الدرس : 09 - سورة يوسف - تفسير الآية 101 - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الدرس : 09 - سورة يوسف - تفسير الآية 101


1986-07-11

 الحمد لله رب العالمين، و الصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا و زدنا علماً, و أرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، و أرنا الباطل باطلاً و ارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .

وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنْ السِّجْنِ وَجَاءَ بِكُمْ مِنْ الْبَدْوِ

إنه أدبٌ رفيع :

 أيها الإخوة المؤمنون، ملاحظة، سيدنا يوسف لكماله ولأدبه الرفيع لم يقل: وقد أحسن بي إذ أخرجني من البئر، لا لم يقل ذلك، بل قال :

﴿ إِذْ أَخْرَجَنِي مِنْ السِّجْنِ ﴾

( سورة يوسف : الآية 100)

 وقال بعضهم: كان البئر أهون عليه من السجن لأنه كان في البئر مع الله، وكان في السجن مع الوحوش، وفي السجن مصيبتان أنك تفقد حريتك، هذه مصيبة أولى، والثانية تجلس مع أناس دونك بكثير؛ مع سارقين، مع محتالين، مع شاربي خمر، مع لوطيين، شيء صعب جداً .
 بعضهم قال: كان في البئر مع الله، وفي السجن مع اللصوص، وكان أسعد في البئر منه في السجن، هذا توجيه آخر، قال تعالى :

﴿ وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنْ السِّجْنِ وَجَاءَ بِكُمْ مِنْ الْبَدْوِ ﴾

( سورة يوسف )

مَن بدا جفا :

 من نعمة الله عز وجل أن يكون الإنسان في مكان فيه مجلس علم، لأن مَن بدا جفا، البادية أجمل، الريف أجمل، لكن ليس هناك مجالس علم، لو أن أحدهم أخذ بيتاً بمكان جميل، وسكن فيه، وانقطع عن الحق فهو الخاسر الأكبر، من بدا جفا، وفي أية قرية أو مدينة فيها مجلس علمٍ فالسكنى فيها أولى، قال تعالى :

﴿ مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ ﴾

(سورة يوسف )

لطفُ الله :

 أي أن الله عز وجل أعطاه، لكن على المدى البعيد، سيدنا يوسف كان في البئر فصار عزيز مصر، ليس بين عشية وضحاها، لا، وإنما خلال أربعين عاماً، قال تعالى :

﴿ إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ ﴾

( سورة يوسف )

﴿ مَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ اللَّهِ فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لَآتٍ ﴾

(سورة العنكبوت)

 لا تستعجل، لأن من تعجل الأمر قبل أوانه عوقب بالحرمان، قال تعالى :

﴿ إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ ﴾

(سورة يوسف )

تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ

 عندئذ التفت هذا النبي الكريم إلى الله عز وجل وقال :

﴿ رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنْ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ ﴾

(سورة يوسف )

تمني يوسف لقاء ربه وهو في أوج عطائه :

 قال بعضهم: لقد تمنى لقاء الله عز وجل وهو في أوج ملكه، سيدنا عمر بن عبد العزيز قال مرة: " تاقت نفسي إلى الإمارة، فلما بلغتها تاقت نفسي إلى الخلافة، فلما بلغتها تاقت نفسي إلى الجنة "، أي أن مطمح المؤمن دخول الجنة، فإذا أمضى حياته في طاعة الله، أمضى حياته في الدعوة إلى الله، بذل من ماله، ومن وقته، ومن جهده في سبيل الله فلا شيء أحب إليه من الانتقال إلى الدار الآخرة .
 سيدنا أبو سفيان بن الحارثة حينما كان على فراش الموت بكى أهله فقال: << لا تبكوا علي، فوالله ما عصيت الله منذ أسلمت، لا تبكوا علي، أنا في جنة >>، فساعة اللقاء عند أهل القرب لا تعدلها ساعة، ساعة اللقاء هي عرس المؤمن، لا تبكِ على أبيكِ بعد اليوم، غداً ألقى الأحبة محمداً وصحبه .

لا تتمنوا الموت فإن طول العمر وحسن العمل نعمة :

 لكن النبي عليه الصلاة والسلام نصحنا فقال :

(( لا تتمنوا الموت ))

[ ورد في الأثر ]

 عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُسْرٍ أَنَّ أَعْرَابِيًّا قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَنْ خَيْرُ النَّاسِ؟ قَالَ:

(( مَنْ طَالَ عُمُرُهُ وَحَسُنَ عَمَلُهُ ))

[ سنن الترمذي ]

 إن كانت حياتنا فيها زيادة من الخير فأحيِنا، وإن كان فيها زيادة من غير الخير فأمتنا وتوفنا .
 قال تعالى :

﴿ رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنْ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ ﴾

(سورة يوسف )

ولاية الله للمتقين :

 وقال أيضاً :

﴿ اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنْ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمْ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنْ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ ﴾

( سورة البقرة : الآية 257)

 شتان بين المؤمن وغير المؤمن، الله ولي المؤمن، والشيطان ولي الكافر، المؤمن من خير إلى خير، من رؤية إلى رؤية، من قربٍ إلى قرب، من طاعةٍ إلى طاعة، من سعادة إلى سعادة، من شأنٍ إلى أعلى، من مكانة إلى أكبر، وغير المؤمن من ورطة إلى ورطة، من سيئة إلى أكبر، من شقاءٍ إلى شقاء، من أزمة إلى أزمة، إلى أن يأت الموت، فيلقى في جهنم، قال تعالى :

﴿ رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنْ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ ﴾

(سورة يوسف )

إذا أحب الله عبدا رزقه عملا صالحا فتوفاهعليه :

 لذلك :

(( إذا أحب الله عبده عسله ، قيل : وما عسله يا رسول الله ، قال: يرزقه عملاً صالحاً ثم يتوفاه عليه ))

[ ورد في الأثر ]

 حدثني أخ في الجامع عندنا هنا، له والد يعمل مؤذناً، وبعضهم قال: ومن أحسن قولاً ممن دعا إلى الله هم المؤذنون، أذن لصلاة الظهر، وأقام الصلاة، واقتدى بالإمام، وصلى الركعة الأولى والثانية والثالثة، وفي سجود الرابعة توفاه الله عز وجل، وهناك أناس يموتون وراء أجهزة اللهو في أبشع ميتة .

(( إذا أحب الله عبده عسله ، قيل : وما عسله يا رسول الله ، قال: يرزقه عملاً صالحاً ثم يتوفاه عليه ))

[ ورد في الأثر ]

مَن شبّ على شيء شاب عليه :

 لكن من شب على شيء شاب عليه، ومن شاب على شيء مات عليه، ومن مات على شيء حشِر عليه، هذا كلام دقيق جداً، من شب على شيء شاب عليه، إذا أَلِفَ الإنسانُ في شبابه المعاصي، أَلِف إهدار الوقت في أشياء لا ترضي الله عز وجل تصبح هذه المعاصي جزءاً من حياته، تصبح عادات ثابتة، قال الرسول الكريم :

(( من بلغ الأربعين ولم يغلب خيره شره فليتبوأ مقعده من النار ))

[ ورد في الأثر ]

 من شبّ على شيء شاب عليه، ومن شاب على شيء مات عليه، ومن مات على شيء حُشِر عليه، يقول ربنا عز وجل :

(( عبدي، شاب شعرك، وضعف بصرك، وانحنى ظهرك فاستحي مني، فأنا أستحي منك ))

[ ورد في الأثر ]

إلى متى أنت باللذات مشغول  وأنت عن كل ما قدرت مسؤول
***
إلى متى أنت بالمعاصـــي  تسير مرخى لك العنــــان
عندي لك الصلـح و هو بِرِّي  و عندك السيف والسنـــان
ترضى بأن تنقضـي الليالي  وما انقضت حــربك العوان
فاستحي من شيبة تـــراها  في النار مشجونة تهـــان

 هناك مناجاة :

يا رب هذي ذنوبي  وأنت بالخطب مستعان
***
فلو شاهدت عيناك من حسننا الذي  رأوه لما وليت عـنا لغيــــرنا
و لو سمعت أذناك حُسن خـطابنا  خلعت عنك ثياب العـزل و جئتنـا
ولو ذقت من طعم المــحبة ذرة  عذرت الذي أضحى قتـيلاً بحـبنا
ولو نسمت من قربنا لك نــسمة  لمُتّ غريباً و اشتياقاً لقــــربنا
فما حبنا سهل و كــل من ادعى  سهولة قلنا له : قد جهـــــلتنا
فأيسر ما في الحب للصب قتـله  وأصعب من قتل الفتى يوم هجرنا
***

خاتمة :

 آخر كلمة: ليس في الكون إلا الله، وأي شيء يقربك إليه فهو حق، وأي شيء يبعدك عنه فهو باطل، أي فكرة أو عادة أو سلوك أي شيء يقربك إليه فهو حق، وأي شيء يبعدك عنه فهو باطل، وليس إلا الله، وما توفيقي إلا بالله، ولا تتحقق الأهداف إلا بالله، والآية الأخيرة، قال تعالى :

﴿ وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَى(39)وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى(40)ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَاءَ الْأَوْفَى ﴾

( سورة النجم )

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018