الدرس : 11 - سورة يوسف - تفسير الآيات 109 -111 - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الدرس : 11 - سورة يوسف - تفسير الآيات 109 -111


1986-07-25

 الحمد لله رب العالمين، و الصلاة و السلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، و انفعنا بما علمتنا و زدنا علماً، و أرنا الحق حقاً و ارزقنا اتباعه، و أرنا الباطل باطلاً و ارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، و أدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .

علامة الإيمان عدم الشرك :

 أيها الإخوة المؤمنون، توقفنا في الدرس الماضي عند قوله تعالى :

﴿ قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنْ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنْ الْمُشْرِكِينَ ﴾

( سورة يوسف )

 لست مشركاً، وعلامة الإيمان عدم الشرك .

 

وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى

 قال تعالى :

﴿ وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى ﴾

( سورة يوسف )

لا نبي ولا رسول من النساء :

 لم يثبت أن الله أرسل امرأة نبية ، النبوة محصورة في الرجال، بدليل قوله تعالى :

﴿ وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا ﴾

( سورة يوسف )

النبي من البشر :

 والنبوة محصورة ببني آدم، لن يكون الملك نبياً، لو كان نبياً لقال الناس: هذا ملك، نحن بشر يا أخي، عندنا شهوات، قال تعالى :

﴿ لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنفُسِكُمْ ﴾

( سورة التوبة : الآية 128)

 يحب ما تحبون، ويكره ما تكرهون، ويغضب لما تغضبون، يأكل الطعام، يمشي في الأسواق، أكِّدت به الشهوات التي عندكم، ولكنه ضبط نفسه، وأحب ربه ودعا إليه، قال تعالى :

﴿ وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى ﴾

( سورة يوسف )

من بدا جفا:

 النبي الكريم قال:

(( مَنْ بَدَا جَفَا ))

[ مسد أحمد عن البراء ]

 من عاش في البادية فقد جفا، ومن عاش في القرية فالقرية أكثر تحضراً، وقد يوجد فيها عالم أو مجلس علمٍ، لذلك يفضل أن يسكن الإنسان في التجمعات السكانية، لا يسكن الإنسان وحده، لأن الإنسان إذا سكن وحده ماذا يستفيد؟ لا ينفع ولا يضر، ولا يرتقي، ولا يزداد علماً، ولا يزداد عملاً ولا قرباً من أهل القرى، قال تعالى :

 

﴿ وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَدَارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا أَفَلَا تَعْقِلُونَ ﴾

( سورة يوسف )

﴿ حَتَّى إِذَا اسْتَيْئَسَ الرُّسُلُ ﴾

حَتَّى إِذَا اسْتَيْئَسَ الرُّسُلُ

هذا وهمٌ غير صحيح :

 بعض الناس يتوهمون أن هذه الآية تعني أن الرسل يئسوا من الله عز وجل، هذا مستحيل، قال تعالى :

﴿ وَلَا تَيْئَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لَا يَيْئَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الكَافِرُونَ ﴾

( سورة يوسف )

 يستحيل على الأنبياء والرسل أن ييأسوا من الله عز وجل، لكنّ يأسهم من قومهم، يأسوا من قومهم، دعوهم ليلاً ونهاراً، سراً وعلانية، صباحاً ومساءً، في الرخاء والشدة، قال تعالى :

 

﴿ وَمَا يَزِيدُهُمْ إِلَّا نُفُورًا ﴾

 

( سورة الإسراء )

 فلذلك هنا اليأس من هداية الناس، قال تعالى :

﴿ حَتَّى إِذَا اسْتَيْئَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا ﴾

( سورة يوسف )

 وقال بعضهم: ليس النبي أكثر الناس يأساً من هداية بعض الناس، ولكنه آخرهم يأساً، ليس أكثرهم بل آخرهم، ومعنى آخرهم، أي قلما ييأس، والدليل ما بعد هذه الآية قوله تعالى :

﴿ حَتَّى إِذَا اسْتَيْئَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا ﴾

( سورة يوسف )

 أي كُذبوا، ولم يؤمن بهم أحد عندها جاءهم نصرنا .

نصر الله لابد له من ثمن :

 من أجمل التعليقات على هذه الآية: أنّ نصر الله ثمين، ثمنه باهظ، لو قلنا الآن: إن كل طالب معه بكالوريا إذا تقدم بطلب إلى الجامعة يُمنح دكتوراه على الطلب فقط، يرجى منحي شهادة دكتوراه في الطب، في اليوم الثاني تقام حفلة ضخمة، وتمنح هذه الشهادة، معنى ذلك أنه يأخذ الدكتوراه مليون طالب، ولا قيمة لهذه الشهادة، لكن سبع سنوات، وتحضير دبلوم ، ودبلوم خاصة، وماجستير، ودكتوراه وتأليف، حتى يمضي عليه أربعة وثلاثون عاماً، ويشعر بأنه قد فني، عندها يمنح هذه الشهادة، هذه الشهادة لها قيمة كبيرة جداً، لأن ثمنها كان باهظاً، فنصر الله عز وجل ثمنه باهظ، ثمنه الصبر والجَلد، وتحمل الأذى، وتحمل المعارضة والمكر، ثمنه هذه المضايقات، هذه المحن التي ابتلي بها الأنبياء، أخرجوه من مكة، ائتمروا على قتله، لحقوه في الهجرة، جعلوا مائتين من الإبل جائزة لمن يأتي به حياً أو ميتاً، حاربوه في بدر، وحاربوه في أحد، وحاربوه في الخندق، كادوا له، قاطعوه، تكلموا عنه، هجوه بأشعارهم، إلى أن جاء نصر الله، قال تعالى :

﴿ إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ(1)وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا(2)فَسَبِّحْ ﴾

( سورة النصر )

 دخل مكة فاتحاً، كان بإمكانه أن يبيدهم، أن يقتلهم عن آخرهم، قال:

(( ما تظنون أني فاعل بكم؟ قالوا: أخ كريم وابن أخ كريم، قال: اذهبوا فأنتم الطلقاء ))

[ السيرة النبوية ]

 هذه القصة تتكرر مع كل مؤمن، يُعارَض، يُقاوَم من أهله، من أبيه، من أمه، من إخوته، من أصحابه، من جيرانه، ماذا حصل لك؟ أين عقلك؟ أضعت مستقبلك، تضيق به الدنيا إلى أن ينصره الله، ويرفع شأنه، هذه القصص تتكرر، وإذا آمن أحدهم واستقام وطلب أن يستقيم استقامة كاملة ولقي معارضة من أهله فله برسول الله أسوة حسنة، قال تعالى :

 

﴿ حَتَّى إِذَا اسْتَيْئَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَنْ نَشَاءُ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنْ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ ﴾

( سورة يوسف )

النصر يظهر المؤمن وغير المؤمن :

 عندما يأتي نصر الله يعرف الذين كفروا أي منقلب ينقلبون، ويعرف المؤمنون أي مكانة يرتقون، ويعرف الناس عندئذ من هو الذكي، قال تعالى :

 

﴿ تَلْفَحُ وُجُوهَهُمْ النَّارُ وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ(104)أَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُنتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ(105)قَالُوا رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْمًا ضَالِّينَ(106)رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ(107)قَالَ اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِي(108)إِنَّهُ كَانَ فَرِيقٌ مِنْ عِبَادِي يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ(109)فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيًّا حَتَّى أَنسَوْكُمْ ذِكْرِي وَكُنتُمْ مِنْهُمْ تَضْحَكُونَ ﴾

( سورة المؤمنون )

 وهناك آية أخرى، وهي قوله تعالى :

﴿ فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ ﴾

( سورة المطففين )

 البطولة يوم يأتي ملَك الموت، تفتح له بعض أبواب الجنة فيقول: ما رأيت شراً قط .
 عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِي اللَّهُ عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: قَالَ اللَّهُ :

(( أَعْدَدْتُ لِعِبَادِي الصَّالِحِينَ مَا لاَ عَيْنٌ رَأَتْ، وَلاَ أُذُنٌ سَمِعَتْ، وَلاَ خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ ))

[ صحيح البخاري ]

 لذلك النصر ثمنه باهظ، ألا إن سلعة الله غالية، إذا آمن شخص فعليه أن يوطد العزم على تحمل الشدائد، لأن العطاء الذي سيأخذه فوق التصور، هذا العطاء لا يعقل أن يكون بلا ثمن، وثمنه باهظ، ثمنه الصبر، والجَلَد، والاستقامة، والصبر عن الشهوات، والصبر على الطاعات، والصبر على معالجة الله عز وجل، والصبر في مجالس العلم، والصبر على تنفيذ أمر الله، هذا هو الثمن، هذا قانون ربنا عز وجل، هذا النصر ثمنه باهظ جداً، إلى أن ييأس الرسل من هدى أقوامهم، إلى أن يظنوا أنّ أحداً لن يؤمن بهم، قال تعالى :

﴿ حَتَّى إِذَا اسْتَيْئَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَنْ نَشَاءُ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنْ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ ﴾

( سورة يوسف )

خاتمة :

 هذه قصة مليئة بالعبر والحكم والاستنباطات والحقائق والقواعد، قال تعالى :

﴿ لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُوْلِي الْأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ﴾

( سورة يوسف )

 ما بين يدي النبي من التوراة والإنجيل، جاء هذا الكتاب مصدقاً لهما، إذاً: هذا الكتاب من عند الله، كما أنّ التوراة والإنجيل من عند الله فهذا الكتاب من عند الله، يبين بعض ما في التوراة والإنجيل، ويصحح بعض ما اختل في التوراة والإنجيل .

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018