الدرس : 09 - سورة الروم - تفسير الآيات 33-38 - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الدرس : 09 - سورة الروم - تفسير الآيات 33-38


1991-03-22

 الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
 أيها الأخوة الأكارم مع الدرس التاسع من سورة الروم.

حالات مرَضية يتلبس بها الإنسان المُعرِض عن الله:

 وصلنا في الدرس الماضي إلى قوله تعالى:

﴿ وَإِذَا مَسَّ النَّاسَ ضُرٌّ دَعَوْا رَبَّهُمْ مُنِيبِينَ إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا أَذَاقَهُمْ مِنْهُ رَحْمَةً إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ(33)﴾

( سورة الروم )

 الآن نحن أمام حالات يَتَلَبَّسُ بها الإنسان المعرضِ، ربنا عزَّ وجل يصف لنا هذه الحالات لئلا نقع بها، أو لئلا نتلبَّس بها، هي حالات مرضية، مظهر من مظاهر البُعد عن الله عزَّ وجل، مظهر من مظاهر ضَعف الإيمان، مظهر من مظاهر ضعف اليقين، الله سبحانه وتعالى يقول:

 

﴿ وَإِذَا مَسَّ النَّاسَ (33) ﴾

 أي عامة الناس، الإنسان العادي، أما كلمة (مَسَّ) أحياناً تريد أن تعرف ما إذا كانت هذه المكواة حامية أم لا، تمسها بإصبعك مساً خفيفاً لا ضغط فيه ولا بُطْءَ فيه.

 

 

﴿ وَإِذَا مَسَّ النَّاسَ ضُرٌّ (33) ﴾

 يُفهم من هذا أن الإنسان لا يحتمِل، يقول لك: كريزة رمل فلم أنم الليل، وهي كل عشر دقائق، لو كان عشر ساعات، لو كان على أشد !

 

 

﴿ وَإِذَا مَسَّ النَّاسَ ضُرٌّ دَعَوْا رَبَّهُمْ مُنِيبِينَ إِلَيْهِ (33) ﴾

 ما الذي يحدث ؟ الإنسان بفطرته حينما تأتيه مصيبة، حينما يقع في مشكلة، يشعر شعوراً ثابتاً لا يحتاج إلى بُرهان، ولا إلى دليل، أن الله سبحانه وتعالى بيده إنقاذه من هذه الوَرْطَة، هناك حالات، أُنَاسٌ عقيدتهم إلحادية، ركبوا في الطائرة، فلما مَرَّت فوق جيوبٍ هوائية، وشعروا أنهم موشكون على خطرٍ كبير، قالوا: يا الله، عقيدتهم إلحادية، إذاً الإنسان بفطرته حينما يقع في ضائقة، في مشكلة، أكثر الناس الذين ينكرون وجود الخالق، حينما تأتيهم أمراضٌ عضالة يعودون إلى الله، هذه فطرة الإنسان، أي أن كل الأسباب الأرضية تبدو أمامهم مُقَطَّعَة.

 

البطولة أن تعرف الله في الرخاء والشدة:

 البطولة أن تعرف الله في الشدة، البطولة أن تعرفه معرفةً صحيحة، حينما يأتي البلاء الشديد تقول: يا الله، جميع البشر من كل الأجناس، والألوان، والمعتقدات إذا داهمتهم المصيبة قالوا: يا الله، هذا شيء ثابت ؛ في البحر، في الجو، في البر، في الزلازل، في الأعاصير، في الفيضانات، في الحروب الأهلية، إذا داهمتهُم المصيبة قالوا: يا الله، قال: هذا شأن أي إنسان، لو أنه عاد إلى الله عند المصيبة وحينما كشفها الله عنه بقي على إيمانه وعلى استقامته، الأمر طبيعي جداً ومقبول وهذا إنسان طّيِّب.
 ما كل إنسان يأتي إلى الله طوعاً، هناك أشخاصٌ كثيرون جداً، بل إن معظم المؤمنين جاءوه قسراً، موقفٌ جيد وطيب إن جئته طوعاً أو قسراً، ولكن الموقف العجيب، والموقف الغريب، والموقف غير الأخلاقي، أن تأتيه كرهاً عند الشدة، فإذا تفضل الله عليك وأزاح عنك هذه الشدة تنسى، وتعزو هذه النعمة إلى غيره، إلى أشخاص، إلى أنداد، إلى شركاء، هنا المشكلة، إذاً هذه حالة مرضية تصيب الأشخاص البعيدين عن الله عزَّ وجل، حالة مرضية تصيب من تاهوا في درب الحياة:

﴿ وَإِذَا مَسَّ (33) ﴾

 الأمراض تأتي بآلام غير مستمرة، يبدو أن الآلام المستمرة لا يحتملها إنسان، (وإذا مس) تماماً أنت كما تمس المكواة، بأقل ضغط ممكن، وبأقل فترة ممكنة، فإذا أردت أنت أن تعرِّف ابنك بأن هذه مدفأة، وأن لها خطراً، ماذا تعمل ؟ تأتي بإصبعه وتمسكها بيدك، وتضعها لأقل من ثانية بسرعةٍ شديدة، كي يشعر أن هذه نار، هذا الموقف اللطيف، الهادف إلى تعريف هذا الابن بأن هذه مدفأة وأنها مؤذية.

الله تعالى يسوق للإنسان مصيبة مخففة لعله يعود إلى منهجه و يستقيم على أمره:

 ولله المثل الأعلى في السماوات والأرض، إذا أراد الله عزَّ وجل أن يسوق لإنسان مصيبة يسوقها له مخففة، قليلة الوقت والتأثير لعله يعود، وشأن الطبيب أنه كلما قال له المريض: لم أستفد من هذا الدواء يرفع له المستوى، ويضاعف له الكمية هذا سماه ربنا عزَّ وجل: العذاب الصُعُد، عندما لا يتأثر هذا المريض بهذا الدواء، يرتفع مستوى الدواء وترتفع شدته.

﴿ وَإِذَا مَسَّ النَّاسَ ضُرٌّ (33) ﴾

 الضُر مطلقة ؛ يا ترى ضر في صحتهم ؟ ممكن، ضر في أموالهم ؟ ممكن، ضر في زوجاتهم ؟ ممكن، ضر في أولادهم ؟ ممكن، ضر في أعمالهم ؟ ممكن، ضر في دخلهم ؟ هذه تنكير شمول، أحياناً نُنَكِّر بقصد أن تنطبق هذه الحالة على كل حالة، أي ضرٍ ماديٍ أو معنويٍ، شديدٍ أم خفيفٍ، قريبٍ أم بعيدٍ، يمس الجسم، أو الصحة، أو المال، أو الأهل، أو المشاعر، أحياناً توجد مصائب مشاعر، توضع في موقف تهان فيه ولا تستطيع أن تقول كلمة، يقول لك: بقيت شهر لا أنسى هذا الموقف، هذه مصيبة، ربنا عزَّ وجل حكيم، في صيدليته أدويةٌ كثيرة، كل إنسان يصيبه بمصيبةٍ يهتزُّ لها.
 صاحب المال الكثير لا يتأثر بفقد ماله، هذا كرامته غاليةٌ جداً، مصيبة صاحب المال إذا حاد عن طريق الحق، وإذا خالف منهج الله عزَّ وجل، بأعز شيءٍ عليه وهو كرامته، أما هناك شخصٌ المال عنده كل شيء وهو فقيرٌ جداً، هذا مصيبته في ماله، العبرة أنها مصيبة، أي أنها تصيب الهدف، من أصاب يُصِيبُ فهي مصيبة.

 

﴿ وَإِذَا مَسَّ (33) ﴾

 أنا تذوقت كلمة (مس)، فرحمةً بالإنسان تأتيه مصيبةٌ سريعة وطفيفة، بحيث تدع في نفسه أثراً، أما نحن ـ هذه كلمة أقولها بدقةٍ بالغة ـ من لم تُحدِث المصيبة في نفسه موعظة فمصيبته في نفسه أكبر، هنا المصيبة، فإذا جاءت مصيبة وقال الإنسان: هذا شأن الدهر، الدهر يوم لك ويوم عليك، إذا عزا هذه المصيبة إلى قِلَّةِ حظه، إلى بيئته، إلى سوء طالعه، إلى شؤمِهِ، إلى يوم، إلى رقم، إلى صديق، عالج المصائب معالجة خرافية، من لم تحدث المصيبة في نفسه موعظةً فمصيبته في نفسه، هنا المصيبة أكبر.

 

أقرب اسم من أسماء الله الحسنى للإنسان هو اسم الرب:

 قال تعالى:

﴿ وَإِذَا مَسَّ النَّاسَ ضُرٌّ (33) ﴾

 ضُر أي شيءٌ يضُرُّهُم، شيءٌ يؤلمهم، شيءٌ يقلقهم، شيءٌ يهمهم، شيءٌ يوترهم.

 

﴿ وَإِذَا مَسَّ النَّاسَ ضُرٌّ (33) ﴾

 بحكم فطرتهم، وبحكم طبيعتهم وجبلَّتهم والإيمان الذي غرسه الله فيهم حينما خلقهم:

 

 

﴿ دَعَوْا رَبَّهُمْ (33) ﴾

 أقرب اسمٍ من أسماء الله الحسنى لهذا الإنسان اسم الرب:

 

 

﴿ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ(2) ﴾

 

(سورة الفاتحة)

 دعوا ربهم، فأقرب كلمة للطفل الصغير كلمة أمي، لكل شيء، لأن أقرب إنسانٍ إليه هي أمه، أقرب اسم من أسماء الله الحسنى لهذا المخلوق هو اسم الرب، من التربية، يُرَبِّيكَ في جسدك، يربيك في نفسك، يربيك في عقلك، يربيك في دينك، يربيك في أخلاقك.
 أخ كريم حدثني بقصة، وهو يحدثها للآخرين، فإذا حدَّثت بها لا مانع: أن جاءه إلى محله أو دكانه شخص ليشتري من عنده حاجة، هو يبيع بالجملة، فلما طُلب منه قطعتين أو ثلاثة، رأى في هذا إهانةً له، فرفض أن يبيعه، قال لي: بقيت واحداً وعشرين يوماً ما دخل محلي إنسان، أَدَّبَنَي رَبِّي، رَبَّاني.

من الشرك أن تعزو الفضل إلى جهة غير الله عز وجل:

 إذا الإنسان تأمل كيف ربنا يربي الإنسان، إذا قال أنا أربِّيه، إذا عزا نعمة إلى غير صاحبها يربيه الله عزَّ وجل، إذا تكلم كلمة غير لائقة يربيه الله عزَّ وجل، لذلك بعض العارفين بالله قال: أنا أعرف مقامي عند ربي من أخلاق زوجتي، وأحياناً من مركبته، وأحياناً من علاقاته العامة، فربنا عزَّ وجل يربي، هذه:

﴿ وَإِذَا مَسَّ النَّاسَ ضُرٌّ دَعَوْا رَبَّهُمْ مُنِيبِينَ إِلَيْهِ (33) ﴾

 يا رب، يا جَبَّار الخواطر، يا رب ليس لي غيرك، يا رب ليس إلا أنت، كلمات لطيفة جداً، عند الشدة، عند المرض العضال، عند فقد المال كله، عند مصيبة كبيرة، شيء جميل، موقفٌ رائع، وموقف طَيِّب، أن تدعو ربك عند الشدة، لكن المشكلة في هذه الآية، أن هذا الإنسان حينما داهمته الشدة، وحينما أحدقت به المصيبة، وحينما نزلت به الكارثة قال: يا رب، بكل قلبه، بكل جارحةٍ من جوارحه، بكل خليةٍ في جسمه، أما الموقف الذي يُعْتَصَرُ القلب له يوم القيامة:

 

﴿ ثُمَّ إِذَا أَذَاقَهُمْ مِنْهُ رَحْمَةً (33) ﴾

 هنا الرحمة بمعنى كشف هذه الشدة، كشف هذا الضُر، التحليل طلع سليم، وَرَمٌ عادي، التهاب السحايا عند ابنه مَرَّ بسلام، الخطر الكبير مر بسلام، زال الخطر، العلاقة المتوترة مع رئيسه في الدائرة انتهت، هذه المشكلة ضَعُفَت، البضاعة وصلت، البضاعة خُلِّصَت، البضاعة بيعت، هذا الدين حُصِّل، هذه القضية انتهت، هذا الشَبَح للمصيبة زال:

 

 

﴿ ثُمَّ إِذَا أَذَاقَهُمْ مِنْهُ رَحْمَةً (33) ﴾

 هنا المُشكلة، يقول لك هذا الطبيب ممتاز، بوصفةٍ واحدة شفي ابني، فأين الله ؟ نسي الله عزَّ وجل، هذا المحامي بارع، يا أخي القصر العَدلي كله بيده كالخاتم، حينما نجوت من هذه الدعوى، والحكم ربحته بفضل هذا المحامي فقط ونسيت الله عزَّ وجل، هكذا كلما أزيح عن كاهله همٌ، أو غمٌ، أو معضْلَةٌ، أو مشكلةٌ، أو مصيبةٌ، أو نازلةٌ عزاها إلى ما سوى الله، هذا هو الشرك بعينه، بالمناسبة هذا لا يمنع إذا جاءك خير من إنسان أن تشكره، وأن تبالغ في شكره، وأن لا تنسَ له فضله، هذا من شأن المؤمن، ولكن لا يعني هذا أن تنسى فضل الله عليك، أن تنسى الذي سَخَّره لك، أن تنسى الذي سمح له أن يقدم لك هذه الخدمة، هنا المشكلة، فإذا جاءه خير، جاءته نعمة، أزيحت عن كاهله هذه المصيبة عزاها إلى جهةٍ غير الله عزَّ وجل.

 

صلاة الشكر هي الموقف الذي يبيضُّ به وجهك أمام الله عز وجل:

 قال تعالى:

﴿ وَإِذَا مَسَّ النَّاسَ ضُرٌّ دَعَوْا رَبَّهُمْ مُنِيبِينَ إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا أَذَاقَهُمْ مِنْهُ رَحْمَةً (33) ﴾

 كلمة (ثم) هذه على التراخي، تأتي المصيبة فالإنسان يظن أن ليس لها حل، هي القاضية، هي التي تنهيه، هذا هو وَهم، وهذا من الشيطان، ثم الله عزَّ وجل يدع هذه المصيبة جاثمة على قلب الإنسان ليمتحن إيمانه، ليمتحن ثقته بالله، ليمتحن حسن ظنه به، (ثم) على التراخي، ثم يأتي الفرج، تحل المشكلة، يشفى المريض، يعود المال، تنجوا البضاعة، يخرج من السجن:

 

﴿ ثُمَّ إِذَا أَذَاقَهُمْ مِنْهُ رَحْمَةً (33) ﴾

 دقة القرآن رائعة لم يقل: إذا هم، لا، بل قال:

 

 

﴿ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ (33) ﴾

 هناك أشخاصٌ يبدءون إيمانهم بالله عزَّ وجل عن طريق الشدة، فإذا زالت عرفوا لله فَضْلَهُ، وعرفوا لله نعمته، وعرفوا لله لُطفه، وعرفوا لله رحمته، وذابوا شكراً، ولقد علمنا النبي عليه الصلاة والسلام صلاة الشكر، إذا جاءتك نعمة، إذا نجوتَ من مصيبة، إذا نجحتَ في امتحان، إذا أزيح عن كاهلك مُصاب، مباشرةً توضَّأ وصلِّ ركعتين شكراً لله عزَّ وجل، هذه صلاة الشُكر، إذا صلَّيت صلاة الشكر فقد وقفت الموقف المُشَرِّف من الله عزَّ وجل، الموقف الأخلاقي، الموقف الذي يبيضُّ به وجهك، قال:

 

 

﴿ ثُمَّ إِذَا أَذَاقَهُمْ مِنْهُ رَحْمَةً إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ (33) ﴾

 يعزو لك هذا الخير إلى زيد أو عُبيد، أو إلى ذكائه وخبرته، أو إلى صحوته ويَقَظَتِهِ، أو إلى كياسته، يتفَنَّن، أو إلى فلان المحامي، أو الطبيب، أو فلان صديقه الحميم له مركز قوي، اتصل به بالليل فأنجده، نسي الله عزَّ وجل.

 

اللام في كلمة (ليكفروا) لام الأمر وهي أمر تهديد أي اكفروا وأنا سأحاسبكم:

 إياكم أيها الأخوة الأكارم أن تقعوا في هذا الخطأ، إذا جاءت مشكلة وأزاحها الله عنك قل: يا رب ليس إلا أنت، لا إله غيرك، أنت الذي أنقذتني، أنت الذي كَرَّمْتَنِي، أنت الذي عفوت عني، أنت الذي رحمتني، أنت الذي لطفت بي، أنت جعلت لُطْفَكَ عن طريق زيد أو عُبيد، سخره لك، عليك أن تشكره، وأن تُبالغ في شكره، وأن تقابله بعملٍ طيب من دون أن تنسى الله عزَّ وجل، هو الأصل، هو الأول والآخر.
 الآن كلمة (فريقٌ منهم) هذه مُبَشِّرَة، فما كل إنسان تأتيه مصيبة ويتوب ينسى فضل الله عزَّ وجل، بعض الناس، لذلك من عرفني في الرخاء عرفته في الشدة، اعرفني في الرخاء أعرفك في الشدة، قال:

﴿ لِيَكْفُرُوا بِمَا آَتَيْنَاهُمْ فَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ (34) ﴾

 من أوجه التفاسير أن هذه اللام لام الأمر، أي اكفروا، هذا اسمه أمر تهديد، كأن يقول الأب لابنه: افعل أنا سأريك، هذا ليس أمر في الحقيقة، سمي هذا الأمر أمر تهديد، أنتم هكذا ؟ إذاً اكفروا وأنا سأحاسبكم.

 

﴿ لِيَكْفُرُوا بِمَا آَتَيْنَاهُمْ (34) ﴾

 من نِعم، من عطايا، من إكرام، من لُطف، من رحمة.

 

المتعة مؤقتة ومحدودة لمن كفر وجحد:

 قال تعالى:

﴿ لِيَكْفُرُوا بِمَا آَتَيْنَاهُمْ فَتَمَتَّعُوا (34) ﴾

 التمتع محدود، سيدنا عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه كان كلما دخل دار الخلافة، يقول:

 

﴿ أَفَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ(205)ثُمَّ جَاءَهُمْ مَا كَانُوا يُوعَدُونَ(206)مَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يُمَتَّعُونَ(207)﴾

 

( سورة الشعراء )

 المُتعة مؤقتة، كلكم يعلم أن الله سبحانه وتعالى ذَكَرَ في قصة سيدنا إبراهيم أن سيدنا إبراهيم دعا ربه فقال:

 

﴿ وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنْ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ﴾

 

( سورة البقرة: من آية " 126 " )

 فقط المؤمنين:

 

﴿ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ﴾

 

( سورة البقرة: من آية " 126 " )

 ربنا عزَّ وجل رد عليه قائلاً:

 

﴿ قَالَ وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ(126) ﴾

 

( سورة البقرة )

البطولة من يضحك أخيراً:

 قال تعالى:

﴿ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ (33) لِيَكْفُرُوا بِمَا آَتَيْنَاهُمْ فَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ (34) ﴾

 إذاً البطولة في الذي يضحك أخيراً، لا الذي يضحك في أول الأمر، في الذي يضحك أخيراً:

 

﴿ إِنَّهُ كَانَ فَرِيقٌ مِنْ عِبَادِي يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ(109)فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيًّا حَتَّى أَنسَوْكُمْ ذِكْرِي وَكُنتُمْ مِنْهُمْ تَضْحَكُونَ(110)إِنِّي جَزَيْتُهُمْ الْيَوْمَ بِمَا صَبَرُوا أَنَّهُمْ هُمْ الْفَائِزُونَ(111)﴾

 

(سورة المؤمنون)

 إذاً هنا (ليكفروا) أمر تهديد:

 

﴿ لِيَكْفُرُوا بِمَا آَتَيْنَاهُمْ فَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ (34) ﴾

 لكن يوجد سؤال: (ليكفروا) خطاب للغائب، (فتمتعوا) الكلام للمخاطب، هذه ظاهرة في البلاغة اسمها التفات، هذا الالتفات دليل تحريك النفس، أحياناً يقول إنسان لشخص أمامه، ويخاطب شخصاً آخر يقول له: قل لفلان إنني غاضبٌ منه، لتحريك وجدانه، لتحريك شجونه، لتحريك قلبه، قل لفلان إنني غاضبٌ منه، فجاء مرة بصيغة الغائب ومرة بصيغة المخاطب.

 

من كفر بالله تعالى سيحاسب حساباً عسيراً يوم القيامة:

 قال تعالى:

﴿ لِيَكْفُرُوا بِمَا آَتَيْنَاهُمْ فَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ (34) ﴾

 بعضهم قال: هذه لام العاقبة لام المآل، ثم كانت عاقبتهم أنهم كفروا بالله وتمتعوا وسوف يحاسبهم الله حساباً عسيراً.

 

﴿ أَمْ أَنْزَلْنَا عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا فَهُوَ يَتَكَلَّمُ بِمَا كَانُوا بِهِ يُشْرِكُونَ (35) ﴾

 هذا الكلام ـ حينما عزوا هذا الفضل إلى غير الله ـ هل هذا الكلام جاءهم به ملك ؟ أو نزل به عليهم سلطان ؟

 

 

﴿ أَمْ أَنْزَلْنَا عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا (35) ﴾

 أي ملكاً:

 

 

﴿ فَهُوَ يَتَكَلَّمُ بِمَا كَانُوا بِهِ يُشْرِكُونَ (35) ﴾

 أي أن هذا الكلام ما مصدره ؟ ما حُجِيَّتُهُ ؟ من أين جاؤوا به ؟ من علمهم إياه ؟ أين قرؤوه ؟ الإنسان أحياناً يتكلم كلاماً ليس له معنى، من دون دليل، وفي الإسلام منهج: إن كنت ناقلاً فالصحة، وإن كنت مُدَّعِياً فالدليل، يقول لك: هكذا رأيي، من أنت حتى يُعتدَّ برأيك ؟ من أنت ؟

 

 

يقولون هذا عندنا غير جائز  فمن أنتمُ حتى يكون لكم عِنْدُ ؟
***

 هنا:

 

 

﴿ أَمْ أَنْزَلْنَا عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا فَهُوَ يَتَكَلَّمُ بِمَا كَانُوا بِهِ يُشْرِكُونَ (35) ﴾

 هل جاءهم ملك فأوحى لهم، أم هل عندهم حجةٌ قطعيةٌ مع الدليل تنطق بموقفهم الصحيح ؟

 

(رحمةً) جاءت هنا نكرة للتقليل:

 الآن الآية الأخيرة:

﴿ وَإِذَا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً (36) ﴾

 كذلك الذوق غير الطعام، إذا قال لك أحدهم: ذق لي هذا الطعام، فهل تأكل كل ما في القدر ؟ مستحيل، معلقة واحدة، لقمة واحدة، قال:

 

﴿ وَإِذَا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً (36) ﴾

 يأخذ شهادة، ينسى أن يصلي، يربح بهذه الصفقة، تأتيه سفرة مهمة، تجده قد نسي الله عزَّ وجل:

 

 

﴿ وَإِذَا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً (36) ﴾

 (أذقنا) تشبه (مَسَّ)، أي شيء قليل، أذقنا، وبعد ذلك (رحمةً) نكرة، نكرة للتقليل، قال تعالى:

 

 

﴿ وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ ﴾

 

( سورة الكهف: من آية " 58 " )

 وقال:

 

﴿ فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنْ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ ﴾

 

( سورة آل عمران: من آية " 159 " )

 وقال:

 

﴿ وَإِذَا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً فَرِحُوا بِهَا (36) ﴾

 اختل توازنه، قال: فمن عرفها لم يفرح لرخاء ولم يحزن لشقاء.

 

(إن) تفيد احتمال الوقوع أما (إذا) تفيد تحقق الوقوع:

 قال تعالى:

﴿ وَإِذَا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً فَرِحُوا بِهَا (36) ﴾

 كان من الذين يرتادون الدروس في المسجد تزوج فانقطع، يقول لك: والله مشغولين يا أستاذ، موسم، الموسم يشغله، والزوجة تشغله، وإذا سافر لمهمة انشغل.

 

﴿ وَإِذَا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً فَرِحُوا بِهَا (36) ﴾

 هذه (إذا) نقطة مهمة جداً، (إذا) تفيد تحقق الوقوع، كقوله تعالى:

 

 

﴿ إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ(1) ﴾

 

(سورة النصر )

 أي أن نصر الله لا بد من أن يأتي، أما (إن) تفيد احتمال الوقوع:

 

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا ﴾

 

( سورة الحجرات: من آية " 6 " )

 (إن) تفيد احتمال الوقوع، أما (إذا) تفيد تحقق الوقوع، إذاً:

 

﴿ وَإِذَا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً (36) ﴾

 الرحمة هي الأصل، جاء معها إذا، الآن الآية دقيقة جداً وهذا كلام خالق الكون فرحمة الله هي الأصل ولا بدَّ نازلة، هذه رحمة الآن تنزل، أسمعني أحد الأخوة شريطاً لخطبة لأحد علماء دمشق، يقول هذا العالم: يا رب نحن في كانون الأول وكأننا في صيف، في شهر كانون الأول كان كأس الماء مهدداً، ماء الشرب، أعلمني أحد الأخوان الكرام أن مستوى مياه نبع الفيجة ارتفع إلى أعلى مستوى، مع أن الأمطار كلها الهاطلة حتى هذا التاريخ لا تكفي رفعه لهذا المستوى، فاستيقنوا أن لهذا النبع حوضاً لا يعرفونه من قبل، وهذه رحمة الله عزَّ وجل، في بعض المناطق نزل في أربع ساعات مئة وخمسة مليمترات من المطر، في أربع ساعات، أي نصف ما ينزل في دمشق في المواسم الطيبة، في أربع ساعات.

 

أي شيءٍ ينتهي عند الموت الفرح به ضعفٌ في التفكير:

 قال تعالى:

﴿ وَإِذَا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً فَرِحُوا بِهَا (36) ﴾

 يفرح بنزول المطر، عنده مزرعة، البئر امتلأ، أو عنده مشروع زراعي انتعش، وإذا لم يكن مستقيماً فرحه خُلَّبِي، كالفرح الذي يقوله الله عزَّ وجل:

 

﴿ وَإِذَا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً (36) ﴾

 الدنيا من عرفها لم يفرح لرخاء، ربنا عزَّ وجل قال:

 

 

﴿ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا ﴾

 

( سورة يونس: من آية " 58 " )

 المؤمن يفرح برضوان الله، يفرح بفضل الله، يفرح بالعمل الصالح، يفرح بحفظ كتاب الله، بفهم كتاب الله، يفرح إذا الله عزَّ وجل أجرى على يديه عملاً صالحاً، يفرح إذا الله استخدمه، جعله خادماً لعباده، يفرح إذا الله عزَّ وجل جعل حوائج الناس إليه، يفرح إذا كان يحب الله ورسوله، يفرح إذا كان طليق اللسان في ذكر الله عزَّ وجل، هذا فرح حقيقي، أما إذا فرح بالمال فالمال زائل، إذا فرح بالزواج الزواج زائل، أي شيءٍ ينتهي عند الموت الفرح به ضعفٌ في التفكير، ربنا قال:

 

﴿ وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسْ الْمُتَنَافِسُونَ(26) ﴾

 

( سورة المطففين )

 وقال:

 

﴿ لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلْ الْعَامِلُونَ(61) ﴾

 

( سورة الصافات )

 وقال:

 

﴿ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا ﴾

 

( سورة يونس: من آية " 58 " )

آيات من القرآن الكريم على أن فرح الكفار محدود وزائل:

 الفرح بالدنيا، قارون، قال:

﴿ قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِندِي ﴾

( سورة القصص: من آية " 78 " )

 وقال:

 

﴿ يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ(79) ﴾

 

( سورة القصص )

 أما المؤمنون قالوا:

 

﴿ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ ﴾

 

( سورة القصص: من آية " 80 " )

 ربنا عزَّ وجل قال:

 

﴿ لا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلادِ(196)مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ(197) لكِنِ الَّذِينَ اتَّقَواْ رَبَّهُمْ﴾

 

(سورة آل عمران)

 افرح إذا الله عزَّ وجل سمح لك أن تعرفه، سمح لك أن تذكره، سمح لك أن تجلس بمجلس علم، سمح لك أن تعمل أعمالاً صالحة، سمح لك أن يكون دخلك حلالاً، أن يكون عملك طيِّباً، أن يكون لسانك طليقاً، هذا فضل الله عزَّ وجل.

 

الله عزَّ وجل لم يعزُ الرحمة إلى شيء:

 

 قال:

﴿ وَإِذَا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً فَرِحُوا بِهَا (36) ﴾

 اختل توازنه، صار يقفز، لم يعد يمشي، من فرحه، نسي أن يصلي، نسي الله عزَّ وجل، أحياناً الإنسان بالزواج يندهش، يريد الزوجة، عبدها من دون الله، أمرها هو النافذ، رغبتها هي النافذة، أما المؤمن راسخ في إيمانه، " لمن هذا الوادي ؟ قال: هو لك، قال: أتهزأ بي ؟! الوادي كله ملك لرسول الله، قال: هو لك."

 

﴿ وَإِذَا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً فَرِحُوا بِهَا وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ (36) ﴾

 ربنا عزَّ وجل الرحمة لم يعزها إلى شيء، قال:

 

 

﴿ وَإِذَا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً فَرِحُوا بِهَا (36) ﴾

 الرحمة (إذا)، و(إذا) لتحقُق الوقوع.

 

السيئات التي تصيب الناس محض عدلٍ والرحمة التي تصيب الناس مَحض فضلٍ:

 قال تعالى:

﴿ وَإِنْ تُصِبْهُمْ (36) ﴾

 معناها السيئة ليست أصلاً في الأرض، الشر ليس أصلاً، الشر طارئ، الشر له هدف علاجي فقط، فالإنسان يفتح مدرسة، يبني بناء ضخماً، يؤسس المدرسة، ينظم أمورها، ينشئ نظاماً داخلياً، يعيِّن مدرسين، ينشئ ملاعب، ينشئ مكتبة، شيء جميل، وأحياناً المعلم يضرب الطالب، والمدير أحياناً يفصل الطالب، هل نقول: أنشئت هذه المدرسة لضرب الطلاب، لا، هذا الكلام مستحيل، الضرب حادث طارئ، ومرحلة، ولهدفٍ معين، فربنا عزَّ وجل مع الرحمة جاءت (إذا)، لكن مع المصيبة جاءت (إن)، أي أن الشر احتمالي، إذا حدث انحراف، مرض، كِبْر، إسراف، عُجب، تطاول، تقصير بالحقوق، شرك، إعجاب بالنفس، يأتي التأديب الإلهي، فالأصل الله نصر المؤمنين ببدر، أما لما قالوا: " لم نغلب من قلة "، قال لهم: قفوا لأقول لكم:

 

﴿ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا ﴾

 

( سورة التوبة: من آية " 25 " )

 هذا الذي لفت النظر، إذا أذقنا الناس رحمةً، لكن تصبهم سيئةٌ:

 

﴿ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ (36) ﴾

 أي لا سيئة بلا سبب.

 

 

﴿ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ (36) ﴾

 لذلك السيئات التي تصيب الناس ـ دققوا جيداً ـ محض عدلٍ، والرحمة التي تصيب الناس مَحض فضلٍ.

 

القَنوط لا يعرف الله عزَّ وجل أبداً:

 الآية دقيقة، أول شيء (أذقنا) أعطيناهم شيئاً من الدنيا، شهادة، كم ألف، أو كم مئة ألف، أو كم مئة مِئة ألف، (أذقنا)، زوجة ممتازة، أولاد نُجَبَاء، إذا أذقنا الناس رحمةً فرحوا بها:

﴿ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ (36) ﴾

 أولاً (إن) تفيد الاحتمال، ثانياً السيئة ليست هي الأصل، السيئة شيء طارئ، وهدفها علاجي، وفوق هذا وذاك:

 

﴿ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ (36) ﴾

 أي من أفعالهم، من اقترافهم، من كسبهم، من انحرافهم، من تقصيرهم، هذه الباء للسببية:

 

 

﴿ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ (36) ﴾

 وقال:

 

 

﴿ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ (36) ﴾

 أي يقنطون من رحمة الله، أجمل ما في الآية، فالنعمة نسيتني من أجلها، والمشكلة بسيطة قلت: أريد أن أنتحر، لا يوجد أمل، ظلمات بعضها فوق بعض، الحياة لا تطاق، حياة كلها متاعب، الله خلقنا للشقاء، إذا كان خبراً سيِّئاً، علاقة سيئة مع الزوجة، تجده يقول لك: النساء لا يطاقون، الزواج شقاء، من أجل مشكلة واحدة أصبح الزواج شقاء هكذا الإنسان البعيد عن الله عزَّ وجل، سريعاً ما يفرح، سريعاً ما يقنط، فالقَنوط لا يعرف الله عزَّ وجل أبداً، ربنا عزَّ وجل يخلق من الضعف قوةً، من الضيق فرجاً، من المرض شفاءً، من الفقر غنىً، من الذُلِّ عزاً.

 

الرحمة وقوعها حَتْمِي أما السيئة وقوعها احتمالي وعلاجي:

 قال:

﴿ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ (36) ﴾

 أي ما من عثرةٍ ولا اختلاج عرقٍ ولا خدش عودٍ إلا بما قدمت أيديكم وما يعفو الله أكثر.

 

﴿ إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ (36) ﴾

 يقول لك: المستقبل مُظلم، صار في تصحر بالشرق الأوسط، فلا توجد أمطار نهائياً، نحن على مشارف مجاعة، والناس ماتوا من الجوع، وتركوا البلد، وشحَّت المياه بل أصبحت معدومة، وانتهى كل شيء.

 

 

﴿ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ (36) ﴾

 والله شيء جميل، الرحمة من الله محض فضلٍ، والسيئة من الله محض عدلٍ، الرحمة هي الأصل، وقوعها حَتْمِي، أما السيئة ليست أصلاً، وقوعها احتمالي وعلاجي، لكن هذه الحالة المرضية ما حلها، ما شفاؤها ؟

 

 

الأمر بيد الله عزَّ وجل كن فيكون زل فيزول:

 

 الآية الثالثة:

﴿ أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ (37) ﴾

 ما رأوا أن الأمر بيد الله عزَّ وجل، كن فيكون، زل فيزول ؟ والله أعرف شخصاً أصابه مرض عُضال، العملية الجراحية لا بد من أن تُجرى في بلد بعيد جداً، كُلْفَةُ العملية قبل عشر سنوات بِقَدَر ثمن بيته تماماً، موظف بسيط عنده بيت سعره ثمانمئة ألف، وعنده أولاد صغار، ومرض عضال، ورم خبيث من الدرجة الخامسة، وأخذت عينات من جسمه إلى إنكلترا، الأطباء قالوا: لا فائدة، والله زرته وبكيت عنده حينما رأيت أولاده الصغار، بعد سبعة أشهر تراجع المرض تلقائياً، والقصة منذ اثني عشر سنة، والرجل حي يرزق، في أتم صحته الآن، شخص أعرفه كما أعرف نفسي، وأعرف أطباءه جميعاً، وأنا عشت المشكلة، أخذوا خزعة إلى بريطانيا، والقضية منتهية، فكانت الفكرة أن يبيع البيت ونجاح العملية بالمئة ثلاثين، أين القنوط ؟ كن فيكون، زل فيزول، وإذا مرضت فهو يشفيني، بالتجارة، وبالزراعة، وبالصناعة، وبالأمراض، وبالعلاقات الزوجية، وأصلحنا له زوجه، يقول لك: كانت عندي زوجة ظالمة أصبحت الآن مَلَك، الله عزَّ وجل أعانك عليها.

 

﴿ أَوَلَمْ يَرَوْا (37) ﴾

 هؤلاء الذين فرحوا لهذه الرحمة فاختل توازنهم وعصوا ربهم، وهؤلاء الذين يئسوا وقنطوا لهذه السيئة ورأوا أن المستقبل مظلم:

 

 

﴿ أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ (37) ﴾

 كل شيء بيده.

 

الله تعالى يحب الملحين في الدعاء:

 هذا الدسام الذي في قلب الإنسان بيد الله عزَّ وجل، الشرايين مسدودة، يفتحها الله إذا أراد من دون عملية، شخص قال لي: كدت أضيق بحياتي ذرعاً، قال لي: لا أملك ثمن عملية القلب، كيف حالك ؟ قال لي: والله الآن بخير الحمد لله، تراجع المرض وحده، هذا شيء واقع، هذا يسميه الأطباء: الشفاء الذاتي، الله يتدخل مباشرةً.
 لا أقصد من هذا الكلام أن أروي لكم قصصاً نادرة، بل قصدي أن تتيقنوا أن الله بيده كل شيء، وأنك بالدعاء أنت أقوى إنسان، وليس بينك وبين الله حجاب، يا رب، يقول لك: لبَّيك يا عبدي، اسأله كل حاجاتك، اسأله شسع نعلك إذا انقطع، اسأله ملح الطعام، هكذا ورد الدعاء.

(( من لا يدعوُني أغضب عليه ))

[ الجامع الصغير عن أبي هريرة ]

(( إن الله يحب الملحين في الدعاء ))

[رواه الحكيم ابن عدي في الكامل والبيهقي في شعب الإيمان عن عائشة]

 الله يحب أن تطلب، تترجاه، تعيد وتكرر، تلح كثيراً بالسجود بقيام الليل، أما أمام الناس كن عزيزاً، شرف المؤمن قيامه بالليل وعزه استغناؤه عن الناس، البطولة أن تعتز أمام الناس، وأن تمرِّغَ جبهتك بين يدي الله عزَّ وجل، ادخل لغرفتك وابكِ وأغلق الباب واسجد وقل: يا رب ليس لي سواك، هذه افعلها، على قدر ما تستطيع تذلل لله، لأن التذلل إلى الله عز، أما مع الناس كن عزيزاً.

 

﴿ أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (37) ﴾

 

العمل الصالح هو زاد المؤمن في الآخرة:

 المهمة الأخيرة:

﴿ فَآَتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ ذَلِكَ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (38) ﴾

 يبدو أنك جئت إلى الدنيا من أجل العمل الصالح، أول حالة مرضية، وثاني حالة مرضية، والحل أن تُشَمِّر وأن تنطلق للعمل الصالح فهو زادك في الآخرة، وهو الذي يسعدك في الآخرة، انظر إلى الآيات وترابطها العجيب:

 

﴿ فَآَتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ ذَلِكَ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (38) ﴾

 لا تكن من هؤلاء، ولا من هؤلاء، وفكر، وافعل هذا.

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018