الخطبة : 1008 - تفسير سورة البروج - قصة زواج الصحابي الجليل جليبيب - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠1خطب الجمعة
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الخطبة : 1008 - تفسير سورة البروج - قصة زواج الصحابي الجليل جليبيب


2006-06-02

 الخطبة الأولى
 الحمد لله نحمده، ونستعين به، و نسترشده، ونعوذ به من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مُضل له، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، إقراراً بربوبيته، وإرغاماً لمن جحد به وكفر، وأشهد أن سيدنا محمداً صلى الله عليه وسلم رسول الله، سيد الخلق والبشر، ما اتصلت عين بنظر، أو سمعت أذن بخبر، اللهم صلِ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه، وعلى ذريته، ومن والاه ومن تبعه إلى يوم الدين، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين، أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات.

سبب اختيار تفسير سورة البروج:

 أيها الإخوة الكرام، كتاب الله عز وجل كتاب يفسر كل شيء مهما امتد الزمن، إن آياته يمكن أن نسقطها على أحوالنا ومشكلاتنا وطموحاتنا.
 من سور القرآن الكريم سورة البروج موضوعها متميز، بل إنها من السور القليلة التي تكاد تكون من أولها إلى آخرها معالجة لموضوع واحد، و فيها قصة واحدة.
 أيها الإخوة الكرام، قال تعالى:

﴿ لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثاً يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ﴾

[ سورة يوسف: 111]

 أيها الإخوة الكرام، سورة البروج مخصصة لحادثة واحدة، هي حادثة الأخدود، واخترت هذه السورة لكثرة ما يباد المسلمون في شتى بقاع الأرض، يقتلون بلا سبب، وبلا ذنب، إلا لأنهم يؤمنون بالله عز وجل.
 أيها الإخوة الكرام، معاني هذه السورة دقيقة جداً، يقول الله عز وجل:

 

﴿ وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ ﴾

 

[ سورة البروج: 1]

حقيقة علمية إعجازية: وَالسَّماءِ ذَاتِ البُرُوجِ

 والبروج جمع برج، والبرج أو البروج منازل الشمس والقمر، أي أن الأرض في دورتها حول الشمس تمر بهذه البروج، والقمر أيضاً يمر بهذه البروج، لذلك كانت البروج منازل الشمس والقمر، من هذه البروج برج العقرب، وفيه نجم صغير متألق اسمه قلب العقرب، يتسع للشمس والأرض مع المسافة بينهما، وبين الأرض والشمس مئة وستة وخمسون مليون كيلو متر، والشمس تكبر الأرض بمليون وثلاثمئة ألف مرة.

يا أيها الناس احذورا من برجك اليوم:

 إذاً: هذا برج من البروج برج العقرب، و هذا موضوع لا علاقة له بالتنجيم، و لا علاقة له بحظك هذا الأسبوع، ولا علاقة له بالأبراج، فكل هذه الموضوعات باطلة لا أساس لها من الصحة، ولا تستند إلى شيء إلا من باب:

(( مَنْ أَتَى كَاهِنًا فَصَدَّقَهُ بِمَا يَقُولُ فَقَدْ بِرِئَ مِمَّا أُنْزِلَ عَلَى مُحَمَّدٍ))

[أبو داود وأحمد عن أبي هريرة]

 وإلا من باب:

 

(( مَنْ أَتَى عَرّافًا فَسَأَلَهُ عَنْ شَيْءٍ لَمْ تُقْبَلْ لَهُ صَلَاةٌ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ))

 

[ مسلم عن حفصة ]

 لا علاقة لنا بما يقال في الصحف والمجلات و أجهزة الإعلام عن البروج، وأنت من أي برج ؟ وماذا ينتظر لك في المستقبل، لأنه لا يعلم الغيب إلا الله.
 هذه الموضوعات جملة وتفصيلاً ضعوها تحت أقدامكم، ومن تتبعها وقع في إثم كبير فضلاً عن تصديقها، من تتبعها، ولم يصدقها يقع في إثم كبير، لأنها خرافة ودجل وابتزاز للمال، ولا تقوم على شيء، لكن البروج كآية من آيات الله الدالة على عظمته:

 

﴿ وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ ﴾

 

[ سورة البروج: 1]

 وقد بينت لكم بعض البروج، وكيف أن نجماً صغيراً في هذا البرج يتسع للشمس والأرض مع المسافة بينهما.

 

إن الله تعالى لا يقسم إلا بشيء عظيم:

 أيها الإخوة الكرام، شيء في هذه السورة دقيق جداً، وهو أن الله عز وجل أقسم بالسماء ذات البروج، وإذا أقسم بشيء فللفت النظر إليه، إن قال: لا أقسم فبالنسبة إليه، وإن قال: أقسم فبالنسبة إلينا، وإذا أقسم الله بالسماء ذات البروج فللفت النظر إلى هذه الآية الدالة على عظمته.
 ثم قال:

﴿ وَالْيَوْمِ الْمَوْعُودِ ﴾

[ سورة البروج: 2]

ما علاقة ذكر البروج مع اليوم الموعود ؟

 هذا ربط رائع، هذا الكون المعجز أيعقل أن تنتهي الحياة من دون حسابات ؟ من دون تصفيات ؟ من دون تسويات ؟ يُظلم المظلوم، ويموت، وانتهى كل شيء ؟ ويَظلم الظالم، وينتهي كل شيء ؟ عظمة هذا الكون تتناسب مع الظلم، خالق هذا الكون هل هو ظالم ؟ أليس هناك تناسقاً بين عظمة الكون وكمال المكوّن ؟ كمال الخلق يدل على كمال الخالق.
 أيها الإخوة الكرام، دققوا في هذا الربط:

﴿ وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ ﴾

[ سورة البروج: 1]

 ولهذا الذي خلق السماء ذات البروج، الذي كوّن الكون، الذي خلق الخلق لابد من يوم يحاسب فيه الناس، مستحيل و ألف ألف مستحيل أن يستوي الصالح مع الطالح، والصادق مع الكاذب، والأمين مع الخائن، و الظالم مع المنصف:

 

﴿ وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ * وَالْيَوْمِ الْمَوْعُودِ ﴾

 

[ سورة البروج ]

 هناك يوم ترتعد فيه الفرائص، هناك يوم على الكافرين عسير.
 أيها الإخوة الكرام، الذي خلق الأكوان لا يمكن أن يظلم الإنسان فلا بد من يوم تسوى فيه الحسابات يؤخذ حق المظلوم من الظالم، ويؤخذ حظ الضعيف من القوي، ويؤخذ حظ الفقير من الغني، قال تعالى:

 

﴿ وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ * وَالْيَوْمِ الْمَوْعُودِ * وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ ﴾

 

[ سورة البروج ]

معنى: شَاهِدٍ وَمَشهُودٍ:

 اختلف المفسرون في الشاهد والمشهود إلى أكثر من أربعة وعشرين قولاً من تفسيرات الشاهد.

التفسير الأول:

 الشاهد هو الله عز وجل :

﴿ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيداً ﴾

[ سورة الفتح: 28]

التفسير الثاني:

 والشاهد هو النبي عليه الصلاة والسلام، قال تعالى:

 

﴿ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيداً ﴾

 

[ سورة النساء: 41]

التفسير الثالث:

 والشاهد هم الأنبياء الذين يشهدون على أممهم، والشاهد السيد المسيح قال تعالى:

 

﴿ وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً مَا دُمْتُ فِيهِمْ ﴾

 

[ سورة المائدة: 117]

التفسير الرابع:

 والشاهد هم الملائكة الحفظة الذين لا يغادرون صغيرة و لا كبيرة إلا أحصوها.

 

التفسير الخامس:

 ومن الشهود أيضاً الناس.

 

 

التفسير السادس:

 ومن الشهود الأرض والسماء، لأنها تشهد قال تعالى:

 

 

﴿ يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا * بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا ﴾

 

[ سورة الزلزلة ]

 أن اشهدي، قال تعالى:

 

﴿ يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾

 

[ سورة النور: 24]

 كل أعمالك مسجلة عليك صغيرها وكبيرها، جليها وخفيها وشاهد، والله خير الشاهدين.
 النبي يشهد، والأنبياء يشهدون، والدعاة يشهدون.

 

التفسير السابع:

 وجلدك يشهد عليك، وقد كنّى الله عن الجلد بعضو آخر، ترتكب فيه الفاحشة، كل هذا يشهد عليك يوم القيامة، أتحسب أنك في منجاة من عذاب الله ؟ أتحسب أنك فعلت شيئاً ما أراده الله ؟ أتحسب أنك تنجو من عقاب الله ؟
 وشاهد ومشهود كل مبصر تصح الشهادة عليه من أعمال الناس من أقوالهم من الخير من الشر كل هذا يدخل في شاهد ومشهود، قال تعالى:

 

 

﴿ وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ * وَالْيَوْمِ الْمَوْعُودِ * وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ ﴾

 

[ سورة البروج ]

المنتصر الحقيقي هو الذي لم يظلم:

 لا تقلقوا أيها الإخوة الكرام، المنتصر الحقيقي هو الذي لم يظلم، المنتصر الحقيقي هو الذي صحت عقيدته ومات مؤمناً موحداً هذا هو المنتصر الحقيقي، والنصر والهزيمة بعد العرض على الله، من هذا الذي صحت عقيدته، واستقامت سريرته، واستقام عمله، ومات على هذه العقيدة، قال تعالى:

﴿ وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ * وَالْيَوْمِ الْمَوْعُودِ ﴾

[ سورة البروج ]

 هذا اليوم تسوى فيه الحسابات هذا اليوم يأتي الإنسان ربه فردا ليس أحد معه، ليس أحد ينصره على باطل، الأقوياء اليوم العالم كله ينصرهم على الباطل، العالم كله يخشاهم معهم على الباطل، لكن الكافر يوم القيامة يأتي ربه فردا، قال تعالى:

 

﴿ وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ ﴾

 

[ سورة الأنعام: 94]

 أيها الإخوة الكرام، ومن قوله تعالى:

 

﴿ وَكُلَّ شَيْءٍ أحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ ﴾

 

[ سورة يس: 12]

﴿ وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ ﴾

[ سورة البروج: 1]

العبرة بالقسم بالبروج:

 أقسم الله بهذا الكون العظيم، أنت ينبغي ألا تكون محصوراً في حادثة مؤلمة ليمتد بصرك إلى ملكوت السماوات والأرض، لا ينبغي أن تكون حصير مشكلتك، لا ينبغي أن تتقوقع في مشكلة محدودة تنتهي بعد حين، مد بصرك إلى السماء، قال تعالى:

﴿ وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ ﴾

[ سورة البروج: 1]

 هذا الإله العظيم أيظلم في ملكه أحد ؟ ألا يقتص من الظالم للمظلوم ؟ ألا يقتص من الغني البخيل للفقير الجائع ؟ ألا يقتص من القوي الشديد للضعيف المجهود ؟
 أيها الإخوة الكرام، إذا كنت في مشكلة ينبغي ألا تحبسك هذه المشكلة، مد بصرك إلى السماء، انظر في ملكوت السماوات والأرض، هذا الخالق العظيم أيظلم في ملكه أحد ؟ كمال الخلق يدل على كمال التصرف، قال تعالى:

 

﴿ فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾

 

[ سورة الحجر ]

﴿ وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ ﴾

[ سورة إبراهيم: 42]

 أيها الإخوة الكرام، ما جواب القسم:

 

جواب القسم: قُتِلَ أَصْحَابُ الأُخْدُودِ

﴿ وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ * وَالْيَوْمِ الْمَوْعُودِ * وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ * قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ ﴾

[ سورة البروج]

 ينبغي للإنسان أن يفتخر بإنجاز عظيم، بتعليم عم البلاد، بقانون للصحة انتفع به كل الناس بخدمة أبناء الأمة، هؤلاء يفتخرون بالقتل والدمار والإذلال، قال تعالى:

 

﴿ قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ ﴾

 

[ سورة البروج: 4]

معنى: قُتِلَ أَصْحَابُ الأُخْدُودِ

 معنى قتل أنهم ملعونون في ملكوت السماوات والأرض، ولو كانوا أقوياء، ولو كانوا أغنياء، ولو كانوا أذكياء، ولو كان الإعلام كله بيدهم، ولو كانت الأموال كلها بحوزتهم، ولو كانت ثروات الأرض كلها تحت سيطرتهم، قتل أصحاب الأخدود، ملعونون في ملكوت السماوات والأرض، لأن إنجازهم هو القتل، إنجازهم هو الدمار، مرة تلقى القنابل الذرية على هيروشيما، مرة يلقى اليورانيوم المخضب على بلاد المسلمين، ] قُتِلَ أَصْحَابُ الأُخْدُودِ [، افتخارهم بالقتل والتعذيب، والإذلال ونهب الثروات، ] قُتِلَ أَصْحَابُ الأُخْدُودِ [، ماذا في الأخدود ؟

النَّارُ ذاتُ الوَقُودِ * إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ

 جعل الله النار بدلاً من الأخدود، أي أن هذا الأخدود الشق في الأرض ليس فيه إلا نار مستعرة، وقودها دائم، ] قُتِلَ أَصْحَابُ الأُخْدُودِ [، وهم جلسوا ليتفرجوا على حرق المؤمنين، ويتلذذون بحرقهم، ويتلذذون بتعذيبهم، وهم عليها قعود، قال تعالى:

﴿ وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ * وَالْيَوْمِ الْمَوْعُودِ * وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ * قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ * النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ * إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ * وَهُمْ ﴾

[ سورة البروج]

 وهم أيضاً شهود يوم القيامة على فعلتهم الشنعاء، قال تعالى:

﴿ وَهُمْ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ ﴾

[ سورة البروج: 7]

 

الإنسان هو الإنسان:

 أيها الإخوة الكرام، الإنسان هو الإنسان، والكافر هو الكافر، والظالم هو الظالم، والشهواني هو الشهواني، والشيطاني هو الشيطاني على امتداد العصور والدهور والآباد، قال تعالى:

﴿ قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ * النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ * إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ * وَهُمْ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ ﴾

[ سورة البروج ]

 أيها الإخوة الكرام، الله عز وجل ربط هذا المشهد الفظيع المؤلم في وضعه الطبيعي ربطه بالزمان والمكان، هناك حادثة جرت في عام خمسمئة قبل الإسلام سبقت عام الفيل.
 أيها الإخوة الكرام، هذا في عام خمسمئة ميلادية سبقت البعثة، وسبقت عام الفيل، يقول الله عز وجل:

 

﴿ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآَخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ ﴾

 

[ سورة التوبة: 38]

 قد يستمتع الكافر بعلو في الأرض، وبانتصار مؤقت، وبإذلال للآخرين، ولكنه سيموت، وسيلقى الواحد الديان، وسيلقى جزاء عمله بالقسطاس المستقيم، إذاً:

 

﴿ قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ ﴾

 

[ سورة البروج: 4]

 بمعنى لعنوا في ملكوت السماوات والأرض.

 

ما هو السبب ؟ إلا أنهم آمنوا بالله:

 أيها الإخوة الكرام، قضية وما نقموا منهم ما ذنبهم ؟ يقول عليه الصلاة والسلام متحدثاً عن آخر الزمان:

(( والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لاَ تَذْهَبُ الدُّنْيَا حَتّى يِأْتِيَ يَوْمٌ لاَ يَدْرِي القَاتِلُ فِيمَ قَتَلَ، وَلاَ المَقْتُولُ فِيمَ قُتِلَ ))

[ مسلم عن أبي هريرة ]

 أناس بريئون مدنيون غير مسلحين، آمنون في بيوتهم، يأتيهم القصف، فيموتون، تأتيهم القنابل الفسفورية فيحرقون، قال تعالى:

 

﴿ وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ ﴾

 

[ سورة البروج: 8]

الله مالك السماوات والأرض خَلقا وتصرفا ومصيرا:

 هم يملكون الأرض، يملكون نواصي البشر، لكنهم كفروا بالذي يملك الملك كله، قال تعالى:

﴿ قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾

[ سورة آل عمران: 26]

 يملك الإنسان بلداً، مدينة، قرية، معملاً، مستشفى، هذا الذي يملكه إلى حين، وبعد حين يأتي غيره فيملك، لكن الله عز وجل هو مالك الملك، أنا ملك الملوك، ومالك الملوك، قلوب الملوك بيدي، فإن العباد أطاعوني حولت قلوب ملوكهم عليهم بالرأفة والرحمة، وإن هم عصوني حولتها عليهم بالسخطة والنقمة، فلا تشغلوا أنفسكم بسب الملوك، وادعوا لهم بالصلاح، فإن صلاحهم بصلاحكم.
 أيها الإخوة الكرام، إنّ الله يملك السماوات والأرض خلقاً وتصرفاً ومصيراً، وهذا أوسع معاني الملك، هو مالك الملك، فهذا الذي يملك شيئاً، أحياناً يملك الإنسان أسرة، يحلف بالطلاق تعسفاً وظلماً، يظلم زوجته، يقول: ليس لها أحد ينصرها، هذا الذي يملك شيئاً هو محدود جداً، الله مالك الملك، وملك الملوك.
 أيها الإخوة الكرام:

 

﴿ إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ﴾

 

[ سورة البروج: 10]

وعيد شديد لمَن فتن المؤمنين والمؤمنات:

 فتن أي أحرق، فتنت المعدن أي أحرقته ليظهر نوعه:

﴿ إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ﴾

[ سورة البروج: 10]

 أرأيتم إلى هذا الملمح والمؤمنات، المرأة مساوية للرجل تماماً في التشريف والتكليف والمسؤولية، وهي مضحية مثله:

 

﴿ إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ﴾

 

[ سورة البروج: 10]

 

قصص وعِبر:

 إحدى النساء معها وليدها، ترددت في إعلان إيمانها، والكفر بهذا الملِك الذي أحرقهم، وبين عطفها على ابنها، فأنطق الله ابنها، فقال: يا أمي، اثبتي، أنت على الحق.
 وماشطة بنت فرعون كذلك، حينما جاء بقِدر ملأه بالقطران المغلي، وألقى أولادها الثلاثة، واحداً تلوى الآخر، يقول لها فرعون: هل تؤمنين بي ؟ قالت: أؤمن بالله العظيم، ولم تؤمن به، لكن رضيعها الأخير ارتجف قلبها قبل أن يوضع في القطران، سكتت، فأنطق الله وليدها كما ورد في مسلم، أنطق الله وليدها، وقال: اثبتي يا أمي، أنت على حق.
 هذه امرأة فرعون الذي ما استطاع فرعون أن يحملها على أن تؤمن به، قال تعالى:

﴿ وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً لِلَّذِينَ آَمَنُوا اِمْرَأَةَ فِرْعَوْنَ إِذْ قَالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتاً فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِنْ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ﴾

[ سورة التحريم: 11]

 هذه امرأة بطلة، قال تعالى:

 

﴿ إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ ﴾

[ سورة البروج: 10]

 لأنهم بالغوا في الظلم.
 أيها الإخوة الكرام، بالمقابل الله عز وجل حينما قال:

 

﴿ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾

[ سورة البروج: 8]

 

الحكمة من ختم الآية بقوله: العزيز الحميد

 ما علاقة عزيز حميد ؟ أي عزيز، هو القوي المنتقم، والحميد، هؤلاء الذين ماتوا في سبيل الله سوف يحمدون الله يوم القيامة على جنة عرضها السماوات والأرض، قال تعالى:

﴿ وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ ﴾

[ سورة البروج: 8]

 الذي يوقف الظالم عند حده، وينتقم منه، إن عاجلاً أو آجلاً، والحميد هو الذي يحمده عباده المؤمنون على كل ما ساق لهم في الدنيا، لأنهم هم يدخلون جنة عرضها السماوات والأرض، قال تعالى:

 

﴿ الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ * إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ * إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ﴾

[ سورة البروج ]

مصير أصحاب الأخدود:

 انظر إلى المصير مصير صاحب الأخدود الذي أمر بحرق المؤمنين، ومصير هذا المؤمن الذي احترق في الدنيا، لكن مصيره يوم القيامة، قال تعالى:

﴿ إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ * إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ﴾

[ سورة البروج ]

 في الخندق كان اللهب والحريق، والمصير كان جنات تجري من تحتها الأنهار، انظروا إلى هذا التقابل الرائع، الذين ظَلموا هو عزيز سينتقم منهم، والذين ظُلموا هو رحيم سيرحمهم، والذين احترقوا مصيرهم إلى جنة عرضها السماوات والأرض، فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، والذين استمتعوا بمنظر إحراق الناس:

 

﴿ وَهُمْ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ ﴾

[ سورة البروج ]

 مصيرهم إلى النار وبئس المصير، إن بطش ربك لشديد.

 

ملمح دقيق: ذلك الفوز الكبير:

 أيها الإخوة، هناك ملمح دقيق في الآية:

﴿ إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْكَبِيرُ ﴾

[ سورة البروج ]

 لم يأت في القرآن كله الفوز موصوف بأنه كبير إلا في هذه الآية، ومن يكون مظلوماً في الدنيا وهو على حق، هذه بشرى لكل المظلومين، هذه بشرى لكل الضعفاء الذين ضعفهم سبب لهم هذا الذي يحصل لهم:

 

﴿ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْكَبِيرُ * إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ ﴾

[ سورة البروج ]

 زلزال تسونامي قوته مليون قنبلة ذرية:

 

﴿ إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ * إِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ وَيُعِيدُ * وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ * ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ * فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ ﴾

[ سورة البروج ]

 أيها الإخوة الكرام، قصة أصحاب الأخدود من القصص الرائعة في القرآن التي تنذر الظالم، وتبشر المؤمن، التي تبين أن الأمور بخواتيمها، التي تبين أن الأمور بعاقبتها، التي تبين أن البطولة بعد الموت، الغنى والفقر بعد العرض على الله، والانتصار وعدم الانتصار بعد العرض على الله، وكل تجمعات أهل الأرض على الباطل سوف تحل يوم القيامة، ويأتي الناس ربهم فرادى:

 

﴿ فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ ﴾

[ سورة الزلزلة ]

 وهذا الأعرابي الذي جاء النبي عليه الصلاة والسلام، وقال: يا رسول الله، عظني، ولا تطل فتلا عليه قوله تعالى:

 

﴿ فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ ﴾

 قال: كفيت، فقال عليه الصلاة والسلام: فقُه الرجل.
 والله أيها الإخوة الكرام، لو لم يكن في كتاب الله إلا هذه السورة للمظلومين للمقهورين، لمن يقتلون بلا سبب، لمن يُذبحون، لمن تهدم مساكنهم، لمن تجرف أرضهم، لمن يحاصرون حتى يموتوا من الجوع، العالم كله يحاصر هؤلاء، يريد أن يركعهم، يريد أن يميتهم من الجوع، لا يستطيع مصرف في الأرض أن يحول لهم شيئاً، يريد العالم أن يموتوا، وهم خرجوا بانتخابات حرة بشهادة العالم الغربي، هذا هو الغرب، قال تعالى:

 

 

﴿ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى ﴾

[ سورة البقرة: 256]

 لن تؤمن بالله قبل أن تكفر بالطاغوت، لذلك قال تعالى:

 

﴿ وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ﴾

[ سورة آل عمران: 139]

 هؤلاء الذين يموتون في أفغانستان، وفي العراق، وفي فلسطين هذه السورة هي التي تخفف عنهم هي التي تعدهم بجنة عرضها السماوات والأرض، قال تعالى:

 

﴿ إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْكَبِيرُ ﴾

[ سورة البروج: 11]

 ولم يوصف الفوز بأنه كبير إلا في هذه السورة.
 أيها الإخوة الكرام، العبرة بالخواتيم، العبرة بما تنتهي إليه الأمور لذلك: " إني والإنس والجن في نبأ عظيم، أخلق ويعبد غيري، وأرزق ويشكر سواي، خيري إلى العباد نازل، وشرهم إلى صاعد، أتحبب إليهم بنعمي، وأنا الغني عنهم، ويتبغضون إلى بالمعاصي، وهم أفقر شيء إلي، مَن أقبل علي منهم تلقيته من بعيد، ومن أعرض عني منهم ناديته من قريب، أهل ذكري أهل مودتي، أهل شكري أهل زيادتي، أهل معصيتي لا أقنطهم من رحمتي، إن تابوا فأنا حبيبهم، وإن لم يتوبوا فأنا طبيبهم، أبتليهم بالمصائب لأطهرهم من الذنوب و المعايب، الحسنة عندي بعشر أمثالها وأزيد، والسيئة بمثلها وأعفو، وأنا أرأف بعبدي من الأم بولدها ".
 أيها الإخوة الكرام، حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وزنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم، واعلموا أن ملك الموت قد تخطانا إلى غيرنا، وسيتخطى غيرنا إلينا، فلنتخذ حذرنا، الكيس من دان نفسه، وعمل لما بعد الموت، والعاجز من أتبع نفسه هواها، وتمنى على الله الأماني، والحمد لله رب العالمين.

* * *

 الخطبة الثانية
 الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله، صاحب الخلق العظيم، اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

مج الصحابي جليبيب:

 أيها الإخوة الكرام، قال أنس بن مالك رضي الله عنه: << كان رجل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يقال له: جليبيب، كان في وجهه دمامة، وكان قصير القامة، وكان فقيراً، وكان يكثر الجلوس عند النبي عليه الصلاة والسلام، دميم، قصير، فقير، من أصحاب رسول الله، فقال له النبي عليه الصلاة والسلام: يا جليبيب، ألا تتزوج ؟ قال: يا رسول الله، من يزوجني ؟ وأنا كما ترى لا بيت ولا مال، ولا شيء من هذا القبيل، فالتفت جليبيب إلى النبي، فقال: إذاً تجدني كاسداً يا رسول الله، من يأخذني ؟ من يقبل أن يزوجني، لا شكل ولا مال ؟  فقال عليه الصلاة والسلام: غير أنك عند الله لست بكاسد، ابتغوا الرفعة عند الله، ثم لم يزل النبي عليه الصلاة والسلام يتحين الفرص حتى يزوج جليبيبًا، فجاءه في يوم من الأيام رجل أنصاري قد توفي زوج ابنته، فجاء إلى النبي عليه الصلاة والسلام ـ دققوا الآن ـ يعرضها عليه، وكانت فائقة الجمال، يعرضها على النبي عليه الصلاة والسلام، فقال له النبي: نعم، ولكن لا أتزوجها أنا، فردّ عليه الأب: من تُزوجها إذاً يا رسول الله ؟ فقال: جليبيبًا، فقال ذاك الرجل: يا رسول الله، تزوجها لجليبيب، وأنا أعرضها عليك ؟ انتظر حتى أستأمر أمها، شيء شبه مستحيل، ثم مضى إلى أمها، وقال لها: إن النبي عليه الصلاة والسلام يخطب إليك ابنتك، قالت: نعم، ونعم رسول الله، فقال لها: إنه ليس يريدها لنفسه، قالت: لمن ؟ قال: يريدها لجليبيب، قالت: لجليبيب ؟ لا والله لا أزوج جليبيبًا، وقد منعناها فلاناً وفلاناً وفلاناً ؟ فاغتم أبوها لذلك، ثم قام ليأتي النبي عليه الصلاة والسلام فصاحت الفتاة من خدرها، وقالت لأبويها: من خطبني إليكما ؟ قال: خطبك رسول الله صلى الله عليه وسلم، قالت: أفتردّان على النبي عليه الصلاة والسلام خطبته ؟ ادفعاني إلى رسول الله، فإنه لن يضيعني، قال أبوها: نعم، ثم ذهب إلى النبي عليه الصلاة والسلام، والقصة وردت في روايات عديدة، بعض هذه الروايات أنه لا يجد شيئاً يملكه ليكون مهراً أو بيتاً أو أثاثاً أو طعاماً، جمع له الصحابة بعض المال، وفي يوم عرسه دعا داعي الجهاد، لكن النبي عليه الصلاة والسلام حينما علم أنها قبلت به دعا لها، وقال: اللهم صب عليها الخير صباً، ولا تجعل عيشهما كداً كدا، فلما نودي بنادي الجهاد، ودخل المعركة استشهد وقتها في يوم عرسه، فقال عليه الصلاة والسلام: مَن تفقدون ؟ قالوا: هؤلاء الذين فقدناهم، فلان، وفلان، وفلان، قال: ولكنني أفقد جليبيبًا، فقوموا نلتمس خبره، ثم قاموا يبحثون عنه في ساحة القتال، وطلبوه مع القتلى، ثم مشوا فوجدوه في مكان قريب قد استشهد، فوقف النبي عليه الصلاة والسلام على جسده المقطع، ثم قال: أنت مني، وأنا منك، ثم تربع عليه الصلاة والسلام جالساً بجانب هذا الجسد، ثم حمل هذا الجسد، ووضعه على ساعديه، وأمرهم أن يحفروا له قبراً، قال أنس: فمكثنا والله نحفر القبر، وجليبيب ما له فراش غير ساعدي النبي عليه الصلاة والسلام.

أين نحن مِن هؤلاء ؟!

 هذه أمة فتحت العالم، هذه أمة وصلت إلى الصين شرقاً، وإلى مشارف باريس غرباً، أما حينما نكتفي من الإسلام بشعائره، ويكره بعضنا بعضا، ويزدري بعضنا بعضاً فلن ننتصر.
 ما مشكلة الشباب اليوم ؟ المتطلبات فوق طاقتهم، مصاريف الزواج فوق طاقتهم العنوسة أكبر مشكلة يعاني منها المجتمع المسلم، هذه أمة فتحت العالم، ولو فهم الصحابة الإسلام كما نفهمه نحن ما خرج من مكة المكرمة.
 أيها الإخوة الكرام، بإمكانكم أن تكونوا أقوياء، أقوياء بعلمكم، أعظم كرامة لك كرامة العلم، هذه الكرامة لا تحتاج إلى خرق العادات، أعظم كرامة لك أن تكون أميناً، أن تكون صادقاً، أن تكون عفيفاً، أن تكون محسناً، ولا يمنعك أحد في العالم أن تكون قوياً، و المؤمن القوي خير وأحب إلى الله تعالى من المؤمن الضعيف.

الدعاء

 اللهم اهدنا فيمن هديت، وعافنا فيمن عافيت، وتولنا فيمن توليت، وبارك لنا فيما أعطيت، وقنا واصرف عنا شر ما قضيت، فإنك تقضي بالحق، ولا يقضى عليك، وإنه لا يذل من واليت، ولا يعز من عاديت، تباركت ربنا وتعاليت، ولك الحمد على ما قضيت، نستغفرك و نتوب إليك، اللهم اهدنا لصالح الأعمال لا يهدي لصالحها إلا أنت، اللهم اهدنا لأحسن الأخلاق لا يهدي لأحسنها إلا أنت، اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا، وأصلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا، وأصلح لنا آخرتنا التي إليها مردنا، واجعل الحياة زاداً لنا من كل خير، واجعل الموت راحة لنا من كل شر، مولانا رب العالمين، اللهم اكفنا بحلالك عن حرامك، وبطاعتك عن معصيتك، وبفضلك عمن سواك، اللهم بفضلك ورحمتك أعل كلمة الحق والدين، وانصر الإسلام وأعز المسلمين، وأذل الشرك والمشركين خذ بيد ولاة المسلمين لما تحب وترضى يا رب العالمين، إنك على ما تشاء قدير، وبالإجابة جدير.

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018