الدرس : 04 - سورة الروم - تفسير الآية 20 - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الدرس : 04 - سورة الروم - تفسير الآية 20


1991-02-15

 الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
 أيها الأخوة المؤمنون مع الدرس الرابع من سورة الروم.

عملية التغذية:

 وصلنا في الدرس الماضي إلى قوله تعالى:

﴿ فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ (17) وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُونَ (18) يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَيُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ(19)﴾

( سورة الروم )

 هذه الآية الثانية، يضاف إلى المعاني التي قيلت في الدرس الماضي، أن الإنسان قد يتناول بعض المواد، هذه المواد تنقلب في جسمه إلى أنسجة حيَّة، هذه الأنسجة تُسْتَهْلَكَ فتنقلب إلى مواد ميِّتة، فعملية التغذية ؛ عملية تناول مواد ميِّتة، ثم تصبح حيَّة، ثمَّ تعود ميِّتة، لو دقَّقنا في عملية تمثيل الغذاء وطرح الغازات السامَّة والفضلات، وتناول بعض المواد لوجدت أن هذه المواد في أصلها مواد ليس فيها حياة، تنقلب في جسم الإنسان إلى أنسجةٍ حيَّة، تتولَّد عنها طاقة، ثم تتحوَّل إلى مواد يفرزها الجسم خارجاً، إذاً هذا أيضاً مما يضاف إلى قوله تعالى:

 

﴿ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَيُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ (19) ﴾

 

أساس السعادة العبادة والعبادة أساسها المعرفة التي تتطلب الوقوف عند آياته سبحانه:

 أيها الأخوة الأكارم آية اليوم:

﴿ وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ إِذَا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ (20) ﴾

 الحقيقة أن الإنسان أحياناً إذا أراد التعرُّف على إنسانٍ آخر ؛ له أن يلتقي به، له أن يرى صورته، أن يحدِّثه، أن يقرأ كتابه، هناك قنواتٌ عدَّة كي تعرف إنساناً ما، ولكنَّك إذا أردت أن تعرف خالق الكون ليس من سبيلٍ إليه إلا سبيلٌ واحد هو أن تتعرَّف إلى آياته، لماذا الآيات لا بد من أن نتأمَّل فيها ؟ لأنه لا يمكن أن تطيعه إلا إذا عرفته، ولا يمكن أن تسعد إلا إذا أطعته، مطلبك الأساسي أن تسعد، والسعادة أساسها العبادة، والعبادة أساسها المعرفة، والمعرفة قناتُها الوحيدة أن تقف عند آياته.
 طبيعة الإنسان ليس في إمكانه في الدنيا أن يرى الله جهرةً، أنت قد ترى الشيء مباشرةً ؛ ترى لونه، ترى حجمه، ترى أبعاده، ترى جُزْئيَّاته، أما فيما يتعلَّق بحضرة الله عزَّ وجل ليس كمثله شيء، لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار، إذاً إذا أردت أن تسعد لا بد من أن تعبد، إذا أردت أن تعبد لا بد من أن تعرف، إذا أردت أن تعرف لا بد من أن تتأمَّل في آياته، إذاً:

 

﴿ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللَّهِ وَآيَاتِهِ يُؤْمِنُونَ(6) ﴾

 

(سورة الجاثية)

 هذا استفهام إنكاري، أي يا عبادي هل من طريقٍ إلي إلاِّ الآيات ؟ هل من طريقٍ إلى معرفتي إلا هذه الآيات التي نصبتُها لكم ؟ هل من طريقٍ إلى القرب إلي إلا عملٌ طيِّب أساسه معرفةٌ بي ؟ فإذا وقفنا الآن عند بعض الآيات فليس المقصود هذه الآيات ؛ بل المقصود ربُّ الأرض والسماوات، المقصود أن ترى الله من خلال خلقه، المقصود أن تنتقل من شَطٍ إلى شَط، إذا كان الكون شَطَّاً فمعرفة الله هي الشَطُّ الآخر، لا بد من أن تعبر هذا الجسر.

الفرق بين أهل الدنيا وأهل الآخرة:

 الفرق بين أهل الدنيا وأهل الآخرة أن الأجانب وقفوا عند هذه الآيات، درسوها، وتأمَّلوها، ودرسوا القوانين، والعلاقات، وتبحَّروا، وتعمَّقوا، والدليل ما وصلوا إليه، ولكنهم ما أرادوا أن يعرفوا الله من خلال هذه الآيات، فبقوا في الجَهْل، أما المؤمن إذا رأى هذه الآيات لا بد من أن ينتقل منها إلى معرفة الله عزَّ وجل، اليوم آية واحدة:

﴿ وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ (20) ﴾

 أينما التفتت ترى التراب، خُذ حَفْنَةً من تراب، قال:

 

﴿ وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ إِذَا أَنْتُمْ بَشَرٌ (20) ﴾

 بشر، إنسان، يوجد في دماغك مئة مليار خليَّة استناديَّة لم تُعْرَف وظيفتها بعد، توجد على القشرة الدماغيَّة أربعة عشر مليار من الخلايا السمراء التي فيها المُحاكمة، فيها التذكُّر، فيها السَمع، فيها البصر، فيها التخيُّل، فيها التصوُّر، فيها المركز الحركي، فيها مركز الإحساس، هذه قشرة الدماغ لو أصاب جزءاً طفيفاً منها خللٌ فقد الإنسان حركته، وأصيب بالفالج، شريان في الدماغ تضيَّق، أصيب بفقد ذاكرته، أو فقد بصره، هناك عمىً ليس أساسه العين، العين سليمة ولكن أساسه تعطل مركز البصر في الدماغ، فلان أصيب بسكتة دماغيَّة، أي أن شرياناً في دماغه انفجر، وعندما انفجر تعطَّلت التغذية عن بعض أجزائه، فماتت الخلايا العصبيَّة، بموتها يفقد الإنسان سمعه، أو بصره، أو ذاكرته، أو حركته.

 

حفظ الله عز وجل الدماغ لأنه مناط التكليف:

 هذه الحفنة من التراب كيف صارت مئة مليار خليَّة، ليس مليون بل مليار، مئة مليار خليَّة وفوق خمسة عشرَ أو أربعة عشرَ مليار من الخلايا السمراء التي تتوقَّف عليها حياتك العقليَّة، ذاكرتك، كل خبرات الطبيب في ذاكرته، يكتب الدواء على الفور لأنه موجود في ذاكرته إن هذه الأعراض يناسبها هذا الدواء، كل خبرات البائع في ذاكرته، الصانع، المزارع، التاجر، أصحاب المِهَن الحرَّة، أصحاب المهن الراقية، كل النشاطات والطاقات في الذاكرة، لو فقد الإنسان ذاكرتَه فقد كل شيء.
 لكن هذه الحفنة من تراب كيف أصبحت دماغاً ؟ وخلايا الدماغ لا تنمو، وخلايا الدماغ لا يصيبها السرطان حتَّى الآن، القشرة الدماغيَّة، مكان التفكير، مكان الوعي، مكان الإدراك، مكان التصوّر، مكان التخيُّل، مكان التذكُّر، لحكمةٍ أرادها الله عزَّ وجل، لأن هذا الدماغ مناط التكليف، وما دام الدماغ مناط التكليف فقد حفظه الله عزَّ وجل من أي ورمٍ خبيث، فهذا الدماغ حفنة تراب، فهكذا تقول الآية:

﴿ وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ (20) ﴾

 هذه العظام، عظم الفخذ لكي يأتي شكل الإنسان رائعاً، هذا العظم له عنق، ولهذا العنق مُشاشة وهذه المشاشة تتمفصل مع الحوض، الإنسان أحياناً يحمل خمسمئة كيلو، صندوق حديد، هناك إخوة يعملون في نقل صناديق الحديد، لكن أين يقع كل هذا الثقل ؟ على عنق الفخذ، فكل عنق فخذٍ في الإنسان يتحمَّل ضغط مئتين وخمسين كيلو، الإنسان يتحمَّل ضغط قدره خمسمئة كيلو، حفنة تراب هشَّة كيف أصبحت بهذه المتانة ؟
 من جعل في هذه العظام معامل ؟ في جوف العظام مادة هلامية هي معامل كريات الدم الحمراء، هذا المعمل ينتج في الثانية الواحدة اثنين ونصف مليون كريَّة حمراء، في كل ثانية، وهناك مرض خطير اسمه فقر الدم اللا مصنِّع، هذه المعامل في هذا المرض تكفُّ عن صنع كريات الدم الحمراء، والسبب حتى الآن غير معروف، فهذا التراب أيكون معملاً لكريات الدم الحمراء ؟!!

 

﴿ وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ إِذَا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ (20) ﴾

 

بعض آيات الله الدالة على عظمته:

 هذا العظم إذا انكسر، العظم ينمو، كيف يقف هذا العظم عن النمو، من رسم له خطاً وهمياً أن قف عند هذا الحد ؟ من أسماء الله الباسط والقابض، عظام الفخذ تنمو، وفي سن العشرين تقف عند حد، هذا السؤال المُحَيِّر: من الذي يأمر هذه العظام أن تقف عند هذا الحد ؟ لو لم تقف لكان هناك مرضٌ خطير اسمه مرض العَمْلَقَةَ، هذه الأسنان تقف عند حدِّها، هذا الفك يقف عند حدِّه، عظام الجمجمة تقف عند حدِّها، فهذه العظام بعضها مسطَّح كلوح الكتف، بعضها أسطواني، والأسطواني له مشاشة، والمشاشة متمفصلة بحفرة، هناك سائل لمنع الاحتكاك، هناك ألياف، هناك روابط، هناك عظام مسطَّحة كالجمجمة، لها مفاصل منكسرة تتمفصل بتداخلها، فما هذا التصميم ؟ عظام الجمجمة، من جعل هذه الجمجمة تدور ؟ هكذا إذا سمعت صوتاً من ورائك تدير رأسك فقط، أما لو لم يكن هذا المفصل الدائري لاضطررت أن تدور جميعاً بجسمك كلَّه، من جعل هذا المفصل حركته دائريَّة ؟
 عظام الرسغ أيضاً، فهذه العظام لو كُسِرَتْ، الإنسان يعيش سبعين أو ثمانين سنة، توقَّف نمو العظام في سن الثمانية عشر، عمره خمسة وستون كُسرت رجله، قال: إن هذه الخلايا تستيقظ، كانت نائمة ثلاثين سنة فاستيقظت وبدأت تنمو كي يلتئم العظم، وما دور الطبيب إلا أن يضع العظم وضعاً مُحْكَمَاً فقط ويضع له الجبصين، ويقول لك: انتهت العملية، عندئذٍ العظم يتولَّى، ولكن من جعل هذا العظم بهذه المتانة ؟
 ميناء الأسنان أيها الأخوة يأتي بعد الماس في قساوته، نحن نصف الأشياء إما بالمتانة وإما بالقساوة، قِوى الشد نَصْفُهَا بالمتانة، أمتن شيء في الحياة الحبل الفولاذي، وقالوا: إن القمر مربوط بالأرض بجاذبيَّة تساوي كتلاً من الفولاذ قطره خمسين كيلو متر، هذه قِوى التجاذب، فقوى الشد نصفها بالمتانة، وقوى الضغط نصِفُها بالقساوة، وميناء الأسنان يأتي في قساوته بعد الماس، بعد أقسى حجر طبيعي، هذا التراب الذي تراه بعينك، تسير عليه، تحفر الأرض، تنقله من مكانٍ إلى مكان، يصبح هيكلاً عظمياً مدروساً، عظم الحوض ربنا عزَّ وجل قال:

﴿ ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ(13) ﴾

(سورة المؤمنون )

 الرحم يقع في المتوسِّط الهندسي تماماً في الجسم، لو أخذت خطاً طولياً وخطاً عرضياً يتعامدان عند الرحم، من وضع الرحم في هذا الحوض ؟!!

العضلات وحدها تعتبر من آيات الله الدالة على عظمته:

 شيءٌ آخر: هذه العضلات، ما قيمة الهيكل العظمي من دون عضلات ؟ كل عضلةٍ تُحَرِّك عَظْمَاً، لكن العضلة كيف تتقلَّص ؟ من منكم فكَّر في هذه الآية من آيات الله الدالَّة على عظمته ؟ تقلُّص هذه العضلة، عضلات مخطَّطة يأتيها أمر عصبي، ما الذي يحصل ؟ كيف تنكمش هذه العضلة فترتفع يدك، وكيف تنبسط ؟ لو اطلعت على إنسانٍ من دون جلد لرأيت في عضلاته العجب العُجاب، عضلة باسطة، وعضلة قابضة، وعضلة مائلة.
 العين فيها عضلة وحشيَّة، عضلة إنسيَّة، عضلة مائلة، حركات العين، حركات الرأس، ملامح الوجه، عضلات البطن، عضلات الظهر، عضلات اليدين، عضلات الرِجْلَين، هذه العضلات من خلقها ؟ عضلات ملساء لا إراديَّة، عضلات مخطَّطة إراديَّة، وعضلة القلب عضلةٌ قائمةٌ بذاتها، لأنها تعمل ثمانين عاماً دون كللٍ أو تعب، منذ أن ينبض القلب في الجنين إلى أن يحين الحين وهذا القلب ينبض، يستريح بين النَوْبَتَين راحةً تكفي لزوال حمض اللبن في أجزاء العضلة، هذا القلب يضخُّ في اليوم الواحد ثمانية أمتار مكعَّبة ؟! هذه أشياء بديهيَّة إخواننا الأطباء يعرفون ذلك.
 لكن في بعض البلاد المتقدِّمة عمرانياً هناك ناطحات سحاب، بعض العمارات مئة واثنا عشر طابقاً، لو أخذنا ناطحة من ناطحات السحاب مساحتها ألف متر مربَّع، أي قطرها تقريباً ثلاثة وثلاثون متراً، مساحة الناطحة ألف متر مربَّع، وارتفاعها ثلاثمئة متر، الإنسان في عمر ستين سنة يملأ هذا البناء دماً بضخِّ قلبه، فقلب الإنسان في عمر متوسِّط يضخُّ دماً يملأ هذا البناء الشاهق.
 هذا القلب، هذه العضلة التي حار العلماء فيها، هذه من تراب، فيها دَسَّامات، فيها شريان مغذٍ للعضلة نفسها، فيها أوردة، فيها فتحات، فيها أذينين، فيها بطينين، فيها أشياء محيِّرة.

ومن آياته سبحانه جلد الإنسان وشعره وأوعيته:

 لهذا أيها الأخوة:

﴿ وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ إِذَا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ (20) ﴾

 لو نظرت إلى إنسان على مستوى العضلات فقط، لولَّيت منه فراراً ولمُلئت منه رعباً، أما الإنسان بالجلد ؛ غلاف أنيق، محكم، مرن، فيه خلايا دهنيَّة ـ إذا دخل الإنسان إلى الحمام يشعر أنه بحاجة إلى مادَّة دهنيَّة تغلِّف جلده ـ هناك غدد دهنيَّة، هناك أشعار، وغدد تَعَرُّق، ونهايات عصبيَّة للحرارة، والبرودة، والضغط، واللمس، والخشونة، والنعومة، فالجلد لوحده اختصاص قائم بذاته، وأمراض الجلد لا يعلمها إلا الله، وهذا من تراب.

 

﴿ وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ إِذَا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ (20) ﴾

 الشعر، في رأس الإنسان توجد ثلاثمئة أو أربعمئة ألف شعرة، لكل شعرة شريان يغذيها، ووريد يأخذ الدم الراجع منها، وعصب حِسِّي، عصب محرِّك، وعضلة، وغدَّة دهنيَّة، وغدَّة صبغيَّة، ثلاثمئة ألف شعرة في رأسه لكل شعرة عصبٌ، ووريدٌ، وشريانٌ، وغدَّة دهنيَّة، وغدَّةٌ صبغيَّة:

 

 

﴿ وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ إِذَا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ (20) ﴾

 الأوعية، في جسم الإنسان الأوعية طولها خمسين كيلو متر، الأوعية قلوب، الله عزَّ وجل جعل الوعاء مرن، فعندما يتلقى من القلب النبضة يتوسَّع لمرونته، توسُّع هذا الوعاء بدافع مرونته ينضغط مرَّة ثانية، صار الوعاء قلب يتوسَّع وينقبض، فالله عزَّ وجل جعل للإنسان هذا الضغط الشرياني، أساساً كلَّما كان الإنسان شاباً كانت شرايينه مرنةً، ومعنى مرنة أي تريح القلب، فإذا تصلَّبت تعب القلب، فمن جعل هذه الشرايين مرنة تتجاوب مع القلب، من جعل لها عضلات تضيقها وتوسُّعها ؟
 يقول لك: هناك أدوية موسِّعة للشرايين، وهناك أدوية مضيِّقة، طبعاً كل إنسان يدخِّن توجد في الدخان مادَّة تضيِّق هذه الأوردة فتجد وجهه دائماً أصفر، وقلبه تعبان من ضيق الأوعية، والوضوء يجعل الوجه وردي اللَّوْن، السبب أن الماء البارد ينبِّه أعصاب الأوعية فيوسِّعها، اسمه وضوء من الوضاءة، هذه الأوردة والشرايين لها علم قائم بذاتها.

 

كلَّما زادت معرفتك بالله زاد خشوعك له:

 أنا أقول لكم عناوين يا إخوان، عناوين موضوعات، كل موضوع اختصاص، كل موضوع يحتاج إلى عشرة سنوات دراسة، كل موضوع فيه خمسمئة أو ستمئة مرجع، فلان جرَّاح أوعية، فلان مختص بالأمراض العصبيَّة ذات المنشأ الهضمي، في أمراض عصبيَّة ذات منشأ آخر، فهذا التفكير، هكذا يجب أن تفكِّر من أجل تعرف الله عزَّ وجل، من أجل أن ترى عظمة الله عزَّ وجل، من أجل أن تخشع له، من أجل أن تطيعه، كلَّما زادت معرفتك بالله زاد خشوعك له:

 

﴿ وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ (20) ﴾

 هذا البلعوم يعمل ثمانين عاماً بلا كَلَل ولا مَلَل، كلَّما أردت أن تبلع شيئاً أغلق فتحة الرئتين إغلاقاً محكماً، فلو دخل إلى الرئتين قطرة ماء لكان هناك مضاعفات خطيرة، فإذا أردت التنفُّس أغلق فتحة المري، وأنت نائم يجتمع اللعاب في فمك، فيتنبَّه الدماغ، فيأمر البلعوم فيفتح، وكأنَّه شرطيٌ للسَيْر، هذا يعمل ثمانين عاماً من دون كلٍٍ أو ملل وأنت لا تدري، فالإنسان عند طبيب الأسنان لأنه لا يستطيع أن يغلق فمه كي ينتقل اللعاب إلى المري، فيضع له ماصة لتمتص هذا اللعاب الزائد، اللعاب آية من آيات الله الدالَّة على عظمته.
 هذه البروستات التي يتحدَّث عنها الناس كثيراً، هذه أيضاً غدَّة تقف على مفترق الطرق، طريق ماء الحياة وطريق البول، فإذا كان لزاماً للبول أن يخرج أغلقت ماء الحياة وفتحت طريق مجرى البول، البول مادَّة حمضيَّة، إذاً هذه الغدَّة تفرز مادَّة قلويَّة تتعادل مع المادَّة الحمضيَّة لئلا يتخرَّش المَجرى، أما إذا أراد أن يخرج ماء الحياة، المجرى كان فيه بول، فتفرز هذه الغدَّة مادَّة مطهِّرة، ثم مادَّة معطِّرة، ثمَّ مادَّة سكرَّية، وأنت لا تدري، هذا المذي والمني، المذي هكذا، مواد معطِّرة ومطهِّرة ومغذِّية تفرزها البروستات، وتعمل لإغلاق مجرى البول تارةً، وإغلاق مجرى ماء الحياة تارةً أخرى، ثمانين عاماً من دون كللٍ أو ملل، وهي تراب، حفنة من تراب تصبح جهازاً بالغ التعقيد، هذه آياته الدالَّة على عظمته.

 

المري والكلية من آيات الله الدالة على عظمته أيضاً:

 المري من جعله عضلات دائريَّة على شكل حلقات ؟ لو علَّقت إنساناً من رجليه وناولته كأس ماء لصعد الماء نحو الأعلى طبعاً، بأي وضعٍ أنت إذا أكلت شيئاً ينتقل إلى المعدة ؛ بوضع أفقي، بوضع قائم، بوضع مقلوب، بأي وضعٍ شئت بفضل هذه العضلات الدائريَّة المتلاحقة التي تتقلَّص تباعاً، ومن آياته، تأكل وأنت مستريح.
 أي جسمٍ يدخل إلى الرغامى هناك أشعارٌ تطرده نحو الأعلى، هذا هو السُعال والقَشَع، إذا دخل جسم إلى الرغامى هذه الأشعار تطرده نحو الأعلى:

﴿ وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ إِذَا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ (20) ﴾

 هذه الكُلْية التي يمرُّ بها الدم في اليوم خمس مرَّات، خمس مرَّات ويقطع فيها طريقاً طوله مئة كيلو متر، والكلية الواحدة فيها طاقةٌ لتصفية الدم تعادل عشرة أمثال حاجة الجسم، فأنت مزوَّد بكليتين فيهما طاقة لتصفية البول تعادل عشرين حاجتك، هذا من اسم السلام، وأنت لا تدري، وكل عشرين ثانية نقطة بول تنزل من الكلية إلى مستودع، لو أنه لا يوجد مستودع أي إلى الخارج مباشرة لكان الإنسان يحتاج إلى فوط، فهناك مستودع، وعضلات قابضة، لو لم يكن هناك عضلات قابضة لاحتجنا إلى تنفيس للهواء وإلا فلا ينزل البول، فكِّر، عندما كان يقضي النبي الكريم حاجته كان يقول:

 

(( الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنِّي الأَذَى وَعَافَانِي ))

 

[ سنن ابن ماجة: عَنْ " أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ "]

 مستودع يكفيك ثماني ساعات، أنت مسافر لاجتماع مهم، تلقي خطاباً، فالله ساترك، لو رأساً يخرج البول لكانت المشكلة كبيرة جداً.

المثانة والحالبان من الآيات الدالة على عظمته سبحانه:

 هذه المثانة من آياته، والحالبان من آياته، وهذه العضلة إرادية، لو كانت عضلة غير إراديَّة لوقع الإنسان في متاهة كبيرة جداً، وهي من أغرب عضلات الجسم، إراديَّةٌ إلى حد، إذا البول ملأ المثانة وعاد إلى الكليتين تفتح لا إرادياً، دقِّق:

﴿ وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ (20) ﴾

 عضلةٌ إراديَّةٌ إلى حدٍ ما، فالإنسان عندما يأكل، يتنفَّس، يشرب يجب أن يفكر هذا صنع من ؟!!

 

﴿ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ ﴾

 

(سورة النمل: من آية " 88 " )

 لو لاحظت مجسَّماً بمحلات الألبسة الجاهزة تجد أن قاعدته ستين أو سبعين سنتيمتر لكي يقف هذا الإنسان الذي صنع من جبصين أو شمع، الإنسان يقف على قدمين لطيفتين، ما السر في ذلك ؟ جهاز في الأذن اسمه جهاز التوازن، وهو مكوَّن من ثلاث قنوات فيها أشعار، فيها سائل، الإنسان عندما يميل يتنبَّه فيعيد توازنه، لولا هذا الجهاز في الأذن لما أمكن الإنسان أن يركب دراجة إطلاقاً، لو كان وزن القدمين عشرين كيلو، وعرضها مئة وأربعون سنتيمتر، صار المشي أشغالاً شاقَّة، أما ربنا عزَّ وجل جعل للإنسان قدمين لطيفتين وزنهما خفيف بفضل جهاز التوازن، والدليل هل بإمكانك أن تجعل ميِّتاً يقف على قدميه ؟ يموت فيقع لأن هذا الجهاز تعطَّل، وأنت أساسك من تراب:

 

﴿ وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ إِذَا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ (20) ﴾

 

العين والأذن من إبداع الله عزَّ وجل:

 هذه العين فيها العجب العُجاب، القرنية، هذه الطبقة الشفَّافة شفافية تامَّة، كيف تتغذَّى ؟ تتغَّذى بالحلول، أي أن الشريان يأتي إلى الطرف يعطي الخليَّة غذاءها وغذاء جارتها، ينتقل الغذاء من خليَّة إلى خليَّة من أجل ضمان شفافيَّة الرؤية، هذا من إبداع الله عزَّ وجل، لو لم تكن هذه الخاصَّة موجودة ـ خاصَّة الحلول ـ لرأيت نفسك تنظر من وراء شبكة بالضبط، سيكون هناك شبكة من الأوردة والشرايين وترى من خلال شبكة، لكن ربنا عزَّ وجل جعل هذه القرنية شفَّافة، وجعل وراءها القُزحيَّة، ووراءها جسم بلوري، وخلط زجاجي، وجعل في الشبكيَّة مئة وثلاثين مليون عصيَّة ومخروط، وجعل عصباً مكوناً من تسعمئة ألف عصب ينتقل إلى الدماغ، ولو جئت بلونٍ أخضر ودرَّجته ثمانمئة ألف درجة فالعين البشريَّة ترى الفرق بين درجتين، تجد الناظر يقول: هذه أغمق، هذه أفتح، لو دَرَّجت اللون ثمانمئة ألف درجة فالعين ترى الفرق بين درجتين.
 الأذن فيها غشاء الطبل، والاهتزاز، والمطرقة، والسندان، نحن لا يوجد لدينا إلا جهاز تكبير، أما الأذن فيها جهاز بالغ الدقَّة، الصوت الضخم يخَفِّفه والضعيف يكبِّره بآنٍ واحد وأنت لا تدري، بشكلٍ لا شعوري الصوت العالي يخفِّضه هذا الجهاز، والمنخفض يضخِّمه، ولا يزال موضوع السمع شيئاً مُلْغِزَاً في علم الطب، الإنسان كيف يسمع النغم ويطرب له، وكيف يسمع الضجيج فينزعج منه ؟ ما الفرق بين الضجيج وبين النغم ؟ هذا من ألغاز العلم حتى الآن:

﴿ وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ (20) ﴾

الغدة النخامية والطحال والكبد من الآيات الدالة أيضاً على عظمة الله تعالى:

 الغدَّة النخاميَّة الصغيرة في الدماغ ملكة الجهاز الهرموني، ملكة، كل الغدد تأتمر بأمرها، الإنسان إذا رأى أفعى في بستان يرى الأفعى فتنطبع صورتها على الشبكيَّة، تنتقل للدماغ، الدماغ يأمر هذه الغدَّة النخاميَّة بالتصرُّف، هذه الغدَّة تعطي أمراً هرمونياً إلى الكظرين فوق الكليتين، الكظران يعطيان أربعة أوامر ؛ أمر للأوعية بالتضيُّق، فيصفر لون الخائف، أمر للقلب بالتسرُّع، أمر للرئتين بازدياد الخَفَقَان، وأمر للكبد لطرح كميَّة من السكر زائدة، وأنت لا تدري، أنت من تراب، فما هذه التعقيدات البالغة ؟
 الطحال مقبرة لكريات الدم الحمراء، والطحال معمل دم احتياط، لو قُصِفَت معامل الدم، هناك معامل دم أخرى جاهزة للصناعة، فالطُحال معمل للدم احتياط، والطحال مقبرة، والطحال مستودع، مستودعٌ لكريات الدم الحمراء، ومعملٌ احتياطي، ومقبرةٌ تتحلَّل بها هذه الكريات وأنت لا تدري.
 الكبد، الكبد يقوم بخمسة آلاف وظيفة، والكبد بإمكانه أن يعيد بناء نفسه في ستة عشر أسبوعاً، لو جاء الجرَّاح وقطع بالمشرط أربعة أخماس الكبد وبقي الخُمس، الكبد يعيد بناء ذاته في ستة عشرَ أسبوعاً، أسرع الخلايا في الإنسان في نموها خلايا الكبد، وأنت لا تدري، الكبد يقوم بخمسة آلاف وظيفة، الإنسان لا يستطيع أن يعيش بلا كبد أكثر من ثلاث ساعات، وتَشَمُّع الكبد أخطر مرضٍ في الإنسان أساسه الخمر، شرب الخمر يؤدي إلى تشمُّع الكبد، أي تَعَطُّلِ وظائفه.

البنكرياس والطحال والكبد والصفراء كلها لها وظائف خطيرة في الإنسان:

 أيها الأخوة هذه عناوين، أنا أعطيكم عناوين، كل موضوع يحتاج إلى خمس سنوات دراسة، خمس سنوات كتب ومراجع كي تختص بأمراض الكبد، أو أمراض الغدد.
 هذه الغدَّة الدرقيَّة فيها شيء عجيب، فيها الدَرَقِين الذي يعين على الاستقلاب، والاستقلاب تحوُّل الغذاء إلى طاقة، إذا كانت هذه الغدَّة نشيطة يصبح الإنسان كله نشيطاً، كل شيء يأكله يُصبح طاقةً، إذا ضعفت هذه الغدَّة يصبح خامل الجسم يميل للراحة، إذاً يذهب جزء من غذائه إلى التخزين فيزداد وزنه، الغدد دقيقة جداً، بالمعايير، مفرزات الغدَّة النخاميَّة تُنَشِّط الغدَّة الدرقيَّة، مفرزات الدرقيَّة تثبِّط الغدَّة النخاميَّة، في توازن دقيق.
 البنكرياس، أنت تحرق السُكَّر في درجة سبع وثلاثين، أحضر سكَّر وضعه على كفَّك لا يحترق إلا بدرجة مئة، ما المادَّة التي تحرق السكَّر في درجة منخفضة ؟ هي الأنسولين المفرز من البنكرياس، فالذي يضعف بنكرياسه يصاب بمرض السكر، السكر هو سكر متراكم في الدم غير محترق، فلكي يحرقوا هذا السكر يحتاج إلى إبرة من الأنسولين، البنكرياس له وظيفة خطيرة في الإنسان، الطحال له وظيفة، الكبد له وظيفة، الصفراء لها وظيفة.
 فإذا أحد الأشخاص استأصل الصفراء، لا يستطيع أن يأكل مواد دهنية، لأن الصفراء هي التي تفرز مادَّتها فتذيب الدُهن وتهضمه، لئلا تتراكم في جسمه.
 هذه عناوين موضوعات بين أيديكم، وأصلك من تراب:

﴿ وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ إِذَا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ (20) ﴾

 الحنجرة، هذا الدرس إلقاؤه بهذه الحنجرة، هي عبارة عن فتحة لها قُطر مُعَيَّن دقيق جداً، لو اتسعت قليلاً ذهب الصوت، ولو ضاقت لانحبس الصوت، وكل إنسان له نبرة لصوته، كانوا قديماً يظنون أن الإنسان له بصمة واحدة، الآن قزحيَّة عينه بصمة، لا يوجد إنسان بالخمسة آلاف مليون إنسان تشبه قُزحية عينه قزحيَّة عينٍ أخرى، أبداً، بصمته هويَّة، وقزحيَّة عينه هويَّة، ونبرة صوته هويَّة، وبلازما الدم هويَّة، والزمرة الدمويَّة هويَّة، والزمر النَسيجيَّة هويَّة، الله خلق الإنسان فرد، خلقه على صورته.

للإنسان حياة عقليَّة وحياة نفسيَّة وحياة اجتماعيَّة:

 أيها الأخوة الآية الكريمة تقول:

﴿ وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ إِذَا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ (20) ﴾

 هذه فيها معنى آخر، الطَبع، فلان انطوائي، وآخر مُنْفَتِح، وثالث اجتماعي، ورابع انعزالي، وخامس حاد، وغيره هادئ، وآخر أنيق، أو أقل أناقة، هذا انفعالي وذاك عصبي المزاج، وغيره متشائم أو متفائل، وهذا سهل وذاك ممتنع، توجد طباع مختلفة، من صمَّم هذه الطباع ؟ الطباع علم قائم بذاته يُدَرَّس في الجامعات اسمه علم الطباع.
 حتى بين الذكر والأنثى، طفلة صغيرة تأتي بوسادة وتجعلها ابنتها، وتربت على ظهرها، وتسكتُها، وتطعمها، أما الطفل يركب قضيباً وكأنه يمتطي حصاناً، فمن صمَّم هذا الطفل الصغير على طباع، وعلى أشكال، وعلى أخلاق، وعلى تصرُّفات تتناسب مع وظيفته ؟

 

﴿ إِذَا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ (20) ﴾

 تجد في سن الثامنة عشر الشاب يَخْشن صوته، تنمو عضلاته، ينمو شعره في أماكن معيَّنة، الفتاة لها ترتيب آخر، ينمو صدرها، فما هذا الترتيب ؟ هذا من تصميم الله عزَّ وجل.
 شيءٌ آخر: أنت في حياة نفسية تعيشها غير هذا الجسد، تحس بالخوف، تحس بالغضب، تحس بالرضى، تحس بالتشاؤم، تحس بالثورة، بالانفعال، أحياناً تهدأ، أحياناً ترجو، يمر على الإنسان مشاعر عديدة جداً، نحن درسنا في الجامعة ثلاثمئة مرض نفسي، أمراض، ومشاعر، وأحوال، أنت لك عالَم قائم بذاته وهو عالَم النفس، والآن يوجد علم نفس الشيوخ، وعلم نفس الصغار، علم نفس المَعوقين، هذه النفس غير الجسد، أحياناً الإنسان يفقد ثقته بنفسه فينعكس هذا بحبسة في اللسان، يتأتىء بسبب ضعف الثقة بنفسه، هناك أمراض عضويَّة كثيرة جداً أسبابها نَفْسِيَّة، هناك شلل سببه نفسي وهو شعور بالذنب يُجَسَّد بشلل، لا يشفى إلا عندما ترجع ثقته بنفسه، فالنفس عالَم قائم بذاته.
 هناك حياة عقليَّة، يوجد عندنا إدراك، وإحساس، ويقين، وتصوُّر، وتذكُّر، وتخيُّل، ومحاكمة، العقل عالم قائم بذاته، توجد حياة عقليَّة للإنسان، وحياة نفسيَّة، وحياة اجتماعيَّة ؛ الإنسان يألف أخاه، الإنسان يأنس بزوجته أحياناً، بأهله، بأقربائه، أحياناً ينتقل من بلد إلى بلد ويدفع مئة ألف ليرى أمَّه، هذه حياة اجتماعيَّة، الله عزَّ وجل ثبَّتها بالإنسان.

 

تنوَّع القدرات والمواهب والمشاعر والطباع من آيات الله الدالة على عظمته:

 من ركَّب هذا الإنسان بهذه الطريقة ؟ هناك حياة جسميَّة، حياة عقليَّة، حياة نفسيَّة، حياة اجتماعيَّة، ربنا قال:

﴿ إِذَا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ (20) ﴾

 هذا مهندس، هذا طبيب، هذا محامِ، هذا مدرِّس، هذا بنَّاء، هذا طيَّان، هذا دهَّان، هذا كهربائي، هذا محاسب، هذا فنَّان، هذا خطَّاط، هذا رسَّام، هذا موسيقي، هذا محتال، هذا منحرف، أنواع منوَّعة، ملكات وقدرات، هذا عنده قوة إقناع، هذا عنده قوة تأثير، هذا عنده قوة جذب، هذا عنده قدرة في الذاكرة كبيرة جداً، يسمع الاسم فيحفظه من أول مرة، هذا ذاكرته أرقام، هذا ذاكرته وجوه، هذا ذاكرته صور.

 

﴿ إِذَا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ (20) ﴾

 راقب الناس، فلان عنده بيت أنيق جداً كل يعتني به، وآخر بيته لا ينتظم لأنه مهتم بشيء ثان، شخص آخر مهتم بالتُحَف، واهتمام الآخر بالمال، فلان مهتم بالعلاقات الاجتماعيَّة، وغيره مهتم بالمناصب، اهتمامات:

 

 

﴿ وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى(1)وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى(2)وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالأُنْثَى(3)إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى(4) ﴾

 

( سورة الليل )

 من صمَّم هذا التصميم ؟ يوجد في الشام خطاطين ثلاثة أو أربعة أو خمسة، لو كان فيها مليون خطَّاط لماتوا كلهم من الجوع، كل مهنة تجد أنها تتناسب مع حاجة البلد، هذه المهن الراقية، هذه المهارات الفنيَّة، هذا النبوغ، تجده متوازناً مع حاجة كل منطقة.

الله تعالى أعطى الإنسان عقلاً وألهمه:

 قال تعالى:

﴿ ثُمَّ إِذَا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ (20) ﴾

 أنت فكِّر بالحياة العقليَّة للإنسان، وبالحياة الاجتماعيَّة، بالحياة النفسيَّة، بتنوَّع القدرات، بتنوُّع المواهب، بتنوُّع المشاعر، فكِّر بالطباع ؛ من صمَّم هذا التصميم ؟!! وكله من تراب، أليست هذه آيةً دالَّةً على عظمة الله عزَّ وجل، هذه الآية يمكن أن تكون موضوعاً لأفكار شَتَّى وكثيرة في كل يوم، فالإنسان لا يمر على الآيات مرور الكرام، فأي شيء فعله يقف عنده.

 

﴿ وَمِنْ آَيَاتِهِ (20) ﴾

 هذه الـ(من) للتبعيض، أي من بعض آياته:

 

 

﴿ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ إِذَا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ (20) ﴾

 معنى من تراب، سيدنا آدم من تراب ثمَّ نفخ فيه من روحه، خذ إنساناً ميِّتاً ماذا يساوي ؟ هو مسمار حديد، وقليل من الكلس، ودهن قليل، الإنسان عبارة عن لوح صابون، وحوالي لترين كلس، وتقريباً مسمار من حديد، وسبعين بالمئة منه ماء، ثمنه كله خمس وعشرون ليرة إذا كان ميتاً، أما وهو حي مصلح عظيم، ونبي عظيم، سيدنا رسول الله قلب وجه الأرض، أساسه تراب، وقد تجد إنساناً ترك أثراً كبيراً جداً في العالَم لما حباه الله من ذكاء وعبقريَّة، ومثال ذلك اختراع الطائرة، تطير في الجو وفيها ثلاثمئة وخمسين راكباً، مكيَّفة، آكلين، مرتاحين على مقاعد وثيرة، هذا من آثار الدماغ، الله أعطى الإنسان عقلاً وألهمه.

 

التفكير عبادة وفريضة لأنه القناة الوحيدة لمعرفة الله:

 قال تعالى:

﴿ وَيَخْلُقُ مَا لا تَعْلَمُونَ(8) ﴾

( سورة النحل )

 انظر للآلات الحديثة، وأنت جالس تتصل بآخر هاتفياً في اليابان، تسمعه وكأنه يجلس بجانبك، بجهاز التلكس الحديث، تضع أصبعك على الزر ( M ) فيصل إلى آخر الدنيا في الثانية نفسها، ما هذا ؟ هذه من آثار العقل الذي أكرمنا الله به، فالإنسان لا يمشي هكذا كالأنعام، الأنعام ماذا تفعل ؟ تأكل، وتشرب، وتتنعَّم، وليس هناك تفكير يهديها إلى خالقها.
 إن شاء الله في درسٍ قادم نتابع هذه الآيات، هذه آيات دقيقة جداً وموضوعات، عناوين لموضوعات كبيرة جداً، والتفكير عبادة وفريضة، وآياتٌ كثيرةٌ تأمركم أن تفكِّروا، ولن تتعرَّفوا إلى الله إلا من خلال التفكير، فهو القناة الوحيدة لمعرفة الله.

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018