الخطبة : 1009 - أولادنا فلذة أكبادنا - المقاومة من حق أي إنسان و لكن بشروط - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠1خطب الجمعة
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الخطبة : 1009 - أولادنا فلذة أكبادنا - المقاومة من حق أي إنسان و لكن بشروط


2006-06-09

 الخطبة الأولى
 الحمد لله نحمده، ونستعين به، ونسترشده، ونعوذ به من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مُضل له، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، إقراراً بربوبيته، وإرغاماً لمن جحد به وكفر، وأشهد أن سيدنا محمداً صلى الله عليه وسلم رسول الله، سيد الخلق والبشر، ما اتصلت عين بنظر، أو سمعت أذن بخبر، اللهم صلِ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه، وعلى ذريته ومن والاه ومن تبعه إلى يوم الدين، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين، أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات.

مقدمة في أهمية رعاية الأولاد:

 أيها الإخوة الكرام، أولادنا غراس الحياة، وقطوف الأمل، وقرة العين، وهم البشرى، وهم زينة الحياة الدنيا، هم المودة والرحمة، بل هم نباتات الأمة المتفتحة، وبراعم الإنسانية المتألقة، رعايتهم واجبة، وحبهم قربة إلى خالقهم في رسالات السماء وفي شرائع الأرض، بل هو واجب ديني يقع في المرتبة الأولى، لأن خير كسب الرجل ولده.
 الأولاد أيها الإخوة الكرام، حينما تشكلهم فطرهم السليمة، وحينما تغرس فيهم بيئتهم المنضبطة مكارم الأخلاق، ويتلقون من مجتمعهم المعارف والقيم والمفاهيم الإنسانية والدينية الصحيحة عندئذ يكون عليهم المعول في الحفاظ على مكاسب الأمة، واستعادة ماضيها المجيد، وخوض معاركها الضارية والمصيرية ضد أعدائها.
 ينبغي أن يحمى الابن من كل ما يفسد فطرته السليمة، التي فطر عليها بسبب الجهل أو الفقر، أو القهر في بعض البيئات التي يترعرع فيها الابن حيث لا حيلة له في اختيارها، ولا في إصلاحها.
 إنّ رعاية الأولاد عن طريق تربيتهم تربية إيمانية وأخلاقية، وعلمية ونفسية، واجتماعية وجسمية، وجنسية ووطنية، وتهيئة الظروف المناسبة لنموهم النمو السليم المتوازن هو من أعظم الأعمال التي نقدمها لأمتنا في مستقبلنا.
 أيها الإخوة الكرام، الأمة الإسلامية اليوم في أمسّ الحاجة إلى جيل يكون أملاً لمستقبلها، يتمتع الفرد منهم بوعي عميق، وإدراك دقيق، له قلب كبير، وعزم متين، وإرادة صلبة، يكون هدفهم أكبر من حاجاتهم، ورسالتهم أسمى من رغباتهم، يملكون أنفسهم ولا تملكهم، يقودون أهواءهم، ولا ينقادون لها، تحكمهم القيم، ويحتكمون إليها من دون أن يسخروها أو، أن يسخروا منها.
 أيها الأخوة الكرام، حينما نرعى أولادنا حينما نقدم للحياة عناصر نظيفة وللمجتمعات لبنة صالحة هذا ما تهدف إليه التربية في حقيقتها حتى يسعد بمجتمعهم ويسعد مجتمعهم بهم.
 هذه المقدمة أيها الإخوة الكرام، سقتها للآباء الذين يغفلون عن أبنائهم، أين يذهبون ؟ من يصاحبون ؟ مع من يسمرون ؟ ممن يتلقون توجيههم ؟ من الذي يغذي ثقافتهم ؟ هذا الأب الغافل الذي لا يعبأ بتربية أولاده قد يفاجأ بخبر سيئ.
 أيها الإخوة الكرام، الله عز وجل بعث لنا هذا النبي العظيم مع منهج قويم، مع منهج متوازن، مع منهج يغطي كل حاجات الإنسان، لكن حينما يظهر التطرف، ويظهر التكفير، ويكون التوجيه بعيداً عن وسطية الإسلام، وعن اعتدال الإسلام، وعن أن الإسلام دين الحياة ننحرف جميعا.

أقسام الجهاد:

1 – جهاد معرفة منهج الله:

 أيها الإخوة الكرام، نحن في أمسّ الحاجة إلى شاب يحيا في سبيل أمته، يحيا في سبيل مبدئه، ولكن لا بد من أن نؤكد أن كلمة الجهاد في أدق أدق تعاريفها تعني أولاً بناء النفس، جهاد النفس والهوى، بناء العقيدة، معرفة المنهج، معرفة المنبع الصافي للحقيقة:

(( ابن عمر، دِينك دينك، إنه لحمك ودمك، خذ عن الذي استقاموا، ولا تأخذ عن الذين مالوا ))

[ مسند الفردوس]

 أيها الإخوة الكرام، هذا الجهاد الأول أن تتعرف على الله، قال تعالى:

 

﴿ وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا ﴾

 

[ سورة العنكبوت: 69]

 سمّ الله هذا جهاداً، لأن فيه بذل جهد كبير، أن تعرف الله، أن تعرف منهجه، أن تحمل نفسك على طاعته، هذا هو الجهاد الأول.

 

2 – الجهاد البنائي والجهاد الدعوي:

 الجهاد البنائي، ويأتي بعده الجهاد الدعوي، قال تعالى:

 

 

﴿ وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَاداً كَبِيراً ﴾

 

[ سورة الفرقان: 52]

 والجهاد المعول عليه الآن، قال تعالى:

 

﴿ وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ ﴾

 

[ سورة الأنفال: 60]

 هذا هو جهاد البناء، لذلك ينبغي أيها الإخوة علينا جميعاً من خلال الأمر القرآني أن نعد لأعدائنا ما نستطيع من قوة بمفهوم القوة الواسع، فأُسرنا ينبغي أن تتماسك، وطالبنا ينبغي أن يتفوق، ومعلمنا ينبغي أن يحمل رسالة سامية يسعى لتطبيقها، وعاملنا ينبغي أن يتقن، وفلاحنا ينبغي أن يرتبط بأرضه ليزرعها، وموظفنا ينبغي أن نعطيه حقه، وينبغي أن يتفانى في خدمة دافع الضرائب، وقاضينا ينبغي أن يعدل، وعالمنا ينبغي أن يؤثر خدمة أمته على حظوظه من الدنيا، وداعيتنا ينبغي أن ينصح، لا أن يمدح، وضابطنا ينبغي أن يوقن أن المعركة مع العدو قادمة لا محالة، وأن حديث العدو عن السلام مراوغة وكذب، وكسب للوقت، ليس غير، وثرواتنا ينبغي أن تستخرج، ومصانعنا ينبغي أن تطور، وأرضنا ينبغي أن تستصلح، ومياهنا ينبغي أن يرشد استهلاكها، وهذا لا يكون إلا بإيمان بالله يحملنا على طاعته، وإيمان باليوم الآخر يحملنا على أن لا يظلم بعضنا بعضاً، وأن نطلب جزاء جهدنا وجهادنا في الجنة، وهذا نوع من الجهاد البنائي.
 جهاد النفس والهوى، والجهاد الدعوي، والجهاد البنائي، هذا متاح لنا في كل أقطار المسلمين، وهو سبب قوتنا، وهو سبب مناعتنا، وهو سبب نجاحنا.

 

احذروا الغفلة عن المستقبل !!!

 

 أيها الأخوة الكرام، حينما نقول لطالب علم: واصل دراستك، وكن متفوقاً، وخطط لسنوات قادمة تكون فيها شيئاً مذكوراً في حياة الأمة ومستقبلها لاستثقل هذا، وآثر طريقاً سهلاً طريقاً سهلاً، لكنه يجر على أمته الويلات.
 أيها الإخوة الكرام، الغفلة عن المستقبل ستجعلنا مشغولين أبداً بإطفاء الحرائق هنا وهناك عن العمل الجاد الذي يخفف المعاناة عن أجيالنا اللاحقة، إن علاج الجرح المفتوح على أهميته يجب ألا ينسينا التفكير في مستقبل أجيالنا التي سوف تتساءل هل تركنا لهم شيئاً آخر غير الجراح ؟
 أيها الإخوة الكرام، سقت هذه المقدمة لأن شباباً دون السادسة عشرة من عمرهم تغذوا تغذية غير صحيحة، وأرادوا أن يقوموا بعمل تخريبي، والحكومة تصدت لهم، فكانت النتيجة أن آباءهم خسروا أبناءهم، أين الأب الذي لا يعبأ ؟ أين يتلقى ابنه التوجيه ؟

حقائق ينبغي أن نعيها جميعا:

 أيها الإخوة الكرام، هناك حقائق دقيقة ينبغي أن نعيها، هذه الحقائق من أهمها، ودققوا فيما سأقول:

الحقيقة الأولى: شقاء الابن شقاء لوالديه:

 شقاء الابن شقاء حكمي لوالديه، استنباطاً من قوله تعالى:

 

﴿ فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى ﴾

 

[ سورة طه: 117]

 صياغة اللغة تقتضي فتشقيا، لكن القرآن الكريم بليغ، شقاء الابن شقاء حكمي لأبيه، والله الذي لا إله إلا هو لو حصل أحدهم أعلى ثروة، وارتقى إلى أعلى منصب، ولم يكن ابنه كما يتمنى فهو أشقى الناس.
 أنا ألاحظ أن الشباب يتحركون بلا توجيه، بلا رعاية من آبائهم، بلا تدقيق، مَن هم أصدقاء ابنك ؟ من هم الذين يصاحبهم ؟ ممن يتلقى توجيهه ؟ قد يتلقى توجيهه من فئات مشبوهة تقنعه بشيء غير صحيح لم يرد في الإسلام إطلاقاً، ولا في منهج الله إطلاقاً.

 

الحقيقة الثانية: معالجة المشكلة قبل وقوعها:

 أيها الإخوة الكرام، لا ينبغي أن نعالج مشكلاتنا بعد وقوعها، بطولتنا أن نمنع وقوعها و الدليل أن الله سبحانه و تعالى حين قال:

 

 

﴿ وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ ﴾

 

[ سورة النساء: 34]

 أي أنه ينبغي أن تبحث عن المشكلة قبل أن تقع، أن تترقبها، أن تسعى لعدم وقوعها، لذلك من أدق المعاني أن الابن يربى من السنة الأولى، وحتى السابعة، على كل ما ينبغي أن يكون عليه من تصورات، ومن سلوك ومن أنماط، كل أفكاره وكل عاداته ينبغي أن تكون واضحة وضوحاً شديداً في بداية حياته.

 

الحقيقة الثالثة: الأب أثقل الأسرة حِملاً:

 

 أيها الإخوة الكرام، ينبغي للأب أن يتصور أنه ليس خيراً من أحد في أسرته، ولكنه أثقلهم حملاً.
 ما معنى القوامة ؟ قوامة الأب على أولاده، وقوام الزوج على زوجته لا تعني القوامة الاستعلاء والقوة، والسيطرة والقمع، تعني خدمة هذه الأسرة، أعلى شهادة تملكها أيها الأب أولادك كيف ربيتهم ؟ على ماذا ربيتهم ؟ على أية عقيدة نشأتهم ؟ على أي قيم علمتهم ؟ هكذا ينبغي، هناك أخطار كبيرة.
 إخوتنا الكرام فيما مضى كان الفساد محدوداً في بؤر معينة، و كأنها حديقة حيوان تقليدية، الوحوش في الأقفاص، و الزوار طلقاء، لكننا اليوم في حديقة حيوان إفريقية، الوحوش طلقاء، والزوار إن لم يحصنوا بعقيدة سليمة، إن لم يحصنوا بمناشط مضبوطة، إن لم يحصنوا بأصدقاء معروفين فلابد من أن يلتهمهم الوحوش.
 الآن نحن بحاجة إلى ضبط داخلي، إلى أن يكون ابنك معك، ورد في بعض الأحاديث:

(( الزم ولدك ))

[ ورد في الأثر]

 اسأل عنه أين سهر البارحة ؟ من صديقه ؟ هل تعرف أصدقاءه ؟ ثبت في علم النفس أن ستين بالمئة من قوة التأثير تأتي من الصديق، المدرس والمعلم والشيخ والأم والأب بمجموعهم أربعون بالمئة، والصديق وحده ستون بالمئة، قل لي من تصاحب أقل لك من أنت.

 

الحقيقة الرابعة: أثر الشاشة الصغيرة على تربية الطفل:

 

 أيها الإخوة الكرام، من الحقائق الدقيقة أن هذه الشاشة الصغيرة التي يراها الصغار بدراسة علمية موضوعية جادة واحد و خمسون بالمئة من مشاهد العنف في كل الشاشات من نصيب الصغار.
 إنسان يجلس على شاطئ نهر مع زوجته، ولد بلا سبب وبلا مسوغ يدفعهما إلى النهر، الزوجة بالمستشفى، شيء غريب، بلا سبب، لأنه أدمن مشاهد العنف، أدمن مشاهد القتل، أدمن مشاهد التفجير.
 أيها الإخوة الكرام، هذه الشاشة واحد وخمسون بالمئة من مشاهد العنف من نصيب أولادنا، وتسعة وثلاثون بالمئة من مشاهد الجنس من نصيب أولادنا، والباقي شعوذة وسحر، أمة إذا كان جيلها يتربى على العنف والجنس والشعوذة ما مستقبل هذا الجيل ؟

الحقيقة الخامسة: مَن هو صديق ولدك ؟

 أيها الإخوة الكرام، ابحث عن صديق ولدك، أين يسهر ولدك ؟ ممن يتلقى التوجيهات ؟
 و الله قرأت قصة من بعض مواقع المعلوماتية أن مدرساً في محافظات شرقية بعيدة في بلدنا الطيب ابنه صاحب شاباً دله على الشذوذ، ومن الشذوذ إلى المخدرات، ثم أصبح عميلاً لدولة استعمارية، ثم أعدم في بلد آسيوي، غفلة صغيرة، هناك أصدقاء السوء، وهنا المخدرات، وهناك أفلام الجنس، أيها الأب خير كسبك ابنك، يحتاج إلى وقت، إلى متابعة، إلى مصادقة، إلى أن يحبك، إلى أن يبوح لك بكل شيء، إلى أن يسترشدك، لا تكن عنيفاً معه، كن صديقاً له.
 أنا لا أنطلق من فراغ، أنطلق من مأساة حصلت قبل أسبوع، شابان في السادسة عشرة من عمرهما تلقوا توجيهاً خاطئاً، وتوهموا أن تفجير بناء حكومي هو طريق الجنة، من قال لهم ذلك ؟
 أيها الإخوة الكرام، ارعوا أولادكم، تعاهدوا أولادكم، لأن هذا من أخطر أعمالكم، ولأن تربية الأولاد تقع في أعلى درجات السلم من حيث الاهتمام.
 أيها الإخوة الكرام، ألم تسمعوا مني كثيراً، وكثيراً أن أول من يمسك بحلق الجنة أنا كما قال عليه الصلاة والسلام في الأدب المفرد،

 

(( أول من يمسك بحلق الجنة أنا، فإذا امرأة تنازعني تريد أن تدخل الجنة قبلي، قلت: من هذه يا جبريل ؟ قال: هي امرأة مات زوجها وترك لها أولاداً، فأبت الزواج من أجلهم ))

 ألم تسمعوا أن امرأة خطبها سيد الخلق، وحبيب الحق، فاعتذرت، امرأة مرشحة لأن تكون السيدة الأولى، زوجة سيد الخلق اعتذرت، قال لمَ ؟ قالت: عندي أولاد خمسة، أخاف إن قمت بحقك أن أقصر بحقهن، وأخاف إن قمت بحقهن أن أقصر بحقك.
 هذه امرأة والله الذي لا إله إلا هو امرأة تعتني بأولادها، تربيهم على الخلق القويم، والإيمان الصحيح، والعادات السليمة، والله هذه امرأة قلامة ظفرها تساوي مليون رجل متفلت، المرأة مساوية للرجل تماماً في التكليف والتشريف والمسؤولية،

 

 

(( اعلمي أيتها المرأة، وأعلمي من دونك من النساء أن حسن تبعل المرأة زوجها يعدل الجهاد في سبيل الله ))

 

[ ورد في الأثر ]

 ويقاس على ذلك عن حسن رعاية الأم لأولادها يعدل الجهاد في سبيل الله.
 بؤر فاسدة في المجتمع، شباب حائرون تائهون، بلا توجيه، بلا تعليم، منحرفون في سلوكهم، وقد تجتذبهم فئات ضالة منحرفة، فهمت الدين فهماً سيئاً، فهمت الدين فهماً يرضي أعداء الدين.

 

الحقيقة السادسة: العالَم الغربي يحتاج على إرهاب إسلامي مستمر:

 

 أيها الإخوة الكرام، حقيقة أقولها لكم العالم الغربي يحتاج إلى إرهاب إسلامي مستمر ليكون، هذا الإرهاب الإسلامي المستمر حجة له لنهب ثروات الأمم كلها، هو في أمس الحاجة إلى أن يصطنع مثل هؤلاء، لأنهم يعطونه الدليل على قمعه ونهبه للثروات، هم بحاجة ماسة إلى إرهاب إسلامي، أما هذا الشاب بتوجيه سيئ، بمعرفة محدودة، بحركة غير منضبطة قد يسبب لأمته خراباً، والله الذي لا إله إلا هو الذي يجري بالعراق لا يصدق، مئات القتلى كل يوم، يعذبون ويقتلون، حرب أهلية قائمة لا طعام ولا شراب، ولا ماء ولا وقود، حياة لا تحتمل، من منا لا يشكر الله على نعمة الأمن عندنا ؟ من منا لا يشكر الله على أن الأب إذا بعث ابنته إلى المدرسة تعود ظهراً، هناك تخطف و الدية خمسة ملايين، من منا يرضى أن تباع الأقراص المدمجة الإباحية على الأرصفة ؟ من منا يريد أن تباع الهيروين على الأرصفة ؟
 أيها الإخوة الكرام، الذي يجري في هذه البلاد المجاورة لا يصدقه العقل، من منا يحب أن نكون مثلهم ؟ تنام في بيتك، وأنت آمن، تغلق محلك، وأنت آمن، ترسل ابنتك إلى المدرسة وأنت آمن، من منا يحب أن تقوم حرب أهلية في بلدنا ؟ إلا أن يكون مرتبطاً مع أعدائنا.
 أيها الإخوة الكرام، ارعوا أولادكم، انتبهوا إلى أصدقائهم، انتبهوا إلى من يغذيهم تغذية خاطئة، انتبهوا إلى مستقبلهم، هم عدتكم، هم ثروتكم الحقيقة.
 والله مرة قلت لأب ابنه صالح جداً، أقسمت له بالله أن هذا الابن بصلاحه يعدل مئة مليار دولار، بمفهوم أهل المادة، ابن صالح اهتموا، بأولادكم، الزموا أولادكم، ائتوا بهم إلى المسجد، ألحقوهم بدورات القرآن الكريم، علموهم حقيقة هذا الدين العظيم.
 أيها الإخوة الكرام، حدثني صديق مقيم في أمريكا أنه زاره صديق ابنه، وهو طالب زنجي، يدعي أنه لا ديني، فلما رأى صديقه يقبل أباه، ولما أعدت الأم طعاماً لصديق ابنها دخل في الإسلام، أعجبه رعاية الأم بولدها، وأدب الابن مع أبيه، معنا دين عظيم، فيه قيم، وفيه أخلاق، وفيه مبادئ.
 أيها الإخوة الكرام، مرة سمعت تصريحًا لرئيس أمريكي قال: أمريكا يتهددها أخطار، إلى أن تابعت الخبر، توهمت أن هذه الأخطار، الصين مثلاً، التجمع الأوربي، اليابان، قال: تفكك الأسرة، وشيوع المخدرات، وانتشار الجريمة.
 نحن في عصر العولمة، الأخطار في بلاد بعيدة تصل إلينا، لا بد من الضبط، لا يمكن أن تسمح لأولادك أن يتابعوا ثمانمئة محطة فضائية نصفها محطات إباحية، ثلاثة وعشرون مليون موقع إباحي.
 أيها الإخوة الكرام، أولادكم فلذات أكبادكم، أولادك ثروتكم، أولادكم خير كسبكم، أولادكم سعادتكم، أولادكم شقاؤكم.
 أيها الإخوة الكرام، يقول الله عز وجل:

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ ﴾

[ سورة التوبة: 119]

 الإسلام دين عظيم، أي نبي بدأ دعوته بقتل أعدائه ؟ أي نبي في الأرض لا يمكن أن تقتل بريئاً، هذا لا يرضى عنه أي دين، الأنبياء جاؤوا بدعوة متوازنة، جاؤوا بمنطق سليم، جاؤوا بقيم أخلاقية، جاؤوا بالخير، جاؤوا بالتسامح، جاؤوا بالإحسان، من أين فهمنا الدين هذا الفهم ؟ والله الذي لا إله إلا هو إن أعداءنا يدفعون المليارات على أن يفجر الإسلام من داخله بتقديم نماذج سيئة جداً.
 جاءتني رسالة أن إنساناً ارتكب مخالفة بسيطة، فجاءت الفتوى امرأتك طالق وأنت خرجت من دين الله، ولابد من أن تعيد دخولك في الدين بالنطق بالشهادة، وكل عباداتك السابقة سقطت، وعليك أن تعيدها، ما هذا الكلام ؟ لا يقول هذا الكلام إلا إنسان منحرف ؟
 أيها الإخوة الكرام، لماذا لا يتدخل أحدنا بالهندسة ؟ ليس اختصاصه، ولا في الطب ؟ ليس اختصاصه، من يستطيع أن يكتب الدكتور فلان طبيب قلب، وهو أمي ؟ يعاقب أشد العقاب، لماذا كل الناس يتحدثون بالدين بلا قيد، و لا شرط، وكأنه كلأ مشاع لكل الناس ؟ هذا يحرم، وهذا يحلل.
 أيها الإخوة الكرام، أسأل الله أن يلهمنا الصواب، لو درست أخبار العالم الغربي الفاعل ينسب إلى فعله لا إلى دينه، هل سمعتم في حياتكم خبراً في بلاد الغرب أنه قام بهذا العمل إنسان كاثوليكي، أو بروتستانتي ؟ أبداً، فلان قام بهذا العمل، أما من كيد أعدائنا لنا أن كل فعل لا ينسب إلى الذي فعله، ينسب إلى دين صاحبه، وكأن الإرهاب هو الإسلام، وكأن الإسلام هو الإرهاب.
 أيها الأخوة الكرام، نقطة دقيقة جداً، هو أن الإرهاب لا دين له في كل مكان، وفي كل زمان، صديق من أعز أصدقائي أجرى دراسة مطولة حول أعمال العنف في بلد غربي، النتيجة أن نصيب المسلمين ثلاثة بالمئة فقط، أما الإعلام الغربي فيوهم العالم كله أن الإرهاب كله عندنا، هذا شيء غير صحيح.
 فيا أيها الإخوة الكرام، من أعماق أعماق قلوبكم ادعُ لله أن يسلم بلادنا من هذه الفتن التي لا طائل منها، أما هذا السلوك الطائش غير المنضبط هذا ينبغي أن تنتبهوا إليه، و أن تحفظوا أولادكم من مغبة أخطاره.
 أيها الإخوة الكرام، حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وزنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم، واعلموا أن ملك الموت قد تخطانا إلى غيرنا، وسيتخطى غيرنا إلينا، فلنتخذ حذرنا، الكيس من دان نفسه، وعمل لما بعد الموت، والعاجز من أتبع نفسه هواها، وتمنى على الله الأماني، والحمد لله رب العالمين.

 

* * *

 الخطبة الثانية
 الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله صاحب الخلق العظيم، اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

المقاومة حق مشروع ولكن بشروط:

 أيها الإخوة الكرام، ما منا واحد على الإطلاق يشك في الأعمال البطولية التي قامت بها المقاومة في أي بلد محتل، والمقاومة من حق أي إنسان في أي مكان في العالم احتلت أرضه.
 نحن نشيد بالمقاومة، وبالمقاومين، هم و الله أعلام الأمة، و لهم فضل علينا في أنهم أبعدوا خطر الاحتلال على بقية الدول الإسلامية، ولكن الحديث عن التطرف، الحديث عن شيء لا يقبله الشرع الحنيف، ولا المنهج القويم، ولا الدين الصحيح، نحن نتحدث عن عمل ضد أبرياء، ضد أناس لا علاقة لهم إطلاقاً بمشكلة ما.

الدعاء

 اللهم اهدنا فيمن هديت، وعافنا فيمن عافيت، وتولنا فيمن توليت، وبارك لنا فيما أعطيت، وقنا واصرف عنا شر ما قضيت، فإنك تقضي بالحق، ولا يقضى عليك، وإنه لا يذل من واليت، ولا يعز من عاديت، تباركت ربنا وتعاليت، ولك الحمد على ما قضيت، نستغفرك و نتوب إليك، اللهم اهدنا لصالح الأعمال لا يهدي لصالحها إلا أنت، اللهم اهدنا لأحسن الأخلاق لا يهدي لأحسنها إلا أنت، اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا، وأصلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا، وأصلح لنا آخرتنا التي إليها مردنا، واجعل الحياة زاداً لنا من كل خير، واجعل الموت راحة لنا من كل شر، مولانا رب العالمين، اللهم اكفنا بحلالك عن حرامك، وبطاعتك عن معصيتك، وبفضلك عمن سواك، اللهم بفضلك ورحمتك أعل كلمة الحق والدين، وانصر الإسلام وأعز المسلمين، وأذل الشرك والمشركين خذ بيد ولاة المسلمين لما تحب وترضى يا رب العالمين، إنك على ما تشاء قدير، وبالإجابة جدير.

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018