أسماء الله الحسنى - إصدار 2008 - الدرس : 057 ب - اسم الله المتعال 2 - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

أسماء الله الحسنى - إصدار 2008 - الدرس : 057 ب - اسم الله المتعال 2


2008-01-14

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات.

من أسماء الله الحسنى: (المتعال):

 أيها الأخوة الكرام، لا زلنا في اسم "المتعال" وحينما نقول تعالى الله، أي تنزه عن كل نقص، فإذا أردنا أن نطبق هذا المعنى فيما يخص المؤمن، فالمعاني التي يمكن أن نستفيد منها في هذا الاسم ؟

في الدين حقائق لابدّ من أن تُعلم بالضرورة:

 بادئ ذي بدء: المؤمن يجب أن يتعالى عن كل نقص بإيمانه، لذلك المؤمن ينبغي أن يَعلم ما ينبغي أن يُعلم بالضرورة، لنأتي بمثل:
 لو أن مظلياً يريد أن يهبط بمظلة، هناك معلومات كثيرة يمكن أن يجهلها، يا ترى شكل المظلة مربع، مستطيل، بيضوي، دائري، عدد الحبال، أنواع الحبال، مما صنعت الحبال، كل هذه المعلومات لو أنه غفل عنها ينزل سالماً، إلا أن معلومة واحدة إذا غفل عنها ينزل ميتاً، إنها طريقة فتح المظلة، فإذا غفل عن هذه المعلومة أودى بحياته نسمي هذه المعلومة بالنسبة للمظلي معلومة يجب أن تُعلم بالضرورة.
 والدين واسع جداً، في تاريخ التشريع، وفي الفقه المقارن، العلوم التي جاء بها الدين واسعة جداً، لكن المسلم ما المعلومات التي لابدّ من أن يعلمها ؟ الحقيقة المعلومات التي لابدّ من أن يعلمها، قال العلماء: أركان الإيمان، الإيمان بالله واليوم الآخر والملائكة والكتب، وما إلى ذلك، وأركان الإسلام: الصوم، والصلاة، والحج، والزكاة، والأحكام الفقهية المتعلقة باختصاصه.
 فالتاجر بأمس الحاجة أن يتعلم أحكام البيع والشراء، والطبيب أحكام الطب، الزوج أحكام الزواج، والحقوق، والواجبات.
  إذاً هناك في الدين حقائق لابدّ من أن تُعلم بالضرورة، المؤمن يجب أن يتعالى عن كل نقص في إيمانه، لأن العلم كما قال العلماء: أصل حياة الإنسان، إذا أردت الدنيا فعليك بالعلم، وإذا أردت الآخرة فعليك بالعلم، وإذا أردتهما معاً فعليك بالعلم، هذه واحدة.

من لم تحدث المصيبة في نفسه موعظة فمصيبته في نفسه أكبر:

 معلومة أخرى نحتاجها أحياناً، أنت راكب مركبة، في لوحة البيانات تألق ضوء أحمر، يا ترى لماذا تألق ؟ نفرق أنه تألق أو لم يتألق، وبين لماذا تألق ؟ تألق أو لم يتألق قطعاً تألق، رأيته بأم عينك، ولكن لماذا تألق ؟ لو فهمت هذا التألق تألقاً تزيينياً احترق المحرك، وتوقفت الرحلة، ودفعت مبلغاً فلكياً لإصلاحها، أما لو علمته تألقاً تحذيرياً أوقفت المركبة فوراً، أضفت الزيت سلم المحرك، وتابعت الرحلة، فرق كبير بين أن تفهم هذا التألق تألقاً تزيينياً، أو تألقاً تحذيراً.
 لذلك أيها الأخوة، أحياناً تأتي مصيبة، إذا قلت هكذا الزمان.

رماني الدهر بالأرزاء حتى   فؤادي فــي غشاء من نبال
فكنت إذا أصابتني سهـام  تكسرت النصال على النصالِ
* * *

 إن فهمت المصائب فهماً ساذجاً، إن فهمت المصائب فهماً بعيداً عن الإيمان ربما لم تتعظ بها، وقد قيل: من لم تحدث المصيبة في نفسه موعظة فمصيبته في نفسه أكبر.
 إذاً المؤمن ينبغي أن يتعالى عن أي نقص في إيمانه، من هنا قيل: إذا أردت الدنيا فعليك بالعلم، وإذا أردت الآخرة فعليك بالعلم، وإذا أردتهما معاً فعليك بالعلم، والعلم لا يعطيك بعضه إلا إذا أعطيته كلك، فإذا أعطيته بعضك لم يعطيك شيئاً، ويظل المرء عالماً ما طلب العلم، فإذا ظن أنه قد علم فقد جهل.

 

على المؤمن أن يتعالى عن أي نقص في:

1 ـ إيمانه ليحقق الهدف من وجوده:

 إذاً حينما تبحث عن الحقيقة، وحينما تعمل وفقها، وحينما تصبر على البحث عنها، والعمل بها، وتطبيقها، والدعوة إليها، تكون قد حققت الهدف من وجودك، وهذا معنى قوله تعالى:

﴿ وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ * ﴾

( سورة العصر )

 إذاً المؤمن يتعالى عن أي نقص في إيمانه، ولو أن أي نقص في الإيمان لا يقابله سلوك منحرف، وليكن هذا النقص، ولكن لأن أي نقص في الإيمان ينعكس سلوكاً خاطئاً السلوك الخاطئ له حسابه عند الله.
 إذاً كما أن الله سبحانه وتعالى، تعالى عن كل نقص، والمؤمن يستكمل طلب العلم، ليكون السلوك صحيحاً يفضي به إلى جنة عرضها السماوات والأرض، هذا من حيث ما ينبغي أن يُعلم بالضرورة.
 وذكرت مثل المظلي لأنه هذه المعلومة إذا غفل عنها نزل ميتاً، وذكرت مثلاً تألق المصباح الأحمر في لوحة البيانات، لأن الإنسان إذا لم يفهم حكمة المصيبة تابع خطأه ولم يعبأ بمدلولها الكبير، ومن يؤمن بالله يهدِ قلبه.

 

معرفة سنة النبي صلى الله عليه وسلم فرض عين على كل مسلم:

 الآن يا ترى هل هناك فرض عين على كل مسلم أن يعرف سنة النبي صلى الله عليه وسلم القولية، وسيرته العملية ؟ الجواب: معرفة سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم القولية والعملية (يعني سيرته) فرض عين على كل مسلم.
  الدليل: كلنا يعلم أن كل أمر في القرآن الكريم يقتضي الوجوب، ما لم تقم قرينة على خلاف ذلك، والذي ضيع المسلمين توهمهم أن الإسلام عبادات شعائرية، صوم وصلاة، وحج، وزكاة، ليس غير، الدين منهج واسع جداً، أنا لا أبالغ قد يصل إلى خمسمئة ألف بند، يبدأ هذا المنهج بالعلاقات الزوجية، وينتهي بالعلاقات الدولية، يبدأ من فراش الزوجية وينتهي بالعلاقات الدولية، لماذا ينبغي أن أعلم سنة النبي القولية ؟ لأن الله سبحانه وتعالى يقول:

﴿ وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا ﴾

( سورة الحشر الآية: 7 )

كل أمر في القرآن الكريم يقتضي الوجوب ما لم تقم قرينة على خلاف ذلك:

 عندنا قاعدة أصولية أن كل شيء أمرنا الله به واجب التطبيق، وكل أمر يقتضي الوجوب، وها قد أمرنا أن نأخذ ما أتانا النبي، وأن ننتهي عما عنه نهانا، فبربكم كيف نأخذ ما آتانا، وننتهي عما عنه نهانا، إن لم نعرف ما الذي آتانا، وما الذي عنه نهانا ؟ دائماً هذه القاعدة ما لا يتم الفرض إلا به فهو فرض، وما لا تتم السنة إلا به فهو سنة، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.
 أرأيت إلى الوضوء ؟ إنه فرض، لأن الصلاة فرض لا تتم إلا به، فالقاعدة ما لا يتم الفرض إلا به فهو فرض، وكل أمر في القرآن الكريم يقتضي الوجوب، كل أمر من دون استثناء، إلا إن وجدت قرينة تصرفه عن الوجوب، كأن يقول الله عز وجل :

﴿ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ ﴾

( سورة الكهف الآية: 29 )

﴿ فَلْيَكْفُرْ ﴾

 فعل فيه لام الأمر، هل يعقل أن نؤمر بالكفر ؟ هذا أمر تهديد، وهناك أمر إباحة:

 

﴿ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ﴾

 

( سورة البقرة الآية: 187 )

 و أمر ندب:

 

﴿ وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ ﴾

 

( سورة النور الآية: 132 )

 لكن ما سوى ذلك كل أمر في القرآن الكريم يقتضي الوجوب، فالله عز وجل أمرنا أن نأخذ ما آتانا النبي

﴿ وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا ﴾

  لا يمكن أن نأخذ ما آتانا، وأن ننتهي عما عنه نهانا إلا إذا عرفنا ما الذي آتانا، وما الذي عنه نهانا، إذاً معرفة سنة النبي صلى الله عليه وسلم فرض عين على كل مسلم.

 

معرفة سيرة النبي الكريم واجب على كل مسلم لأنه قدوة لنا:

 إخوتنا الكرام، حقائق الدين خطيرة جداً، معنى خطيرة لها علاقة بمصير الإنسان، حينما يغفل الإنسان عن سرّ وجوده، وعن غاية وجوده، وعن حكمة المصائب ربما استرسل في طغيانه، وربما استحق العذاب الأبدي.
  إذاً ينبغي أن نعلم سنة النبي صلى الله عليه وسلم القولية، ما الذي يمنع أن يكون في كل بيت كتاب في الأحاديث الصحيحة نقرأها، ونطبقها، هذا من لوازم معرفة أحكام هذا الدين.
 الآن وينبغي أن نعرف سيرته، وأقول لكم مرة ثانية: معرفة سيرة النبي صلى الله عليه وسلم فرض عين على كل مسلم، الدليل: الله عز وجل حينما قال:

﴿ لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآَخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً ﴾

( سورة الأحزاب )

  كيف يكون النبي صلى الله عليه وسلم أسوة لنا إن لم نعرف سيرته ؟ كيف كان في بيته ؟ كيف كان مع زوجته ؟ كيف كان مع أولاده ؟ كيف كان مع جيرانه ؟ كيف كان مع أصحابه ؟ كيف كان في سلمه ؟ في حربه ؟ في حله ؟ في ترحاله ؟ لأن الله عز وجل جعله أسوة لنا،

﴿ لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآَخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً ﴾

 إذاً يقتضي أن يكون النبي أسوة لنا بأن نعرف سيرته، فالمؤمن يتعالى عن كل نقص في معرفة سنة النبي صلى الله عليه وسلم القولية، ومعرفة سيرة النبي العملية.

 

زوال الكون أهون على الله من ألا يحقق وعوده للمؤمنين:

 الآن هذه العبادات المسلمون في الأعمّ الأغلب يؤدون هذه العبادات، ولكن الذي نراه أن حالهم لا يرضي، وأن وعود الله في القرآن الكريم رائعة جداً.

﴿ وَكَانَ حَقّاً عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ ﴾

( سورة الروم )

﴿ إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آَمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ﴾

( سورة غافر الآية: 51 )

﴿ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي ﴾

( سورة النور الآية: 55 )

﴿ وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ ﴾

( سورة الصافات )

﴿ وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً ﴾

( سورة النساء )

 وعود رائعة، وكلكم يعلم أن زوال الكون أهون على الله من ألا يحقق وعوده للمؤمنين، أين الخلل ؟

 

2 ـ عباداته:

  يجب أن يتعالى المؤمن عن كل نقص في عباداته، الصلاة، النبي عليه الصلاة والسلام سأل أصحابه:

(( أتَدْرُونَ ما المُفْلِسُ ؟ قالوا : المفْلسُ فينا من لا درهم له ولا متاع. قال : إن المفْلسَ مَنْ يأتي يوم القيامة بصلاة وصيام وزكاة، ويأتي قد شَتَمَ هذا، وقذفَ هذا وأكل مال هذا، وسفك دم هذا، وضرب هذا، فيُعطَى هذا من حسناته، وهذا من حسناته، فإن فَنيَتْ حَسَناتُهُ قبل أن يُقْضى ما عليه، أُخِذَ من خطاياهم فطُرِحَتْ عليه، ثم يُطْرَحُ في النار ))

[ أخرجه مسلم والترمذي عن أبي هريرة ]

  هذا الحديث خطير، حديث مركزي، مفصلي، أنت حينما تصلي، ولا تستقيم على أمر الله، لا قيمة لهذه الصلاة، لا يمكن أن تقطف ثمار الصلاة إلا إذا سبقتها استقامة والتزام، فالمؤمن يتعالى عن كل نقص لفهمه للعبادات.

 

(( لَأَعْلَمَنَّ أَقْوَامًا مِنْ أُمَّتِي يَأْتُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِحَسَنَاتٍ أَمْثَالِ جِبَالِ تِهَامَةَ بِيضًا، فَيَجْعَلُهَا اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ هَبَاءً مَنْثُورًا، قَالَ ثَوْبَانُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، صِفْهُمْ لَنَا، جَلِّهِمْ لَنَا أَنْ لَا نَكُونَ مِنْهُمْ، وَنَحْنُ لَا نَعْلَمُ، قَالَ: أَمَا إِنَّهُمْ إِخْوَانُكُمْ، وَمِنْ جِلْدَتِكُمْ، وَيَأْخُذُونَ مِنْ اللَّيْلِ كَمَا تَأْخُذُونَ، وَلَكِنَّهُمْ أَقْوَامٌ إِذَا خَلَوْا بِمَحَارِمِ اللَّهِ انْتَهَكُوهَا ))

 

[ابن ماجة عن ثوبان]

 لذلك مليار وخمسمئة مليون مسلم لا وزن لهم في الأرض، ليست كلمتهم هي العليا ليس أمرهم بيدهم، للطرف الآخر عليهم ألف سبيل وسبيل، لماذا ؟ لأن أمر الله هان عليهم فهانوا على الله.
  فالمؤمن يتعالى عن أي نقص في عباداته، هذه الصلاة، فماذا عن الصيام ؟

 

(( مَن لم يَدَعْ قولَ الزُّورِ والعمَلَ بِهِ، فَليسَ للهِ حاجة فِي أَن يَدَعَ طَعَامَهُ وشَرَابَهُ ))

 

[ أخرجه البخاري وأبو داود والترمذي عن أبي هريرة ]

 ماذا عن الحج ؟

 

(( من حج بمال حرام فقال: لبيك اللهم لبيك ؛ قال الله عز وجل: لا لبيك ولا سعديك وحجك مردود عليك ))

 

[ رواه الشيرازي وأبو مطيع عن عمر ]

 فماذا عن الزكاة ؟

﴿ قُلْ أَنْفِقُوا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً لَنْ يُتَقَبَّلَ مِنْكُمْ إِنَّكُمْ كُنْتُمْ قَوْماً فَاسِقِينَ ﴾

( سورة التوبة )

من لم يستقم على أمر الله لن يقطف من ثمار الدين شيئاً:

 إخوتنا الكرام، ما لم نستقم على أمر الله لن نقطف من ثمار الدين شيئاً، المؤمن الصادق يتعالى عن أي نقص في فهمه للعبادات، الصلاة، والصوم، والحج، والزكاة، بقي النطق بالشهادة.

(( من قال لا إله إلا الله بحقها دخل الجنة، قيل وما حقها ؟ قال: أن تحجبه عن محارم الله ))

[ الترغيب والترهيب عن زيد بن أرقم بسند فيه مقال كبير ]

 فإن لم تحجبك كلمة لا إله إلا الله عن محارم لا جدوى من النطق بها.
 يا أيها الأخوة، المؤمن يتعالى عن أي نقص في فهمه للعبادات.

 

3 ـ معاملاته:

  الآن المعاملات هناك ذنب لا يغفر، وهو الشرك، وهناك ذنب لا يترك، ما كان بين العباد، وهناك ذنب يغفر ما كان بينك وبين الله، يجب أن تعلم علم اليقين أن الشرك بالله ذنب لا يغفر.

﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ ﴾

( سورة النساء الآية: 48 )

 وأنا لا أقول أن هناك شركاً جلياً، الشرك الجلي في العالم الإسلامي قلما يكون أن تقول هذا إله، لا إله إلا الله، لكن الذي يخشاه النبي عليه الصلاة والسلام الشرك الخفي.

 

(( إن أخوف ما أتخوف على أمتي الإشراك بالله أما إني لست أقول يعبدون شمساً و لا قمراً و لا وثناً و لكن أعمالاً لغير الله و شهوة خفية ))

 

[ أحمد و ابن ماجه عن شداد بن أوس ]

﴿ وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ ﴾

( سورة يوسف )

  والشرك أخفى من دبيب النملة السمراء، على الصخرة الصماء، في الليلة الظلماء.

 

التوحيد أخطر شيء في الدين:

 إذاً ينبغي أن أكون موحداً، وما تعلمت العبيد أفضل من التوحيد، يعني للتقريب:
  كيف أن الله سبحانه وتعالى لا يغفر أن يشرك به، لو أن لك مبلغاً ضخماً جداً في مدينة حلب، وأنت تسكن في دمشق، وركبت القطار باتجاه حلب، لعلك قطعت بطاقة من الدرجة الأولى، وركبت مقطورة من الدرجة الثالثة، هذا خطأ، وخطأ كبير، لكن القطار في طريقه إلى حلب، هذا الخطأ يغفر، سوف تصل، وسوف تقبض المبلغ، لو أنك جلست مع شباب ليسوا أسوياء، وتعبت من هذه الرحلة كثيراً من صخبهم، وضجيجهم، وتعليقاتهم، وسخريتهم، هذا خطأ ثان، لكن القطار في طريقه إلى حلب، وسوف تقبض المبلغ، لو أنك جلست بعكس اتجاه عكس القطار فأصبت بالدوار، وهذا خطأ ثالث، لكن هذا الخطأ ينتهي عند النزول، وتذهب، وتأخذ المبلغ الكبير، وقد تتلوى من الجوع، وتغفل أن هناك مقطورة فيها مطعم، هذا خطأ رابع، لكن القطار في طريقه إلى حلب، وسوف تأخذ المبلغ، لكن الخطأ الذي لا يغتفر أن تركب قطاراً آخر، باتجاه الجنوب، قد يكون هذا القطار من الدرجة الأولى لكن لا يوجد شيء، ليس هناك شيء تأخذه في الاتجاه المعاكس.
 لذلك:

﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ ﴾

  يعني إذا توجهت إلى غير الله، غير الله مفتقر إلى الله، ما عنده شيء يعطيك إياه.
  لذلك أخطر شيء في الدين التوحيد، وما تعلمت العبيد أفضل من التوحيد ، النقص في التوحيد خطير جداً، بل خطره مستقبلي، بل خطره مصيري، من هنا يقول الله عز وجل :

 

﴿ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ ﴾

 

( سورة هود الآية: 123 )

 ما أمرك أن تعبده إلا بعد أن طمأنك.

 

﴿ وَأَسْمِعْ مَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَداً ﴾

 

( سورة الكهف )

﴿ فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ ﴾

( سورة محمد الآية: 19 )

الفهم الدقيق للتوحيد أحد أسباب النجاة من عذاب الله عز وجل:

 أيها الأخوة، بالمناسبة: لو أن الله قَبِل من عباده اعتقاداً تقليدياً لكان كل الخلق ناجين عند الله، لكن الله سبحانه وتعالى لم يقبل من عباده إلا اعتقاداً تحقيقياً، والدليل:

﴿ فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ ﴾

 الاعتقاد الذي يقبله الله عز وجل هو اعتقاد بني عن بحث وإيمان وتحقيق وتدقيق، أما الاعتقاد التقليدي هذا لا يقدم ولا يؤخر، وهذا يسوقنا إلى تعريف العلم، العلم علاقة بين شيئين أو بين متغيرين، مقطوع بصحتها، يؤيدها الواقع، عليها دليل، لو ألغيت الدليل لكان هذا العلم تقليداً، والتقليد في العقائد لا يكون

﴿ فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ ﴾

 ليست الآية فقل لا إله إلا الله

﴿ فَاعْلَمْ ﴾

  وإلا كانت كل فرقة ضالة ناجية عند الله عز وجل ، لأن أفراد هذه الفرقة قلّدت رأسها الذي قال كذا وكذا.
  إذاً أنت بحاجة ماسة إلى التحقيق، والتدقيق، والبحث، والدرس في العقيدة.
 إذاً التوحيد يحتاج إلى جهد، وما تعلمت العبيد أفضل من التوحيد.

﴿ وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ ﴾

( سورة الزخرف الآية: 84 )

﴿ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ ﴾

( سورة هود )

  الفهم الدقيق للتوحيد أحد أسباب النجاة من عذاب الله عز وجل.

 

من آمن باسم المتعال تعالى عن كل ظلم:

 أيها الأخوة، المؤمن إذا آمن باسم "المتعال" هو يتعالى عن الظلم، لأن الظلم ظلمات يوم القيامة.

(( يا عبادي إني حَرَّمتُ الظُّلمَ على نفسي، وجعلتُه بينكم محرَّما، فلا تَظَالموا ))

[ أخرجه مسلم والترمذي عن أبي ذر الغفاري ]

  هذا الذي يظلم لا يعرف الله عز وجل، لو علم أن الله سيحاسبه حساباً دقيقاً لما ظلم، هناك ظلم يبدأ في البيت، كم من زوج يظلم زوجه ؟ وكم من ابن يظلم أباه ؟ وكم من أخ يظلم أخاه ؟ وكم من رب عمل يظلم موظفاً عنده ؟ فحينما يكون ظلم في المجتمع يتخلى الله عنا، والدليل قول النبي صلى الله عليه وسلم:

 

(( فإنما تُرزقُونَ وتُنصرون بضعفائكم ))

 

[ أخرجه أبو داود والترمذي والنسائي عن أبي الدرداء ]

  هذا الضعيف إن أطعمته إذا كان جائعاً، كسوته إن كان عارياً، علمته إن كان جاهلاً، آويته إن كان مشرداً، أنصفته إن كان مظلوماً، عالجته إن كان مريضاً، يتفضل الله على من أعانه بمكافأة من جنس عمله، ينصره على من هو أقوى منه.

 

(( فإنما تُرزقُونَ وتُنصرون بضعفائكم ))

 

المؤمن يتعالى عن كل السفاسف لأن همه الله عز وجل:

  أيها الأخوة، الله عز وجل هو الكبير "المتعال" تعالى عن كل نقص، وأنت أيها المؤمن يجب أن تترفع عن أي نقص في عقيدتك، وفي عبادتك، وفي معاملاتك، عن أي نقص في فهم سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، عن أي نقص في فهمك لسيرته العملية، عن أي نقص في التوحيد، التوحيد شيء مصيري، ينعكس سلوكاً منحرفاً، إن لم تستكمل أركانه.
 أيها الأخوة، المؤمن يتعالى عن كل السفاسف.

(( إن الله يحب معالي الأمور وأشرافها ويكره سفسافها ودنيها ))

[ أخرجه الطبراني عن حسين بن علي ]

 المؤمن همه الله جلّ جلاله، إلهي أنت مقصودي، ورضاك مطلوبي، المؤمن في الأفق الأعلى، في أفق معرفة الله، في أفق الدعوة إليه، في أفق خدمة عباده، في أفق الأعمال الصالحة، في أفق تطهير قلبه من كل دنس.

 

﴿ يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ ﴾

( سورة الشعراء )

  وأدق ما في هذه الآية أن الله عز وجل قال

﴿ يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ ﴾

  والقلب السليم هو القلب الذي سلم من شهوة لا ترضي الله، وسلم من تصديق خبر يتناقض مع وحي الله، وسلم من عبادة غير الله، وسلم من تحكيم غير شرع الله هذا هو القلب السليم.

 

العاقل من تقرب إلى الله بكمال مشتق منه:

 كما أن تقول يا رب يا متعالي، وتعالى الله الملك الحق عن كل نقص، عن كل ما يليق به، وأنت أيها المؤمن تَرَفع عن الجهل في أمر دينك، َتَرفع عن الجهل في أمر عبادتك، ترفع عن الجهل في أمر نبيك صلى الله عليه وسلم، ترفع عن أن تظلم، ترفع عن أن تحبط عملك بجهل كبير.
  لذلك الإنسان كما أقول دائماً:

﴿ وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا ﴾

( سورة الأعراف الآية: 180 )

  أي تقرب إلى الله بكمال مشتق منه، لأن الله عز وجل يقول:

﴿ وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا ﴾

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018