الهاطلة في المنطقة كافية لرفع هذه النسبة، قالوا: إذاً لا بدَّ من حوضٍ إضافيٍ، اتصل بهذا الحوض لا نعلم عنه شيئاً، فأنت لك مستقر في دمشق، ولك مستودع في الغوطة، بعض الفواكه والثمار، بعض الخضراوات، وأحياناً يكون لك مستودعات في بلاد بعيدة، تأكل الأرز أحياناً، مستودعك في الصين، فمستقر ومستودع.

 

رزقك يصل إليك بطريق أو بآخر فاصبر على الحرام يأتيك الحلال:

 قال تعالى:

﴿ وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ(22)فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنطِقُونَ(23) ﴾

(سورة الذاريات )

 ما دام الله عزَّ وجل قد خلقني وخلق مع خلقي رزقي وانتهى الأمر، أفيعقل أن أعصيه من أجل الرزق ؟ اصبر على الحرام يأتيك الحلال، اللهمَّ اكفنا بحلالك عن حرامك، وبطاعتك عن معصيتك، فبشكلٍ أو بآخر هذه التفَّاحة على الغصن الرابع على الفرع الثالث في الشجرة السابعة في البستان الفلاني هي لك حينما خُلِقَت، خُلقَت لك، أنت مستقر في دمشق وهي في هذه القرية، هذه التفاحة تصل إليك ؛ إما شراءً، وإما هديَّةً، وإما تسوُّلاً، وإما سرقةً، وإما صدقةً، هي لك، لذلك اللهمَّ اكفنا بحلالك عن حرامك، لا بدَّ من أن يصل هذا الرزق إليك، فإن كنت طاهر النفس جاءك من طريقٍ مشروع، من طريقٍ شريف، من طريقٍ عزيز، وإن لم تكن كذلك جاءك من طريقٍ آخر، لك عنده رزق.

 

(( عبدي لي عليك فريضة ولك عليَّ رزق فإذا خالفتني في فريضتي لم أخالفك في رزقك، وعزَّتي وجلالي إن لم ترضَ بما قسمته لك فلأسلطنَّ عليكَ الدنيا تركض فيها ركض الوحش في البريَّة ثم لا ينالك منها إلا ما قسمته لك ولا أبالي وكنت عندي مذموما ))

 

[ورد في الأثر]

شيئان بيد الله سبحانه وليسا بيد البشر وهما عمرك ورزقك:

 قال تعالى:

﴿ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ (40) ﴾

 لذلك قيل: " كلمة الحقِّ لا تقطع رزقاً ولا تقرِّب أجلاً "، لا تخف، شيئان خطيران في حياتك ؛ عمرك ورزقك، هذان الشيئان من أجل أن تطمئن ليسا بيد البشر، وأحياناً ترى أن فلاناً سيقطع عنك رزقك، إذاً تعصي الله من أجل أن يرضى، هذا هو ضعف الإيمان، إذاً أنت لا تعرف الله عزَّ وجل، فالذي خلقك هو الذي رزقك وليس سيرزقك، رزقك وانتهى الأمر، قال تعالى:

 

﴿ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ (40) ﴾

 أحياناً في بعض الجبال في شرق آسيا، وجدوا جبلاً في قمَّته تماماً نبع ماء، وهذا من أغرب الغرائب، في قمَّة جبل نبع ماء ! هذا يقتضي أن يكون مستودع هذا النبع في جبلٍ آخر بعيدٍ عنه وأعلى منه، لا يمكن أن ينبع الماء من قمَّة جبل إلا إذا كان مستودعه في جبلٍ أعلى منه، فلمَّا بحثوا وجدوا أن في هذا الجبل تسكن بعض الحيوانات في هذه القمم العالية، فمن أجل أن لا تُرهَق في النزول والصعود سخَّر الله لها هذا النبع في هذا المكان، الله عزَّ وجل لا ينسى الوعل، لا ينسى نملةً سوداء على صخرةٍ صمَّاء في ليلةٍ ظلماء، لا ينساها من الرزق، أينساك أنت ؟ أنت الإنسان المكرَّم المخلوق الأول سوف ينساك ؟ تعصيه من أجل الرزق ! لذلك ربنا يمتحنك، يضيَّق عليك، يسد عليك كل المنافذ لينظر ماذا تفعل، أتعصيه ؟ فإذا صبرت جاءك الرزق من حيث لا تحتسب:

 

 

﴿ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (2) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ (3) ﴾

 

( سورة الطلاق )

لا يوجد في الأرض كلها جهةٌ تستطيع أن تدعي أنها تخلُق وترزق وتميت وتحيي:

 قال:

﴿ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ (40) ﴾

 هذه الأفعال بيدِ من ؟ أيَّةُ جهةٍ في الأرض بإمكانها أن تدَّعي هذه الأفعال مهما علا شأن هذه الجهة، مهما ارتقت، مهما قويت، مهما تحكَّمت، مهما سيطرت، هل في الأرض كلها جهةٌ تستطيع أن تدعي أنها تخلُق، وترزق، وتميت، وتحيي ؟ الجواب:

 

﴿ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَفْعَلُ مِنْ ذَلِكُمْ مِنْ شَيْءٍ(40)﴾

 هؤلاء الذين تدعون من دون الله، هؤلاء الأصنام، هؤلاء الأشخاص الذين تعتقدون أنهم أقوياء، هؤلاء الذين تظنّون أن بيدهم مقدَّرات الناس:

 

 

﴿ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَفْعَلُ مِنْ ذَلِكُمْ مِنْ شَيْءٍ (40) ﴾

 عندما انحبست أمطار السماء ماذا فعلنا ؟ اجتمعوا، وقرروا، ودرسوا الأمر بشكل بيِّن، واتخذوا مقترحات، واتخذوا قراراً بإنزال الأمطار، أين الأمطار ؟ ما في إلا الدعاء، يقول لك: غداً منخفض جوي، ما جاء، غداً توقُّع أمطار، ليس هناك أمطار، غداً هناك منخفض باتجاه القطر، ما في مطر، وبعد هذا قالوا: بإذن الله تعالى، معترفين بعجزهم.

 

العمر بيد الله عزَّ وجل لا يزيد ولا ينقص أبداً:

 قال تعالى:

﴿ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ (40) ﴾

 تجد إنساناً له آمال كثيرة، وخلال ثوان صار خبراً، صار أثراً بعد حين، المرحوم فلان، فقد كان البارحة ملء السمع والبصر، قوة شخصيَّته، معلوماته، ذكاؤه، منصبه، فأين هو الآن ؟ صار تحت الأرض، الله يميت:

 

إن الطبيب له علمٌ يُدِلُّ بــه  إن كان للناس في الآجال تأخيرُ
حتَّى إذا ما انتهت أيَّام رحلته  حـار الطبيب وخانته العقاقيـرُ
***

 والله أعرف شخصاً كُتِبَت نعوته، وخرجت من بيتي مع صلاة الفجر، واتجهت إلى مكان توضع فيه النعوات لأرى أين العزاء وكيف الجنازة، لأن غرفته سُلِّمت في المستشفى وقال الطبيب: بقي له ساعة فقط، ولا أمل بالشفاء، ونزل أهله اشتروا الثياب المناسبة، وكُتِبَت النعوة، لم أجد النعوة في مكانها في الصباح، بلغني أنه تحسَّن قليلاً، وبعد هذا انتعش، ثمَّ صح، أما الذي كتب النعوة فهو تحت أطباق الثرى، والذي كُتِبَت له لا يزال حيَّاً يُرْزَق، يجب أن تؤمن أن العمر بيد الله عزَّ وجل لا يزيد ولا ينقص أبداً:

 

 

﴿ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ (40) ﴾

 خَلْقُكَ، ورِزْقُكَ، وحياتك، وموتك بيده، إلى أين تذهبً ؟ من ترضي ؟ تطيع من ؟ علامَ تُعَلِّق الآمال على زيد أو عُبيد ؟ علامَ تتوسَّل لفلان ؟ رزقك بيد الله، والعمر بيد الله، والحياة بيد الله، والممات بيد الله، السؤال الدقيق في عندنا استفهام إنكاري:

 

 

﴿ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَفْعَلُ مِنْ ذَلِكُمْ مِنْ شَيْءٍ (40) ﴾

 

على المؤمن أن يستعد للقاء الله بالاستقامة والطاعة والعمل الصالح:

 أنا سأروي قصَّة لأنني تأثَّرت بها جداً، ورويتها لكم كثيراً، مرَّة كنت في مدرسة لي دروس فيها، وفجأةً نشأ وقت فراغ لمدة ساعة، ذهبت إلى مدير الثانويَّة وجلست عنده قليلاً، حدَّثني الحديث التالي، قال لي: والله أنا أرغب في الذهاب إلى الجزائر وأعمل إعارة، قلت له: خير إن شاء الله ؟ قال لي: هناك أقيم أربع أو خمس سنوات ـ بتفصيلات رائعة ـ أربع صيفيات لن آتي إلى سورية، سألته: لماذا ؟ قال لي: أريد أن أرى أوروبا هذه الزيارات العابرة لا تجدي، أريد أن أبقى صيفيَّةً في فرنسا أتعرَّف إلى معالمها، إلى متنزَّهاتها، إلى آثارها، إلى متاحفها، إلى معاملها، والصيفيَّة الثانية بإنكلترا، والثالثة بإيطاليا، والرابعة بأسبانيا، قال لي: أقيم أربع أو خمس سنوات ثم أعود إلى بلدي، عندئذٍ أتقاعد من وظيفتي، قلت له: والله شيءٌ جميل، قال لي: افتح محلاً فيه هدايا وتحف، وبعد هذا يكبر أولادي فأضعهم في المحل، وأعمل منه ندوة، أقضي فيه وقتاً ظريفاً، والله عمل لي خطَّة لعشرين سنة قادمة، والله الذي لا إله إلا هو في اليوم نفسه، في المساء كنت في مركز المدينة وتوجَّهت إلى بيتي مشياً على الأقدام، في الطريق رأيت نعوته معلَّقة على الجدار، في اليوم نفسه.

﴿ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ (40) ﴾

 من منَّا يعرف متى الأجل ؟ كل إنسان في باله عشر سنوات، خمسة عشر، عشرين سنة إلى الأمام، فهو يريد أن يغيِّر البيت، يريد أن يغير المعمل، يريد أن يغير المركبة، يريد أن يتزوج، يريد أن يطلق زوجته، يريد فك شركته مع شريكه، هل يعرف هذا الإنسان متى ينتهي أجله ؟ إن كنت لا تعرف فاستعد للموت، استعد للقاء الله بالاستقامة، بالطاعة، بالعمل الصالح.

من فعل شيئاً خلاف منهج الله عز وجل أفسد في الأرض:

 قال:

﴿ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَفْعَلُ مِنْ ذَلِكُمْ مِنْ شَيْءٍ (40) ﴾

 هؤلاء الذين تدعون من دون الله هل بإمكانهم أن يفعلوا شيئاً من هذا ؟

 

﴿ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (40) ﴾

 فما أَجَلَّهُ وما أعظمه من أن يكون له شركاء في الخلق، والرزق، والإحياء، والإماتة، هذه أفعال الله عزَّ وجل، هذه أسماء الخالق، الرازق، المحيي، المميت، هذه أسماء أفعاله، كما عندنا أسماء ذاته الحي، وأسماء صفاته الرحمن، ثم يقول الله عزَّ وجل:

 

 

﴿ ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ(41)﴾

 أول حقيقة في هذه الآية أنه لا يمكن أن يبدو الفساد إلا إذا فعلت شيئاً خلاف منهج الله، لو ألغينا الإنس والجن، هؤلاء المكلَّفون المختارون، لو ألغينا من الكون الإنس والجن، تجد أن الكون يعمل بانتظامٍ رائع، لماذا ؟ لأن كل ما سوى الإنسان خاضعٌ لله عزَّ وجل.

 

 

﴿ اِئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ(11) ﴾

 

( سورة فصلت )

الكون رفض حمل الأمانة فهو مسيرٌ من قِبَل الله عزَّ وجل:

 كل ما في الكون عدا الإنس والجن:

﴿ لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ(6) ﴾

(سورة التحريم )

 الكون كله ما في معصية عنده، لأنه:

 

﴿ إِنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا ﴾

 

( سورة الأحزاب: من آية " 72 " )

 الكون رفض حمل الأمانة إذاً هو مسيرٌ من قِبَل الله عزَّ وجل، إذاً ليس له ذنب، لذلك مجتمع الحيوان، مجتمع النبات، مجتمع الجبال، البحار، كلُّه يعمل بانتظام، أما الإنس والجن لأنهم مُخَيَّرون ولأنهم حملوا الأمانة فإذا خرجوا في أفعالهم عن منهج الله عزَّ وجل ظهر الفساد في الأرض.
 استهلكنا النفط استهلاكاً غير طبيعي، استهلاك ترف، فارتفعت نسبة غاز الفحم في الهواء، تخلخلت طبقة الأوزون في الجو، صار الآن في سرطانات جلدية كبيرة جداً في دول أوروبا وأمريكا، هذا بحث التلوُّث، قرأت من فترة كتاباً عن التلوُّث، إذا قرأت هذا الكتاب تجده كله تفسيراً لهذه الآية، تلوث بالأصوات، ضجيج دائم، وهذا الضجيج الدائم يضعف السمع، يقول لك: الطائرة مئة وخمسة وعشرين ديسيبل، والمروحة لها مُعَيَّرة، فسكَّان المدن دائماً في ضجيج دائم، والدليل يوم الجمعة أو يوم فيه عطلة رسميَّة تجد هدوءاً عجيباً، هذا الهدوء يريح الأعصاب، لو ذهبت إلى قريةٍ من قرى الريف تجد الحياة رائعة جداً، سر روعتها الهدوء، إذاً هناك تلوث صوتي ونحن لا ندري، دائماً أصوات محرِّكات المكيف، صوت المروحة، صوت السيارة، الضجيج العام، صوت الناس، المِذياع، المُسَجِّلات، الإشارات في الهواء.

من يتحرك خلاف منهج الله عز وجل لابدّ من أن تفسد حياته:

 إذاً:

﴿ ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ (41) ﴾

 المياه ملوَّثة، قبل كذا عام كان الناس يشربون من نهر يزيد، ماءاً صافياً، الآن نهر يزيد لونه أسود، كل المياه الملوثة تصب فيه، وهذه المياه الملوَّثة التي نسقي بها المزروعات هناك رأي فقهي: أنه لا يجوز أكل المزروعات التي تشرب من مياه سوداء لأن بعض آثار التلوث تصل إلى هذه الخضراوات، والهواء ملوَّث، اذهب إلى جبل قاسيون، وهذه دمشق من أنقى مدن العالَم، دمشق الآن من أنظف مدن العالَم بمقياس التلوث، ومع ذلك اذهب إلى جبل قاسيون تجد سحابة فوق دمشق، هذه سحابة تلوُّث، الغازات، والسيارات، والمعامل، وكل شيء يحترق يصدر عنه غاز فحم، هذا التلوُّث رفع درجة الحرارة في العالم كله، هذه الدرجة سبَّبت انتقال خطوط المطر، وسبَّبت بعض التَصَحُّر والجفاف.
 أنتم حينما تتحرَّكون خلاف منهج الله عزَّ وجل لا بدَّ من أن تَفْسُدَ حياتكم، الآن كُلْ فاكهة والله ليس لها طعم إطلاقاً، ما السر ؟ السبب المخصِّبات الكيماويَّة، والهرمونات، هرمون نمو، وهرمون عقد ثمار، ومخصبات، أما بالسماد الطبيعي يصبح للفاكهة طعماً لذيذاً، مكافحة الحشرات غير طبيعي كله بمواد كيماويَّة، هذه المواد مع الأمطار تختلط مع التربة، التربة أصبحت حامضيَّة، طبعاً أنا لا أدخل في هذه الموضوعات تفصيلياً ولكن لو أن الإنسان قرأ يعرف.
 يقول لك: بعض أنواع السرطانات بسبب المواد البلاستيكيَّة إذا استعملتها مع مواد حامضة أو حارة، إذ تترسَّب بعض الأصبغة في الجسم بشكل تراكمي، وبعض أنواع الشراب التي كلها مواد كيمائية، شربها بشكل مستمر يسبِّب أوراماً خبيثة.

الفساد بالمعنى المادي هو اختلال البيئة:

 الآن الإيدز مثلاً، بسبب انحراف الأخلاق مرض نقص المناعة في الإنسان، أنا أتكلَّم أشياء غير منتظمة لكن هناك تلوُّث أخلاقي سبَّب أمراضاً وبيلة، هناك تلوث في الجو سبَّب أمراضاً في الرئة، هناك تلوث في الطبقات العليا والتخلخل سبَّب سرطانات الجلد، فهذا الفساد بالمعنى المادي هو اختلال البيئة، أي أن الجو ملوَّث، الأصوات فوق طاقة الأذن البشريَّة، المياه ملوًّثة، الخضراوات ليس لها طعم إطلاقاً من هذه الأسمدة الكيماويَّة المكثَّفة، المظهر رائع جداً أما المخبر سيئ جداً، يقول لك الأجداد: كان الخبز له طعم، له رائحة، أما الآن فهو مثل النشاء، منظره جميل جداً ناصع أبيض لكن ما فيه طعم الخبز الذي يعرفه أجدادنا، حتى الحليب، وحتى البيض الذي يأكله الناس من هذه المداجن ليس له الطعم الأصلي، هذا من ثمار أو من نتائج انحراف الإنسان في تعامله مع الطبيعة، هذا المعنى الأول.

﴿ ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ (41) ﴾

 البحر، إما البحر على حقيقته أو مدن البحر وقرى البحر، وأحياناً ممكن أن نفهم الآية فهماً آخر: فساد العلاقات، فساد الأخلاق، فساد الذمَّة، فساد العهد، والإنسان في غير مكانه الطبيعي.

 

(( إِذَا وُسِّدَ الأَمْرُ إِلَى غَيْرِ أَهْلِهِ فَانْتَظِرِ السَّاعَة ))

 

[ صحيح البخاري: عَنْ " أَبِي هُرَيْرَةَ " ]

 الابن تطاول على أبيه، والأم ليست في المكان الصحيح، المرأة ليست في مكانها الصحيح، إنها في مكانٍ آخر، الزوج معذَّب، والزوجة منطلقة، ففي خطأ بالحياة، هذا معنى آخر.
 عندنا معنى مادي وهو ما تعانيه الطبيعة بأجوائها، وبتربتها، وبحيواناتها، أخ كريم حدَّثني قائلاً: اتُخِذْ قرار بكل دول أوروبا وأمريكا بإيقاف المُفاعلات النووية، لماذا ؟ قال: لأن هذه المفاعلات تنشر حولها دوائر موت، لا نبات، ولا حيوان، ومخلوقات إنسانيَّة مشوهَّة من الإشعاع الذري، إذاً حتى كهربائنا عن طريق المفاعل النووي لها مشكلة هذا الذي تشير له الآية، حينما يمارس الإنسان حياته وفق هواه، ولا يعبأ بشرع الله عزَّ وجل، يضرب بالشرع عرض الحائط، عندئذٍ يدفع الثمن.

فساد البيئة سببه عدم تقيُّدنا بأمر الله عزَّ وجل:

 كذلك الآن ظهور النساء بشكل فاضح في الطرقات، هذا أيضاً تلويث للأخلاق، تجد الشاب هذا وقت بناء مستقبله، وقت دراسته، وقت انتباهه إلى قيمه، إلى فروسيَّته، إلى بطولاته، فهو في أوج الشباب، والبنت في أوج الإغراء، فأصبح هناك تلوث في الأخلاق، أصبح هناك انصراف عن الدين، انصراف عن الإنجازات الطيِّبة، فهذه الآية دقيقة جداً:

﴿ ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ (41) ﴾

 لكن هذه الباء باء السببيَّة:

 

﴿ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ (41) ﴾

 ما نعاني من فساد في البيئة بسبب عدم تقيُّدنا بأمر الله عزَّ وجل، هذا الحيوان إذا ذبحناه يراق دمه فينقص وزنه، إذاً نعمل له صعقة كهربائيَّة فنكسب الوزن، الله عزَّ وجل حرَّم أكل الدم، لأن كل الأمراض موجودة في الدم، الدم محرَّم أكله، فما لم تذبح الذبيحة وفق الشريعة الإسلاميَّة بشكل صحيح، ما لم تُزَكَّى الذبيحة، ما لم يخرج دمها كلياً ولحكمةٍ أرادها الله عزَّ وجل جعل قلب الذبيحة لا يتحرَّك من الدماغ، لو تحرَّك من الدماغ لكان أول حركة بالسكين توقَّف القلب، يبقى الدم في الذبيحة، لا إن القلب له مصدر كهربائي ذاتي، مولِّد ذاتي، نذبح الذبيحة والقلب يضخ، ماذا يفعل القلب ؟ ليضخَّ الدم إلى خارج الذبيحة فتصبح نقيةً حمراء اللون، أو زهرية اللون، حدَّثني صديق فقال لي: الذبيحة التي دمها فيها زرقاء اللون كأنها جيفة ؛ أما التي ذُبِحَت وفق الشريعة الإسلامية ذات لون زهر، زهر رائع جداً.
 تأكل لحماً في علبة، ماذا في هذه العلبة ؟ علبة فيها لحم، هل تعرف من أين أتت ؟ أين ذُبح اللحم ؟ كيف ذُبِح ؟ لا تعرف، فيظهر الفساد معنا، أحدهم قال لي: لا يا أستاذ المُعَلَّبات الأجنبيَّة هذا كله وفق الشريعة الإسلاميَّة، قلت له: والدليل، كُتِبَ على علبة سردين " ذُبِحَت وفق الشريعة الإسلاميَّة "، لكي تعرف أن هذا كله كلام صحيح، على علبة سردين كُتِب ذُبِح هذا السمك وفق الشريعة الإسلاميَّة، مسكوا سمكة صغيرة وسمّوا بالله وذبحوها ووضعوها لك في العلبة، الإنسان قبل أن يأكل يجب أن يفهم هل هذا اللحم صحيح أكله ؟ يجوز أكله أم لا يجوز أكله ؟

 

 

ظهر الفساد ليس فقط في البر والبحر بل وفي الجو أيضاً:

 

 قال تعالى:

﴿ ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ (41) ﴾

 الفساد الأخلاقي في البر وفي البحر، تجد هذه السفن فيها المسابح، وفيها النوادي الليلية، وفيها الرقص، وفيها الخمر، في السفن في عرض البحر، وهذه السفينة الكبرى ـ التيتانيك ـ التي أغرقها الله عزَّ وجل، حينما صُنِعَت قيل في نشرة بيانيِّةٍ لها: إنَّ القدر لا يستطيع إغراق هذه السفينة، في أول رحلة من رحلاتها من بريطانيا إلى أمريكا غرقت في عرض البحر، قال: فيها من حلي النساء ما يفوق مئات الملايين، أفخر ما في العالَم من أثاث، ومن ثريات، ومن أدوات في هذه السفينة، هذه:

 

﴿ ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ (41) ﴾

 الآن في الجو يقول لك: لكي يتسلَّى الراكب نضع له أفلاماً ليتسلى، قد تكون أفلاماً منحطَّة جداً، السفر ثلاثة عشر ساعة، فالفساد أصبح في البر، وفي البحر، وفي الجو، وحتى في الجو ينتقوا المضيفات من أجل إغراء الركَّاب، مضيفة بأزهى زينة، بسن الشباب، بثياب فاضحة تجول بين الركاب وتقدِّم المشروبات المحرَّمة، أين صار الفساد أيضاً ؟ كذلك في الجو، فظهر الفساد في البر والبحر والجو.
 المعنى الأساسي: أن الفساد فساد البيئة، أي أن الفواكه بلا طعم، يقول لك: هذا الكيس أنتج مئة كيس، مرَّة الله عزَّ وجل أذاقنا من هذه الخيرات قبل أربع سنوات على ما أذكر، كيس القمح في الحسكة أعطى سبعين كيساً، مزارع واحد قبض على السعر الواحد ثمن قمحه ثمانية وخمسين مليون ليرة، جاء لنا في هذه السنة ثلاثة ملايين ونصف طن، وكل استهلاك القطر مليون طن، الله عزَّ وجل إذا أعطى أدهش.

 

كلمة فساد كلمة مطلقة تشمل كل انحراف وتفسخ:

 الفساد فساد التربة، فساد الإنتاج، فساد الطعم، فساد الريح، فساد الهواء، فساد الماء، توسعها أكثر ؛ فساد العلاقات الاجتماعيَّة، فساد الأخلاق، فساد الأفكار، هناك عقائد زائغة كثيرة، أفكاره فاسدة، سلوكه فاسد، أخلاقه فاسدة، كلامه فيه فساد، مزاحه فيه فساد كلمة فساد كلمة مطلقة تشمل كل انحراف، كل تفسُّخ، كل شيء سيِّء:

﴿ ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا(41)﴾

 الآن مرض الإيدز في أمريكا ـ في أخبار غريبة جداً ـ هذا المرض جعل حياة الناس جحيماً، لأن كل إنسان قد يحمل هذا المرض وهو لا يدري، قد يحمله عشرات السنوات وهو لا يدري، فأي لقاء صار مشبوهاً قد ينتج عنه مرض خطير يودي بحياة الإنسان، فأصبح هناك ذعر، حتى مرَّة قرأت أن شرطياً لاحق مجرماً، فقال المجرم له: إيدز، فهرب الشرطي منه:

 

﴿ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ (41) ﴾

 من انحرافهم الأخلاقي:

 

 

﴿ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا (41) ﴾

 

 

المجتمع الغربي مظهره شيء وحقيقته شيءٌ آخر:

 مثلاً لا نريد قطع يد السارق، لأنه عمل همجي لا يليق مع الجو الحضاري والعلمي، عمل قاسٍ، ستة عشر مليون سرقة في عام واحد إحصاء قرأته من عشر سنوات أو أكثر، إحصاء فيدرالي، قال: في كل ثلاثين ثانية تُرتكب جريمة قتلٍ أو سرقةٍ أو اغتصاب، فقد أخذوا جرائم القتل والاغتصاب والسرقة، جمعوها وقسَّموا على ثواني السنة، السنة كم ثانية ؟ الساعة 60 دقيقة، والدقيقة 60 ثانية، والنهار 24 ساعة، كل ثلاثين ثانية ترتكب جريمة سرقةٍ أو جريمة اغتصابٍ أو جريمة قتلٍ، كذلك هذا فساد اجتماعي، واذهب الآن إلى بلد متقدِّم جداً يقول لك: احذر أن تمشي وحيداً في الليل، إذا واجهك إنسان بمسدَّس أعطه كل ما معك وأنقذ نفسك، إذا دخلت إلى فندق يقول لك: سلِّم كل شيء تملكه لأول واحد يعترضك حفاظاً على حياتك، فما هذه الحياة إذاً ؟! لا تستطيع أن تقف على الموقف بسيارتك وإلا يكون الباب مغلقاً، بعد المغرب لا يوجد تجوُّل أبداً، هذا شيء واقع جداً في بلاد بمقياس العصر راقية جداً، اختلاط أنساب، زنا محارم، زنا بالأقارب، أمراض وبيلة جنسيَّة، لواط، سرقة، هذا الفساد، فتجد أن المجتمع الغربي مظهره شيء وحقيقته شيءٌ آخر، لا حياة زوجيَّة، ولا استقرار، لا نظافة بالعلاقات، فهي مبنيَّة على الجنس، مبنيَّة على ابتزاز الأموال، مبنيَّة على القهر، مبنيَّة على القسوة.
 نحن في مدينةٍ بارك الله لنا فيها، نحن في أرقى بلاد العالَم، أنا أقول كلاماً وأعني ما أقول، أنا أقرأ كثيراً، نحن في أرقى بلاد العالَم رغم كل متاعبنا، عندنا علاقات أُسَرِيَّة طيِّبة، عندنا فلان وفلانة أزواج فقط ولا توجد خيانات، الخيانات الزوجيَّة، وزنا المحارم ؛ الأب مع ابنته، والأخ مع أخته، هكذا الفساد، فعندما يترك الإنسان الدين يصير أشقى الناس، والانتحار بنسب مرتفعة جداً.

﴿ ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ(41)﴾

 أنت عليك أن تعود إلى منهج الله عزَّ وجل، قال لك: غض بصرك، فغض بصرك فقط، غض البصر يسبِّب سعادة زوجيَّة، أنت تغض وهي تغض، إذاً يخلق الله بينكما المودَّة، قال لك: حرِّر كسبك ـ رزقك ـ الله عزَّ وجل يبارك لك في هذا الرزق، وتنعم به.

للقضاء على الفساد علينا العودة إلى منهج الله عزَّ وجل:

 النتيجة أو خلاصة الدرس كله: أي خروجٍ عن منهج الله يسبِّب الفساد في الأرض، بأوسع معاني هذه الكلمة ؛ فساد في التربة، فساد في الهواء، في الأمطار ؛ الآن أمطار حامضيَّة، أمطار سوداء، تُربة مالحة، حتى فساد في الأنعام، حتى الآن يعطوا الدجاجة هرمون لكي تنمو بأربعين يوماً، تُمنع من النوم، إضاءة شديدة جداً، دائماً متوترة الأعصاب، تأكل باستمرار، في اليوم الأربعين يصير وزنها كيلو، أنت تأكلها وتخاصم الناس، لماذا أنت هكذا ؟ لأن التي أكلتها موتَّرة كثيراً، لأنها لم تنم أربعين يوماً، غير هذا هرمون تنمية، هذا الهرمون يتراكم في الإنسان ويسبِّب سرطانات، تأخذ هرمونات في العلف، هرمون للنمو، الوضع كله غير طبيعي، فصار الفساد بالمعنى المادي هو أي خروج عن منهج الله عزَّ وجل، فالفساد بالحياة، بطعامنا، بشرابنا، بأنعامنا، بمزروعاتنا، بمياهنا.
 أوسع قليلاً: ظهر الفساد الأخلاقي ؛ المعاصي، والفجور، والزنا، والخمر في البر والبحر والجو.

﴿ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا (41) ﴾

 تجد أرضاً مَحْلاً، إنتاجاً قليلاً، المياه ملوثة، علاقات اجتماعيَّة كلها متوتِّرة، يغدو الولد غيظاً، والمطر قيظاً، ويفيض اللئام فيضاً، ويغيض الكرام غيضاً، هذه من علامات قيام الساعة، عقوق الوالدين منتشر جداً، أطفال شاردون، شباب ضائع مثلاً، لأننا تركنا منهج الله عزَّ وجل، لا حل إلا أن نعود إلى منهج الله عزَّ وجل، أن نعود للمنهج في زواجنا، في كسب مالنا، المرأة في البيت مربية أولاد، والرجل يعمل، وإلا مع تداخل هذه العوامل نحن في مشكلة كبيرة جداً.

 

﴿قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلُ كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُشْرِكِينَ (42)﴾

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018