الخطبة : 1006 - المحبطات من الأعمال في ضوء القرآن الكريم - أهمية الإعلام - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠1خطب الجمعة
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الخطبة : 1006 - المحبطات من الأعمال في ضوء القرآن الكريم - أهمية الإعلام


2006-05-19

 الخطبة الأولى
 الحمد لله نحمده، ونستعين به، و نسترشده، ونعوذ به من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مُضل له، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، إقراراً بربوبيته، وإرغاماً لمن جحد به وكفر، وأشهد أن سيدنا محمداً صلى الله عليه وسلم رسول الله، سيد الخلق و البشر، ما اتصلت عين بنظر، أو سمعت أذن بخبر، اللهم صلِ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه، وعلى ذريته ومن والاه ومن تبعه إلى يوم الدين، اللهم علمنا ما ينفعنا و انفعنا بما علمتنا و زدنا علماً، و أرنا الحق حقاً و ارزقنا اتباعه و أرنا الباطل باطلاً و ارزقنا اجتنابه، و اجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه و أدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.

الموضوعات المصيرية:

 أيها الإخوة الكرام، بادئ ذي بدء هناك موضوعات تقرؤها، تستمع إليها، تصغي إليها، تشاهدها، ثم تنتهي وتتثاءب وتنام، لأنها موضوعات سخيفة، أو لا تقدم ولا تؤخر، ولا تؤثر في مستقبل حياتك، لكن هناك موضوعات إذا قرأتها، أو استمعت إليها، أو شاهدها، وتنتهي تبدأ متاعبك، لأنها وضعتك أمام مسؤولياتك.
 إذاً يمكن أن نقول: هناك موضوعات مصيرية خطيرة مقلقة وهناك موضوعات ثانوية، تماماً كأمراض لا تعد ولا تحصى يصاب بها الإنسان لا يعبأ كثيراً يذهب إلى الطبيب يأخذ الدواء يشفى، لكن هناك بعض الأمراض أمراض وبيلة تنهي حياة الإنسان أمراض عضالة فأي ورم لو أخذت خزعة منه إلى مخبر وجاء الجواب إيجابياً صاحب هذا المرض لا ينام الليل لأنه مرض عضال ينهي حياة الإنسان، لو انتقلنا إلى جانب الدين هناك أعمال محبطة قدمت لها في الأسبوع الماضي تنهي العمل ولا بد من أن أشير هنا إلى قوله تعالى:

﴿ وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُوراً ﴾

[ سورة الفرقان ]

 ولقول النبي عليه الصلاة والسلام:

 

(( لَأَعْلَمَنَّ أَقْوَامًا مِنْ أُمَّتِي يَأْتُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِحَسَنَاتٍ أَمْثَالِ جِبَالِ تِهَامَةَ بِيضًا، فَيَجْعَلُهَا اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ هَبَاءً مَنْثُورًا، قَالَ ثَوْبَانُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، صِفْهُمْ لَنَا، جَلِّهِمْ لَنَا، أَنْ لَا نَكُونَ مِنْهُمْ، وَنَحْنُ لَا نَعْلَمُ، قَالَ: أَمَا إِنَّهُمْ إِخْوَانُكُمْ، وَمِنْ جِلْدَتِكُمْ، وَيَأْخُذُونَ مِنْ اللَّيْلِ كَمَا تَأْخُذُونَ، وَلَكِنَّهُمْ أَقْوَامٌ إِذَا خَلَوْا بِمَحَارِمِ اللَّهِ انْتَهَكُوهَا ))

 

[ ابن ماجه ]

 إذاً موضوع هذه الخطبة من الموضوعات المصيرية المقلقة، لأن إحباط العمل يعني شقاء الدنيا والآخرة، إحباط العمل يعني جهنم إلى أبد الآبدين، إحباط العمل أن كل شيء فعلته طوال حياتك يصبح هباءً منثوراً، الرجل يعبد ربه ستين عاماً، ثم يضر في الوصية فتجب له النار، لذلك ننطلق من هذه الخطبة من قول حذيفة بن اليمان رضي الله عنه: << كَانَ أَصْحَابُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَسْأَلُونَهُ عَنْ الْخَيْرِ، وَكُنْتُ أَسْأَلُهُ عَنْ الشَّرِّ مخافة أن يدركني >>.
 من منطق سيدنا حذيفة، ومن فهم سيدنا حذيفة، ومن قلق سيدنا حذيفة يكون هذا الموضوع اليوم.

 

المحبِطات من الأعمال في ضوء القرآن:

 

 موضوع الخطبة المحبطات من الأعمال في ضوء القرآن الكريم إحدى عشرة محبطة.

المحبِط الأول: كراهة ما أنزل الله:

 قال تعالى:

 

﴿ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ ﴾

 

[ سورة محمد ]

 أول آية: كيف يصلي، ويصوم، ويذهب إلى الحج، ويؤدي زكاة ماله، لكنه يكره تحريم الاختلاط، يكره استثمار الأموال بفائدة، يكره الممنوعات في الإسلام، يراها عبئاً عليه، وأنا أؤكد لكم أن الإنسان لمجرد أن يكره ما أنزل الله بعيدٌ بُعد الأرض عن السماء عن أن يكون فقيهاً في الدين، لأنني أقول دائماً: إنك تمشي في فلاة ورأيت لوحة كتب عليها حقل ألغام، ممنوع التجاوز، فإن كنت واعياً ترى أن هذه اللوحة ليست حداً لحريتك، لكنها ضمان لسلامتك، وفرق كبير بين أن تفهم المحرمات حداً لحرية الإنسان وتضييقاً عليه وبين أن يفهمها ضماناً لسلامته، لذلك لمجرد أن تكره ما أنزل الله من تحريم للاختلاط، من تحريم لإيداع المال في البنوك، من تحريم التأمين، هذا تراه ضرورات وحاجات أساسية، وتزدهر بها الحياة، وترقى بها الحياة، يا أخي الإسلام صعب، قيّدنا، ومنعنا، لمجرد أن تكره حبط عملك، لا تقبل مني كلمة من دون دليل، لا يجرؤ أحد على وجه الأرض أن يقول في الدين برأيه، الآية الكريمة:

 

﴿ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ ﴾

 

[ سورة محمد ]

 معنى إحباط العمل، في الأصل الدابة حينما ترعى كلأ مسموماً تنتفخ، وتنتفخ، وتنتفخ إلى أن تموت، ناقة محبطة أكلت طعاماً مسموماً، فانتفخت، ثم انفجر بطنها، ثم ماتت، إحباط العمل في ضوء قوله تعالى:

 

﴿ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحاً تَرْضَاهُ ﴾

 

[ سورة الأحقاف: 15 ]

 متى يرضى الله عن العمل ؟ إذا كان خالصاً لوجه الله تعالى، ابتغي به وجه الله، وسلِم من الشرك الجلي والخفي، وكان العمل وفق السنة، فهذان شرطان لازمان لا يغني أحدهما عن الآخر.
 لو تصورنا إنسانًا نيته طيبة، لكن أقام حفلا غنائيًّا يرصد ريعه إلى العمل الخيري، هذا عمل محبط، لأن النية كما يدعي طيبة، لكن السلوك خلاف السنة.
 إنسان أقام يا نصيب خيريًّا، هذا العمل لو افترضنا أن نيته صالحة، لكن مظهره مخالف لمنهج الله عز وجل.
 هذه كلمة دقيقة العمل لا يقبل إلا إذا كان خالصاً وصواباً، خالصاً ما ابتغي به وجه الله وصواباً ما وافق السنة.
 الآن إحباط العمل إما لمظهره، لآليته، أو لنيته، إنسان له أعمال طيبة جليلة، أراد بها الدنيا، عمله محبط، لأنه ما ابتغى بها وجه الله عز وجل، لكن هذا لا يمنع أن يكافئه الله في الدنيا، لأنه ما أحسن عبد في الدنيا إلا وقع أجره على الله في الدنيا، إذاً العمل يحبط لإحدى علتين، علة عدم إخلاص صاحبه لله عز وجل، ولعدم موافقته لمنهج النبي عليه الصلاة والسلام.
 لمجرد أن يكون العمل على خلاف منهج الله، أو يكون العمل مشوباً بشرك أرضي خفي أو جلي فالعمل لا يقبل، وهذا من المحبطات.

المحبِط الثاني: اتِّباع ما أسخط الله:

 الآن البند الثاني: اتباع ما أسخط الله، الكراهية محبطة، والسلوك محبط الآية الكريمة:

 

﴿ ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللَّهَ وَكَرِهُوا رِضْوَانَهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ ﴾

 

[ سورة محمد ]

 لذلك يضرب الملائكة هؤلاء الذين أحبط الله أعمالهم، يضربون وجوههم وأدبارهم، الوجه مكان المحاكمة والمحبة والكراهية، كره هذا الذي أنزل الله، ولأنه أدبر عن طاعة الله فيضربون وجوههم وأدبارهم.

 

المحبِط الثالث: اتباع أهل الضلال:

 ثالثاً: وهو الأخطر، و هو الأعم الأغلب، وهو الذي سرى في العالم الإسلامي كما تسري النار في الهشيم، اتباع أهل الضلال.
 دققوا في قوله تعالى:

 

 

﴿ كَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْكُمْ قُوَّةً وَأَكْثَرَ أَمْوَالاً وَأَوْلَاداً فَاسْتَمْتَعُوا بِخَلَاقِهِمْ فَاسْتَمْتَعْتُمْ بِخَلَاقِكُمْ كَمَا اسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ بِخَلَاقِهِمْ ﴾

 

[ سورة التوبة: 69 ]

 أمم قوية جداً، ذكية جداً، غنية جداً، فيها تقنية وحضارة، وجمال ومال، وإعلام، وشهوات على عرض الطريق، واللذات يصلها الإنسان بأقلّ ثمن، ومن دون مسائلة، والحياة جميلة، والملاهي والمسارح والنساء كاسيات عاريات، والأفلام، والفضائيات، هؤلاء أهل الغرب استمتعوا بخلاقهم، استمتعوا بنصيبهم من الدنيا أعلى استمتاع.

 

﴿ كَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْكُمْ قُوَّةً وَأَكْثَرَ أَمْوَالاً وَأَوْلَاداً فَاسْتَمْتَعُوا بِخَلَاقِهِمْ فَاسْتَمْتَعْتُمْ بِخَلَاقِكُمْ كَمَا اسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ بِخَلَاقِهِمْ ﴾

[ سورة التوبة: 69 ]

 إنّ تقليد أي شيء غربي محبب، أنماط الحياة، أنماط السلوك، الاحتفالات، السهرات، الندوات، الزيارات، السفر، السياحة، النمط الغربي معمم في الأرض عن طريق التواصل الإعلامي، النمط الغربي معمم، تذهب إلى بلاد إسلامية كثيرة فتجد جوامع وصلوات، أما الحياة اليومية فإنها حياة غربية، الآية دقيقة جداً:

 

﴿ كَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْكُمْ قُوَّةً وَأَكْثَرَ أَمْوَالاً وَأَوْلَاداً فَاسْتَمْتَعُوا بِخَلَاقِهِمْ فَاسْتَمْتَعْتُمْ بِخَلَاقِكُمْ كَمَا اسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ بِخَلَاقِهِمْ وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خَاضُوا ﴾

[ سورة التوبة: 69 ]

 أكثر البرامج التي تعرض مقتبسة من العالم الغربي، هذه البرامج الساقطة التي تثير الشهوات والغرائز، وتوقع الشباب في معاصٍ لا نهاية لها، وتجعل البيت ملهىً ليلياً، هذه البرامج التي يحرص الناس على متابعتها، وقد يصل الاتصال بهذه البرامج إلى ثمانية وستين مليون اتصال في عشرين يوماً، وهذه المبالغ تكفي لحل مشكلات الأمة بالمليارات.

 

﴿ فَاسْتَمْتَعُوا بِخَلَاقِهِمْ فَاسْتَمْتَعْتُمْ بِخَلَاقِكُمْ كَمَا اسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ بِخَلَاقِهِمْ وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خَاضُوا أُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ ﴾

 

[ سورة التوبة: 69 ]

 شيء مخيف أيها الإخوة، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

 

(( لتتبعن سُنّةَ مَن كان قبلكم باعا بباع، وذراعا بذراع، وشبرا بشبر، حتى لو دخلوا في جحر ضب لدخلتم فيه، قالوا: يا رسول الله، اليهود والنصارى ؟ قال: فمن إذًا ؟‍‍! ))

 

[ابن ماجه]

 نساء المسلمين يلبسون بتصميمِ مصمِّم أزياء غربي، وقد يكون يهودياً، يكشف عورات النساء، يضيق الثياب، يقصرها، يظهر مفاتن المرأة، ونحن نقلده، لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه، كل صرعات الأزياء خلال أسبوعين تنتقل إلينا، وتعم أنماط الحياة، الأزياء، الحفلات، هذا كله تقليد أعمى، وننسى منهج ربنا، ننسى ديننا، ننسى المنهج الذي رفعنا إلى أعلى عليين، ننسى المنهج الذي جعلنا قادة للأمم بعد أن كنا رعاة للغنم.
 أيها الإخوة الكرام آية ثالثة:

 

﴿ كَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْكُمْ قُوَّةً وَأَكْثَرَ أَمْوَالاً وَأَوْلَاداً فَاسْتَمْتَعُوا بِخَلَاقِهِمْ فَاسْتَمْتَعْتُمْ بِخَلَاقِكُمْ كَمَا اسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ بِخَلَاقِهِمْ وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خَاضُوا أُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ ﴾

 

[ سورة التوبة ]

 أن تكره ما أنزل الله، أن تتبع ما يسخط الله، أن تقلد الأغنياء والأقوياء في العالم، وأن نجعل حياتهم ونموذج سلوكهم واحتفالاتهم، وأنماطهم المعيشية منهجاً لنا، لا يمكن أن تعطى رخصة فندق من نوع الخمس نجوم إلا ببيع الخمر، وكأنه كلام منزل، وكأنه شيء لا يمكن أن يخرق، مستحيل، إذا قلت: فندق خمس نجوم إذاً ينبغي أن يباع فيه الخمر.

 

المحبِط الرابع: الكفر والصد عن سبيل الله ومشاققة الرسول:

 قال تعالى:

 

 

﴿ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَشَاقُّوا الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئاً وَسَيُحْبِطُ أَعْمَالَهُمْ ﴾

 

[ سورة محمد ]

 أنا أتتبع كلمة إحباط العمل في القرآن الكريم، والتي وردت في إحدى عشرة آية.
 أيها الإخوة الكرام، قال تعالى:

 

﴿ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَشَاقُّوا الرَّسُولَ ﴾

 

[ سورة محمد ]

 مشاققة الرسول في حياته أن تحاربه، أن تكذبه، أن تسخر من دعوته، لكن مشاققة الرسول بعد مماته أن تهجم على سنته، أن تهجم على منهجه، أن تسفه منهجه، أن تعد منهجه خاضعاً للمناقشة، ومنهجًا يصلح لعصور قبل ألف عام، ولا يصلح لهذه الأيام، فرفضُ السنة ينضوي تحت هذه الآية، ومشاققة الرسول أن لا تأخذ بها، أو أن تفند سلبياتها بحسب أوهامك، أو أن تراها منهجاً لا يصلح لهذا العصر، لن يضروا الله شيئاً.

 

(( لو أن أولكم وآخركم، وإنسكم وجنكم كانوا على أفجر قلب رجل واحد منكم ما نقص في ملكي شيئاً ))

 

[ مسلم عن أبي ذر]

المحبِط الخامس: سوء الأدب مع الرسول ورفع الصوت في حياته وبعد مماته:

 قال تعالى:

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ ﴾

[ سورة الحجرات ]

 الآية واضحة جداً، في حياة النبي كان الذي يرفع صوته فوق صوت النبي يحبط عمله، وهناك قصص كثيرة جداً ترويها كتب السيرة عن أصحاب كرام كان صوتهم عالياً دون قصد، فخافوا الهلاك، وبكوا، إلاّ أن النبي عليه الصلاة والسلام طمأنهم، لكن علمنا الله عز وجل كيف أن نكون مؤدبين مع النبي إذا التقينا معه، هكذا في كتابه، وفي سنته، هذا المنهج الذي قيل: إنه لا يصلح الآن، يضعه تحت البحث، يقيّمه، وكأنه منهج أرضي، وكأنه من صنع البشر، هو من عند خالق البشر، لمجرد أن تضع هذا المنهج على طاولة البحث، وتحاول أن ترى السلبيات والعقبات، وتقول: هذا لا يصلح، لا بد من تطوير أحكامنا الفقهية تطويراً جذرياً، نسمح بكذا وكذا وكذا، وكل هذا محرم في السنة، لمجرد أن تجعل منهج النبي كأي منهج أرضي قابلاً للبحث، وقابلاً للنقض والإلغاء والاعتراض، فأنت رفعت صوتك فوق صوت النبي، وأنت جعلت منهج النبي كأي منهج أرضي، قال تعالى:

 

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ ﴾

 

[ سورة الحجرات: 2]

 فضل كلام الله على كلام خلقه كفضل الله على خلقه، لمجرد أن تتوهم أن هذا المنهج كأي منهج آخر، نناقشه، لا هذا من نوع آخر، هذا من عند خالق البشر، من عند المطلق، من عند المعصوم الذي عصمه الله عن أن يخطئ في أقواله وأفعاله وإقراره، هذا المنهج لا يمكن أن يكون خاضعاً للبحث والدرس، يخضع لشيء واحد، كيف أطبقه ؟ كيف أشكل حياتي وفقه ؟ كيف أجعله حكماً في كل شيء ؟ قال تعالى:

 

﴿ فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً ﴾

 

[ سورة النساء ]

 إذاً: رفع صوت الإنسان فوق صوت النبي بعد موته له معنىً آخر، أن تنادي بالاختلاط، أن تنادي بإلغاء بعض الأحكام، لأنها لا تناسبنا، أو نستحي بها، أو نراها غير مقبولة عند الطرف الآخر، نلتمس رضاهم، نتمنى أن يرضوا عنا.
 لذلك أيها الإخوة:

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ ﴾

[ سورة الحجرات ]

 والمشكلة أن أخطر الأمراض قاطبة هي الأمراض التي لا أعراض لها، كالورم الخبيث، بلا أعراض، يكتشف فجأة أنه في الدرجة الخامسة، وسيقضي على صاحبه، أما أي مرض آخر له أعراض مزعجة فهذا مرض سهل جداً، سهل معالجته، لذلك وأنتم لا تشعرون هذه الأمراض تنمو وتنمو إلى أن ترى أن هذا الدين لا يصلح، والآن هناك أصوات عالية تنادي لجعل الدين في المساجد فقط، لا يصلح للحياة، يتوهمون أنه يشق صفوف الأمة، لذلك في مطلع عصر النهضة قال شاعر:

 

سلام على كفر يوحد بيننا  وأهلاً وسهلاً بعده بجهنم
***

 هذا المنطلق أيها الإخوة الكرام، نحن مع الوحدة الوطنية، مع كل ما يقوينا، ولكن لسنا مع أن ننبذ منهج الله عز وجل، منهج الله يطبق في كل زمان ومكان، ويحترم الطرف الآخر، ويقبل به، وليس هناك أي قلق من أن تفكك وحدة الأمة إذا طبقنا منهج الله عز وجل، ولكن أعداء الإسلام ما إن تذكر أمامهم كلمة تطبيق منهج الله لا يفهمون من هذه الكلمة إلا شيئاً واحداً من مليون شيء، هو قطع يد السارق، وهل من مشكلة على ظهر الأرض تدمر المجتمعات البشرية كالسرقة ؟ إلى أن أصبحت ثروات الأرض بيد عشرة بالمئة، ينعمون ببذخ يفوق حد الخيال، وتسعون بالمئة من أهل الأرض يعيشون على الفتات، فقر مدقع، بطالة، تخلف، فقر، وسيدنا علي يقول: << كاد الفقر أن يكون كفراً >>.

 

 

المحبِط السادس: الرِدّة:

 أيها الإخوة الكرام، شيء آخر من الأعمال الوبيلة التي تشبه الأمراض الخبيثة بالضبط الردة، قال تعالى:

 

 

﴿ وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ ﴾

 

[ سورة البقرة: 217]

 مرة ثانية: إحباط العمل أن يفقد الإخلاص، أعمال كجبال تهامة، لكن الدنيا وراءه، سمعة، العلو في الأرض وراء هذه الأعمال، أو أن هذه الأعمال منحطة بالأساس، انتشار الملاهي، هذه أعمال منحطة، كلها تسهم في إفساد الشباب، قال تعالى:

 

﴿ وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ﴾

 

[ سورة البقرة ]

 أيها الإخوة، يقول الله عز وجل يخاطب سيد الخلق وحبيب الحق:

 

﴿ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ ﴾

 

[ سورة الزمر: 65]

 هذا خطاب للنبي، والعلماء قالوا: مستحيل وألف ألف مستحيل أن يرتد النبي إلى الشرك بعد الإيمان، ولكن يبين الله أن الشرك والارتداد عن الدين أمر خطير، والنبي عليه الصلاة والسلام على شرف منزلته لو أشرك لحبط عمله، يا رسول الله، مثل بهم، قال: لا أمثل بهم فيمثل الله بي ولو كنت نبياً.
 ما خوطب عليه الصلاة والسلام في رأي بعض العلماء هو لأمته حتى يثبت اختصاصه، من يرتد عن الإسلام فقط حبط عمله، قد يكون الارتداد داخليًا، ما جهر بكلمة، هو ارتداد، لكن يرى أن هذا الدين لا يصلح، وأن هذا الدين منهج غير ناجح في الحياة، حينما يصل الإنسان إلى هذا المستوى معنى ذلك هو بشكل أو بآخر مرتد.
 أيها الإخوة، لكن بعض العلماء يقول: " من ارتد ثم عاد إلى الإسلام يرجع إليه عمله الذي أحبط بارتداده "، وهذا من رحمة الله بالإنسان، والإنسان إذا تاب، وعاد بعد التوبة الذنوب التي غفرت بالتوبة ترجع مساءلتها يوم القيامة، هذا كلام دقيق، من آمن بالله، ثم ارتد فالذنوب التي غفرت له يحاسب عليها، ومن ارتد ثم عاد إلى صوابه فالأعمال التي كان سيحاسب عليها يعفى منها.
 لذلك قال بعض العلماء: " إن القلب الذي ذاق حلاوة الإيمان مستحيل وألف ألف مستحيل أن يرجع عنه، ومن عرف الحق لا يرجع عنه أبداً ".
 قد يكون الإسلام خلبياً، إسلامًا شكليًّا، إسلامًا مِن ورائه مصالح، مثل هذا الإسلام قد يعقبه ارتداد، أما الإيمان الحقيقي، الذي ذاق طعم الإيمان، الذي ذاق القرب من الواحد الديان، فهذا مستحيل أن يرتد عن منهج الله.

 

المحبِط السابع: النفاق:

 أيها الإخوة، النفاق يحبط العمل، قال تعالى:

 

 

﴿ قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ وَالْقَائِلِينَ لِإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا وَلَا يَأْتُونَ الْبَأْسَ إِلَّا قَلِيلاً * أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ فَإِذَا جَاءَ الْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشَى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ فَإِذَا ذَهَبَ الْخَوْفُ سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ أَشِحَّةً عَلَى الْخَيْرِ أُولَئِكَ لَمْ يُؤْمِنُوا فَأَحْبَطَ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيراً * يَحْسَبُونَ الْأَحْزَابَ لَمْ يَذْهَبُوا وَإِنْ يَأْتِ الْأَحْزَابُ يَوَدُّوا لَوْ أَنَّهُمْ بَادُونَ فِي الْأَعْرَابِ يَسْأَلُونَ عَنْ أَنْبَائِكُمْ وَلَوْ كَانُوا فِيكُمْ مَا قَاتَلُوا إِلَّا قَلِيلاً ﴾

 

[ سورة الأحزاب ]

 النفاق يحبط العمل، المنافق هو إنسان ليس مؤمناً، لكنه ارتبطت مصالحه بالمؤمنين، فنافق من أجل مصالحه، هذا نفاق أشد من الكفر، لذلك قال تعالى:

 

﴿ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ ﴾

[ سورة النساء: 145]

 أيها الإخوة الكرام، قال قتادة: " إذا ذهب الخوف سلقوكم بألسنة حداد، أما عند الغنيمة فأشح قوم هم وأسوأ مقاسمة، أعطونا، أعطونا، فإنا قد شهدنا معكم، وأما عند البأس فأجبن قوم، وأخذله للحق ".
 بشكل أو بآخر المنافق عند الغنائم في الصف الأول، وعند العزائم لا تجده إطلاقاً، ديدنه مصلحته، لذلك الكافر واضح، هو لا يحترم، لكن يحترم بطريقة معقدة، لأنه واضح لن يغشك، يقول لك: أنا لا أؤمن بالدين إطلاقاً، أنت لا تتأثر به، ولا يمكن أن يسبب لك مشكلة، وضوحه أراحك منه، والمؤمن واضح، أما هذا الثالث المنافق فأعماله كالمؤمنين، وأفعاله كالشياطين، يشق الصفوف، يدخل مع هؤلاء ومع هؤلاء، قال تعالى:

 

﴿ وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آَمَنُوا قَالُوا آَمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ ﴾

[ سورة البقرة ]

 لأنه نال ميزات الكفر بما يتوهم أنه فعل ما يشتهي من دون قيد أو شرط، ونال ميزات المؤمنين لأنه نال ميزتين، فهو يوم القيامة في أسفل سافلين، في الدرك الأسفل من النار، الكفر واضح، والإيمان واضح، والمنافق غشاش.

 

﴿ وَيَقُولُ الَّذِينَ آَمَنُوا أَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَأَصْبَحُوا خَاسِرِينَ ﴾

[ سورة المائدة ]

﴿ وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا وَلِقَاءِ الْآَخِرَةِ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ هَلْ يُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾

[ سورة الأعراف ]

المحبِط الثامن: إرادة الحياة الدنيا:

 أيها الإخوة، إرادة الحياة الدنيا وإرادة زينتها هذا سبب محبط، ذلك لأن الشيطان كما يقول عنه بعض العلماء ذكي جداً، يوسوس للإنسان بالكفر، فإن وجده على إيمان يوسوس إليه بالشرك، فإن وجده على توحيد يوسوس له بالكبائر، فإن وجده على طاعة يوسوس له بالصغائر، إن وجده على ورع يوسوس له بالبدع، إن وجده على سنة يوسوس له بورقتين أخيرتين، الأولى: بالتحريش بين المؤمنين، ترى المؤمنين في شتى بقاع الأرض ممزقين، هؤلاء كذا وهؤلاء كذا، هؤلاء لهم مساجدهم، وهؤلاء لهم مساجدهم، هؤلاء لهم يوم يبدأ فيه صومهم، وهؤلاء لهم يوم يبدأ فيه عيدهم، ومشكلات وخصومات ومشادة بين هؤلاء، هذا من فعل الشيطان، التحريش بين المؤمنين من فعل الشيطان .
 أيها الإخوة، لكن آخر ورقة رابحة يمكن أن يحبط بها العمل إرادة الحياة الدنيا، المباحات، توسع وتوسع إلى درجة يأتي الموت فجأة، فيذهب كل الذي حضره بحياته الدنيا هباءً منثوراً، الآية:

 

﴿ مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ ﴾

[ سورة هود]

﴿ كُلّاً نُمِدُّ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُوراً ﴾

[ سورة الإسراء]

 لذلك أيها الإخوة الذين يعملون في الدنيا يأخذون الدنيا، وأوضح درس هؤلاء الغربيون عملوا للدنيا، وأتقنوها إتقاناً مذهلاً، فامتلكوها، ولما امتلكوها فرضوا ثقافتهم على شعوب الأرض، وفرضوا قرارهم على شعوب الأرض، هذه الدنيا لمن يعمل بها، لمن يتقن قوانينها، حقيقة الدنيا شيء، والآخرة شيء آخر، لذلك قال بعض العلماء: " إن الله ينصر الأمة الكافرة العادلة على الأمة المسلمة الظالمة ".
 ويقول أيضاً: " الدنيا تصلح بالكفر والعدل، ولا تصلح بالإيمان والظلم ".

 

﴿ الَّذِينَ آَمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ ﴾

[ سورة الأنعام ]

 فإذا كان مع الإيمان ظلم، وكان مع الكفر عدل فالكفر مع العدل ينتصر، أقسم لكم بالله إن كل إيجابيات الغرب التي قوي بها إسلامية، لا لأنهم يعبدون الله، إطلاقاً، يعبدون شهواتهم، لكن ذكاءهم أوصلهم إلى أن الإنسان إن أعطيته حاجته، وأعطيته حريته، وأعطيته كرامته يعطيك كل إمكاناته، لذلك في الدول المتقدمة العمل ثماني ساعات، وفي الدول المتخلفة العمل سبع عشرة دقيقة، قسموا الدخل القومي على ساعات العمل على عدد الناس فكان الإنسان يعمل في بعض البلاد المتخلفة سبع عشرة دقيقة فقط، هم يعملون ثماني ساعات، أنا لا أصدق بالميزان المادي فقط أن تستطيع أمة يعمل أفرادها سبع عشرة دقيقة في اليوم أن تنتصر على أمة يعمل أفرادها ثماني ساعات كاملة مكملة.
 أيها الإخوة الكرام:

 

﴿ مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ * أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآَخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾

[ سورة هود ]

المحبِط السابع: الشّرك:

 أيها الإخوة آخر شيء في الموضوع، الشرك يحبط العمل، قال تعالى:

 

﴿ مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّهِ شَاهِدِينَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ أُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ وَفِي النَّارِ هُمْ خَالِدُونَ ﴾

[ سورة التوبة ]

 تتبعت الآيات التي في القرآن الكريم، والتي فيها كلمة حبطت أعمالهم، هذه أعمال خطيرة تحبط العمل، هذه تشبه الأورام الخبيثة، تنهي حياة الإنسان، فهناك تقصيرات ومخالفات لا تنهي حياة الإنسان، أو لا تلغي أعماله كلها، إلا أن هذا الذي ذكرته في هذه الخطبة يلغي حياة الإنسان المادية، ويلغي أعماله التي قدمها في سبيل الله.
 أيها الإخوة الكرام، الإخلاصَ الإخلاَصَ، فإن العمل لا يقبل إلا إذا كان خالصاً وصواباً، خالصاً ما ابتغي به وجه الله، وصواباً ما وافق السنة، ] وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحاً تَرْضَاهُ [.
 وفي خطبة قادمة إن شاء الله سأتحدث عن إحباط العمل من خلال سنة النبي عليه الصلاة والسلام.
 أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم لي ولكم فاستغفروه يغفر لكم، فيا فوز المستغفرين.

 

* * *

 الخطبة الثانية
 الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله صاحب الخلق العظيم، اللهم صل وسلم، وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

طبيعة الإعلام الغربي: الكيل بمكيالين

 أيها الإخوة الكرام، قبل أسبوع زارني أخ كريم، وهو طبيب يتابع الدراسة العليا في فرنسا، حدثني عن موضوع يلفت النظر، قال لي: يوم سمعتم بأخبار حرق السيارات في باريس، وقد أحرقت ثلاثة آلاف سيارة، هذا تعرفونه جميعاً، المفاجأة التي كدت لا أصدقها أن معظم هذه السيارات أحرقها أصحابها، لأنها ليست من المستوى الجيد، وهو مؤمَّن عليها، فانتهز هذا أصحابها، وأحرقوها في الليل، لكن الذي أذيع رسمياً مرة واحدة هو أن مرآباً فيه ما يزيد على عشرين مركبة كبيرة لنقل الركاب، وغالية جداً تمّ إحراقها في الليل، وجاء صاحب المرآب، وأخبر الشرطة أن ملثمين مسلحين معهم مصاحف يقولون: الله أكبر، وصبوا البنزين على هذه السيارات، وأحرقوها، أقسم لي بالله هذا الأخ أن هذا الخبر أذيع ما يزيد على مئة وخمسين مرة، عندهم كل ساعة نشرة أخبار، أذيع ستة أيام متواليات، كل ساعة يعاد الخبر، بعد شهر تقريباً نشب خلاف بين صاحب هذه السيارات الكبيرة وبعض موظفيه، فاشتكى هذا الموظف، وقال: إن الذي أحرق كل هذه المركبات هو صاحب المرآب، والآن هو في السجن.
 الخبر أذيع مرة واحدة فقط، أقسم لي هذا الأخ الكريم الطبيب قال: والله جهدت أن أسمعه مرة ثانية، أبداً، مرة واحدة، الخبر الذي ليس في صالحنا، والذي هو افتراء علينا، والذي هو يشوه ديننا أذيع مئة وخمسين مرة في أسبوع، أما الخبر الذي يبرئنا من هذا العنف، من هذا الحرق، من هذا الإتلاف للمواد فأذيع مرة واحدة.

أيّها المسلم لا تكن ضحية الإعلام ‍‍‍!!!

 لذلك أيها الإخوة لا تكونوا ضحية الإعلام.
 والله حدثني أخ قال لي: أي شيء تسمعونه يزعجكم ليس من المسلمين، وهذا شيء متكرر، وهذا الأسلوب أصبح معروفاً وساذجاً، كونوا محتاطين، كونوا بفهم عميق، الإعلام الآن أكبر سلاح يواجه الأمة الإسلامية، إلى درجة أن الإنسان من شدة هذا الهجوم على الدين يستحي بدينه، يستحي أنه مسلم، يستحي أن يقول كلمة: ] تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللهِ وَعَدُوَّكُمْ [، لأن فيها راء وهاء وألف وباء، يستحي بآية تذكر كلمة ترهبون، مع أني والله أفهم أن هذه الآية لمنع الإرهاب، إذا كنت قوياً لا يفكر أحد أن ينال منك، ولا أن يعتدي عليك، ولا أن يشوه صورة نبيك، ولا أن يدنس مصحفك، الحق ما جاء به الوحيان، ولكنه يحتاج إلى قوة.
 أيها الإخوة، إذا أراد الطرف الآخر إفقارنا فكسب المال الحلال، وإنفاقه في وجوه الخير أول عبادة، وإذا أراد الطرف الآخر إضلالنا فتوضيح معالم الدين، وتعزيز قيم الإسلام والمسلمين أول عبادة، وإذا أرادوا إفسادنا فتحصين شبابنا وشاباتنا أول عبادة، وإذا أرادوا إذلالنا فعلينا ببذل الغالي والرخيص والنفس والنفيس.
 لا تكونوا ضحية الإعلام الغربي، هم يوهموننا على أن هناك مرضًا اسمه أنفلونزا الطيور سيقضي على مئة وخمسين مليونًا، من عام ستة وتسعين حتى الآن مات ستة وثمانون إنسانًا فقط، الذين يموتون بالرشح أكثر من ذلك، لأن هناك مصالح مادية، هناك مصل مضاد لهذا المرض يحتكره واحد في العالم الغربي، جمع حتى الآن أحد عشر مليار دولار ربحًا، فكلما أوهم الناس أنه في خطر كبير، طفل يموت في تركيا بهذا المرض تبث جنازته إحدى عشرة محطة فضائية، لماذا هذا الخوف ؟
 لا تكونوا ضحية الإعلام الغربي أنا أقسم لكم بالله أن القمع الحالي قمع إعلامي، كانوا يجبروننا بالقوة المسلحة على أن نفعل ما يريدون، لكنهم الآن يجبروننا بالقوة الناعمة على أن نريد ما يريدون.

الدعاء

 اللهم اهدنا فيمن هديت، وعافنا فيمن عافيت، وتولنا فيمن توليت، وبارك لنا فيما أعطيت، وقنا واصرف عنا شر ما قضيت، فإنك تقضي بالحق، ولا يقضى عليك، وإنه لا يذل من واليت، ولا يعز من عاديت، تباركت ربنا وتعاليت، ولك الحمد على ما قضيت، نستغفرك و نتوب إليك، اللهم اهدنا لصالح الأعمال لا يهدي لصالحها إلا أنت، اللهم اهدنا لأحسن الأخلاق لا يهدي لأحسنها إلا أنت، اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا، وأصلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا، وأصلح لنا آخرتنا التي إليها مردنا، واجعل الحياة زاداً لنا من كل خير، واجعل الموت راحة لنا من كل شر، مولانا رب العالمين، اللهم اكفنا بحلالك عن حرامك، وبطاعتك عن معصيتك، وبفضلك عمن سواك، اللهم بفضلك ورحمتك أعل كلمة الحق والدين، وانصر الإسلام وأعز المسلمين، وأذل الشرك والمشركين، خذ بيد ولاة المسلمين لما تحب وترضى يا رب العالمين، إنك على ما تشاء قدير، وبالإجابة جدير.

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018