الدرس : 07 - سورة الروم - تفسير الآيات 25-29 - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الدرس : 07 - سورة الروم - تفسير الآيات 25-29


1991-03-08

 الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين
 أيها الأخوة الأكارم لا زلنا في آيات الله الدالة على عظمته، فمع الدرس السابع من سورة الروم

القيام تعبيرٌ قرآني عن كمال قدرة الله عزَّ وجل:

 نتابع الآيات التي وردت والتي تتحدَّث عن ملكوت السماوات والأرض، وقد وصلنا في الدرس الماضي إلى قوله تعالى:

﴿ وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنْ تَقُومَ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ بِأَمْرِهِ (25) ﴾

( سورة الروم )

 الإنسان ينام ويقعد ويقوم، في أي حالاته يكون أقدرَ على تحقيق مراده ؟ في القيام، كلَّما عَظُمَ الأمر قعد الإنسان، فإذا كان أشدَّ عظمةً قام له، فالقيام تعبيرٌ قرآني عن كمال قدرة الله عزَّ وجل:

 

﴿ وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنْ تَقُومَ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ بِأَمْرِهِ (25) ﴾

 السماء والأرض كما قلت لكم من قبل تعبيرٌ قرآنيٌ عن الكون، الكون كله ؛ بمجرَّاته، بكازاراته، بكواكبه، بمذنَّباته، بأبعاده الفلكيَّة الشاسعة، هذا الكون التي تُعَدُّ الأرض بالنسبةِ إلى المجموعة الشمسيَّة ذرَّةً صغيرةً جداً في فلاة، والتي تعدُّ المجموعة الشمسيَّة في مجرَّة درب التبَّان ذرَّةً في فلاة، والتي تعدُّ مجرَّة درب التبَّان في باقي المجرَّات ذرَّةً في فلاة

 

كل شيءٍ قائمٌ بالله سبحانه وتعالى ومتحرِّكٌ بأمره:

 الكون لا حدود له وهو يتسع باستمرار:

﴿ وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْيدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ(47) ﴾

(سورة الذاريات)

 هذا الكون قد حدَّثتُكم عنه كثيراً من قبل، عن بعض الأبعاد التي بين المجرَّات:

 

﴿ وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنْ تَقُومَ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ بِأَمْرِهِ (25) ﴾

 بعضهم قال: أن تقوم السماء أي أنَّ السماء والأرض قائمةٌ بالله ولولا الله لزالتا:

 

 

﴿ إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ أَنْ تَزُولا﴾

 

(سورة فاطر: من آية "41 ")

 الزوال هنا بمعنيين: بمعنى عدم خروجها عن خطِّ سيرها، أو بمعنى استمرار بقائها، لولا الله عزَّ وجل لزال الكون، انتهى، إذاً قيام الشيء بالله، أي أن وجوده بالله، وجوده على ما هو عليه من حركةٍ أو سكونٍ بالله، فأنت وجودك بالله عزَّ وجل، وأنت بعض ما في الأرض، أي أن تكون أو لا تكون أنت قائمٌ بالله، الآن:

 

﴿ وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنْ تَقُومَ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ بِأَمْرِهِ (25) ﴾

 بعضهم قال: السماء والأرض تقوم بالله، فإذا تحرَّكتْ تحرَّكت بأمر الله، هذا الإله العظيم كل شيءٍ قائمٌ به، متحرِّكٌ بأمره، يؤكِّد هذا قوله تعالى:

 

 

﴿ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ(62) ﴾

 

( سورة الزمر )

 يؤكِّد هذا قوله تعالى:

 

﴿ لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ﴾

 

( سورة الأعراف: من آية "54 " )

ربنا عزَّ وجل يُعَرِّفنا بذاته من خلال القرآن الكريم:

 الأمر أمره، يؤكِّد هذا قوله تعالى:

﴿ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ﴾

(سورة هود: من آية "123 " )

 إذاً ربنا عزَّ وجل من خلال القرآن الكريم يُعَرِّفنا بذاته، أن الشمس لولا أنها قائمةٌ بالله لما قامت، القمر لولا أنه قائمٌ بالله لما قام، الأرض لولا أنها قائمةٌ بالله لما قامت، قيامها بالله، وحركتها بالله، وائتمارها بأمر الله، هذا معنى قوله تعالى:

 

﴿ وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنْ تَقُومَ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ بِأَمْرِهِ (25) ﴾

 أنت كلَّما رأيت إنساناً ذا شأنٍ وخطر، كلَّما عرفت أن فلاناً بيده القضيَّة، إلى قناعته يرجع الأمر، مُخَوَّلٌ بتوقيع الموافقة، كلَّما عرفت أن الأمر بيد فلان توجَّهت إليه، ما القصدُ من قول الله عزَّ وجل:

 

 

﴿ وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنْ تَقُومَ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ بِأَمْرِهِ (25) ﴾

 أي أن قيام كل شيء وحركة كل شيء بالله عزَّ وجل، فكيف تتوجَّه لغيره ؟ كيف ترجو غيره ؟ كيف تخاف من غيره ؟ كيف تسعى إلى غيره ؟ كيف تذهب إلى غيره ؟ كيف تعقد الآمال على غيره ؟ كيف تخشى غيره ؟!!

 

وجود الإنسان بيد الله عز وجل:

 قال تعالى:

﴿ وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنْ تَقُومَ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ بِأَمْرِهِ (25) ﴾

 إذاً القيام دليل كمال قدرة الله عزَّ وجل، و(بأمره) أحياناً من باب التوضيح نضرب الأمثال، لأن هناك قاعدةٌ ثابتة:

 

﴿ وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الأَعْلَى﴾

 

(سورة النحل: من آية " 60 " )

 كل مثالٍ نضربه للتوضيح فقط، الإنسان أحياناً يعطي أمراً لابنه فلا ينفِّذ، فيضطر أن يتحرَّك ليحقِّق حاجته، معنى هذا أن قدرته على ابنه ليست كاملة، في بعض الحالات ينفِّذ وفي بعض الحالات لا ينفِّذ، فحينما لا ينفِّذ يقوم الأب بنفسه بالتنفيذ، هذا شيء واقع في حياة الأُسَر، لكن إذا أصدر إنسان أمراً فنُفِّذَ فوراً، ما معنى ذلك ؟ معنى هذا كمال قدرته عليهم، إذاً لم يقل الله عزَّ وجل: ومن آياته أن تقوم السماء والأرض بقدرته بل قال:

 

﴿ بِأَمْرِهِ (25) ﴾

 الأقوياء لا يحتاجون إلى استخدام عضلاتهم يحتاجون إلى توقيع فقط، إلى إصدار أمر، فإذا كان أمرهم نافذاً فهذا دليل قوَّتهم، ودليل تمكُّنهم، ودليل انصياع الناس لهم، إذاً:

 

 

﴿ وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنْ تَقُومَ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ بِأَمْرِهِ (25) ﴾

 ما أردت أن أوضِّح لكم هذه الآية حبَّاً بالتوضيح ؛ بل حبَّاً بالقصد النبيل الذي وراء هذه الآية، أي يا أيها الإنسان إلى أين أنت ذاهب ؟ إلى أين أنت تتوجَّه ؟ على من تَعْقِدُ الآمال ؟ من ترهب ؟ من تخاف ؟ الأمر كلُّه بيده ؟ وجودك في أصله بيد الله عزَّ وجل، إن لم يتجَّلى الله عليه، لا وجود لك، هذا الكبد إذا تجلَّى الله عليه قام بخمسة آلاف وظيفة، فإذا تخلَّى الله عنه صار قطعة لحم سوداء اللون، القلب إذا تجلَّى الله عليه نبض، وتحرَّك، وضخَّ الدم، فإذا منع الله عنه تجليه وقف، الدماغ، الإنسان

 

 

أتحســبُ أنك جرمٌ صغير  وفيكَ انطوى العالَم الأكبرُ
***

 

ربنا عزَّ وجل أمره كَّن فيكون زُل فيزول:

 لكن لو أن الله عزَّ وجل تخلَّى عن الإنسان لثانية يموت، ما قيمة الميِّت ؟ الإنسان بلا روح لا يزيد ثمنه بكامله عن خمسٍ وعشرين ليرةً سوريَّة، لأن سبعين بالمئة منه ماء، وكمية الماء صفيحتان، فيه فوسفور يكفي لصنع علبة عود ثقاب، فيه كلس يكفي لتبييض بيت للدجاج، فيه حديد يكفي لصنع مسمار، لو أردت أن تأخذه كمواد لا قيمة له إطلاقاً، لكن بهذا التجلِّي الإلهي الدماغ يفكِّر، ويحاكم، ويخترع، ويكتشف، ويتصوَّر، ويتخيَّل، وفي ذاكرته سبعين مليار صورة ـ إذا عاش الإنسان سبعين سنة أو ستين سنة تخزِّن ذاكرته ما يعادل سبعين مليار صورة ـ ومشمومات، ومسموعات، ومبصرات، وذاكرة أرقام، وذاكرة وجوه، وهذه مخبَّأة في مكان بعيد لأنه لا يحتاجها، وهذه الصورة مخبَّأة في مكان قريب، وهذه مخبّأة في مكان متوسِّط، وهذه تُلقى في المهملات وأنت لا تدري، الذاكرة وحدها لو أردت أن تقف عند دقائقها لأخذك العجب العجاب، هذا بتجلي الله عليك، فلو منع عنك التجلي وسحب منك الروح ما قيمة الدماغ ؟ فكل عضوٍ من أعضائك إذا تجلى الله عليه فعل المُعْجِزات، فإذا تخلَّى الله عنه صار قطعة من لحمٍ سريعة التفسُّخ، سريعة الفساد، هذا معنى قيام الشيء بالله عزَّ وجل، لولا أن الله عزَّ وجل يتجلَّى على مخلوقاته لما كان هناك مخلوقات، فربنا عزَّ وجل كَّن فيكون زُل فيزول، لا شيء:

﴿ فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا ﴾

( سورة الأعراف: من آية " 143 " )

 كان هناك جبلاً، أين الجبل ؟ انتهى، هذا المعنى دقيق، أي قيام الشيء، أقرب مثل: آلة تسجيل تصدح بالصوت المرتفع، لما تسحب المأخذ الكهربائي ـ الوصلة ـ ينقطع الصوت فجأةً، أصبحت قطعة من البلاستيك، إذاً كل هذا الصوت، وكل هذه الدقَّة في هذه القوَّة المحرِّكة، وهذا المكيِّف، وهذا البرَّاد، وهذه الغسَّالة، وهذه الأدوات المعقَّدة إذا قطعت عنها الطاقة أصبحت لا شيء، توقَّفت، إذاً قيام الشيء بالله عزَّ وجل ؛ بل إنَّ الآية تشير إلى معنى أدق هو: إذا قطعت الوصلة عن هذه المسجِّلة ينقطع الصوت وتبقى مسجِّلة، أما لو قُطِع الإمداد الإلهيُّ عن الأشياء لزالت، فوجود الأشياء قائمٌ بالله عزَّ وجل، وحركتها بأمره، فهذا أقصى درجات كمال القدرة، من كمال قدرة الله عزَّ وجل أن وجود الشيء قائمٌ بالله، وحركته بأمر الله

الكون وما فيه بيد الله وحده فأطع أمره واتبع منهجه:

 قال تعالى:

﴿ وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنْ تَقُومَ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ بِأَمْرِهِ (25) ﴾

 قيام الأشياء كلِّها به، وحركتها بأمره، لماذا أنت منصرفٌ عنه ؟ لماذا ترجو غيره ؟ لماذا تتضعضع لغنيٍّ ؟ لماذا تُذْهِب ماء وجهك لغيره ؟ لماذا تتذلَّل لغيره ؟ لماذا ترجو وتدعو غيره ؟ فلذلك:

 

ويُعَابُ من يشكو الرحيـ  ـمَ إلى الـذي لا يـرحمُ
***

 أعداؤك الذين تتوهَّم أنهم قادرون عليك قيامهم بيد الله عزَّ وجل، قيامهم وحركتهم بيد الله عزَّ وجل، كن مع الله ولا تبالي.

 

 

كن مع الله ترى الله معك  واترك الكـلَّ وحاذر طمعك
وإذا أعطاك مـن يمنعه؟  ثم من يعطي إذا ما منعك؟!
***

 إذاً هذا معنى قول الله عزَّ وجل:

 

 

﴿ اللَّهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ ﴾

 

(سورة البقرة: من آية " 255 " )

 قيام الكون به، وحركة كل ما في الكون به، فأنت لا ترجو غيره، فاعبده وتوكَّل عليه، والزم طاعته، وقف على أعتابه، وأطع أمره، وطبِّق منهجه، ابتغ رضاه، ولا تبالِ بسواه، إذاً لا تنصرف عنه إلى غيره

الأمر التكويني والأمر التكليفي:

 قال تعالى:

﴿ وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنْ تَقُومَ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ بِأَمْرِهِ (25) ﴾

 لكنَّ السماء والأرض

 

﴿ إِنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولا(72) ﴾

 

(سورة الأحزاب )

vإذاً السماوات والأرض لم تقبل التكليف، حينما عُرِضَ عليها التكليف أبت هذا التكليف وأشفقت منه، إذاً هي غير مكلَّفة، تأتمر بأمر الله، أمر الله التكويني مُنَفَّذٌ فيها، أتينا طائعين، ما سوى الإنسان لا يعصي أبداً لأنه غير مكلَّف، ولا يستنكف عن طاعة الله عزَّ وجل، فالذي قَبِلَ التكليف، وأعطي الاختيار، وحُمِّل الأمانة، وكُلِّفَ أن يعرف الله، من الذي كُلِّفَ أن يطيعه ؟ من الذي كُلِّفَ أن يضبط شهواته ابتغاء مرضاته ؟ فالإنس والجن في الكون كلِّه مُكَلَّفانِ بطاعة الله، فالإنسان إما أن يطيع وإما أن يعصي، ولكن هذه الطاعة وهذا العصيان سوف يدفع ثمنُه باهظاً، متى ؟ يوم القيامة، يقول الله عزَّ وجل:

﴿ وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنْ تَقُومَ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ بِأَمْرِهِ (25) ﴾

 أمر الله التكويني منفَّذٌ في السماوات والأرض كلِّها، أما الإنسان منفَّذٌ فيه أمره التكليفي، الأمر التكويني هو فعل الله عزَّ وجل، أما الأمر التكليفي هو أمر الله، الطريق سالكة، أما توجد لوحة كُتِبَ عليها ممنوع المرور، هذا أمر تكليفي، لكن بإمكانك أن تخالف الأمر، ولكن تدفع الثمن باهظاً، أما الأمر التكويني هو أمرٌ كأن تأتي بمكعَّبات من الإسمنت المسلَّح تَسُدُّ بها الطريق، فأمر الله التكويني نافذٌ في السماوات والأرض

الأمر التكليفي الإنسان مكلف أن ينصاع لأمر الله عزَّ وجل وإلا سوف يدفع الثمن:

 نعود إلى الأمر التكويني وإلى الأمر التكليفي:

﴿ وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنْ تَقُومَ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ بِأَمْرِهِ (25) ﴾

 الإنسان مأمور أمراً تكليفياً، يحاسب، ويجازى بالجنة، ويعاقب بالنار:

 

﴿ ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً مِنَ الْأَرْضِ إِذَا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ (25) ﴾

 قال أحدهم لبعض العلماء: " أنا أرغب أن أعصي الله " ـ هكذا قال له ـ قال: " لا عليك ولكن احرص أن تعصيه في مكانٍ لا يراكَ فيه "، قال: " لا يكون هذا "، قال: "إذاً كيف تعصيه وهو يراك ؟ "

 

 

﴿ وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ ﴾

 

(سورة الحديد: من آية " 4 " )

 إذاً أنت مكلَّف بأمر تكليفي وسوف تدفع الثمن، أمرك بغض البصر، أمرك بأكل المال الحلال، أمرك بإنفاق المال، هذا كلُّه أمرٌ تكليفي وعلى الإنسان أن ينصاع لله عزَّ وجل وإلا يدفع الثمن، وهذا معنى قوله تعالى:

 

﴿ وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنْ تَقُومَ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ بِأَمْرِهِ ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً مِنَ الْأَرْضِ (25) ﴾

 ليحاسبكم، ليجزيكم على أعمالكم، ليثيب محسنكم، ليعاقب مسيئكم، ليدخل المؤمن الجنَّة إلى أبد الآبدين، ليدخل الكافر النار إلى أبد الآبدين

 

ملكيَّة الإنسان للأشياء محدودة بينما مُلكيَّة الله للكون لا حدود لها:

 قال تعالى:

﴿ ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً مِنَ الْأَرْضِ إِذَا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ (25) وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ (26) ﴾

 مرَّةً ثانية كلمة ( له ) هذه اللام هي لام المُلْك، أنت تقول: هذا القلم لي، لكن أن يملك الإنسان شيء، وأن يكون الكون كلُّه ملكاً لله شيءٌ آخر، وله معنىً آخر:

 

﴿ وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ (26) ﴾

 خلقاً وتصرُّفاً ومصيراً، خلقاً قد تقتني شيئاً لم تصنعه أنت، وقد تقتني شيئاً لا تستطيع أن تحافظ عليه إلى ما شاء الله، إذاً ملكيَّة الإنسان للأشياء ملكيَّةٌ محدودة، بينما مُلكيَّة الله للكون بهذا المعنى:

 

 

﴿ وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ (26) ﴾

 خلقاً وتصرُّفاً ومصيراً، الإنسان قد يملك بيتاً ولا ينتفع به، وقد ينتفع ببيتٍ وهو لا يملكه، وقد يملكه وينتفع به ولكن ليس له مصيره، لكن الله عزَّ وجل له من في السماوات والأرض خَلْقَاً، الخالق هو المالك والمتصرِّف، المربي والمسيِّر، هو المالك والمصير إليه، إذاً هذا معنى قول الله عزَّ وجل:

 

 

﴿ وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ (26) ﴾

 أي خاضعون، الإنسان ضعيف وهو مفتقر إلى الهواء، و الماء، والطعام، مفتقر إلى جو دافئ وإلا يموت، مفتقر إلى جو معتدل وإلا يموت، مفتقر إلى إنسانة يسكن إليها هي زوجته، وأولاد يأنسُ بهم، مفتقر إلى مال يكسبه، مفتقر إلى ذاكرة، وإلى بصر، وإلى سمع، وإلى نُطْق، وإلى أجهزة، من مري، وأمعاء، وطُحال، وكبد، وبنكرياس، وأوعية، وشرايين، مفتقر إلى أشياء كثيرة، فالإنسان هو عبدٌ، والله هو الرَّبُ، فإذا عرفت من أنت عرفت ربَّك، وإذا لم تعرف من أنت ما عرفت الله عزَّ وجل، كلَّما ازددت معرفةً بذاتك ازددت تواضعاً لربِّك، وكلَّما ازددت معرفةً بربِّك صغرت ذاتك، المتكبِّر لا يعرف الله هذه قاعدة، كلَّما تضخَّمت ذاتك كان ذلك على حساب عبوديَّتك لله عزَّ وجل، وكلَّما نَمَت العبوديَّة عندك لله عزَّ وجل تضاءلت ذاتك، وعرفت حجمك الحقيقي، وعرفت حدَّك فوقفت عنده

 

الإيمان بالله وباليوم الآخر شيئان مُتلازمان:

 قال تعالى:

﴿ وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ (26) ﴾

 أي خاضعون:

 

﴿ وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ (27) ﴾

 الحقيقة أن الشيء الذي يلفت النظر أن الله سبحانه وتعالى كثيراً ما ذكر الإيمان به وقرنه بالإيمان باليوم الآخر، الإيمان بالله وباليوم الآخر شيئان مُتلازمان متلاصقان، فإذا آمنت بالله ولم تؤمن باليوم الآخر ورأيت الدنيا هي كل شيء انحرفت عن أمره، أما إذا آمنت بوجود الله خالقاً ومربياً ومسيراً، وآمنت أنه لا بدَّ من أن ترجع إليه، وأن تقف بين يديه، وأن يسألك عن كل شيء، عن كل عمل، عندئذٍ يأتي الإيمان بالله مع الإيمان باليوم الآخر متلازماً، ما الشبهة التي ترد على الكفَّار حينما لا يؤمنون باليوم الآخر ؟ يتساءلون في البعث والنشور كيف يعيد الله هذا الخلق ؟ شيء صعب، ردَّ الله عليهم بهذه الآية، قال تعالى:

 

 

﴿ وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ (27) ﴾

 بدأه، خلق السماوات والأرض، خلق الشمس والقمر، خلق النجوم والمجرَّات، خلق الإنسان، خلق الجبال، والبحار، خلق الأسماك، والأطيار، لكن كل هذا سوف يُعاد

 

الحظوظ وزِّعَت في الدنيا توزيع ابتلاء ولابدَّ من أن توزَّع في الآخرة توزيع جزاء:

 قال تعالى:

﴿ وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ (27) ﴾

 السؤال الدقيق: لماذا يعيده ؟ ليتحقَّق اسم الحق، ليتحقَّق اسم العدل، لأن الله سبحانه وتعالى وزَّع الحظوظ في الدنيا توزيع ابتلاء ؛ فلان ابتلي بالغنى وآخر بالفقر، ذاك بالقوة وذلك بالضعف، وغيره بالذكاء أو بقلَّة الذكاء، فلان بالوسامة وصاحبه بالدمامة، هذا الغني ماذا فعل بالمال ؟ والفقير ما رد فعله ؟ هذا القوي ماذا فعل بقوَّته ؟ والضعيف ما موقفه؟ هذا الذكي في أي شيءٍ سخَّر ذكاءه ؟ وهذا الذي أقل ذكاءً ماذا فعل ؟ هذا الدميم هل صبر على دمامته ؟ وهذا الوسيم هل تاهَ بجماله ؟
 الله عزَّ وجل وزَّع الحظوظ على مستوى الدخل، والمال، والزوجة، والأولاد، والمسكن، والمكانة الاجتماعيَّة، كل شيءٍ لك منه نصيب هو حظُّك من الله عزَّ وجل، وزِّعت الحظوظ في الدنيا توزيع ابتلاء، وسوف توزَّع في الآخرة توزيع جزاء، فإذا وزعت توزيع ابتلاء ولم يكن هناك آخرة فهذا ظلمٌ شديد، ما ذنب الضعيف والفقير ؟ وما ذنب المريض والدميم ؟ وما ذنب العاجز والمعتوه ؟ ما ذنب هؤلاء ؟ لا، الحظوظ وزِّعَت في الدنيا توزيع ابتلاء، ولا بدَّ من أن توزَّع في الآخرة توزيع جزاء
لذلك من لوازم أسماء الله الحسنى أن يعيد الخلق مرَّةً ثانية، تسوَّى الحسابات، تسوَّى الأمور، يُقتصُّ من الظالم، ينتصر المظلوم، يُقْتَصُّ من الغني المُسْرِف، يُكَرَّم الفقير الصابر، لا بدَّ من يومٍ آخر تسوى فيه الحسابات لأن الله له أسماءٌ حسنى، أسماؤه حسنى، أن يخلق أناساً أقوياء وأناساً ضعفاء، أناساً معتدين وأناساً معتدى عليهم، أناساً أغنياء أناساً فقراء، هكذا وتنتهي الحياة ولا شيء بعد الموت ؟ هذا لا يتناسب مع كمال الله عزَّ وجل

الله تعالى يبدأ الخلق ثم يعيده كي يدفع كل إنسانٍ ثمن اختياره:

 إذاً:

﴿ وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ (27) ﴾

 يعيده

 

﴿ لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى(15) ﴾

 

( سورة طه )

 يعيده كي يجازي المحسن على إحسانه والمسيء على إساءته، يعيده كل يدفع كي إنسانٍ ثمن اختياره، ثمن موقفه، ثمن إيمانه، ثمن كفره، ثمن طاعته، ثمن معصيته، ثمن إقباله، ثمن إدباره وهكذا:

 

﴿ وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ (27) ﴾

 لكن أيها العباد إذا ظننتم أن إعادة الخلق شيءٌ صعبٌ فهذا عندكم لا عند الله عزَّ وجل، أنتم إذا صنعتم جهازاً أو أداةً أو قطعة أثاثٍ، إنَّ أصعب شيءٍ في صناعتها المرَّة الأولى، المرَّة الثانية تكون أخف وأسهل، هذا من طبيعة البشر ؛ لكن الله عزَّ وجل فيما أجمع عليه المفسِّرون البدء كالإعادة، لأن الله عزَّ وجل لا نهاية لقدرته، لا حدود لقدرته، فالبدء بالخلق كإعادته، ولكن قرَّب الله المعنى إلينا وقال: أنتم إذا أعدتم صنع الشيء يبدو عليكم هيناً في المرَّة الثانية، فهذا تقريبٌ لأذهان الناس

 

العزيز هو الشيء الذي يقلُّ وجوده وتشتدُّ الحاجة إليه ويصعب الوصول إليه:

 بعضهم قال: كلَّما فكَّرتم في ملكوت السماوات والأرض، وتعرَّفتم إلى عظمة الله عزَّ وجل، رأيتم الإعادة أهون عليه، كلَّما ازددتم تعظيماً لقدرة الله عزَّ وجل ولحكمته ولعلمه رأيتم الإعادة أهون:

﴿ وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (27) ﴾

 المثل الأعلى، أي أن الله عزَّ وجل ليس كمثله شيء، كل ما خطر ببالك فالله بخلاف ذلك:

 

﴿ وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى (27) ﴾

 أحياناً تستخدم أمثلة كثيرة لتوضيح بعض الحقائق، لكنها لا تنطبق على حضرة الله عزَّ وجل إلا من باب التقريب، دائماً إذا أردت أن تضرب الأمثال قل: لله المثل الأعلى كي تنجو من التجسيم، تنجو من أن تشبِّه الله بخلقه:

 

 

﴿ وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (27) ﴾

 كلمة العزيز، أن الشيء إذا كان نادراً سُمِّيَ عزيزاً، فإذا اشتدَّت الحاجة إليه سمي عزيزاً، فإذا صَعُبَ الوصول إليه سمي عزيزاً، فالعزيز هو الشيء الذي يقلُّ وجوده، وتشتدُّ الحاجة إليه، ويصعب الوصول إليه، هذا التعريف اللغوي
لو أردنا أن نطبِّق هذا التعريف على اسم العزيز، الله عزَّ وجل لا إله إلا هو، هذه الصفة ندرة الوجود، كمالها أن يصبح هذا الشيء واحداً لا مثيل له، إذاً أكمل صفةٍ في المقطع الأول ندرة الوجود الشيء عزيز، فالله واحد لا شريك له، ليس كمثله شيء

 

الله سبحانه وتعالى يحتاجه كل شيء:

 الآن كلَّما اشتدَّت الحاجة إلى شيءٍ سمي عزيزاً، الهواء عزيز لأننا بأشد الحاجة إليه، لكن الله سبحانه وتعالى يحتاجه كل شيءٍ في كل شيء، الابن يحتاج والده، عليه أن يمدَّه ببعض الدراهم، ببعض التوجيهات، أن يسكنه في بيت، أن يُطْعمَهُ، لكن أعضاء الابن مستقلَّة عن الأب، لكن الله سبحانه وتعالى كما يشرح العلماء يحتاجه كل شيء
كلمة شيء من أوسع الكلمات الدالَّة على الجماد، والحيوان، والنبات، من الذرَّة حتَّى المجرَّة، هذا هو الشيء، يحتاجه كل شيء في كل شيء، ويصعب الوصول إليه، أما بالنسبة إلى الله عزَّ وجل يستحيل الوصول إليه، بمعنى يستحيل أن تصل إليه وتحيطَ به، لا تدركه الأبصار:

﴿ وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلا بِمَا شَاءَ ﴾

(سورة البقرة: من آية " 255 " )

 وقال:

 

﴿ وَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ الْعِلْمِ إِلا قَلِيلا(85) ﴾

 

( سورة الإسراء )

 تصل إليه عبوديَّةً، ولن تصل إليه إحاطةً، إذاً:

 

﴿ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (27) ﴾

 حكيمٌ في خلقه، حكيمٌ في أفعاله، حكيمٌ في صفاته، في خلقه، وفي أفعاله

 

 

الشرك الخفي :

 الآن إذا آمن بعضهم بالله إيماناً سطحياً، وانعقدت آمالهم على غير الله، وتوجَّهوا لغير الله، فقد أشركوا، وهذا هو الشرك الخفي، الجلي أن تعبد غير الله، والخفي أن تعقد الآمال على غير الله، أن ترجو غير الله، أن تحب غير الله، أن تخاف من غير الله، هؤلاء الذين عقدوا آمالهم على غير الله أشركوا، وربنا عزَّ وجل يُفَنِّدُ عقيدة الشرك، يفنِّدها أدقَّ تفنيد، لا بأفكار مجرَّدة وبتعريفات دقيقة، لا، بل بشكل مبسَّط منتزع من حياتنا، قال:

﴿ ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلًا مِنْ أَنْفُسِكُمْ (28) ﴾

 من واقع حياتكم، من تجارتكم، من حياتكم الاجتماعيَّة، تاجر عنده محل تجاري ضخم وله قيمة عالية جداً، في أروج سوق في المدينة، ومساحته كبيرة، وعند هذا التاجر موظَّف صغير يقوم بخدمات عاديَّة كأن يجلب القهوة والشاي مثلاً، قال:

 

﴿ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلًا مِنْ أَنْفُسِكُمْ هَلْ لَكُمْ مِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ شُرَكَاءَ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ (28)﴾

 فهذا الموظَّف الذي في هذا المحل الكبير والذي له أجرٌ يسير، وعملٌ محدود، هذا الإنسان الصغير هل بإمكانه أن يتصرف بملكية هذا المحل ؟ هل بإمكانه أن يغيِّر نوع البضاعة ؟ هل بإمكانه أن يعقد صفقة ؟ هل بإمكانه أن يجلس معك على الحساب آخر السنة ؟ ويقول: أين نصيبي ؟ كم ربحت ؟ هل بإمكانه أن يفعل هذا ؟ هو ليس له شيء في هذا المحل لأنه موظَّف محدود

 

 

لا شريك لله الواحد الأحد:

 

 ربنا عزَّ وجل يقول:

﴿ ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلًا مِنْ أَنْفُسِكُمْ هَلْ لَكُمْ مِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ شُرَكَاءَ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ فَأَنْتُمْ فِيهِ سَوَاءٌ تَخَافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ(28)﴾

 طبعاً الشريك يخاف شريكه، ويحسب له حساباً، له حقٌّ عنده، له نصف الأرباح، يسأله عن الحسابات، يسأله عن قيمة الأرباح، الشريك يحاسِب، الشريك له الحق أن يَطَّلع، لكن هل تقبل أنت من عامل في محلِّك التجاري أن يعاملك كشريك ؟ ماذا ربحت اليوم ؟ أين الحسابات ؟ أين أنت ذاهب ؟ لو أن صاحب المحل خرج يقول له: إلى أين أنت ذاهب ؟ كم ستغيب ؟ هل تقبل أن يقف هذا الموقف صانعٌ في محلِّك التجاري ؟!!

 

﴿ ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلًا مِنْ أَنْفُسِكُمْ هَلْ لَكُمْ مِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ شُرَكَاءَ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ فَأَنْتُمْ فِيهِ سَوَاءٌ تَخَافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ(28)﴾

 هذا الموظَّف الصغير لم تخلقه أنت، ومع ذلك لا ترضى أن يسألك، ولا ترضى أن يشاطرك الأرباح، أنت لم تخلقه، فكيف بالله العظيم الذي خلق هذا المخلوق، هو خلقه، هو أوجده، وهذا المخلوق يدَّعي أنه شريكٌ لله عزَّ وجل، يدَّعي أنه يفعل، ويتصرف، وينفع، ويضر، والأمر بيده، إذاً كما أنك كإنسان لا ترضى لموظَّفٍ صغيرٍ عندك في محلك الكبير أن يسائلك ويتدخل في أمورك وتجارتك، فكيف ترضى أن يكون مخلوقٌ لله عزَّ وجل يدَّعي أنه شريكٌ لله ؛ في تصرفاته، وفي نفعه، وفي ضرِّه، وفي فعله، وفي تركه ؟

 

المؤمن يسير وفق الشرع أما غير المؤمن فيسير وفق الهوى:

 إذاً:

﴿ ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلًا مِنْ أَنْفُسِكُمْ هَلْ لَكُمْ مِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ شُرَكَاءَ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ فَأَنْتُمْ فِيهِ سَوَاءٌ تَخَافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآَيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (28) بَلِ اتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَهْوَاءَهُمْ(29)﴾

 أيها الأخوة الأكارم يجب أن تُصَنِّفَ نفسك أحد شخصين ولا ثالث لهما، إما أن تنطلق في تصرُّفاتك، في مواقفك، في علاقاتك، في كل شيءٍ تفعله من هوىً أو من علم، إما أن تنطلق من هوى نفسك، أو من العلم بالله عزَّ وجل، فالمؤمن يسير وفق الشرع، يسير وفق ما يمليه عليه منهج الله عزَّ وجل، أما غير المؤمن يسير وفق الهوى، وفق نزواته، وفق شهواته، وفق ميوله الرَخيصة، إذاً:

 

﴿ بَلِ اتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَهْوَاءَهُمْ (29) ﴾

 ظلموا مطلقة ؛ ظلموا أنفسهم، وظلموا أهلهم، وظلموا مصيرهم ما عرَّفوها بربها، وظلموا إخوانهم، وظلموا من حولهم

 

 

عدم الاهتداء إلى الله عزَّ وجل إلا إذا بحثت عن أمر الله:

 قال تعالى:

﴿ بَلِ اتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَهْوَاءَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ فَمَنْ يَهْدِي مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ (29) ﴾

 الذين ظلموا من صفاتهم أنهم يتَّبعون أهواءهم، وعلى الإنسان ـ في كل عملٍ يعمله وقبل كل موقفٍ يقفه ـ أن يسأل نفسه هذا السؤال: أنا بهذا الموقف هل أتبع الهوى أم أتبع العقل ؟ هل أتبع الشرع أم أتبع المَيْل ؟ هل أتبع مصلحتي أم أتبع أمر ربِّي ؟ النبي عليه الصلاة والسلام في كل موقفٍ حتَّى إذا غضب كان يغضب لله عزَّ وجل، فلن تكون مؤمناً ولن تهتدي إلى الله عزَّ وجل إلا إذا بحثت عن أمر الله، ووقفت الموقف الذي يرضي الله في كل شؤون حياتك، هؤلاء الذين ظلموا، وحينما أطلق الله الظلم أي جعله شاملاً، ظلم نفسه أي حرمها من معرفة الله، ومن الآخرة، حرمها من سعادةٍ أبديَّة، من لذَّة القُرْب، حرمها من تجلي الله، حرمها من التوفيق والسعادة، حرمها من السرور والاستقرار، من الأمن والطمأنينة، حرمها من شعورها أنها راضيةٌ لله عزَّ وجل، هذه الخيرات الثمينة كلها قد حُرِمَ منها الإنسان، لماذا ؟ لأنه اتبع هواه بغير علم
هل يُفْهَم أنه يوجد هوى بالعلم ؟ ممكن نفهم الآية فهماً دقيقاً، أن الله عزَّ وجل أودع في النفس الشهوات، هذه ميول، أهواء، ولكن ما هي القناة التي سَمَحَ بها الشرع لتصريف هذا الهوى ؟ حبُّ النساء له قناةٌ واحدة هي الزواج

 

﴿ وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ(5)إِلا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ(6) فَمَنْ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْعَادُونَ(7) ﴾

 

( سورة المؤمنون )

قنوات شرعية سمح الله عز وجل بها لتصريف الهوى:

 إذاً هوى النساء له قناةٌ وحيدةٌ نظيفةٌ سمح بها الشرع، وأمر بها، ويرضى عنك بها ولا غضاضة وهي الزواج، المؤمن يتبع هواه بعلمٍ أي أنه وضع ميوله وفق منهج الله عزَّ وجل، المال محبَّب، الله عزَّ وجل أودع في الإنسان حبَّ المال، قال تعالى:

﴿ زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنْ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ ﴾

(سورة آل عمران: من آية " 14 " )

 هناك عدَّة وسائل لكسب المال، هناك وسائل محدودة سمح بها الشرع، الكسب الحلال، الميراث، الهبة، إما أن توهب هذا المال هبةً صحيحةً أساسها الرضا من دون تخجيل أو استحياء، الهبة، أو الميراث، أو الكسب المشروع، وهناك عشرات بل مئات الأساليب غير المشروعة:

 

(( من أصاب مالاً من نهاوش أذهبه الله في نهابُر ))

 

[ابن النجار عن أبى سلمة الحمصى]

 بالخداع، والكذب، والتدليس، والغِش، والإيهام، والتخويف، واستخدام القوَّة تبتز أموال الآخرين، أو افتقار الناس لعلمك أنت مصدَّق كطبيب، أنت محامٍ موثوق عند الناس، تقول له: هذه الدعوى ناجحة ولكن أعطني أتعابي مقدَّماً، الطبيب يقول لهذا المريض: افعل كذا، ائتني بهذا التحليل، تعال مرَّةً ثانية، افعل كذا، أنت مصدَّق، هناك آلافُ آلاف الأساليب غير المشروعة لكسب المال، المال محبَّب عند كل إنسان، لكن المؤمن أنفذ هذه الرغبة في القناة التي شرعها الله عزَّ وجل فقط، حتَّى اللسان، الحديث محبَّب للإنسان أما هناك غيبة، ونميمة، وبهتان، وإفك، وسخرية، واستعلاء، وكبر، وتجريح ؛ وهناك دعوة إلى الله، وأمر بالمعروف، ونهي عن المنكر، ونصيحة، هناك مزاح بريء كما فعل النبي عليه الصلاة والسلام، هناك أيضاً قنوات للسان مسموح بها، السماع:

 

(( مَنْ جَلَسَ إلَى قَيْنَةٍ يَسْمَعُ مِنْهَا صُبَّ فِي أُذُنَيْهِ الْآنُكُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ))

 

[عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ]

 هناك أشياء تسمعها فتعصي الله، لكن سماع القرآن، سماع مديح النبي عليه الصلاة والسلام، سماع الشيء الذي سَمَحَ به الشرع ممكن، فهذه الأذن، وهذه العين، وهذا اللسان، وهذه اليد، وهذه الرِّجل، يمكن أن تتحرَّك وفق منهج الله، ممكن لهذه الشهوات أن تُفَرَّغ في القنوات الشرعيَّة التي أرادها الله عزَّ وجل، هكذا المؤمن، لذلك المؤمن يَحْرَصُ حرصاً بالغاً على معرفة حكم الله في هذا الأمر، ما حكم هذه القضيَّة أهو فرضٌ ؟ أهو واجبٌ ؟ أهو مندوبٌ ؟ أهو مباحٌ ؟ أهو مكروهٌ ؟ أهو حرامٌ ؟ ما حكم هذا الأمر ؟ كيف أتزوج ؟ كيف أطلِّق ؟ كيف أخطب ؟ كيف أفعل ؟ كيف أبيع ؟ كيف أشتري ؟ كيف أزور أقاربي ؟ كيف أصل رحمي ؟ من ألتقي بهم ؟ من يجوز أن أختلي بها من محارمي ومن لا يجوز ؟ من لي أن أصافحها ؟ وهكذا

الشهوة إما أن تكون قوَّةً محرِّكةً وإما أن تكون قوةً مدمِّرةً:

vهذا الإنسان الشارد الكافر يعيش على هامش الحياة بلا ضابط، كان أمره فُرُطَاً، يعيش وفق نزواته الشخصيَّة:

(( أَلا إِنَّ عَمَلَ الْجَنَّةِ حَزْنٌ بِرَبْوَةٍ ثَلاثًا أَلا إِنَّ عَمَلَ النَّارِ سَهْلٌ بِسَهْوَةٍ ))

[ مسند أحمد عن ابن عبَّاس ]

 يسترخي، يبحث عن المال من أي طريق، يقضي لذَّته بأي وسيلة، يستمتع من دون حرج، ما في عنده حَرَج، ذنب المنافق كالذبابة، وذنب المؤمن كالجبل الجاثم على صدره، فلذلك:

 

﴿ بَلِ اتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَهْوَاءَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ (29) ﴾

 تَعَلَّم كيف تُفَرِّغ هذه الأهواء في قنواتها الصحيحة، فصحيح أنك إنسان من لحم ودم، تعلَّم العلم، اعرف أمر الله عزَّ وجل كي تفرِّغ ما عندك من أهواء في القنوات الصحيحة، مفطورٌ على العلو في الأرض لك أن تعلو عند الله، لك أن تبتغي العِزَّةَ عند الله، تشعر بنشوة إذا كنت عند الله أثيراً، إذا كان الله يحبُّك، إذا كان الله يرعاك ويحفظك تشعر أن هذا الميل فُرِّغ في العمل الصالح، فكل ميلٍ أودعه الله فيك إما أن يُفرَّغ في قناةٍ قذرة، قناةٍ منحرفة ؛ وإما أن يفرَّغ في قناةٍ نظيفة، المثل الدقيق أن هذا الوقود السائل ـ البنزين ـ وقود متفجِّر، لو وضِعَ في مستودعه المحكم، وسار في المواسير المحكمة إلى الموزِّع، ومنه إلى غرف الاحتراق، وأصابته الشرارة في الوقت المناسب، وانفجر فدفع المكبس، وهذه المكابس المتلاحقة تشكل حركة دورانيَّة، نقلتك أنت وأهلك إلى مكانٍ جميل بهذه المركبة عن طريق هذا الوقود السائل، أما هذا الوقود السائل نفسه لو صببته على هذه المركبة وجاءتها شرارة لأحرقتها
 الشهوة إذاً إما أن تكون قوَّةً محرِّكةً وإما أن تكون قوةً مدمِّرةً، فانتبه، ليس هناك إنسان بلا شهوات، حتَّى المؤمن

 

على الإنسان أن يستقيم على أمر الله أو يستعد للعذاب والبلاء:

 النبي الكريم ماذا قال ؟ قال:

(( لا يَخْلُوَنَّ رَجُلٌ بِامْرَأَةٍ إِلا كَانَ ثَالِثَهُمَا الشَّيْطَانُ ))

[ سنن الترمذي عن ابن عمر]

 أي رجل مع أي امرأة، هذا منهج الله عزَّ وجل، فتعيش حياة كلها دعة وأمن، أما إذا خرقت الحدود فأنت من الرحمة مطرود، إذا خرقت الحدود خرجت من مظلَّة الله عزَّ وجل، إذا خرقت الحدود تعرَّضت للبلاء
" يا رسول الله عظني ولا تطل "، قال: " قل آمنت بالله ثمَّ استقم "، قال: " أريد أخفَّ من ذلك " قال: " إذاً فاستعدّ للبلاء "

 

(( عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سُفْيَانَ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ رَجُلاً قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَخْبِرْنِي أَمْرًا فِي الإِسْلَامِ لا أَسْأَلُ عَنْهُ أَحَدًا بَعْدَكَ، قَالَ: قُلْ آمَنْتُ بِاللَّهِ ثُمَّ اسْتَقِمْ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ فَأَيَّ شَيْءٍ أَتَّقِي ؟ قَالَ: فَأَشَارَ بِيَدِهِ إِلَى لِسَانِهِ ))

 

[ مسند أحمد عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سُفْيَانَ عَنْ أَبِيهِ ]

 ملخَّص الملخَّص: إما أن تستقيم على أمره وإما أن تستعد للعذاب والبلاء، هذا كلام مُجْدٍ كلام فيه صراحة ليس فيه مجاملة، إما أن تستقيم على أمره وإما أن تستعدَّ للبلاء، والله سبحانه وتعالى لن يدعنا من علاجه

 

﴿ فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ رَبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ وَاسِعَةٍ وَلا يُرَدُّ بَأْسُهُ عَنْ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ(147) ﴾

 

(سورة الأنعام )

 إذا رأيت أُناساً يَدَّعون أنهم مسلمون وتأتيهم المصائب من كل جانب يجب أن تقف متأمِّلاً قليلاً

على المؤمن أن يوقع أهواءه المشروعة وفق منهج الله وشريعته:

 قال تعالى:

﴿ مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ ﴾

(سورة النساء: من آية " 147 " )

 معنى هذا أن هناك خطأ، هناك خطأ بالإيمان، هناك خطأ بالشُكران، خلل بالاستقامة، هناك سوء فهم، هناك عقيدة فاسدة، انحراف في السلوك، تجاوز، ظلم

 

﴿ وَقَالَتْ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ ﴾

 

(سورة المائدة: من آية " 18 " )

 أي لو أنكم صادقون في أنكم أحباب الله عزَّ وجل لما عذَّبكم، إذاً الإنسان يفكِّر لئلا يضيع العمر سُدى، لئلا يضيع العمر بين مجيء وذهاب من دون تطبيق، لئلا يقول إنسان بعد حين: ما استفدت شيئاً، نفسي قد مَلَّت وسَئِمَت، نقول له: لا، أنت لو طبَّقت لذابت نفسك حبَّاً لله عزَّ وجل واندفاعاً إلى طاعته، هذا ما توحيه كلمة:

 

﴿ بَلِ اتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَهْوَاءَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ (29) ﴾

 إذاً تعلَّموا من أجل أن توقعوا أهواءكم المشروعة وفق شريعة الله، وفق ما أراد الله، تعلَّموا من أجل أن تفرغوا ميولكم التي أودعت فيكم في القنوات الشرعية النظيفة، فالمؤمن يأكل، ويشرب، ويتزوج، ويتعلَّم، ويتنزَّه لكن ضمن القانون، لا اختلاط، ولا مشروبات محرَّمة، ولا انتهاك لحرمات الله، ولا تجاوزات، ولا كذب، ولا غيبة، ولا نميمة، ولا كسب مال حرام، ولا عدوان، ولا ظلم

 

ليس في الإسلام حرمانٌ أبداً ولكن هناك تنظيم:

 إذاً تعلموا العلم لأن:

(( طَلَبُ الْعِلْمِ فَرِيضَةٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ ))

[ من سنن ابن ماجة عن أنس بن مالك ]

 فريضة، كما أن الهواء فريضة لوجودك، طلب العلم فريضةٌ لسعادتك، من أجل أن تقع هذه الأهواء في موقعها الذي أراده الله، من أجل أن تُفرغ هذه الميول التي أودعها الله فيك في القنوات التي شُرِعَت لها
 لذلك أقول هذه الكلمة وأعني ما أقول، وأتمنَّى أن تدقِّقوا فيها: ليس في الإسلام حرمان، قد يتوهَّم المتوهِّمون أن الإنسان إذا أسلم قُيِّد، هذه حُرِمَهَا، وهذه حرمها، لا، ليس في الإسلام حرمانٌ أبداً، ولكن في الإسلام تنظيم، هذه الميول تُنَظَّم، هذه الشهوات تُفَرَّغها في قنواتها الصحيحة، موضوع النساء يُحَلُّ في الزواج، وما سوى الزوجة غَضٌ للبصر، موضوع المال يُحلُّ في الكسب الحلال وفي الإنفاق الحلال، موضوع الأذن هناك شيءٌ يطربك، هناك شيءٌ لو عرفت ما فيه من طرب لعزفت عن كل طرب:

 

(( لَيْسَ مِنَّا مَنْ لَمْ يَتَغَنَّ بِالْقُرْآنِ ))

 

[ سنن أبي داود عن أبي سعيد ]

 والله قال لي أحدهم ـ وأنا أثق بكلامه ـ أنه كان من هواة سماع الأشياء التي لا ترضي الله عزَّ وجل، حينما تعرَّف إلى الله أصبح يكرهها، وأصبح يحب كلام الله عزَّ وجل.

 

((الله أكرم من أن يعذب قلبا بشهوة تركت له))

 

[عبد الله بن محمد الرازي عن أبي سليمان الداراني]

 التوبةُ التوبة، الطاعةُ الطاعة، فالذي يسعدك أن تطبِّق أوامر الله عزَّ وجل، أن تعقد الصلح معه، أن تفتح معه صفحةً جديدة، أن تجعل من بيتك بيتاً مسلماً ؛ من أهلك، من زوجتك، من بناتك، من أولادك، أن تجعل من عملك عملاً صالحاً، أن تجعل مهنتك واقعةً في الطريق المشروع، إذا أردت أن تعرف مقامك فانظر فيما استعملك، اختر مهنةً شريفة تنفع بها المسلمين، اختر سلوكاً صحيحاً تنفع به الناس من أجل أن يرضى عنك ربُّ الناس، لأن هذه الدنيا ساعة اجعلها طاعة
كل مخلوقٍ يموت ولا يبقى إلا ذو العزة والجبروت، الليل مهما طال فلا بـدَّ من طلوع الفجر، والعمر مهما طـال فلا بدَّ من نزول القبر.

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018