الدرس : 05 - سورة يوسف - تفسير الآيات 30 – 42 ، ابتلاءات يوسف عليه السلام - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الدرس : 05 - سورة يوسف - تفسير الآيات 30 – 42 ، ابتلاءات يوسف عليه السلام


1986-06-13

 الحمد لله رب العالمين، و الصلاة و السلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، و زدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، و أرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .
 أيها الإخوة المؤمنون، وصلنا في قصة سيدنا يوسف إلى قوله تعالى :

﴿ وَقَالَ نِسْوَةٌ فِي الْمَدِينَةِ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ تُرَاوِدُ فَتَاهَا عَنْ نَفْسِهِ ﴾

( سورة يوسف )

من شخصيات قصة يوسف : عزيز مصر وامرأته :

 الحقيقة أننا أول مرة نعرف أنّ سيدنا يوسف كان في بيت عزيز مصر، وأنّ المرأة التي راودته عن نفسها هي امرأة العزيز، وهذه طريقة في حبكة القصة رائعة جداً، أخّر إعطاء القارئ هوية هذا الرجل الذي اشتراه :

﴿ وَقَالَ الَّذِي اشْتَرَاهُ مِنْ مِصْرَ ﴾

 من ؟ لا نعرف .

﴿ لِامْرَأَتِهِ أَكْرِمِي مَثْوَاهُ ﴾

﴿ وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا ﴾

 بعد مرحلة متقدمة من القصة، عرفنا أنّ هذه المرأة التي راودته عن نفسها هي امرأة العزيز، وأنّ هذا الرجل الذي اشتراه هو عزيز مصر، قال تعالى :

﴿ وَقَالَ نِسْوَةٌ فِي الْمَدِينَةِ ﴾

( سورة يوسف )

وَقَالَ نِسْوَةٌ فِي الْمَدِينَةِ

هكذا يشيع لخبر فاحذر!!!

 يبدو أنّ هؤلاء النسوة هنّ من الطبقة الراقية، رقياً دنيوياً، من طبقة الأغنياء والمقربين إلى القصر .

﴿ وَقَالَ نِسْوَةٌ فِي الْمَدِينَةِ ﴾

 يبدو أنّ قصة هذا النبي الكريم قد شاعت في المدينة وسريعاً ما تناقلتها الألسنة، ورجفت بها القلوب، قال تعالى :

﴿ وَقَالَ نِسْوَةٌ فِي الْمَدِينَةِ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ ﴾

( سورة يوسف )

مكر النسوة في الكلام : امْرَأَةُ الْعَزِيزِ!!!

 كأنهم يقصدون أن امرأة العزيز المرأة الثانية في هذا المجتمع، المرأة الأولى امرأة الملك، وامرأة العزيز هي المرأة الثانية، على علو قدرها، وعلى عظم شأنها تراود فتاها عن نفسه، قال تعالى :

﴿ وَقَالَ نِسْوَةٌ فِي الْمَدِينَةِ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ تُرَاوِدُ فَتَاهَا عَنْ نَفْسِهِ قَدْ شَغَفَهَا حُبًّا ﴾

( سورة يوسف )

 وصل حبها له إلى شغاف قلبها، وصلت محبته إلى أعمق ما في قلبها، مَلَك عليها قلبها، استحوذ عليها، وذهب بها كل مذهب، قال تعالى :

﴿ قَدْ شَغَفَهَا حُبًّا إِنَّا لَنَرَاهَا فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ ﴾

( سورة يوسف )

قَدْ شَغَفَهَا حُبًّا إِنَّا لَنَرَاهَا فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ

 كأنهن يترفعن عن هذا المستوى، كأنهن يقبحن عملها، ويزرين بها، وينحن عليها باللائمة :

﴿ إِنَّا لَنَرَاهَا فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ ﴾

ردُّ الفعل :

 لكنّ امرأة العزيز امرأة ناضجة عرفت أبعاد هذه الفضيحة، وكيف أنّ قصتها مع فتاها قد شاعت في المدينة، وقد لهجت بها الألسنة ولاكتها، وتناقلها الناس، ولاسيما فيما بين الطبقة الراقية، المجتمع الراقي بالمقياس الدنيوي، من خلال هذا المجتمع المقرب إلى العزيز، قالت في نفسها: لابد من مكر يطفئ هذه القصة، قال تعالى :

﴿ فَلَمَّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ ﴾

( سورة يوسف )

دقة القرآن :بِمَكْرِهِنَّ

 كأن نقل هذا الحديث مكر منهن، كأن نقل هذا الحديث وإشاعته وتناقله شفاء لما في صدورهن، كأن هناك منافسة بين امرأة العزيز وبقية النساء المقربات، هناك منافسة خفية، وهذا يؤكده قوله تعالى :

﴿ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى ﴾

( سورة الحشر )

حقيقة الرقي والحضارة :

 الكفار إذا بدوا لك متجمعين فهم في الحقيقة متفرقون، إذا بدوا لك متحدين فهم في الحقيقة متنافسون، لأن الله سبحانه وتعالى يقول :

﴿ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى ﴾

( سورة الحشر )

 فامرأة العزيز أرادوا بها كيداً عن طريق نقل هذه القصة وترويجها وإشاعتها وكثرة الحديث فيها من أجل أن يحطمن سمعتها، إذاً هناك عداءٌ خفي، فلما سمعت بمكرهن دبرت لهن خطة وكيداً محكماً، أرسلت إليهن، الحقيقة هذا المجتمع الراقي يسمونه المجتمع المخملي، هذا المجتمع الراقي في نظر الناس هو عند الله ليس راقياً، لأن هناك نظافة المظهر وهناك نظافة المخبر، قد تعيش في بيت فخم، وقد ترتدي أجمل الثياب، وقد تستعمل أغلى العطور، وقد تركب أجمل السيارات، وقد تأكل ما لذ وطاب، وقد يكون وقتك ممتلئاً بالمواعيد واللقاءات والحفلات والسهرات الممتعة والنزهات، ولست عند الله شيئاً مذكوراً، وقد يأتي إنسان فقير لا يعرفه معظم الناس فيخلص العبادة لله عز وجل، ويستقيم في معاملته فهو عند الله نظيف .
 مثلاً: إنسان يعمل في مهنة عضلية مجهدة لو أنه يعمل في تصليح السيارات مثلاً، ويرتدي ثياب سوداء مثقلة بالشحوم، لو أنه جاءته سيارة فأحكم إصلاحها، وأتقنه، وأخذ أجراً معتدلاً، وقدّم خدمة، هذا الوضع الذي هو فيه وضع نظيف جداً، إنه نظيف من الداخل، وقد قال لي رجل لا أشك أنّ غرفته التي يجلس فيها يزيد ثمن ما فيها من أثاث على مئات الألوف قال لي: إنّ عملي قذر، يرتدي أجمل الثياب، ويتكئ على أفخم الأثاث، ويستعمل أفخر العطور، وقال لي بالحرف الواحد: إنّ عملي قذر، فالقذارة والنظافة أيها الإخوة من الداخل، المؤمن نظيف من الداخل؛ استقامته وعفته، ومروءته وشجاعته، ونزاهته وأعماله الطيبة، هذه التي ترفعه عند الله، أما هذا المجتمع الذي يبدو لك مجتمعاً راقياً يتقلب في ألوان النعيم فليس عند الله بشيء، قال تعالى :

﴿ لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلَادِ(196)مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ ﴾

( سورة آل عمران )

 قال تعالى :

﴿ فَلَمَّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ ﴾

( سورة يوسف )

أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً

إياكم ومكر المرأة ، فإنها تغلب ذا اللبّ :

 وجهت إليهن دعوة إلى قصرها لتناول طعام أو فاكهة، وليس في القرآن الكريم ما يؤكد هذا أو ذاك، قال تعالى :

﴿ أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً ﴾

( سورة يوسف )

 أي جعلت لهن أماكن مريحة جداً، أثاثا فاخرا، طنافس وثيرة، متكآت من ريش النعام، قال تعالى :

﴿ وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً وَآتَتْ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ سِكِّينًا ﴾

( سورة يوسف )

 من أجل أن تستعملها في تقطيع الفاكهة أو تقطيع اللحم، على كلٍّ قدّمت لهن طعاما أو فاكهة ثمينة، قال تعالى :

﴿ فَلَمَّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً وَآتَتْ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ سِكِّينًا وَقَالَتْ اخْرُجْ عَلَيْهِنَّ ﴾

( سورة يوسف )

وَقَالَتْ اخْرُجْ عَلَيْهِنَّ

امرأة العزيز تعتذر للنسوة بالواقع :

 أمرته وهو الغلام في قصرها، وعليه أن ينفذ ما تأمره به، أمرته أن يخرج أمام هؤلاء النسوة اللائى يمثلن نخبة المجتمع الراقي، قال تعالى :

﴿ وَقَالَتْ اخْرُجْ عَلَيْهِنَّ فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ ﴾

( سورة يوسف )

الله أكبر ، لقد قطَّعن أيديهن لرؤيته :

 يعني عظّمنه، دُهشن لجماله، وهناك مفسرون كثيرون ورواة كثيرون أجهدوا أنفسهم في وصف هذا النبي الكريم، وفي خلع صفات الجمال عليه، مع أنّ المرأة لا يستهويها في الرجل جمال بني جنسها، بل يستهويها صفات خاصة به، سيدنا موسى قال تعالى عنه :

﴿ قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنْ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ ﴾

( سورة القصص )

رأس مال الرجل : القوة والأمانة :

 ما الذي أعجبها فيه؟ أعجبها قوته وأمانته، هو ما الذي أعجبه فيها حياؤها، قال تعالى :

﴿ فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ ﴾

( سورة القصص)

 فالمرأة تحب في الرجل القوة والعفة، والأمانة والقوة، والحماية والرعاية والشجاعة، فإذا بالغ الرجل في التزين والتجمل، والتعطر والتكسر، وترفيع الصوت، وتزيين صدره ببعض الحلي ومعصمه ببعض السلاسل تقليدا للنساء في زيِّهن، فهذا الرجل لعنه الله عز وجل، لقول النبي عليه الصلاة والسلام في الحديث عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ :

(( لَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمُتَشَبِّهِينَ مِنَ الرِّجَالِ بِالنِّسَاءِ، وَالْمُتَشَبِّهَاتِ مِنَ النِّسَاءِ بِالرِّجَالِ ))

مسند الإمام أحمد

 قال تعالى :

﴿ قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنْ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ ﴾

( سورة القصص )

 بينما أعجبه فيها حياؤها ، لذلك قال النبي عليه الصلاة والسلام :

(( من علامات قيام الساعة أن يرفع الحياء من وجوه النساء، وتذهب المروءة من رؤوس الرجال ))

ورد في الأثر

إلا الديّوث أعيت مَن يداويه !!!

 لا مروءة عند الرجال، و لا حياء في وجوه النساء .

(( والديوث لا يروح رائحة الجنة ، فقيل يا رسول الله : وما الديوث ؟ قال الذي لا يغار على عِرضه ويرضى الفاحشة في أهله ))

ورد في الأثر

 هذا الذي يسمح لزوجته أن تخرج إلى الشرفة بقميص النوم هذا عند الله ديوث، لأنه لا يغار على عرضه، هذا الذي يسمح لزوجته أن تتزين وهي معه في الطريق هذا لا يغار على عرضه، هذا الذي يسمح لزوجته أن تقدم المشروب لضيوفه ديوث لا يغار على عرضه، إن كان الذين يرضون الفاحشة في أهلهن قلائل، فالذين لا يغارون على أعراضهن كثر، إذاً: حينما بالغ المفسرون والرواة في وصف هذا النبي الكريم بصفات جمالية منتزعة من صفات النساء وقعوا في وهم كبير، إنّ الذي أعجبها فيه عفته، إنّ الذي أعجبها فيه قوته، إن الذي أعجبها فيه طهارته، وكان جميلاً، لكن أن نقصر ميزاته على جماله وحده فهذه مبالغة ليست واقعية، على كلٍّ، قال تعالى :

﴿ فَلَمَّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً وَآتَتْ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ سِكِّينًا وَقَالَتْ اخْرُجْ عَلَيْهِنَّ فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ ﴾

( سورة يوسف )

معنى تقطيع الأيدي :

 لئلا يذهب بكم الظن إلى أنهن قطّعن أيديهن تقطيعاً تاماً، لا، معنى قطّعن أيديهن في اللغة جرحن أيديهن، الإنسان أحياناً يستعمل سكيناً حاداً، ويلهو مع إنسان في حديث، فإذا به يجرح إصبعه، معنى قطّعن أيديهن أي جرحن أصابعهن، قال تعالى :

﴿ وَقُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا هَذَا بَشَرًا ﴾

( سورة يوسف )

كمال الأنبياء :

 إنه فوق البشر لكماله، والأنبياء كذلك ، قال الشاعر :

وأجمل منك لم ترَ قط عيني  وأكمل منك لم تلد النساء
خُلقـتَ مبرّأً من كل عيب  كأنك قد خُلقت كما تشاء
***

 الله سبحانه وتعالى يهب أنبياءه جمال الخَلق والخُلُق، أصحاب محمد الكرام سحروا به أُخذوا به، أخذ كل قلوبهم، قال أحدهم: " ما رأيت أحداً يحب أحداً كحب أصحاب محمدٍ محمداً "، سُحروا بكماله ورقته، وحلمه وشجاعته، وذكائه وفطنته، ورحمته وعدله وإنصافه، وهكذا المؤمن، لا أقبل أن يكون المؤمن بغيضاً عند الناس، لا يمكن أن يكون هذا صحيحاً، كيف يكون هذا صحيحاً وهو متصل بالله عز وجل، ولله الأسماء الحسنى، وكل من اتصل بالله عز وجل لابد من أن يشتق من أسمائه الحسنى، يجب أن يكون المؤمن محبوباً لتواضعه وإنصافه وعفته لاستقامته، قال تعالى :

﴿ وَقُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا هَذَا بَشَرًا إِنْ هَذَا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ(31)قَالَتْ فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ ﴾

( سورة يوسف )

فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ وَلَقَدْ رَاوَدتُّهُ عَنْ نَفْسِهِ

عزيز تواجه النساء بالواقع الذي لا يصبرن عليه :

 هذا هو، إنكم تحدثتم عني في غيبتي، وأنحتم عليّ باللائمة من دون أن تعرفوا حقيقة هذا الفتى الذي شغف قلبي به حباً، هذا الذي شغف قلبي به حباً أمعي حقٌ بهذا؟ قال تعالى :

﴿ قَالَتْ فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ وَلَقَدْ رَاوَدتُّهُ عَنْ نَفْسِهِ ﴾

( سورة يوسف )

منتهى الوقاحة :

 منتهى الوقاحة أن تعلن عن شغفها، وعن غريزتها، وعن حاجتها إليه أمام نسوة من علية القوم، قال تعالى :

﴿ وَلَقَدْ رَاوَدتُّهُ عَنْ نَفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ ﴾

( سورة يوسف )

 وهذه أول براءة له عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام، فاستعصم، لا كما يقول بعض المفسرين: ولقد همّ بها، أي بلغ منها مبلغ الرجال، لا، هو همّ بدفعها، أو همّ بالهروب منها، أو همّ بضربها، على قول بعض المفسرين، لأن عملها كان في منتهى الوقاحة، قال تعالى :

﴿ وَلَقَدْ رَاوَدتُّهُ عَنْ نَفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ وَلَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ مَا آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُونَ مِنَ الصَّاغِرِينَ ﴾

( سورة يوسف )

مرحلة التهديد : وَلَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ مَا آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُونَ مِنَ الصَّاغِرِينَ

 لا زالت مصرة على أن تراوده عن نفسه مرة ثانية، لا زالت مصرة على أنها لابد من أن تصل إليه إما بالحسنى، وإما عن طريق السَجن والتعذيب، قال تعالى :

﴿ وَلَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ مَا آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُونَ مِنَ الصَّاغِرِينَ(32)قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ ﴾

( سورة يوسف )

قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ :

السجن بدل المعصية والفتنة في الدين :

 لم يقل الله عز وجل: مما تدعوني إليه، كان مع واحدة فصار مع المجموع، في بعض التفسيرات أنّ كل من حضر هذا الحفل البهيج بدأ يقنعه على حدة أن يستجيب لنزوتها، لنزوة امرأة العزيز، كان مع واحدة، فصار مع المجموع .

﴿ قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ ﴾

 هنا نقف قليلاً، إذا أُمرت بمعصية أين أنت من هذا النبي الكريم، هل تقول: لا أستطيع يا أخي؟ ما تمكنت، أمرتُ بهذا، أم تقول:

﴿ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ ﴾

 هذا امتحان دقيق، قد يوضع إنسان في موضع صعب، قد يُؤمر بمعصية الله، قد يؤمر بعمل لا يرضي الله، يجب أن يكون موقفك واضحاً، يجب أن لا تأخذك في الله لومة لائم، يجب أن ترى أنّ الله هو كل شيء قدير، ولا إله إلا الله، قال تعالى :

﴿ مَا يَفْتَحْ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ ﴾

( سورة فاطر : الآية 2)

﴿ وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ ﴾

( سورة الزخرف : الآية 84)

﴿ وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ ﴾

( سورة الحديد : 4)

﴿ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ ﴾

(سورة الأعراف : 54)

﴿ لَهُ الْحُكْمُ ﴾

( سورة القصص : الآية 70)

﴿ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ ﴾

( سورة يوسف : 64)

﴿ وَاللَّهُ يَقْضِي بِالْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لَا يَقْضُونَ بِشَيْءٍ ﴾

( سورة غافر : الآية 20 )

﴿ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ ﴾

( سورة الأحزاب : الآية )

 قال تعالى :

﴿ قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ ﴾

( سورة يوسف )

وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ

قمة التوحيد والاستسلام لله :

 هذا هو التوحيد، يا رب، أنا أصمد أمام كيدهن، وأمام إغرائهن بمعونتك، فإذا تخليت عني فلا أستطيع أن أصمد أبداً، إنّ مقاومتي تنهار إذا تخليت عني، كما قال تعالى :

﴿ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ﴾

( سورة الفاتحة )

 لا حول ولا قوة إلا بالله، لا حول عن معصية الله إلا بالله، ولا قوة على طاعته إلا به، هذا هو التوحيد، هذا الذي يقول أنا لا أفعلها أبداً، هذا مشرك، يا رب أعني على طاعتك، يا رب لا تكلني إلى نفسي طرفة عين، يا رب أنا بك و إليك، من أنا حتى أقول أنا لا أفعلها، هذا هو الشرك، أي أشركت نفسك مع الله عز وجل، لو عرفت ما عند الأنبياء من تواضع لله عز وجل ومن افتقار إليه، ومن استسلام لأمره لتأدبت بهذا الأدب :

﴿ قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ ﴾

( سورة يوسف )

كيد المرأة عظيم :

 ربنا عز وجل قال في هذه القصة بالذات :

﴿ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ ﴾

( سورة يوسف : الآية 28)

 وقال في موطن آخر :

﴿ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا ﴾

( سورة النساء )

 الشيطان ومن معه كيده ضعيف، لكن المرأة كيدها عظيم، لأن لك عند المرأة حاجة، وقد تكون هذه المرأة زوجتك، لك عندها حاجة فتستغل هذه الحاجة لتحملك على معصية، لتنفذ مأربها، لتفعل ما تشاء، لتكون هي المسيطرة، لتسير البيت وفق أهوائها، لتفعل ما تفعل من أجل أن تظهر، فإذا هذا على حساب دينك، لذلك إياك أن تنهار مقاومتك أمام كيدهن :

﴿ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ ﴾

( سورة يوسف : الآية 28)

 قال تعالى :
 فَاسْتَجَابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ ﴾

 

( سورة يوسف )

جاء الفرَجُ : فَاسْتَجَابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ

 لماذا استجاب له ربه فصرف عنه كيدهن؟ لشيء واحد، لأنه كان صادقاً في هذا الطلب، أنت أيها الأخ الكريم لا تملك إلا الطلب، إن عرف الله عز وجل صدق طلبك وإصرارك على طاعته، و إصرارك أيضاً على بعدك عن معصيته يستجب لك، لذلك جاء في الحديث الشريف :

(( ما كان الله ليعذب قلباً بشهوة تركها صاحبها في سبيل الله ))

ورد في الأثر

 إذا أنس الله منك صدقاً في طلب طاعته وصدقاً في البعد عن معصيته أعانك على طاعته، وصرف عنك معصيته، فإن كنت ضعيفاً، إن كنت متردداً، إن كنت ميّالاً إلى المعصية تخلّ عنك، فتغلب عليك الشيطان، ففعلت المعصية، ليكن هذا النبي الكريم قدوة لك في مواجهتك للمغريات، قال تعالى :

﴿ قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنْ الْجَاهِلِينَ(33)فَاسْتَجَابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ ﴾

( سورة يوسف )

 إنّ صرف الله عز وجل كيدهن عنه كان بطريقين:
 الأول: أنّ الله عز وجل ألقى في قلوبهن اليأس من الوصول إليه .
 والطريق الثاني: أنّ الله سبحانه وتعالى ألقى في قلبه بغضهن، هو كرههن وهنّ يئسن منه، هذا فعل الله عز وجل، قال تعالى :

﴿ فَاسْتَجَابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ﴾

( سورة يوسف )

إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ

 سميع لقولك، ولو لم تقل، هو عالم بحالك، لو أنك لم تقل، لكنه في نفسك، في أعماق نفسك لا تريد أن تعصي الله، الله عليم، إن تقل، وإن لم تقل يعلم ما في نفسك .
 أحياناً الإنسان ينسى تعقيبات الآيات في القرآن الكريم، ويقول لك: إنه هو الغفور الرحيم، غير مضبوطة، إنه هو السميع العليم، لأنك أيها الإنسان إما أن تدعوه فيسمعك، وإما أن تسكت فيعلم حالك، إنه هو السميع العليم، إذا واجه أحدنا مشكلة أو ضغطاً أو إكراها أو إغراءً يستطيع أن يدعو الله سراً وشفتاه مضمومتان في قلبه، يا رب ليس لي إلا أنت :

﴿ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ﴾

 اصرف عني هذا الشر، قال تعالى :

﴿ ثُمَّ بَدَا لَهُمْ ﴾

( سورة يوسف )

الامتحان المُوَالي : السجن :

دقة القرآن :بَدَا لَهُمْ

 لم يقل الله عز وجل: بدا لهن، بدا لهم، دخل العزيز في هذا الموضوع، العزيز زوجها والمستشارون والخبراء والمقربون إليه تداولوا في هذه الفضيحة، وهذه السمعة السيئة التي جلبت لهم المذمة والعار، ماذا يفعلون؟ إنّ هذه الزوجة تحت سمع زوجها وبصره، ويا له من زوج غيور! تحت سمعه وبصره مصرة على أن تصل إليه، ولقد دعت النسوة في المدينة أيضاً تحت سمعه وبصره، ولابد من أنّ قولها قد وصل إليه :

﴿ وَلَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ مَا آمُرُهُ ﴾

 فأي زوج هذا؟ وأية رجولة هذه؟ وأية غيرة ينطوي عليها؟ هذا عزيز مصر، لكنه استشار المقربين والأباعد، والكبراء والصغار ومن في الحاشية، بدا لهم جميعاً أنه من أجل إطفاء هذه الفتنة، وتطويق هذه الحادثة، وتقليص هذه الإشاعة، لابد من أن يسجن هذا الفتى البريء، لم يستطع أن يصل إلى زوجته، ويسيطر عليها، فكان الحل ظالماً، أمر بسجن هذا الفتى البريء الذي ما خانه قط، والذي يقطر براءة وطهراً وعفافاً :

﴿ ثُمَّ بَدَا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا رَأَوْا الْآيَاتِ ﴾

اعجب للآيات التي حكمت على يوسف بالسجن!!!

 أية آيات؟ آية أنّ قميصه قدّ من دبر ؟
 آية :

﴿ وَلَقَدْ رَاوَدتُّهُ عَنْ نَفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ ﴾

 كل هذه الآيات الدالة على طهارته وعفته واستعصامه بالله عز وجل على الرغم من كل ذلك بدا لهم أن يسجنوه، قال تعالى :

﴿ ثُمَّ بَدَا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا رَأَوْا الْآيَاتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ ﴾

( سورة يوسف )

المهمّ أن يغيب عن أنظار الناس :

 إلى أجل غير مسمى، إلى أن تنطفئ الفتنة، إلى أن ينقطع الحديث في هذا الموضوع، إلى أن تنسى امرأة العزيز هذا الغلام، ودخل السجن، سوف نستنبط بعد قليل أنه كان في السجن نبياً، كما أنه نبي خارج السجن هو نبي داخل السجن بمعرفته، بإحسانه، بمعاونته للآخرين، برحمته، الإنسان هو هوَ، هذا الذي تتبدل أخلاقه من ظرف إلى ظرف أخلاقه مزيفة، هذا الذي يبدو في الرخاء وديعاً، و في الشدة وحشاً هذا ليس أخلاقياً، هذا الذي يبدو في الغنى سموحاً وفي الفقر بخيلاً ليس كريماً، لكن البطولة أن تكون أنتَ أنت في الرخاء والشدة، في النعيم والشقاء، في الصحة والمرض، في القوة والضعف، في إقبال الدنيا وإدبارها، خارج السجن وداخل السجن هو هوَ نبي، قال تعالى :

﴿ وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيَانِ ﴾

( سورة يوسف )

فصل آخر في السجن : وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيَانِ

مَن هما الفتيان ؟!!

 هناك قصة يرويها القرطبي في تفسيره: أن الملك كان عنده طباخ كرئيس الطهاة، ورجل يقدم له الشراب، يبدو أن هذا الملك عمّر طويلاً ودام حكمه طويلاً، فائتمر عليه بعضهم في قتله عن طريق دس السم في طعامه وشرابه، فالطباخ وضع السم في الطعام، أما صاحب الشراب فأبى، فلما قدم الطعام للملك جاء صاحب الشراب وقال: احذر يا مولاي أن تأكل الطعام فإنه مسموم، فقال الطباخ: يا مولاي والشراب أيضاً مسموم، قال الملك: اشرب فشرب صاحب الشراب، فتأكد الملك أن صاحب الشراب صادق، فأمر الطباخ أن يأكل من الطعام فأبى، فلما أبى أُطعم الطعام لحيوان فمات من توه، فأمر الملك أن يساق الفتيان إلى السجن ريثما يتم التحقيق .
قال تعالى :

﴿ وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيَانِ قَالَ أَحَدُهُمَا إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا ﴾

( سورة يوسف )

رؤيا الفتيين في السجن :

معنى الخمر :

 الخمر هنا يعني العنب، هذه كأن تقول مثلاً: رعينا الغيث، يعني رعينا كلأً أنبته الغيث، عصرنا عنباً فصار خمراً، قال تعالى :

﴿ قَالَ أَحَدُهُمَا إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا ﴾

 يعني أرى في المنام، قال تعالى :

﴿ وَقَالَ الْآخَرُ إِنِّي أَرَانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزًا تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ ﴾

( سورة يوسف )

 ما تأويل هذه الرؤيا؟ قال تعالى :

﴿ إِنَّا نَرَاكَ مِنْ الْمُحْسِنِينَ ﴾

( سورة يوسف )

يوسف المحسن وهو في السجن :

 هو محسن حتى في السجن، وهو في آلامه محسن، وهو في تقييد حريته محسن، وهو مع السجناء محسن، قال تعالى :

﴿ إِنَّا نَرَاكَ مِنْ الْمُحْسِنِينَ ﴾

( سورة يوسف )

 هذا الذي يسيء ويصلي معنى ذلك أنه لم يصلِ، جوهر الدين في الإحسان، هذا الذي يكرهه الناس ليس مسلماً، هذا الذي يبغضه الناس ليس مؤمناً، هذا الذي يتأذى منه الناس لا يعرف الله عز وجل، هذا يصلي صلاة شكلية لا شأن لها عند الله، هذا يصوم صياماً شكلياً لا قيمة له عند الله، من لم يكن له ورع يصده عن معصية الله إذا خلا لم يعبأ الله بشيء من عمله، من شاء صام، ومن شاء صلى، ولكنها الاستقامة .

(( من لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر لم يزدد من الله إلا بعداً ))

الطبراني عن ابن عباس

 عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :

(( مَنْ لَمْ يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ وَالْعَمَلَ بِهِ فَلَيْسَ لِلَّهِ حَاجَةٌ فِي أَنْ يَدَعَ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ ))

البخاري

 قال تعالى :

﴿ وَقَالَ الْآخَرُ إِنِّي أَرَانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزًا تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ إِنَّا نَرَاكَ مِنْ الْمُحْسِنِينَ ﴾

( سورة يوسف )

 استمعوا أيها الإخوة الأكارم إلى هذا القول الفصل في الدعوة إلى الله، نبي كريم يُسأل عن تفسير الرؤيا وهو في السجن، هو في أشد حالاته ضعفاً، لا ينسى الله عز وجل، يدعو إليه، هذا يذكرني بدعاء سيدنا يونس عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام وهو في بطن الحوت في ظلمات ثلاث، في ظلمة الليل، وظلمة البحر، وظلمة بطن الحوت، قال تعالى :

﴿ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنْ الظَّالِمِينَ ﴾

( سورة الأنبياء : الآية 87)

 افحص نفسك في ساعات الشدة أتذكر الله عز وجل؟ فاستجاب له ربه .
 قال تعالى :

﴿ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنْ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ ﴾

( سورة الأنبياء )

 وهذا النبي الكريم وهو في السجن، هنا استنباطات كثيرة جداً، أولاً: هذان الفتيان جاءاه بسؤال، فالسؤال يشغل بالهما، فكي يطمئنا وكي يستمعا إليه، كي يصغيا إليه، قال تعالى :

﴿ قَالَ لَا يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ إِلَّا نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَكُمَا ﴾

( سورة يوسف )

مقدمة دعوية بين يدي تفسير رؤيا الفتيين :

1 ـ قضاء أشغال المدعو أوَلاً :

 تفسير هذين المنامين سيحصل بعد قليل، سأفسر لكما هذين المنامين قبل أن تأكلا الوجبة الثانية اطمئنا .
 إذا جاءك إنسان بحاجة، وأنت أردت أن تعظه لا يستمع إليك، اقض له الحاجة أولاً، ثم عظه ثانياً، أو عِده بإنجاز هذه الحاجة حتى يطمئن، عندئذ قدّم له الدعوة الخالصة، هذه النفس مشغولة، قلبه مشغول، مغلق، فالذي يعظ الناس في الأوقات الحرجة وهم مشغولون هذا لا يملك حكمة أبداً، لابد من أن يكون القلب فارغاً لك، لابد من أن تكون ساحة النفس فارغة لموعظتك، لابد من أن يكون هناك فراغ كي يتلقى الإنسان هذا الحق، فإذا كانت ساحة النفس مشغولة، أو كان القلب منشغلاً لابد من قضاء حاجته قبل دعوته إلى الله، سيدنا يوسف كان حكيماً جداً، وطمأنهما، قال تعالى:

﴿ قَالَ لَا يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ إِلَّا نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَكُمَا ﴾

( سورة يوسف )

2 ـ نسبة الفضل إلى الله :

 نبأتكما أنا بتأويله، لكنه موَحّد، قال تعالى :

﴿ ذَلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي ﴾

( سورة يوسف )

 إذا كان الإنسان في بحبوحة، أو على شيء من العلم، أو على شيء من الوسامة والجمال، أو على شيء من الجاه، إذا قال: أنا، فقد أشرك، إذا قال: لقد تفضل الله علي، لقد أكرمني ربي، لقد يسّر الله لي هذا البيت، لقد أكرمني، ونجحت في هذه الشهادة، لقد حباني الله بهذه الوظيفة، لقد متعني الله بهذه الصحة، لقد رزقني الله هذه الزوجة، هكذا المؤمن، ليس من باب الأدب، ولكن من باب الحقيقة، هذه هي الحقيقة، قال تعالى :

﴿ ذَلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ ﴾

( سورة يوسف )

3 ـ بيان الباطل :

 عاش سنوات طويلة في قصر عزيز مصر، هؤلاء وصفهم هذا النبي الكريم بصفتين دقيقتين، قال تعالى :

﴿ إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ﴾

( سورة يوسف )

 لا يؤمنون بالله، يؤمنون بالملذات، يؤمنون بالدنيا، يؤمنون بما فيها، أما بالله فهم عنه غافلون، هم عنه معرضون، جعلوا كتاب الله وراء ظهورهم، جعلوا قيم الله عز وجل وراء ظهورهم، جعلوا أوامره خارج اهتمامهم، جعلوا نواهيه ضمن رغباتهم، قال تعالى :

﴿ إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ(37)وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَائِي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ مَا كَانَ لَنَا أَنْ نُشْرِكَ بِاللَّهِ مِنْ شَيْءٍ ﴾

( سورة يوسف )

4 ـ نفي الشركوالنحذير منه :

 جوهر هذه الدعوة هو التوحيد، الدين كله توحيد، الدين كله ملخّص في قوله تعالى :

﴿ فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ ﴾

( سورة محمد : الآية 19)

 هذا هو الدين، ما كان لنا، يعني يستحيل علينا، مستحيل أن نشرك،( ما كان )من أشد أنواع النفي، لا نشرك، ولا نريد أن نشرك، ولا يمكن أن نشرك، ولا يعقل أن نشرك، كل هذه الأدلة الدالة على عظمة الله وبعدها نشرك؟ قال تعالى :

﴿ مَا كَانَ لَنَا أَنْ نُشْرِكَ بِاللَّهِ مِنْ شَيْءٍ ذَلِكَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْنَا وَعَلَى النَّاسِ ﴾

( سورة يوسف )

5 ـ النعم كلها من الله :

 هذه النعمة التي أنتم فيها نعمة سماع الحق، نعمة الهدى هذه هي الفضل الحقيقي، ومهما تناولنا من الطعام ما لذ وطاب، ومهما كانت بيوتنا فاخرة، ومهما كانت أموالنا طائلة، ومهما كنا سعداء في بيوتنا، ومهما كان دخلنا كبيراً فلابد من مفارقة الدنيا، وكل مخلوق يموت ولا يبقى إلا ذو العزة والجبروت، لابد من أن نوسد الثرى، تقول الأرض: يا من تمشي على ظهري لابد من أن أضمك إلى صدري، لابد من أن أضمك إلى بطني، اذهبوا إلى المقابر تجار، علماء، موظفون، أشخاص مهمون، كانوا أحياء مثلنا، لهم بيوت، لهم زوجات، لهم مكانة اجتماعية، كانوا يأكلون ويتنزهون ويسهرون ويمرحون، هم تحت أطباق الثرى، ونحن سوف نكون مثلهم إن عاجلاً أو آجلاً، ذلك من فضل الله علينا، هذا هو الفضل الحقيقي، قال تعالى :

﴿ ذَلِكَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْنَا وَعَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ ﴾

( سورة يوسف )

 هذه طريقة في الدعوة إلى الله بليغة، طرح عليهم سؤالاً، قال تعالى :

﴿ يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ ﴾

( سورة يوسف )

6 ـ الدعوة إلى توحيد الله :

 تحبباً لهما، وإيناساً لقلبهما، ناداهما بالصاحبين .

﴿ يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمْ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ ﴾

 أي أن تخاف من زيد، ومن عبيد، ومن سعيد، ومن عمر، ومن خالد، أم أن تخاف من الله وحده؟ أن ترضي زيدا أو عبيدا أو فلاناً أو علاناً، أو أن ترضي الله وحده ؟ من جعل الهموم هماً واحداً كفاه الله الهموم كلها، كن لي كما أريد أكن لك كما تريد، قال تعالى :

﴿ أَتَخْشَوْنَهُمْ فَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَوْهُ ﴾

( سورة التوبة : الآية 13)

 اعمل لوجه واحد يكفك الوجوه كلها، من أصلح فيما بينه وبين الله أصلح الله فيما بينه وبين الناس، من حسنت سريرته جعل الله علانيته حسنة، قال تعالى :

﴿ يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمْ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ ﴾

( سورة يوسف )

 معنى القهار أمره هو النافذ أمره هو الذي يطبق، قال تعالى :

﴿ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ ﴾

( سورة يوسف )

7 ـ الآلهة أسماء لمسمياتباطلة :

 في اليابان يعبدون الميكادو، يرونه إلهاً، في لبنان وضعوا على قمم الجبال تماثيل للعذراء، وقالوا: هذه سيدة لبنان، إنها تحميه، هل حمته من الحرب الأهلية ؟

﴿ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ ﴾

 ليس لها قوة عقلية مقنعة، وليس لها قوة مادية آثرة، ليست منطقية ولا واقعية، إن هي إلا أسماء سميتموها، فإذا قام أحدكم، وكتب اسمه، وكتب تحت اسمه مثلاً: وزير دفاع، هل يعني ذلك أنه أصبح وزير دفاع؟ هي كلمة كتبتها، هل لها حقيقة؟ هل هناك من أحد يأتمر بأمرك؟ هل هناك من أحد يستجيب لك؟ هل تأخذ على هذه البطاقة درهماً واحداً؟ إن هي إلا أسماء سميتموها، إذا كتبت كلمة بحر على قطعة من ورق، هل هذا هو البحر، هذه كلمة بحر، كلمة هذه إن كأساً من الماء يبل ثوبك، أما إذا كتبت مليون بحر، اكتب المحيط الأطلسي مع المحيط الهادي مع البحر المتوسط مع القطب الشمالي، وضع هذه الورقة في جيبك تبقى جيبك جافة، هذه كلمة حبر على ورق، فهذا الذي يعبد إنساناً من دون الله :

﴿ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ ﴾

 ما أعطاها الله قوة، لم يعطها قوة عقلية مقنعة، وهذه القبيلة التي جعلت رباً لها من تمر فلما جاعت أكلته، فقالوا: أكلت ودٌ ربها، وهذا الذي جاء ليعبد صنماً فرأى على رأسه بللاً، وعرف أن ثعلباً قد بال على رأسه، فقال :

أربٌ يبول الثعلبان بــرأسه  لقد ضل من بالت عليه الثعالب
***

 غير مقنع، البقرة في الهند إذا سارت في عرض الطريق قطعت السير ساعات طويلة، إذا دخلت إلى بقالية تأكل هذه البقرة ما لذ وطاب من الفاكهة، وصاحب البقالة ممتن أشد الامتنان لأنها مقدسة، يأخذون روث البقر، ويضعونه في غرف الاستقبال في الأعياد تبركاً بها، يكحلون أعينهم ببولها ، هذه خرافات، قال تعالى :

﴿ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنْ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ ﴾

( سورة يوسف )

 هذه الآلهة كلها باطلة، لا تقدم ولا تؤخر، ولا تنفع ولا تضر، كله باطل في باطل .

﴿ إِنْ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ ﴾

 حتى السحر .
 عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَالْحَسَنِ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ :

(( مَنْ أَتَى كَاهِنًا أَوْ عَرَّافًا فَصَدَّقَهُ بِمَا يَقُولُ فَقَدْ كَفَرَ بِمَا أُنْزِلَ عَلَى مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ))

مسند الإمام أحمد

 كما قال أيضاً :

(( من أتى ساحراً فلم يصدقه لم تقبل له صلاة أربعين يوماً ، ولا دعاء أربعين ليلة ))

ورد في الأثر

﴿ إِنْ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ ﴾

 هذا المتشائم من رقم معين، من لون معين، هذا باطل، قال تعالى :

﴿ إِنْ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ﴾

( سورة يوسف )

8 ـ هذا هو الدين القيّم :

 هذا هو الدين القيّم، الدين الخضوع، فلا تخضع إلا للحق، ولا تخضع إلا للذي خلقك، لا تخضع إلا لمسير الكون، وهو الله رب العالمين، لا تخضع إلا لمن بيده الأمر، لا تخضع إلا لمن بيده الحكم والحياة والموت، لا تخضع إلا لمن بيده الرزق، قال تعالى :

﴿ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ ﴾

( سورة يوسف )

 هذا هو الدين، عندما لا تأخذ الإنسان في الله لومة لائم ، لا يطيع مخلوقاً في معصية الخالق، هو مع الله دائماً، مع أمره حيث أمره، وإذا نهاه عن شيء ابتعد عنه، تقول لي: عادات، تقاليد، تيار عام، هناك ضرورات، المجتمع هكذا يريد، زوجتي صعبة، بناتي لم يرضوا معي، هذا كله كلام مردود :

﴿ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ﴾

 أنت بذلك تساوي المخلوق بالخالق تماماً كمن يدخل في سلك الجيش، ويتلقى أمراً من قائد الجيش، وأمراً من عريف، وأمر العريف متناقض مع أمر قائد الجيش، فيستجيب لأمر العريفـ ويعصي قائد الجيش، ولا يعرف مغبة هذا العمل، هذا مثل قريب؛ خالق الكون قال لك: افعل ولا تفعل، يأتي إنسان جاهل، مغرضٍ، فانٍ، ويقول للذي أمرك الله أن تفعله: لا تفعله، وللذي نهاك أن تفعله : افعله، أين أنت؟ أين عقلك؟ أين تفكيرك؟ جاء الآن الوقت المناسب لتفسير الرؤيا، قال تعالى :

﴿ يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَمَّا أَحَدُكُمَا فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْرًا ﴾

( سورة يوسف )

تعبير رؤيا الرجلين :

 أما أحدكما فينجو، ويخرج من هذا السجن، ويعود إلى عمله في القصر ساقياً للملك، قال تعالى :

﴿ وَأَمَّا الْآخَرُ فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْ رَأْسِهِ قُضِيَ الْأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ ﴾

( سورة يوسف )

 لابد من أن يُقتل، ومن معجزات هذا النبي الكريم أنّ الله سبحانه وتعالى أطلعه على بعض الغيب، قال تعالى :

﴿ عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا(26)إِلَّا مَنْ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ ﴾

( سورة الجن )

هذا أخذٌ بالأسباب ، ولا تلتفت إلى قول آخر :

 هذا النبي هكذا قال: قضي الأمر، وهذا الأمر كأنه وقع وانتهى، سيدنا يوسف الآن حينما عرف أنّ أحد هذين الصاحبين سينجو وسيعود إلى عمله في القصر، قال تعالى :

﴿ وَقَالَ لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ نَاجٍ مِنْهُمَا اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ ﴾

( سورة يوسف )

 أي أظهر للملك قصتي وبراءتي ومظلمتي، هنا حول هذا الموضوع وقف المفسرون وقفات طويلة ، بعضهم قال: إنّ الله سبحانه وتعالى عاقب هذا النبي الكريم لأنه طلب من هذا الرجل أن يذكره عند الملك، ونسي أن يطلب هذا من الله عز وجل، هذا بعض الآراء، لذلك في بعض التفاسير كلمات يمكن أن نقرأها عليكم: جاءه جبريل فقال: يا أخا المنذَرين، مالي أراك بين الخاطئين، يا طاهرُ ابن الطاهرين يقرئك ربك السلام ويقول لك: أما استحييت إذ استغثت بالآدميين، وعزتي لألبثنك في السجن بضع ، قال: يا جبريل أهو عني ؟ قال: نعم، قال: إذاً لا أبالي ، بعضهم قال: جاءه جبريل فقال له: يا نبي الله من خلصك من القتل على أيدي إخوتك؟ قال: الله، قال: فمن أخرجك من الجب؟ قال: الله تعالى، قال: فمن عصمك من الفاحشة ؟ قال : الله تعالى ، قال : فمن صرف عنك كيد النساء ؟ قال: الله تعالى قال: كيف وثقت بمخلوق وتركت ربك؟ فلم تسأله؟ وجاء في بعض الأحاديث الشريفة أن :

(( رحم الله أخي يوسف لولا الكلمة التي قالها: اذكرني عند ربك ، ما لبث في السجن بضع سنين ))

كنز العمال

 لكن الحقيقة أن هذا الحديث ضعيف جداً، هكذا قال الحافظ بن كثير، ضعيف جداً، والعلماء يقولون: الإنسان مطالب أن يسعى، إذا كان في ضائقة وفي مظلمة، وعرف أن هناك شخصاً له يد طولى، فإذا عرض عليه مظلمته فلا ضير عليه، إذاً نحن نرجح أنّ هذا النبي الكريم ما وقع في خطأ أبداً، هذا من باب السعي، هذا من باب الأخذ بالأسباب، ثم التوكل على الله .

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018