الخطبة : 1011 - قوة الحق وحق القوة - المفارقات في أخلاق الغرب - النصر لا يكون إلا بالعودة إلى الله - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠1خطب الجمعة
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الخطبة : 1011 - قوة الحق وحق القوة - المفارقات في أخلاق الغرب - النصر لا يكون إلا بالعودة إلى الله


2006-06-30

 الخطبة الأولى
 الحمد لله نحمده، ونستعين به، و نسترشده، ونعوذ به من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مُضل له، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، إقراراً بربوبيته، وإرغاماً لمن جحد به وكفر، وأشهد أن سيدنا محمداً صلى الله عليه وسلم رسول الله، سيد الخلق و البشر، ما اتصلت عين بنظر، أو سمعت أذن بخبر، اللهم صلِ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه، وعلى ذريته ومن والاه ومن تبعه إلى يوم الدين، اللهم علمنا ما ينفعنا و انفعنا بما علمتنا و زدنا علماً، و أرنا الحق حقاً و ارزقنا اتباعه و أرنا الباطل باطلاً و ارزقنا اجتنابه، و اجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه و أدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين، أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات.

تناقض في لباس النفاق:

 أيها الإخوة الكرام، ماذا أقول، والله الذي لا إله إلا هو ما تمنيت في وقت من عمري ألا أكون خطيباً كمثل هذا الوقت، أي جنس بشري يستحق أن تنتمي إليه، لا رحمة، ولا عدل، ولا إنصاف، ولا منطق، ولا مبدأ، ولا قيمة، جندي واحد وقع أسيراً فقامت الدنيا، ولم تقعد، الدول كلها في القارات كلها، وسائل الإعلام كلها، الفضائيات كلها، معظم رؤساء الدول استنكروا أسرَ جندي واحد، ليس طفلاً، ولا امرأة، ولا شيخاً، جندي، ليس من أهل البلاد، جاء من فرنسا ليقاتل شعباً صاحب الأرض، تقوم الدنيا ولا تقعد، وعشرة آلاف أسير في قبضة العدو العالم يصمت صمتاً مطبقاً عن هذه الجريمة، أسرة بأكملها عدا طفلة صغيرة اسمها هدى دمرت، وهي على شاطئ البحر، طفل صغير الدرة قتل في حضن أبيه وهو يستنجد، أسرة بأكملها بالحديثة، عرس فيه مئة وخمسة وعشرون، الذين يموتون في العالم الإسلامي بالمئات، بل بالألوف، بل إن مجموع الذين قتلوا في العراق يقترب من ثلاثمئة ألف بدعوى أن هناك سلاح دمار شامل، ولم يجدوا سلاح دمار شامل.
 ما هذا النفاق الدولي ؟ ما هذا النفاق الدولي، والجرائم الذي يرتكبها الغرب يندى لها الجبين؟ ما سجن أبي غريب عنا ببعيد، ولا ما جرى من قصف بالسلاح الفسفوري بالفلوجة عنا ببعيد، كل هذه الجرائم، وكل هذا القتل والعالم صامت، أما إذا أُسِر جندي من أعدائنا تقوم الدنيا ولا تقعد، وتصرح الدولة الفلسطينية أن لا علاقة لها بهذا العمل، إنه من إحدى فصائل المقاومة.
 أيها الإخوة الكرام، ويعجب العالم بعد ذلك كيف يولد التطرف في الشرق الأوسط، أيّ منطق، وأيّ مبدأ، وأيّ قيمة، وأيّ عدل، وأيّ إنصاف، وأيّ إنسانية، وأيّ رحمة، وأيّ أخلاق، بكبسة زر، وقد عرضوا على الشاشة كيف أن إشارة الضرب وضعت على محطة توليد الكهرباء الذي كلفت مئة وخمسين مليون دولار، فإذا غزة في ظلام دامس، بلا تبريد، وبلا طاقة، وبلا عمل، وبلا معامل، وقطعوا المياه، وقطعوا البترول، أهؤلاء حضاريون ؟ والله الذي لا إله إلا هو يستحي الإنسان أن ينتمي إلى هذا الجنس البشري، إنه متوحش، ولو أن الوحوش عقلاء، ولهم منطق لأنكروا علينا أن نصف هؤلاء بالوحوش، لأنهم أرقى من بني البشر، قال تعالى:

﴿ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أُولَئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ ﴾

[ سورة البينة: 6]

 أيها الإخوة الكرام، مئتان وسبعون راكباً أسقطت طائرتهم، واتهمت دولة عربية بإسقاطها، وأجبروها على أن تدفع مليارين وسبعمئة مليون دولار، بمعدل عشرة آلاف مليون دية كل راكب، وبالعملة السورية خمسمئة مليون، وأربعمئة طفل حقنوا بالإيدز، والعالم صامت، وبعض وزراء خارجية بعض الدول الغربية تدعو لإطلاق سراح الممرضات، فتاة ترتدي ثياب السحاقيات في أمريكا، مدير المدرسة على بقية من مروءة منعها من دخول المدرسة، أقام والدها دعوى على مدير المدرسة، وحكم لها القاضي بمبلغ فلكي، لأن إدارة المدرسة تدخلت في حريتها، أما أن تضع فتاة صغيرة في باريس قطعة قماش على رأسها تنفيذاً لدين يدين به ثلث سكان الأرض يدعو إلى الحشمة والعفة تقوم الدنيا ولا تقعد.
 البارحة في باريس فتاة مسلمة محجبة متفوقة دخلت لتأخذ جائزتها على تفوقها، وعلى رأسها قطعة قماش، طردت، ومنعت من أخذ جائزتها، ما هذا العالم ؟
 ما لم نكفر بالكفر فالطريق إلى الله غير سالك، قال تعالى:

 

﴿ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى ﴾

 

[ سورة البقرة: 256]

 ما لم نكفر بالكفر، هم وإنجازاتهم، وأبنيتهم، وآلاتهم، وطيرانهم، وتقنيتهم، هذا تحت القدم، لأنه مجتمع الغاب، مجتمع القوة.

 

حقيقة مرّة: منطق القوة:

 أيها الإخوة الكرام، لا بد من حقيقة مرة، سامحوني أن ألقيها على مسامعكم: الطرف القوي في هذا العالم له السيادة في كل مناحي الحياة، يسيطر على الثروات والخيرات، وبالتالي فإن كلمته هي المسموعة دائماً، وأوامره هي المطاعة والمنفذة، لأنه السيد المطاع في كل شيء، وفي كل آن، وهذا بغض النظر عن طبيعة مبادئه، ولون سياساته التي ينتهجها، لا يهم إن كان على الحق أم على الباطل، عندهم شعار في البلاد الغربية ( مايك مك رايت )، يعني القوة تصنع الحق، الحق شيء لا وجود له عندهم، لكن لأنهم أقوياء فهم على حق، و جميع دول الأرض تنافق لهم، أمين عام الأمم المتحدة يستنكر ؟ لمَ لمْ يستنكر حينما اغتصبت خمسة وثلاثين ألف فتاة في البوسنة ؟ لمَ لمْ يستنكر حينما قصفت مدينة الحديثة، ومات مدنيون بريئين ؟ لمَ لمْ يستنكر حينما قتلت أسرة بأكملها عدا فتاة صغيرة في ساحل غزة ؟ لمَ لمْ يستنكر ؟ لمَ لمْ يستنكر أن يكون هناك عشرة آلاف أسير ؟ لمَ لمْ يستنكر أن يعتقل وزراء نجحوا بانتخابات حرة بتوجيه من دول غربية، و بدعم منها، و بإشراف عليها لمَ لمْ يستنكر ؟ هذا عالم يحترم ؟ هذا عالم يقام له وزن ؟ هذا العالم لا يستحق أن يوصف بأنه بشر، هذه وحوش تنطلق في الغاب.

أكبر خطأ المسلمين عدم تحصيل القوة:

 أيها الإخوة الكرام، لذلك نحن في عالم أكبر خطأ ارتكبناه في حياتنا أننا لم نكن أقوياء، ولا قيمة للحق من دون قوة.
 أيها الإخوة الكرام، أما الضعفاء فلا يملكون إلا الخضوع والطاعة والانقياد وراء الطرف القوي، كالقطيع ينجر وراء القوي، لا يدري إلى أين المسير، إلى المجزرة أم إلى الحظيرة أم إلى المرعى ؟ هذه حال شعوب العالم اليوم مع القوى الباغية الطاغية، هذا حال الشعوب المسلمة يستهزئ بنبيها، يدنس مصحفها، تمنع من تدريس أبنائها مبادئ دينها، والعالم صامت.

حقُّ القوة، وقوة الحق:

 أيها الإخوة الكرام، يجب أن نؤمن، وهذا الوقت مناسب جداً لهذه الأفكار، يجب أن نؤمن بحق القوة وبقوة الحق، إن القوة التي لا توجهها المبادئ العادلة والرؤية الشاملة الرحيمة لاشك أنها سوف تطغى، و تدمر، و تقتل، و تظلم، و تحتكر، و تنهب، و تسرق، لذلك النبي عليه الصلاة والسلام يقول: المؤمن القوي، لم يقل: القوي، لأن القوة من دون إيمان قوة مدمرة، قوة باغية، قوة مفسدة، قوة ظالمة، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

(( الْمُؤْمِنُ الْقَوِيُّ خَيْرٌ وَأَحَبُّ إِلَى اللَّهِ مِنْ الْمُؤْمِنِ الضَّعِيفِ.....))

[ مسلم، ابن ماجه، أحمد]

 أيها الإخوة الكرام، الحق الذي لا يملك القوة والإمكانيات اللازمة لكي يطبق في واقع الحياة، هذا الحق لا معنى له، و لا قيمة، سيظل حبيساً مقهوراً يعلوه الباطل، ويتغنى بقهره الباطل، ولا يستطيع معتنقوه أن يمارسوا حياتهم وفق مبدئه، هذا كلام عام يمكن تطبيقه على كل الشعوب الضعيفة.
 أيها الإخوة الكرام، ضغطة زر تجعل مليونين يعيشون في الظلام إلى أمد طويل، الطاقة تعطلت، الماء تعطل، ضغطة زر، إذاً لابد من القوة.
 أيها الإخوة الكرام، الإسلام دين رباني، أنزله الله تعالى على عباده ليضمن لهم سعادة الدنيا والآخرة، ينشر العدل والمساواة، ويحفظ للناس حقوقهم وأمنهم وحياتهم، ويمكنهم من بسط هذا الحق، ونشره في المحيط الذي يعيشون فيه، بل إن الله عز وجل يطلب من عباده، وهم أصحاب الحق أن يمتلكوا القوة، ويكونوا على استعداد دائم لمجابهة أهل الباطل وإرهابهم، حتى لا يتجرؤوا على مهاجمتهم، والاستعلاء في الأرض بغير الحق، لأننا لم نطبق هذه الآية، هذه نتيجة إهمال هذه الآية:

 

﴿ وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ ﴾

 

[ سورة الأنفال: 60]

 هذا أمر إلهي يقتضي الوجوب، وكل أمر في القرآن الكريم يقتضي الوجوب:

 

﴿ وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآَخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ ﴾

 

[ سورة الأنفال: 60]

 امتلاك القوة إلى جانب امتلاك الحق أمر ضروري للحفاظ على هذا الحق، والأمن من كل الشرور التي تأتي من الأطراف المعادية.
 والله الذي لا إله إلا هو لن يحترم ديننا إلا إذا كنا أقوياء لذلك:

 

﴿ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ ﴾

 

[ سورة الأنفال: 60]

القوة قوة الردع:

 الإرهاب هنا لا بالمعنى الذي يشاع بالعالم الغربي، الإرهاب يعني قوة الردع، لا تستطيع جهة أن تفكر أن تعتدي على أمة قوية، وهذا السلاح القوي قد لا يستعمل أبداً، ولكنه أداة ردع من أن يعتدى علينا.
 أيها الإخوة الكرام، القرآن الكريم يذهب إلى أبعد من هذا يقول:

﴿ وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ ﴾

[ سورة البقرة: 193]

القوة لرد الفتنة والفساد:

 فتنوا الناس بالمرأة، أشاعوا الفساد في الأرض، نشروا الإباحية، هذا من خططهم، الإنسان متى يضعف ؟ إذا أصبح منجرفاً إلى اللذائذ المحرمة، ما الذي تفعل هذه الفضائيات في العالم، وعددها ثمانمئة فضائية، نصفها فضائيات إباحية، لماذا ؟ كانوا يجبروننا بالقوة المسلحة على أن نفعل ما يريدون، هم الآن يجبروننا بالقوة الناعمة المرأة العارية على أن نريد ما يريدون، هذه خطة ذكية محكمة أراد بها أعداؤنا أن نتخلى عن ديننا، عندئذ نكون ضعافاً.
 حينما أعلم وزير الدفاع الإسرائيلي أن ثلاثة وثمانين مليون اتصال تم من أجل اختيار أحد مغنيتين، قال بالحرف الواحد، وقد قرأت تصريحه بالإنترنت قال: إذاً مشكلتنا ليست مع المسلمين، انتهت، لكنها مع الإسلام، مع هذا الدين العظيم.
 أيها الإخوة الكرام:

﴿ وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ ﴾

[ سورة البقرة: 193]

 الآن الدين للقوي، والفتنة مستعرة، والناس يلهثون وراءها.

 

قصة قابيل وهابيل دروس وعِبرٌ :

 أيها الإخوة الكرام، نقرأ في القرآن الكريم قصة نموذجية في هذا المجال، و قد شرحتها في درس طويل في خمسين دقيقة، قصة قابيل وهابيل:

﴿ وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آَدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَاناً فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآَخَرِ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ * لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ ﴾

[ سورة المائدة ]

 وحينما بقي هابيل الطرف المسحوق والضعيف مكتوف الأيدي أمام تهديدات أخيه قابيل الطرف الظالم والقوي وجد هذا الطرف فرصة سانحة، ورأى الطريق مفتوحاً لتنفيذ جريمته، والقضاء على أخيه، ولم يكن هذا ليتحقق لو أن هابيل أخذ بحق القوة، وحاول الدفاع عن نفسه، و حماية قوة الحق التي معه.
 فقابيل وهابيل يمثلان هنا منطقي حق القوة، وقوة الحق في أجلّ سورة، ونستنتج من هذه القصة النموذجية أن مصير الهابليين في هذه الحياة هو الذبح والموت على أيدي القابليين، حينما يتخذون موقفاًَ كموقف هابيل، والمطلوب في هذه الحالة هو التسلح بمنطق حق القوة إلى جانب منطق قوة الحق.
 لا بد للحق أن يكون قوياً، وإلا كما ترون ضغطة زر لطائرة تنهي حياة أمة.
 أيها الإخوة الكرام، لا شك أن جزاء هابيل والهابليين المؤمنين الصادقين المطيعين الملتزمين لا شك أن جزاء هؤلاء الهابليين الأخروي هو الجنة ورضاء الله عز وجل، ولكن الأرض تخسر الكثير بغياب القوة عن حق هابيل.
 أيها الإخوة الكرام، الدعاة، وأهل الحق يجب أن يعيشوا لكي يبلغوا رسالاتهم، ولا يكفي أن يجسدوها في أنفسهم وحسب، النبي عليه الصلاة والسلام هو قدوتنا، وأسوتنا في الحياة بعامة، وفي مسيرة الدعوة بخاصة من خلال دراستنا المتأنية والواعية لسيرته المطهرة يتبين لنا أنه صلى الله عليه وسلم لم يتمكن من تحقيق أهداف رسالته إلا بعد أن امتلك القوة المادية، أي حق القوة، إلى جانب قوة الحق.

 

بعد الاستضعاف قوة:

 من خلال النظر في شقي سيرته الأساسيين المكي والمدني يتضح لنا ما يلي في المرحلة المكية كان عليه الصلاة والسلام يملك قوة الحق، وتحدى به خصومه الكافرين، وأعجزهم عن الإتيان بدين آخر مضاد له فلم يستطيعوا، قال تعالى:

﴿ وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ﴾

[ سورة البقرة: 23]

 ولكن رغم كل هذا ظلّ النبي عليه الصلاة والسلام وأصحابه في موقع الاستضعاف يلقون شتى أنواع التعذيب والتكذيب والاستهزاء، ويمكننا تسمية هذه المرحلة بمرحلة تأسيس القاعدة الصلبة، أو النواة الرئيسة للبناء الإسلامي المرتقب، لا شك بأن هذه السياسة كانت عن قصدلتحقيق هدف نبيل، وكان وراءها حكمة ربانية، أهمها تربية الصحابة الكرام تربية صلبة لغرس الصفات الأساسية التي لا بد أن تتوافر في هذه النخبة من أصحاب رسول الله، وكان عليه الصلاة والسلام في هذه المرحلة، وقد نكون نحن في هذه المرحلة، يطلب من أصحابه أن يصبروا على البلاء والشدة المادية، ويؤكد لهم بأنها مرحلة خطيرة سرعان ما تمر ليحل محلها النصر والتمكين، فقد جاء في الحديث الصحيح الذي أخرجه الإمام البخاري عَنْ خَبَّابِ بْنِ الْأَرَتِّ قَالَ: شَكَوْنَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ مُتَوَسِّدٌ بُرْدَةً لَهُ فِي ظِلِّ الْكَعْبَةِ، قُلْنَا لَهُ: أَلَا تَسْتَنْصِرُ لَنَا ؟ أَلَا تَدْعُو اللَّهَ لَنَا ؟ قَالَ:

 

(( كَانَ الرَّجُلُ فِيمَنْ قَبْلَكُمْ يُحْفَرُ لَهُ فِي الْأَرْضِ، فَيُجْعَلُ فِيهِ، فَيُجَاءُ بِالْمِنْشَارِ، فَيُوضَعُ عَلَى رَأْسِهِ، فَيُشَقُّ بِاثْنَتَيْنِ، وَمَا يَصُدُّهُ ذَلِكَ عَنْ دِينِهِ، وَيُمْشَطُ بِأَمْشَاطِ الْحَدِيدِ مَا دُونَ لَحْمِهِ مِنْ عَظْمٍ أَوْ عَصَبٍ، وَمَا يَصُدُّهُ ذَلِكَ عَنْ دِينِهِ، وَاللَّهِ لَيُتِمَّنَّ هَذَا الْأَمْرَ حَتَّى يَسِيرَ الرَّاكِبُ مِنْ صَنْعَاءَ إِلَى حَضْرَمَوْتَ لَا يَخَافُ إِلَّا اللَّهَ، أَوْ الذِّئْبَ عَلَى غَنَمِهِ، وَلَكِنَّكُمْ تَسْتَعْجِلُونَ ))

 

[ البخاري ]

 إذاً المرحلة صعبة، لعلنا نحن فيها أراد الله أن يمتحننا،

(( وَاللَّهِ لَيُتِمَّنَّ هَذَا الْأَمْرَ حَتَّى يَسِيرَ الرَّاكِبُ مِنْ صَنْعَاءَ إِلَى حَضْرَمَوْتَ لَا يَخَافُ إِلَّا اللَّهَ، أَوْ الذِّئْبَ عَلَى غَنَمِهِ، وَلَكِنَّكُمْ تَسْتَعْجِلُونَ ))

 لا تقنطوا من رحمة الله، قال تعالى:

 

﴿ وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ﴾

[ سورة آل عمران: 139]

﴿ قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهَادُ ﴾

[ سورة آل عمران: 12]

﴿ وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ ﴾

[ سورة إبراهيم: 42]

عوامل النصر وعناصر القوة كانت في مكة وليس في المدينة:

 أيها الإخوة الكرام، عناصر القوة، أو بعبارة عوامل النصر التي تتطلبها المعركة، ويحتاج إليها النبي عليه الصلاة والسلام وكل الدعاة مِن وعده كانت متوافرة في مكة، وليس في المدينة، فالأرضية مثلاً كانت مناسبة في مكة أكثر من المدينة، لأن المسلمين كانوا أهل البلد، ويعرفونها جيداً، وهذا يساعد كثيراً على التحرك، ويضمن بالتالي مسيرة ثابتة، ويصبغ الدعوة بصبغة شرعية مقبولة، ومع كل هذا النبي عليه الصلاة والسلام نهى أصحابه بأمر رباني بمنع أي عمل آخر ريثما يكون له كيان مستقل.
 أيها الإخوة الكرام، أما في المدينة فيقول الله عز وجل:

﴿ أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ * الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ﴾

[ سورة الحج ]

 فاستطاعوا في أقل من ست سنوات مليئة بالغزوات والسرايا العسكرية أن يفرضوا على قريش معادلاتهم وشروطهم.

 

الجهاد البنائي:

 أيها الإخوة الكرام، على ضوء ما سبق لا بد من أن نعد لأعدائنا القوة، هكذا أمرنا الله عز وجل، وأبدأ لكم بالجهاد البنائي:
 يجب أن نبني أمتنا، يجب أن نعمق اختصاصاتنا، يجب أن نتقن أعمالنا، يجب أن نتعاون، يجب أن نتحابب، يجب أن نلغي كل الخلافات بيننا من أجل أن نكون قوة متماسكة، من أجل ألا يسهل اختراقنا.
 أيها الإخوة الكرام، ما مرت على الأمة الإسلامية مرحلة كهذه المرحلة هم بأشد الحاجة إلى التماسك، إلى التعاون، إلى التناصر، إلى إتقان أعمالهم، إلى التفوق في معاملهم، في زراعتهم، العامل والمزارع، والمعلم، والأب والأم، والقاضي والأستاذ الجامعي، كل فئة منا إذا أتقنت عملها، وحملت همَّ أمتها لعل الله سبحانه وتعالى يرينا بعد حين بشائر النصر لهذه الأمة التي وصفها الله عز وجل بأنها خير أمة أخرجت للناس .
 أيها الإخوة الكرام، هذه الحقيقة أن المسلمين يجب أن يكونوا أقوياء، ولا بديل لهذا الخيار، لا بد من أن يكونوا أقوياء، لأن العالم اليوم لا يحترم إلا القوي، ولا يخشى إلا القوي، ولا يخضع إلا للقوي، والعالم كله اليوم ينافق للقوي، دول العالم كلها تصمت صمتاً مخيفاً على كل الأعمال التي تقترفها الدولة الإسرائيلية، وهم ساكتون، أما إذا قتل واحد منهم تقوم الدنيا ولا تقعد.

إن الله هو القويُّ:

 أيها الإخوة الكرام، الله جل جلاله وحده هو القوي، ولا قوي سواه، وكل قوة في الأرض في الذوات والأشياء مستمدة من قوة الله تأييداً أو استدراجاً، أو تسخيراً لحكمة بالغة، عرفها من عرفها، وجهلها من جهلها، قال تعالى:

﴿ وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَاداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آَمَنُوا أَشَدُّ حُبّاً لِلَّهِ وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ ﴾

[ سورة البقرة: 165]

لا تكن رأسًا في قطيع النعاج:

 أيها الإخوة الكرام، كلمات متتالية أنقلها لمسامعكم، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

 

(( الْمُؤْمِنُ الْقَوِيُّ خَيْرٌ وَأَحَبُّ إِلَى اللَّهِ مِنْ الْمُؤْمِنِ الضَّعِيفِ.....))

 

[ مسلم، ابن ماجه، أحمد]

 آية كريمة:

 

﴿ وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ ﴾

 

[ سورة الشورى: 39]

 كن عضواً في جمعية الأقوياء، ولا تكن رأساً في قطيع النعاج، قد تبدو ضعيفاً أيها المسلم، لأنك قبلت أن تكون ضعيفاً، فعش كما تريد، ولكن لا بد من أن تعلم أنه بإمكانك أن تصبح قوياً، إذا قلت: قوياً فقد تكون في مراحل طويلة جداً، أن تكون قوياً بعلمك، وقوياً في صناعتك، وقوياً في زراعتك، وقوياً في تجارتك، وقوياً في إتقان عملك لأن قوة الأفراد تنتهي إلى قوة الأمة، وقوة الأمة يعني صمودها أمام قوى العدوان والبغي.
 إن الأقوياء بالحق هم السعداء، والضعفاء بالباطل هم التعساء.

 

الشيء الذي لا تستطيعه هو الشيء الذي لا تريد أن تكونه:

 اعلموا أيها الإخوة الكرام يقيناً أن الشيء الذي لا تستطيعه هو الشيء الذي لا تريد أن تكونه، كيف يطالعنا ضابط كبير في البنتاغون، يقول: ماذا نفعل بحاملات الطائرات ؟ ماذا نفعل بهذه الأسلحة الجبارة ؟ ماذا نفعل بالصواريخ العابرات للقارات ؟ لأنه ما من دولة الآن تفكر أن تحاربنا، لكن ماذا نفعل بهذا الإنسان الذي ضحى بحياته من أجل أن يهز كياننا ؟ الآن ثبات المقاومة هي الخيار الوحيد، والله لولا المقاومة في العراق لاحتلت أكثر من دولة حول العراق، لكن بالمقاومة راجعوا حساباتهم، وهذه الضربة القاسية ضربة الخائف.
 مرة سمعت تصريحًا لشارون أننا كنا في الماضي كانت مشكلتنا مشكلة أمن، لكنها الآن مشكلة بقاء، دققوا، الآن مشكلة الكيان الصهيوني مشكلة بقاء، وهذه الضربة المجنونة ضربة الجبان والخائف.
 أيها الإخوة الكرام، اعلم يقيناً أن الشيء الذي لا تستطيعه هو الشيء الذي لا تريد أن تكونه، القوة مطلب أساسي، وإلا فلا قيمة للحياة من دون قوة، إن القوة مصدر للثقة، والثقة لا تجد إلا في قلوب الأقوياء، وإذا أردت القوة الحقيقية فابحث عن قوة لا تحتاج إلى غيرها، إنها قوة الله عز وجل، إن الجبن والخور، والاستكانة والاستسلام، والانهزامية والذل، و جميع المفردات في قاموس الضعف مرفوضة في حياة الأقوياء، فأنت كائن لم تخلق لتكون مسلوب الإرادة، بارد الهمة، تأمل دعاء النبي عليه الصلاة والسلام، فعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ:

(( دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَاتَ يَوْمٍ الْمَسْجِدَ فَإِذَا هُوَ بِرَجُلٍ مِنْ الْأَنْصَارِ يُقَالُ لَهُ: أَبُو أُمَامَةَ، فَقَالَ: يَا أَبَا أُمَامَةَ، مَا لِي أَرَاكَ جَالِسًا فِي الْمَسْجِدِ فِي غَيْرِ وَقْتِ الصَّلَاةِ، قَالَ: هُمُومٌ لَزِمَتْنِي، وَدُيُونٌ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: أَفَلَا أُعَلِّمُكَ كَلَامًا إِذَا أَنْتَ قُلْتَهُ أَذْهَبَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ هَمَّكَ، وَقَضَى عَنْكَ دَيْنَكَ ؟ قَالَ: قُلْتُ: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: قُلْ: إِذَا أَصْبَحْتَ وَإِذَا أَمْسَيْتَ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ الْهَمِّ وَالْحَزَنِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ الْعَجْزِ وَالْكَسَلِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ الْجُبْنِ وَالْبُخْلِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ غَلَبَةِ الدَّيْنِ وَقَهْرِ الرِّجَالِ، قَالَ: فَفَعَلْتُ ذَلِكَ، فَأَذْهَبَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ هَمِّي، وَقَضَى عَنِّي دَيْنِي ))

[ أبو داود ]

 لا تتردد لحظة في الانتساب لعضوية نادي الأقوياء، لديك عملاق ينام بين جنبيك، ابحث عنه حتى لا تموت، وأنت تعيش بين الأحياء.

 

ليس من مات فاستراح بميت  إنما الميت ميت الأحياء
***

 والله سألني مرة طفل صغير: ماذا أفعل ؟ قلت له: كن متفوقاً في دراستك.
 أنا أقول لكم أيها الإخوة الكرام: الآن نحن بحاجة إلى جهاد بنائي، قال تعالى:

 

 

﴿ وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ ﴾

[ سورة الأنفال: 60]

 كل إنسان من المسلمين من أهل هذا البلد الطيب عليه أن يضاعف جهده، ويتقن عمله، ويحمل هم أمته حتى تتكون القاعدة الصلبة التي تكون أساساً للنصر القادم، إن شاء الله تعالى.

 

دعوة إلى عدم القنوط:

 أدعوكم مرة ثانية، لا تقنطوا، لا تيئسوا، لن يضيعنا الله عز وجل الله عز وجل، بل يعالجنا، نحن في العناية المشددة، نحن مقصرون، نحن انبهرنا بالغرب، نسينا ديننا، الله عز وجل يعالجنا، قال تعالى:

﴿ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ ﴾

[ سورة البقرة: 249]

 لكن هذا الذي لا يحمل هم أمته اقرأ عليه السلام، هذا الذي لا يبكي، وهو يرى ما يفعل بإخوتنا في فلسطين اقرأ عليه السلام، هذا لا ينتمي إلى هذه الأمة، هذا لا وزن له عند الله عز وجل.

 

خيارات النصر بأيدينا:

 أنا لا أقول لكم إلا الشيء الذي هو مألوف في الحياة العامة: من يمنعك أن تكون متقناً لعلمك ؟ من يمنعك أن تنفع المسلمين ؟ من يمنعك أن تتلافى غشهم، أن تتلافى الغش عليهم، أن تتلافى ابتزاز أموالهم ؟ من يمنعك أن تعتدي عليهم، من يمنعك ؟ جميع أسباب القوة بين أيديكم، أكبر أسباب القوة أن نستقيم على أمر الله، فإذا استقمنا استحققنا من الله أن ينصرنا، لأن النصر من عند الله.
 والله الذي لا إله إلا هو الخيارات جميعاً بأيدينا، بأيديكم، وبأيدي كل مسلم، من يمنعك أن تكون مستقيماً ؟ من يمنعك أن تطبق منهج الله في بيتك، وفي عملك، وعندئذ ترى كيف أن الله يمدنا من نصره، ويهزم أعداءنا.
 مرة وضعوا في طائرتي هيلوكبتر مئة وخمسة وعشرين ضابط كومندوس إسرائيلي، كلف الضابط خمسة ملايين دولار، ما بين يتعلم اللغة العربية، والعامية، ولغة جنوب لبنان، والصراع الياباني، والصراع الحر، والسلاح الأبيض، ولغات، وأجهزة، وأدوات، وقعت الطائرة العلوية فوق السفلية، ووقعت الطائرتان فوق مستعمرة إسرائيلية، ولم تمنَ إسرائيل في تاريخها منذ نشأتها بخسارة كهذه الخسارة، الله موجود، زلزال تسونامي قدرته مليون قنبلة ذرية، الله موجود، بيده النصر، ولكن يجب أن نكون نحن من مستحقي النصر.
 كنت أدعو، وأقول: اللهم انصرنا على أنفسنا حتى ننتصر لك حتى نستحق أن تنصرنا على أعدائنا، قال تعالى:

﴿ وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ ﴾

[ سورة الصافات: 173]

﴿ وَكَانَ حقّاً عَلَينَا نَصرُ المُؤمِنِينَ ﴾

[ سورة الروم: 47]

﴿ وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ﴾

[ سورة آل عمران: 139]

﴿ إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آَمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ﴾

[ سورة غافر: 51]

﴿ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي ﴾

[ سورة الروم: 55]

 الخيارات بأيديكم أيها الإخوة الكرام، الخيارات بيد كل مسلم، استمعوا إلى الأخبار ، واستمعوا إلى التحليل، واقبلوا بعضه، ولا تقبلوا بعضه الآخر، ولا تنسوا ثانية واحدة أن الله موجود، وأن الله قادر على أن يقلب موازين القوى في ثانية واحدة.
 أيها الإخوة الكرام، تفاءلوا، كونوا أقوياء في نفوسكم، كونوا أقوياء بإيمانكم، أخلصوا، أزيلوا كل خلاف بينكم، ف عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:

 

(( أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِأَفْضَلَ مِنْ دَرَجَةِ الصِّيَامِ وَالصَّلَاةِ وَالصَّدَقَةِ ؟ قَالُوا: بَلَى، قَالَ: صَلَاحُ ذَاتِ الْبَيْنِ، فَإِنَّ فَسَادَ ذَاتِ الْبَيْنِ هِيَ الْحَالِقَةُ، لَا أَقُولُ: تَحْلِقُ الشَّعَرَ، وَلَكِنْ تَحْلِقُ الدِّينَ ))

 

[ الترمذي ]

كيف نبحث عن القوة ونحن ضعفاء ؟؟؟

 أيها الإخوة الكرام، سؤال قد يسألني أحدكم: كيف نبحث عن القوة ونحن ضعفاء ؟ إن الحديث عن القوة النابعة من الضعف ليس قوة إلى الرضا بالضعف، أو إلى السكوت عليه، بل هو دعوة لاستشعار القوة حتى في حالة الضعف، إذاً يجب أن نبحث في كل مظنة ضعف عن سبب قوة كامنة فيه، و لو أخلص المسلمون في طلب ذلك لوجدوه، و لصار الضعف قوة، لأن الضعف ينطوي على قوة مستورة يؤيدها الله في حفظه و رعايته، فإذا قوة الضعف تهد الجبال، و تدك الحصون، كما ترون وتسمعون، أنت قوي هذا سر ضعفك، و أنت ضعيف هذا سر قوتك، لذلك نستطيع أن نقابل القنبلة الذرية بقنبلة الذُرية.
 يوم استطاع صلاح الدين أن يقف في وجه الغزو الفرنجي لخمسين عاماً بدأ بتعليم الصغار مبادئ الدين، و قيم الدين و الانضباط، لم يكن انتصاره معجزة، كان وفق السنن الإلهية، هذه حقيقة يجب أن نعلمها.

إياكم والهزيمةَ من الداخل:

 أيها الإخوة الكرام، أخشى ما أخشاه على نفسي وعليكم أن نهزم من الداخل، أخشى ما أخشاه أن تضعف همتنا، أن نشعر بالإحباط، أن يقول أحدنا: انتهينا، انتهى المسلمون، هذه من سنن الله عز وجل:

﴿ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ ﴾

[ سورة آل عمران: 140]

 الله عز وجل يضع المؤمنين أحياناً في امتحان صعب جداً، يقوي القوي، يقوي القوي، يقوي القوي، إلى أن يفعل ما يريد، وإلى أن يتوهم أنه إله.
 جندي إسرائيلي قال: أنا إله أطلق النار على فلسطيني فأقتله، ولا أطلق عليه النار فأبقيه حياً، أنا إله، هم متألهون، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ:

 

(( الْكِبْرِيَاءُ رِدَائِي، وَالْعَظَمَةُ إِزَارِي، فَمَنْ نَازَعَنِي وَاحِدًا مِنْهُمَا قَذَفْتُهُ فِي النَّارِ ))

 

[ أبو داود]

﴿ وَلَا تَهِنُووَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا ا وَلَا تَحْزَنُوا ﴾

[ سورة آل عمران: 139]

 نحن أقوياء بإيماننا، أقوياء بديننا، أقوياء بمنهج ربنا، أقوياء بانضباطنا، فلذلك أيها الإخوة قووا أنفسكم، و هذا متاح لكم في أعمالكم، و في بيوتكم، أقم أمر الله في نفسك، أقم أمر الله في بيتك، أقم أمر الله في عملك، و انتهت مهمتك، و على الله الباقي، انتهت مهمتك، وحينما قال الله عز وجل:

 

﴿ وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ ﴾

 

[ سورة آل عمران: 139]

 وحينما قال:

 

﴿ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ ﴾

 

[ سورة النور: 55]

 و الله الذي لا إله إلا هو زوال الكون أهون على الله من ألا يحقق وعوده للمؤمنين، لا تقنطوا من رحمة الله، ولكن لا يخافن العبد إلا ذنبه، و لا يرجون إلا ربه وفي الأثر: أنا ملك الملوك، ومالك الملوك، قلوب الملوك بيدي، فإن العباد أطاعوني حولت قلوب ملوكهم عليهم بالرأفة و الرحمة، و إن العباد عصوني حولت قلوب ملوكهم عليهم بالسخطة و النقمة، فلا تشغلوا أنفسكم بسب الملوك، و ادعوا لهم بالصلاح، فإن صلاحهم بصلاحكم.
 بربكم هؤلاء الفتيات الكاسيات العاريات ألسن مسلمات ؟ ألسن من آباء مسلمين ؟ أليس معظم آبائهم يرتادون المساجد ؟ وتعتب على الله بعد ذلك، وتعتب على الله وتقول: أين الله ؟ أقول لك: أين أنت ؟ في أي مستنقع يعيش المسلمون ؟
 أيها الإخوة الكرام، سامحوني إن قسوت عليكم ؟ و الله أنا متألم ؟ وذكرت لكم في أول هذه الخطبة ؟ والله ما تمنيت في حياتي أن أسكت إلا في هذا الأسبوع ؟ لأنني لم أحتمل هذه الأخبار، أين حقوق الإنسان ؟ أين الحرية ؟ أين الديمقراطية ؟ أين الرفق بالحيوان ؟
 أيها الإخوة الكرام، حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وزنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم، واعلموا أن ملك الموت قد تخطانا إلى غيرنا، وسيتخطى غيرنا إلينا، فلنتخذ حذرنا، الكيس من دان نفسه ؟ وعمل لما بعد الموت، والعاجز من أتبع نفسه هواها ؟ وتمنى على الله الأماني، والحمد لله رب العالمين.

* * *

 الخطبة الثانية
 الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين ؟ وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله صاحب الخلق العظيم، اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

مفارقة حادّة !!!

 أيها الإخوة الكرام، مفارقة حادة: الناس مشغولون بالرياضة، بالمونديال، يسهرون إلى قبيل الفجر في الملاهي، على الأسطحة، في المطاعم، يتابعون هذه المباراة، وإخوتهم في فلسطين يذبحون ويقتلون، لذلك هذه الحادثة وجد مثلها في الأندلس، والقصيدة التي قالها أبو البقاء الرندي، والتي تعد من الأدب العالمي، والتي ترجمت إلى أربعة عشر لغة مطلعها:

لكل شيء إذا ما تم نقـصان  فلا يُغر بطيب العيش إنسان
هي الأمور كما شاهدتها دول  من سره زمن ساءته أزمان

 يقول في هذه القصيدة:

 

يا راكبين عتاق الخيــــل ضامرة  كأنها في مجـال السبق عقبان

 الآن السيارات الفخمة، و النماذج الحديثة جداً، والمكيفة والمستوردة:

 

 

يا راكبين عتاق الخيــــل ضامرة كأنها في مجـال السبق عقبان
و حاملين سيوف الهند مرهفــــة  كأنها في ظلام النقــع نيران
و راتعين وراء البحر في دعــــة  لهم بأوطانهم عز وسلــطان
أعندكم نبأ من أهل الأندلـــــس  فقد سرى بحديث القوم ركبان
كم يستغيث بنا المستضــعفون وهم  قتلى و أسرى فلا يهتز إنسان
فلو تراهم حيارى لا دليل لهــــم  عليهم من ثياب الذل ألــوان
يا رب أم و طفل حيل بينهمــــا  كما تفرق أرواح و أبــدان
و طفلة مثل حسن الشمس إن طلعت  كأنما هي ياقـوت و مرجان
يقودها العلج للمكروه مكرهــــة و  العين باكية و القلب حيـران
لمثل هذا يبكي القــــلب من كمد  إن كان في القلب إسلام و إيمان

 أيها الإخوة الكرام، لو أن أحدكم قال: ماذا نفعل ؟ أقول لك: كن مسلماً، أقول لك: طبق الإسلام في بيتك، و في عملك، و انتهت مهمتك، و على الله الباقي.
 إذا فعلنا هذا كأننا قدمنا لله سبباً أن ينصرنا، أما إن كانت بيوتنا فيها المعاصي والآثام، وفيها المنكرات، وفيها الاختلاط، وفيها أكل المال الحرام، وفي أعمالنا كسب حرام وغش للمسلمين، فلا نطمع أن ننتصر على أعدائنا، لأن هذه الدنيا يصلح فيها الكفر والعدل، ولا يصلح فيها الظلم والإيمان أبداً.
 لننظر إلى بنيتنا التحتية، إلى أسرنا، إلى أعمالنا، إلى معاملنا، إلى مؤسساتنا هناك ظلم كبير، الزوج يظلم زوجته، والأب يظلم ابنه أحياناً، والجار يظلم جاره والشريك يظلم شريكه، لذلك ما لم نعد إلى الله عز وجل تائبين مصطلحين معه مطبقين لمنهجه ينبغي ألا نطمع أن ينصرنا الله على أعدائنا.

 

 

الدعاء

 اللهم اهدنا فيمن هديت، وعافنا فيمن عافيت، وتولنا فيمن توليت، وبارك لنا فيما أعطيت، وقنا واصرف عنا شر ما قضيت، فإنك تقضي بالحق، ولا يقضى عليك، وإنه لا يذل من واليت، ولا يعز من عاديت، تباركت ربنا وتعاليت، ولك الحمد على ما قضيت نستغفرك و نتوب إليك، اللهم اهدنا لصالح الأعمال لا يهدي لصالحها إلا أنت، اللهم اهدنا لأحسن الأخلاق لا يهدي لأحسنها إلا أنت، اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا وأصلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا، وأصلح لنا آخرتنا التي إليها مردنا، واجعل الحياة زاداً لنا من كل خير، واجعل الموت راحة لنا من كل شر، مولانا رب العالمين، اللهم اكفنا بحلالك عن حرامك، وبطاعتك عن معصيتك، وبفضلك عمن سواك، اللهم بفضلك ورحمتك أعل كلمة الحق والدين، وانصر الإسلام وأعز المسلمين، وأذل الشرك والمشركين خذ بيد ولاة المسلمين لما تحب وترضى يا رب العالمين، إنك على ما تشاء قدير، وبالإجابة جدير.

 

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018