الدرس : 16 - سورة هود - تفسير الآيات 113 – 123 - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الدرس : 16 - سورة هود - تفسير الآيات 113 – 123


1986-05-02

 الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا ، إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علِّمنا ما ينْفعنا ، وانْفعنا بِما علَّمتنا ، وزِدْنا عِلما ، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه ، وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه ، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه ، وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين .
 أيها الإخوة المؤمنون ، وصلنا في الدرس الماضي في سورة هود إلى قوله تعالى :

﴿ وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمْ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لَا تُنصَرُونَ(113)وَأَقِمْ الصَّلَاةَ ﴾

( سورة هود )

وَأَقِمْ الصَّلَاةَ

في الإنسان نشاط :

 معنى ذلك أنَّ في الإنسان نشاطًا ، وقوَّة محرِّكة ، الله سبحانه وتعالى أوْدَعَ في الإنسان شَهواتٍ عِدَّة ، وهذه الشَّهوات تَجعلهُ ينْدَفِعُ إلى تحقيقها الشَّهوات طريقهُ إلى الجنّة ، لولا أنّ الله سبحانه وتعالى أوْدَعَ في نفْسِ كُلٍ مِنَّا شَهْوةً لما كانت جنَة ، ولما كانت نار ، فالإنسان ينْدَفِعُ إلى تحقيق شَهواته ، وليس سُكونِيًّا ، ولكن متحرِّك ، قال تعالى :

﴿ وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمْ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لَا تُنصَرُونَ(113)وَأَقِمْ الصَّلَاةَ ﴾

( سورة هود )

 لا بدّ مِن حركة ، ونفسك إن لم تَشْغلْها بالخير شَغَلَتْكَ بالشرّ .

 

وَأَقِمْ الصَّلَاةَ

 قال تعالى :

﴿ وَأَقِمْ الصَّلَاةَ طَرَفِي النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنْ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ﴾

( سورة هود )

معنى إقامةِ الصلاةِ :

 الوقْفَة عند قوله أقِمِ الصّلاة ، كيفَ يُقام البِناء ؟ لا بدّ من أساس ، ولا بدّ مِن عِلْمٍ ، ولا بدّ مِن مواد أوَّليَّة ، ولا بدّ من خبرة ، ولا بدّ من بِناء ولا بدَّ مِن تخطيط ، فإقامة الصَّلاة ، ليس معناها أن تُصلِّي ، معناها أن تسْتَعدَّ لهذه الصَّلاة ثمّ تُصَلِّي ، أيُّ إنسانٍ يدخل إلى الامتِحان ، ولكنّ دخول الامتِحان لا يعْني أن تدخلَهُ ، ولكن أن تسْتَعِدَّ لهذا الدُّخول ، وفَرْقٌ كبير بين أن تتوضَّأ وتقف للصَّلاة ، وهناك مخالفات ، وهناك تقصيرات وهناك حُبٌّ للدنيا ، وهناك انْغِماسٌ فيها ، وتَعَلّق بها ، إنّ هذه الحالة لا تسْمحُ لِصَاحِبِها أنْ يُصَلِّي ، فالله سبحانه وتعالى لم يأمرْنا بالصَّلاة ، ولكن أمرنا بإقامة الصَّلاة ؛ أيْ أن تسْتقيم على أمْر الله حتى تستطيع أن تُصَلِّي ، لأنَّ المعاصي حُجُب ، وأن تعملَ صالحًا حتى تستطيع أن تُصلِّي ، وأن تلتزمَ الشَّرْع في كلّ حركاتك وسكناتك ، حتى تستطيع أن تُصَلي ، أن تكون وقَافًا عند كتاب الله حتى تستطيع أن تصلِّي ، أن تكون منضبِطًا بِشَرْع الله حتى تستطيع أن تصلِّي ، فليس الصلاة أن تقف في مسْجد ، أو في زاوية في بيتك ، وترفعُ يديك ، وتقرأ الفاتحة تركع ، وتسْجد ، ونفْسك ساهِيَة لاهِيَة غارقة في مشاكل الدنيا ، ليسَتْ هذه هي الصَّلاة ! فلا بدّ من أن تُقيم الصَّلاة ، ولا بدّ من أن تستعِدَّ لها قبل دُخول وقتها ، والاستعداد لها ؛ حِفاظك على استقامتك ، وعلى طهارتك ونقاوتِك ، وحِفاظك على عملك الطَّيِّب ، إذا كنت كلّك فقد أقمْت الصلاة .
 لا تستطيع أن تزور فلانًا إلا إذا كانت لك سابقة إحْسانٍ إليه ، إن كانت لك سابقة إحسانٍ إليه تستطيع أن تطرق بابه ، وأن تدخل عليه في أيّ وقت ، كذلك إن كان لك عمل طيِّب ، واستقامة تامَّة ، وإن كان لك قَول حسَن ، وإن كان الناس يُحِبُّونك فقد اقْتربْتَ من إقامة الصَّلاة ، إيَّاك أن ترْكَنَ إلى الذين ظلموا ، فأهل الدنيا يتَّصلون مع أهل الدنيا وكبرائِها وأهل الآخرة يتَّصِلون بِرَبِّهم .
 النَّفْس كما أردْتُ أن أبدأ الدَرس فيها حركة ، وبِمُصطلح آخر هي ديناميكِيَّة ، هناك حركة انْدِفاع نحو تَحقيق تِلْك المُيول التي زرعها الله فينا ، فإمَّا أن تتَّصِلَ بأهل الدنيا ، وتتملَّق لهم ، وتُقَدّم لهم خدماتٍ جُلَّة ، كي يقبلوها ويرفعوها ، ويمْنحونها مِمَّن عندهم ، وإما أنْ تتَّصِلَ بالله ربّ العالمين فيَمْنحُها سعادةً في الدنيا ، وسعادةً لا تنقضي في الآخرة ، قال تعالى :

﴿ وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمْ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لَا تُنصَرُونَ(113)وَأَقِمْ الصَّلَاةَ ﴾

( سورة هود )

 أنت مؤهَّل أن تتَّصِلَ بالله عز وجل ، خلقْتُ لك ما في السماوات والأرض ، فلا تتْعَب ، وخلقْتُك من أجلي فلا تلْعب ، فَبِحَقِّي عليك لا تتشاغَل بِما ضَمِنْتهُ لك عمَّا افْتَرَضْتُهُ عليك ‍‍‍‍! فالحيوان يسْعَدُ بالشَّهْوة ولكنَّ الإنسان يسْعدُ بِقُرْبِهِ من الله عز وجل ، خلقكَ الله من أجله ، طهَّرْتَ منظر الخلق سِنين أفلا طهَّرْتَ منظري ساعة !! قال تعالى :

 

﴿ وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمْ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لَا تُنصَرُونَ(113)وَأَقِمْ الصَّلَاةَ ﴾

( سورة هود )

 إيَّاك أن تطْمحَ إلى ما عندهم ، إيَّاك أن تُقِم علاقةً معهم ، أَقِم هذه العلاقة معي ، واتَّصِل بالله عز وجل ، تقرَّب إلى الله عز وجل ، وإلى وُدِّه تعالى ، اخْدُم عِبادهُ ، وعامِلْهُ ، وأقْرِضْهُ قرضًا حسنًا ، وأكْرِم عبادهُ من أجله ، اِنْصَحهم من أجله ، كُنْ معهم مستقيمًا من أجله ، أَحْسِن إليهم من أجله تعالى ، من أجل هذه الصِّلة ، ومن أجل أن تُقيم هذه الصِلة ، قال تعالى :

 

﴿ وَأَقِمْ الصَّلَاةَ ﴾

( سورة هود )

 وفرْق بين أن يُقال لك : صلِّ وبين أن يُقال لك : أقم الصلاة ، كيف أنَّ البِناء يُقام ؟ أن يقوم البِناء هذا عملٌ ضَخم ، يحتاج إلى إعداد وأرض وأساسات ومواد أوَّلِيَّة ، وإلى مهندسين ، ومهندس تصميم ، ومهندس تنفيذ ، ومهندس إشراف ، وإلى يد عاملة ، وإلى بنَّاء ، وإلى أعمال مختلفة ، هذه هي معاني إقامة البناء .
 قال تعالى :

 

﴿ وَأَقِمْ الصَّلَاةَ طَرَفِي النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنْ اللَّيْلِ ﴾

( سورة هود )

معنى : طَرَفِي النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنْ اللَّيْلِ

المعنى الأول :

 العلماء في هذه الآية على مذاهب شتَّى ، فطَرفي النَّهار قال بعضهم : صلاة الفجر ، وصلاة الظهر والعصر ، هذه الأوقات الثلاثة طرفا النَّهار وزلفًا من الليل هما صلاة المغرب والعشاء ، ومعنى زلفًا الساعات المتقاربة من بعضها ، قال تعالى :

﴿ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى ﴾

[ سورة الزمر ]

 الزُّلَف ؛ الشيء المتقارب .

المعنى الثاني :

 وبعضهم قال : طرفي النَّهار صلاة الفجر وصلاة العصر .

المعنى الثالث :

 وبعضهم قال : طرفي النهار صلاة الفجر ، وصلاة المغرب .

هذه الآية تنطوي جمعت الصلوات الخمس :

 على كُلٍّ العلماء أجْمَعوا على أنَّ هذه الآية تنْطَوي فيها الصَّلوات الخمس ؛ الفجر والظهر والعصر والمغرب والعشاء ، قال تعالى :

﴿ وَأَقِمْ الصَّلَاةَ طَرَفِي النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنْ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ﴾

( سورة هود )

إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ

1 ـ الصلوات كفّارات للذنوب :

 وهذه الآية لها معنًى دقيق ، فالصَّلوات هي الحسنات ، والنَّفْس وما فيها من أمراض هي السيِّئات ، فإذا جاءت الحسنات محت السيّئات ، والصلاة نور ربَّاني تُطَهّر القلب البشري من كلّ دنس ورجس ، والصَّلوات الخمس يمْحو الله بِهِنّ الخطايا ، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ :

(( أَرَأَيْتُمْ لَوْ أَنَّ نَهَرًا بِبَابِ أَحَدِكُمْ يَغْتَسِلُ فِيهِ كُلَّ يَوْمٍ خَمْسًا مَا تَقُولُ ذَلِكَ يُبْقِي مِنْ دَرَنِهِ ؟ قَالُوا : لَا يُبْقِي مِنْ دَرَنِهِ شَيْئًا ، قَالَ : فَذَلِكَ مِثْلُ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ يَمْحُو اللَّهُ بِهِ الْخَطَايَا ))

[ متفق عليه ]

 قال تعالى :

 

﴿ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ﴾

( سورة هود )

2 ـ الأخلاق الحسنة منبعها الاتصال بالله :

 هناك نقطة أريد أن تكون واضحة لديكم : إنَّ مكارم الأخلاق من كرمٍ ومن سخاءٍ ، ورحمةٍ ، وإنصاف ، ومحبّة ، وعَفْوٍ ، ومن إقْدام ومروءة ومن إغاثةٍ ونجْدة ، مكارم الأخلاق مخزونة عند الله سبحانه وتعالى ، فإذا اتَّصَلْت به منحَكَ بعضها ، ليْسَ هناك مِن خلُقٍ أصيل إلا عن طريق الاتِّصال بالله سبحانه وتعالى ، هناك أخلاق مُزَيَّفة ؛ هناك أخلاق التُّجار الذين يُرَحِّبون بالزَّبون ، ويُقدِّمون له الضِّيافة ، ويَدْعونه إلى طعام الغذاء ، ويحْترمون مشاعرهُ ، هذه أخلاق التُّجار المبْنِيَّة على المصالح هذه أخلاق اسْتَوْرَدْناها من الغرب ، ما دام هناك مصْلحة فَهُناك خُلقٌ كريم ، فإذا انْقطَعَت المصلحة انقلب الإنسان إلى وحْشٍ لئيم ، لكنّ الله تعالى :

﴿ وَأَقِمْ الصَّلَاةَ طَرَفِي النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنْ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ﴾

( سورة هود )

3 ـ النفس الدنيئة بعيدة عن الله :

 أيْ النَّفس بِبُعْدها عن الله عز وجل قد تتحمَّل السيّئات ، وقد تُحِبّ ذاتها وقد تُصْبحُ أنانيَّة ، وقد تصبحُ جبانةً ، وحريصةً ، وقد ترضى أن تُقيم غِناها على فقْر الآخرين ، ومجدها على أنقاض الآخرين ، هذا كلّه في حالات البُعْد عن الله عز وجل ، ولكن حالة القُرْب تعني مكارِم الأخلاق ، فإنَّ الحسنات يُذْهِبْن السيئات ، فعَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ : قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :

(( اتَّقِ اللَّهِ حَيْثُمَا كُنْتَ ، وَأَتْبِعْ السَّيِّئَةَ الْحَسَنَةَ تَمْحُهَا ، وَخَالِقِ النَّاسَ بِخُلُقٍ حَسَنٍ ))

[ الترمذي ]

4 ـ لابد من إتباع السيئة بالحسنة :

 أحيانًا يقعُ المؤمن في مخالفة فَتَزِلَّ قدمهُ ، قد يسْبقُه لِسانه ، وقد يثور ثورةً نفْسِيَّة ، وقد يغْضب ، وينطق بِكَلمةٍ قاسيَة ، وقد تخونهُ عَيْنُه فتَسْترٌ النَّظَر إلى امرأة ، وقد يقعُ في بعض المخالفات ، هذه سيِّئات ؛ ما الحلّ ؟ إنَّ الحسنات يذهبن السيّئات ! بادِرْ إلى عملٍ طيِّب ، وبادِر إلى صدقةٍ وبادِر إلى خِدْمة ، وإلى صدقةٍ تطفئ بها غضب الربّ ، لأن صدقة السر تطفئ غضب الربّ ، بادروا إلى الصَّدَقة فإنَّ البلاء لا يتخطَّاها ، الله سبحانه وتعالى يُسْترضى ، لأنَّه رحيم ، فمَن بدرَت منه بادرة سيئة ، ووقعَ في غفلةٍ ، من خانتْهُ عَيْنُه أو أذُنه ، ومن سبقهُ لِسانُه إلى كلمة قاسِيَة ؛ هذه كلّها سيئات :

 

﴿ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ﴾

 لو أسأْتَ إلى إنسانٍ ، ثمَّ قدَّمْت له هَدِيَّة ، وكما قال عليه الصلاة والسلام :

(( تَهَادَوْا فَإِنَّ الْهَدِيَّةَ تُذْهِبُ وَحَرَ الصَّدْرِ ))

[ الترمذي عن أبي هريرة ]

 وقال عليه الصلاة والسلام :

(( تَهَادَوْا تَحَابُّوا ))

[ البيهقي والطبراني عن أبي هريرة ]

 فإذا نشِبَ بينك وبين زوْجَتِكَ خِلاف ، وقَسَوْتَ عليها في الكلام ، فالقضِيَّة لها حلّ طيِّب ، بادِرْ ، وقَدِّم لها هَدِيَّة تُطَيِب لها بها قلبَها ، إذا بَدَرَتْ منك كلمة إلى صديق فَنَفَرَ منك ، إنَّ الحسنات يُذْهبْن السيِّئات ، إذا وقعْت في ذنب مع الله سبحانه وتعالى ، كنت في مجلسٍ وتحدَّث الحضور عن إنسان وشاركْتهم في الحديث ، وقَعْتَ في الغيبة وأنت لا تشعر ، عُدْتَ إلى البيت فاشْتعلَ قلبُكَ فرقًا من الله عز وجل ، كيف سَمَحْتَ إلى نفسك للاستماع إلى الغيبة ؟ وكيف سمَحْتَ لِنَفْسِكَ أن تُسْهِم في هذه الغَيبة ؟ إنَّ الحسنات يُذْهبْن السيِّئات ، القضِيَّة محلولة ، الله سبحانه وتعالى يُسْترضى إلا إذا فَهِمتَ من هذا الكلام أنَّه إذا هممْتَ بِمَعْصِيَة تقول : أنا أعرف كيف أسْترضي الله بعدها !! لا ، إن كنتَ كذلك فلن يرْضى الله عنك ، إن لم تقصِد ، إن سبقَكَ لِسانك ، وخانتْكَ عينُك ، إن تألَّمْت بِذَنْب لم تنْوه ، في مثل هذه الحالات الله سبحانه وتعالى يُسْترضى ، يُسْترضى بِصَدقة ، يُسْترضى بِخِدمة ، يُسْترضى بِعَملٍ صالح ، إنّ الحسنات يهبن السيئات ، هذا المعنى الثاني ، والمعنى الأوَّل الحسنات هنّ الصَّلوات الخمس ، فإذا الله تعالى يمْحو بِهِنّ الخطايا ، فإذا أحْكمْت صِلَتك بالله عز وجل فإنّ هذا القلب يطْهُر ، ويصبحُ سليمًا من كلّ عَيب ، طاهرًا من كلّ ذنب : يا طاهرًا من الذُّنوب ، يا هاديًا إلى علاَّم الغيوب .
 قال تعالى :

 

﴿ وَأَقِمْ الصَّلَاةَ طَرَفِي النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنْ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ(114)وَاصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ ﴾

( سورة هود )

وَاصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ

1 ـ لابد من الصبر على الطاعة :

 لكنّك إذا حاوَلْتَ أنْ تُصَلِّي ، ولم تمْلك هذه الصلاة التي تحدَّث الله عنها لا تكن لجوجًا ، اِصْبِر :

أخْلِق بِذي الصَبْر أن يحظى بحاجته  ومُدْمِن القَرع للأبواب أن يلِجَا
***

 من علامات الصادق أنَه يطرق باب الله عز وجل ، ويطرق إلى أن يُفْتَحَ الباب ؛ لا يكلُّ ولا يمَلّ ، ولا يتحوَّل ولا يتَمَلْمَل ، لأنَّه صادق ، ولو أنَّه كاذب طرق الباب لم يفْتَح له فتَحَوَّل عنه ، هذه صِفات الكاذبين ، واصْبِر !
وقفْتَ لِتُصَلِي ولم تشْعر بِشَيء ، فهل معنى ذلك أنْ تَدَعَ الصَّلاة ؟ لا ، اصْبِرْ ، لعلّها تصلح في صلاة قادمة ، لعلّها تحدث هذه الصِّلة في وقت آخر ، قال تعالى :

 

﴿ مَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ اللَّهِ فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لَآتٍ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ(5)﴾

( سورة العنكبوت )

 أحيانًا ربنا سبحانه وتعالى يُعَطِّش هذه النَّفْس للقُرْب منه ، تعطيشُها هو تهيئ لإقبالها ، قال تعالى :

 

﴿ وَاصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ ﴾

( سورة هود )

2 ـ لا يضيع عند الله شيء :

 أيُّ جُهْد مادِيٍّ ، أو عضَلِيٍّ ، نقليٍّ أو نقْدِيٍّ أو عِلْمِيٍّ ، اجْتِماعِيّ ، تبْذُلُه من أجل التقرّب إلى الله عز وجل فالله سبحانه وتعالى لا يُضَيِّعُهُ عليك ، قال تعالى :

﴿ وَاصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ ﴾

( سورة هود )

 الآن ننتقل إلى مقْطعٍ آخر مِحْورُهُ ؛ الأمر بالمعروف والنَّهي عن المنكر قال تعالى :

 

﴿ فَلَوْلَا كَانَ مِنْ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُوْلُوا بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنْ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّنْ أَنْجَيْنَا مِنْهُمْ وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَا أُتْرِفُوا فِيهِ وَكَانُوا مُجْرِمِينَ ﴾

( سورة هود )

فَلَوْلَا كَانَ مِنْ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُوْلُوا بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنْ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ

1 ـ إيَّاكم والفسادَ والأرض :

 لولا أداة حظّ ؛ أيْ حبَّذَا ، لو كان فيكم أيُّها الناس أُناسٌ يأمرون بالمعروف ، وينْهَوْن عن المنكر ، والفساد في الأرض ، فسادُ ذات البَيْن هي الحالقة ، لا أقول : حالقة الشَّعر ، ولكن أقول حالقة الدِّين ! أن تُفْسِدَ العلاقة فيما بينك وبين الله بالمعاصي ، وأن تُفسِد العلاقة فيما بينك وبين الناس بالإساءة ، وأن تُفسِد العلاقة فيما بينك وبين عقلك بالتَّعطيش ، وأن تُفسِد العلاقة فيما بينك وبين نفسك بالظُّلْم ، هذه العلاقات إذا فسَدَت لم يبْقَ للحياة معنى ، وتبقى الحياة حياةً حيَوانِيَّة طعامٌ وشراب ، ثمَ موت زُؤام ، ولكنَّ العلاقات إذا صلحَت ؛ إذا صَلَحَت علاقتك بالله عز وجل ، سَعِدْتَ بالقُرْب منه ، وإذا صلحَتْ علاقتك بالناس سَعِدْتَ بهم وسَعِدوا بك ، وإذا صَلَحتْ علاقتك بِزَوجتك سَعِدتَ بها وسَعِدت بك ، إذا صلحَت علاقتك بأولادك هَدَيْتَهم إلى طريق الحق فإيَّاكم وفسادَ ذاتِ البَيْن فإنَها الحالقة ، لا أقول : حالقة الشَّعر ، ولكن أقول : حالقة الدِّين ! فالغيبة تفْسِدُ العلاقة بين الناس ، النَّميمة تُفْسِدُ هذه العلاقة ، وحبّ الظُّهور والاسْتِعلاء يُفْسِدُ هذه العلاقة ، وأن تخرج على الناس بِأبهى زينة لِتَزْرعَ في قلبهم حبّ الدنيا ، وتجعلهم في صَغارٍ أمامك ؛ هذا إفساد في الأرض ، لذلك قال تعالى :

﴿ فَلَوْلَا كَانَ مِنْ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُوْلُوا بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنْ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ ﴾

( سورة هود )

2 ـ النهي عن الفساد يُبعِد عقاب الله :

 لو كان في الأمم السابقة أُناسٌ ينْهَون عن الفساد في الأرض لما أهْلكَهم الله سبحانه وتعالى ، والدليل أنَّه ما دام في الأمَّة مُصْلِحون ، وما دام في الأمّة دعاة إلى الله تعالى ، وما دام في الأمّة أُناسٌ يَنْهَون عن الفساد فالله سبحانه وتعالى لا يُهْلِكُهم ، قال تعالى :

﴿ فَلَوْلَا كَانَ مِنْ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُوْلُوا بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنْ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّنْ أَنْجَيْنَا مِنْهُمْ ﴾

( سورة هود )

3 ـ الناهون عن الفساد في الأرض قليلون :

 معنى القرون يعني الأُمَم ، وليس معنى هذا أنَ ليس في الأرض أُناسٌ يَدعون إلى المعروف ، ويَنْهون عن المنكر ، ولكنَّهم قِلَّة ، وعددهم لا يكفي ، قال تعالى :

﴿ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّنْ أَنْجَيْنَا مِنْهُمْ ﴾

( سورة هود )

 لِضَعف الدَعوة إلى الله عز وجل ، وضَعف الأمر بالمعروف ، والنَّهي عن المنكر ، أنْ يقول الإنسان : ما لي وله ، عليَّ بِنَفسي ! من يقول ذلك فليس بِمُسلِم ، ومن لم يهْتمّ بِأمْر المسلمين فليس منهم ، يجب أنْ تهتمَّ بِهم وتهْتمَّ بِقَضاياهم ، أنْ تهتمَّ بِما يُسْعِدهم ، ولما يسقيهم ، وهذه هي علامة المؤمن ، قال تعالى :

 

﴿ فَلَوْلَا كَانَ مِنْ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُوْلُوا بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنْ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّنْ أَنْجَيْنَا مِنْهُمْ وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَا أُتْرِفُوا فِيهِ ﴾

( سورة هود )

4 ـ الظالم يتبع ترف الدنيا ومتاعها :

 ما أُتْرِفوا فيه بِمَعنى أنَّ هذه الدنيا التي ملكَت قلوبهم ، غرِقوا في نعيمها واتَّبعوها ، وجعلوها هادِيًا لهم ، وجعلوها إمامًا وقبْلةً ، في كلمة اتَّبعوها معنى دقيق ، قال تعالى :

﴿ وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَا أُتْرِفُوا فِيهِ ﴾

( سورة هود )

 همُّه الأوَّل والأخير بيْتٌ فخْم ، وزوْجةٌ جميلة ، وسيَّارة كبيرة ، ودَخْلٌ غير محدود وبيتٌ في مكانٍ جميل ، منتزهٌ في الصَّيْف ، وأنْ يعْلُوَ في نظر الناس ويتيه عليهم ، قال تعالى :

 

﴿ وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَا أُتْرِفُوا فِيهِ ﴾

( سورة هود )

 أيْ هذا التَّرَف صار إلهَ الناس يعْبدونه من دون الله ، إنسانٌ اشْترى بيتًا جاهزًا للسَّكَن ، وكلّ هذه الكِسْوة التي كلَّفَت مئات الأُلوف كسَّرها ، ولم يُعْجِبْهُ هذا البِلاط ! وهذا الرُّخام لا يعْجِبُه ، وهذا الترتيب لا يعْجِبُه قال تعالى :

 

﴿ وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَا أُتْرِفُوا فِيهِ ﴾

( سورة هود )

 لمَا تصبح الدنيا أكبر همّ الإنسان ، ومَبْلَغَ عِلْمِهِ ، فقد انتهى ، واسْترْذَلَهُ الله ، وإذا اسْترْذَلَ الله عبْدًا حضَرَ عليه العِلْم والأدَب ، اسْترْذَلَهُ ورآه أرضِيًا وشَهَوانِيًّا ، ورآهُ دُنْيَوِيًّا ، ولكنّ خَلَدَ إلى الأرض واتَّبَعَ هواه ، قال تعالى :

 

﴿ أَفَرَأَيْتَ مَنْ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ ﴾

( سورة الجاثية : 23)

 جعله إلهه ، قال تعالى :

 

﴿ وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَا أُتْرِفُوا فِيهِ وَكَانُوا مُجْرِمِينَ ﴾

( سورة هود )

 قال تعالى :

 

﴿ وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ ﴾

( سورة هود )

وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ

علاقة هذه الآية بالسِّياق العام :

 علاقة هذه الآية بالسِّياق العام أنَّ أيَّةَ أمَّة ما دام فيها مصْلحون ، ودُعاة إلى الله عز وجل مخلصون ، وما دام فيها من يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر ، ما دام فيها من يمْنعُ الفساد في الأرض ، وما داموا كذلك فالله سبحانه وتعالى لن يُهْلكها ، أما إذا فعَلَ الناس المعاصي ، وغرقوا في الشَهوات ، واسْتَحَلُّوا الحرام ، وأكل القويّ منهم الضَّعيف ، ولم يوجد فيهم من يأمر بالمعروف ، ولا من ينهى عن المنكر عمَّهم الله بالبَلاء ، كما قال تعالى :

﴿ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّنْ أَنْجَيْنَا مِنْهُمْ ﴾

( سورة هود )

 قال تعالى :

 

﴿ وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ ﴾

( سورة هود )

 قال تعالى :

 

﴿ وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ ﴾

( سورة هود )

 طرحتُ في الدرس الماضي حول هذه الآية مجموعةً من الأسئلة ، قال تعالى :

 

﴿ وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ(118)إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ ﴾

( سورة هود )

وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ

1 ـ معنى الآية :

 أوَّلاً في بعض التفاسير قال المفسِّر : لو شاء الله لجَمَعَ الناس على الهُدَى ، وكانوا أُمّة واحدة مهْتَدِيَة ، ولكنَه لم يشأ ! من دون تعليق أو شرْح أو إضافة ، لو شاء لجَمَعهم على الهدى ولكنَّه لم يشأ .
 وبعض المفسِّرين وجدوا أنَّ هذه الآية تُشير إشارةً واضِحَة إلى أخْطر شيءٍ يمْلكُه الإنسان ألا وهو الاختيار .

الإنسان له حرية الاختيار :

 مثلاً : لو شاءَت إدارة الجامعة أن تطرَح على ألف طالب في كليّة أسئلة مرفقةً بأوراق عليها الأجوبة ! ولا يُكَلَّف الطالب إلا كتابة اسمه !! جُمِعَت هذه الأوراق ، وصُحِّحَتْ فنالَتْ كلّها علامةً تامَّة ، لو شاءَت الجامعة أن تجعل الطُّلاب جميعًا يُحْرِزون علامة المائة لفعَلَتْ ، والقضيَّة سهلةً جدًا ، تطرح مع السؤال الإجابة الكاملة ، فهل تؤدِّي الجامعة بهذه الطريقة رِسالتها ؟! لا ، ليْسَت العِبْرة في توحّد النتائج ، ولكنَّ العبرة في تطابق المقدِّمات مع النتائِج ، هناك بالجامعة مرتبة مقبول ، وهناك جيّد ، وهناك جيِّد جدًّا ، وهناك امْتِياز ، وهناك شرَف ، وهناك الراسب ، فالعظمة في تطابق المقدِّمات مع النتائِج ، هؤلاء الطلاب مختارون ، بعضهم يدرس ، وبعضهم لا يدرس ، بعضهم يؤثر أن يمضي عامه الدِراسي في النزهات والحفلات وأصحاب السوء ، وبعضهم يقبعُ في غرفته ، ويُطالعُ كتابه إلى أن يفْهمهُ ، فإذا دخَل في الامتحان تفوَّقَ فيه ، فلأنَّ الطُّلاب مختارون ، وكلّ طالبٍ جامعي مُخَيَّر في الدِّراسة أو عدمها جاءَتْ النتائج متفاوِتَة ، فالذي اختار الدِّراسة الجيِّدة نال علامةً جيِّدة ، والذي اختار أن ينْجحَ مقبولاً نال هذه الدَرجة ، والذي اختار عدم الدِّراسة رسَبَ ، فالاختلاف يعني الاختيار ، لولا أنَ هؤلاء العباد مختارون لما اختلفوا ، أما أنَّ الله سبحانه وتعالى لو شاء لسَلَبَهُم الاختيار فكانوا جميعًا في مستوى واحد حينما يأخذ نجَّار كبير تعهّدًا بِصُنْع ألف طاولة يشتري الخشب ويقطِّعه لِيَجْعلهُ طاولاتٍ ، هل تمْتنِعُ إحدى قطَع الخشَب أن تكون طاوِلَة ؟ هذه مادَّة والمادَّة لا خِيار لها ، لذلك تأتي كلّ طاولات متشابهة هذا يظهر في المعامل ، إنتاج المعامل كلّه متشابه ، فلو أنَّ الله سبحانه وتعالى سلَبَنَا حرِية الاختيار لما اختلفنا ؛ هناك مؤمن وكافر ومنافق وفاجر ، وملحد وعاص ، ومذنب ، وآخر محْسنٌ ومسيء ، وهذا يريد أن يكون عالمًا ، وهذا يحبّ أن يكون تاجرًا ، هذا يحبّ أن يكون ضابطًا وهذا يحبّ أن يكون صانعًا ، وهذا يحبّ أن يكون محْسنًا ، وهناك من يحب أن يؤذي الناس ، قال تعالى :

﴿ وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ ﴾

( سورة هود )

2 ـ هذه الآية أصلٌ في حريَّة الاختيار :

 هذه الآية أصلٌ في حريَّة الاختيار ، لولا أنّ الناس مختارون لما اختلفوا ، كيف أنَّ المواد التي تدخل المعْمل تخرج على هَيْئةٍ واحدة ، وعلى شَكلٍ واحد ، ولا فرْق بين قِطعةٍ وأخرى ، لأنَّ الحديد والخشب ليس لهُ حُريّة الاختيار ، أما الإنسان فمُختارٌ ، قال تعالى :

﴿ إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ(56)﴾

( سورة القصص )

 كلّ هذا العِلم ، وكلّ هذا الحِلْم ، وكلّ هذا الخُلق العظيم ، إنَك لا تهدي مَن أحْببْت ، ولكنَّ الله يهْدي من يشاء ، يعود فاعل يشاء على العِباد ، من شاء الهُدَى يهْتدي ، ومن شاء الضلالة ضلَّ ، قال تعالى :

 

﴿ فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا(8)﴾

( سورة الشمس )

 أيْ ألْهَمَها أنَّ هذا طريق الحق ، وأنّ هذا طريق الفُجور ، قال تعالى :

 

﴿ إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا(3)﴾

( سورة الإنسان )

 لو سَلَبَ الله سبحانه وتعالى حريَّة الاختيار لما كانت هناك جنَّة أو نار ، ولسقَطَ الوعد والوعيد ، ولسَقَط الثَّواب ، ولا فضْل للطائِع ، ولا إثم على العاصي ، لأنَّ الاختِيار قد سُلِبَ ولا مسؤوليَة ولا تَبِعَة ، ولكنَّ الله سبحانه وتعالى وهَبَنَا شيئًا لا يُقدَّر بِثَمن ؛حُريَّة الاختِيار ، ولكنَّ هذه الهِبَة العظيمة يُقابلها أنّنا نتحمَّل تَبِعَة الاختيار ، وهبَنَا حُرِيَة الاختيار ، وجعلنا نتحمَّل تَبِعَة الاختيار ، هنا المشكلة ! وهذه بِتِلْك ، فهذه المغانم بِتِلك المغارم ، قال تعالى :

 

﴿ وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً ﴾

( سورة هود )

3 ـ وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً

 على شاكلة واحدة ، وعلى طَبْعٍ واحد ، وعلى مَيْلٍ واحِدٍ ، وعلى هُدًى واحِد ، ولكنَّه لو فعَلَ هذا ، وجعلهم أمَة واحدة ، وسلبَهُم حُرِيَّة الاختيار ، وجعلها كالبِضاعة فَقَدَتْ هذه الأُمَّة سعادتها ، والإنسان يسْعَد بِعَمل طيِّبٍ فَعَلَهُ مُختارًا ، فإذا فَعَلَهُ قهرًا ، أو إكْراهًا عندئذٍ لا يسْعَدُ ، ولا فضْلَ له ويمتلأُ غَيظًا ، وضيقًا ، قال تعالى :

﴿ وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً ﴾

( سورة هود )

 ولكن لأنَّهم مختارون ، قال تعالى :

 

﴿ وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ ﴾

( سورة هود )

 القصْد من هذا الاختيار أن تأتيَ إلى الله تعالى طائعًا كي تسْعَدَ بِها القُرْب ، قال تعالى :

 

﴿ إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ ﴾

( سورة هود )

إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ

الله خلَق الخلق ليرحمهم :

 إلا أُناسًا تطابَقَ اختيارهم مع الهدف من خلْقِهم ، فَرَحِمهم الله سبحانه وتعالى ، وسَعِدوا بهذه الرَّحمة ، تطابق اختيارهم مع الهدف من خلْقِهم فرحمهم ، وتجلَّى عليهم ، قال تعالى :

﴿ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ ﴾

( سورة هود )

 من أجل هذه السعادة التي لا تنتهي خلقهم الله سبحانه وتعالى ، ومن أجل هذا القُرْب الذي لا يوصَف خلقهم الله سبحانه وتعالى ، بعض المفسِّرين يقول :

 

﴿ إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ ﴾

( سورة هود )

 خلقهم تعود على قوله تعالى :

 

﴿ وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ ﴾

( سورة هود )

 خلقهم لِيَختلفوا ‍، ولكنَّ التفسير الأوْجَه أنَه خلقهم ليرْحمهم ، أيْ لِيُسْعِدَهم .
 إذًا:

 

﴿ وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ(118)إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ ﴾

( سورة هود )

 خلقهم ليسعدهم ، أعطاهم حرية الاختيار ، فإذا اختاروا ما خلقهم الله له رحمهم الله عز وجل ، و حقَّقوا الهدف من خلقهم ، و إذا اختاروا خلاف ما أراد الله لهم ، قال تعالى :

 

﴿ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ ﴾

( سورة هود )

وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ

1 ـ الإنس والجن مكلَّفون :

 لماذا من الناس والجِنّة ، لأن الله سبحانه وتعالى عرض على صنف الجن والإنس الأمانة ، قال تعالى :

﴿ إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا(72)﴾

( سورة الأحزاب )

 و قال تعالى :

﴿ يا معشر الْجِنِّ وَالْإِنسِ إِنْ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانفُذُوا لَا تَنفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ(33)﴾

( سورة الرحمن )

 الإنس والجن مخاطَبون بحمل الأمانة ، قال تعالى :

 

[ سورة هود ]

 إن وافق اختيارك مراد الله رحمك الله ، و سعدت بقربه ، وإن لم يوافق فقال تعالى :

 

﴿ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ ﴾

( سورة هود )

2 ـ كلمة الله قانون نافذ :

 الكلمة القانون ، أي أن الله سبحانه و تعالى قوله الحق ، و قوله مبدأ ، فتمَّت كلمةُ الله أن يدفع كلُّ مَن أخذ حرية الاختيار تبعَةَ اختياره ، أي أن هذه الميِّزة بتلك المسؤولية ، قالب تعالى :

﴿ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ ﴾

( سورة هود )

 أي هؤلاء الذين لم يختاروا ما أراد الله لهم النار مأواهم ، قال تعالى :

 

﴿ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ ﴾

( سورة هود )

 قال تعالى :

 

﴿ وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ ﴾

( سورة هود )

وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ

القصص القرآنية لتثبيت قلب الإنسان :

 هذه القصص تُثَبِّت ، لذلك الإنسان قد يهتدي بآيةٍ كَوْنِيَة ، وقد يهْتدي بآيةٍ قرآنيَّة ، وقد يهتدي بِقِصَّة يسْمعها ، قال تعالى :

﴿ قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ ثُمَّ انظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ(11)﴾

( سورة الأنعام )

 وقال تعالى :

 

﴿ أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا لَا يَسْتَوُونَ(18)﴾

( سورة السجدة )

 قال تعالى :

 

﴿ أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ(21)﴾

( سورة الجاثية )

 تتبَّع حياة المستقيم ، اُنْظر إلى حياته ، اُنظر إلى سعادته وطمأنينتِهِ اُنْظر إلى اسْتِقراره ، اُنْظر إلى ثقَتِهِ بالله عز وجل ، وانْظر إلى غير المستقيم وإلى قلقه ، وإلى فُجوره وخوفِهِ وإلى ضَياعِهِ ، وإلى شَقائِهِ ، قال تعالى :

 

﴿ وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ وَجَاءَكَ فِي هَذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ ﴾

( سورة هود )

وَجَاءَكَ فِي هَذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ

1 ـ إياكم والقصص التي تثبط العزائم :

 الإنسان أحيانًا لا يروي قِصَّة تُثَبِّتُ العزائِم ، لا يرْوي قِصَّة فَحْواها ظلمٌ ، هذه القصَّة غير صحيحة ، لأنّ هذا الذي تظنّه قد ظُلِمَ لابدّ من حِكمةٍ بالغة ساقَت له هذا الظُّلْم ، فإذا روَيْتَ قِصَّة من دون تَمحيص ، ومن دون تدقيق ، ومن دون اسْتيعاب ، ومن دون إحاطة ماذا فعلْت ؟ أعطَيْتَ للناس درسًا على شَكل قِصَّة .
 إذا اسْتقَمْتَ على أمر الله فحْوى هذه القِصَّة ؛ سوف تموت من جوعِكَ ‍! إن لم تفْسُد مع الناس لا تعيشُ معهم ، هذه قِصَّة خطيرة ، يُقابلها إذا روَيْتَ قِصَّة أنَ الذي أطاع الله عز وجل أطاعه كلّ شيء ، وأنَّ الذي آثر ما عند الله أكْرمه الله بالدُّنيا والآخرة ، مثل هذه القصص ترْفعُ مَعْنوِيَات الإنسان ، وكفى بالمرء إثمًا أن يُحَدِّث بكُلّ ما سَمِع ، أحيانًا تجلس بِمَجلس ، وتقول : فلان الفلاني أخلاقه عالية ، وإيمان وتقوى ، وصلاح وورَع واسْتِقامة جاءتْهُ قصّة تُحَير العُقول ، القِصَّة ما مغْزاها ؟ أنت أسْبَغْتَ عليه صِفات مُبالغ بها ، جمعت التقوى إلى الورع إلى الحِلم إلى الاستقامة ... قد ظُلِمَ ظلمًا شديدًا ! فلا بدّ من حِكمةٍ إلهيّة عظيمة بليغة جَعَلَتْ هذه المصيبة تَصِلُ إليه ، لعلّ هذه المصيبة ردْعٌ أو قصْمٌ ، لعلّها دَفْعٌ أو رفْعٌ أو كَشْفٌ ، هذه أنواع المصيبة ، هناك مصيبة قَصْم ، الإنسان إلى شرّه مستطير .

2 ـ القصص القرآني تثبيت لقلب المؤمن المبتلَى :

 كلَّما عاشَ يومًا ارْتَكَبَ أعمالاً فضيعة ، هذا ربّنا سبحانه وتعالى قد يسوق له مصيبة قَصمٍ وينتهي ، وهناك مصيبة ردْعٍ ، فقد ينْحرف الإنسان فتأتيه مُصيبة لا يستطيعُ تَحَملها ، وهذا من أجل أن يُقْلِعَ عن هذه المعْصِيَة نِهائيًّا فهذه مصيبة ردْعٍ ، وقد يكون مستقيمًا ، ولكنَّه مقصِّر فتأتيه مصيبة دَفْعٍ إلى الأمام ، وقد يكون مستقيمًا وليس مقصِّرًا ، ولكن بإمكانه أن يرقى إلى مرتبةٍ علِيَّة ، فيبْتَليهِ ببَعْض المصائب فإذا صبَرَ عليها ارْتقى ، وهذه للصِّديقين ، وأما الأنبياء فمصائِبُهم من نوْع الكَشْف ، لا تُكْشفُ حقيقتهم ، ولا يبْدو ما يَنْطَوُون عليه من كمالٍ رفيع إلا بِبَعْض الظُّروف الحَرجَة ، لذلك عَنْ فَاطِمَةَ أَنَّهَا قَالَتْ :

(( أَتَيْنَا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَعُودُهُ فِي نِسَاءٍ ، فَإِذَا سِقَاءٌ مُعَلَّقٌ نَحْوَهُ يَقْطُرُ مَاؤُهُ عَلَيْهِ مِنْ شِدَّةِ مَا يَجِدُ مِنْ حَرِّ الْحُمَّى ، قُلْنَا : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، لَوْ دَعَوْتَ اللَّهَ فَشَفَاكَ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِنَّ مِنْ أَشَدِّ النَّاسِ بَلَاءً الْأَنْبِيَاءَ ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ))

[رواه أحمد]

 فالقِصَّة خطيرة جدًا ، إن كنت غير مَدروسة وسَمِعتها ونقَلْتها لا تنسَ هذا الحديث الشريف ، عَنْ حَفْصِ بْنِ عَاصِمٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :

(( كَفَى بِالْمَرْءِ كَذِبًا أَنْ يُحَدِّثَ بِكُلِّ مَا سَمِعَ ))

[رواه مسلم]

 أحيانًا يقرأ الواحد قِصَّة بِمَجَلَّة ، أحدهم ذهب عند بيتِ صديقه فَوَجَدَهُ مَقْتولاً ، فخَرَجَ مذْعورًا ، والجار الذي يسْكن اتِّجاهَ هذا البيت يعْمَلُ في سِلْك الشُّرْطة ، فرآهُ خارجًا مذْعورًا ، فألْقى القبْض عليه فَوَجَدَ إنسانًا مَقْتولاً ! فساقَهُ إلى السِّجْن وحُوكِمَ ، وحكمَتْ عليه المحْكمة بِعِشْرين أو ثلاثين عامًا سِجْنًا !! تقول : سبحان الله !! هذا بريء ، لو سألتَ هذا الذي حُكِمَ عليه خطأً ؛ أَفَعَلْتَ شيئًا تسْتحقّ عليه الحُكم القاسي ؟! يقول : إي وربِّي ، فالقِصَّة إذا رَوَيْتَها من دون أن تعلمَ خَلْفِيَّتَها وملابساتها وفُصولها كلّها ، تكون كمن أضلل الناس ، فالقِصَّة إما أن تهديهم بها ، وإما أن تضِلَّهم بها ، لا تروِ قِصَّة لا تعرف كلّ فُصولها ، لا ترْوي قِصَّة لا تعرف حِكمة الله منها ، لا ترْوِي قِصَّة يبْدو لك مِن أحداثها أنَّ منطقها مُخالفٌ لِما جاء به القرآن ، قلْ : لا أعْلم ، أما إذا كان عندك قِصَّة تثْبتُ آيةً ، قال تعالى :

 

﴿ مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ(97)﴾

( سورة النحل )

 إن كان عندك قصَّة تؤكِّد هذه الآية ، وإن كان عندك قصَّة تؤكِّد قوله تعالى :

 

﴿ وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى(124)﴾

( سورة طه )

احذروا مخالفة الشرع :

 حدَّثني اليوم إنسان ، وقال لي : لي أخٌ غير منضَبِطٌ بِقَواعِدِ الدِّين ، فكان يزور أصدِقاءهُ ، ويطلب إليهم أن تكون هذه السَّهرة مختَلِطَة ، فإذا زاروهُ في بيتِهِ أمرَ زوْجته أن تبْرُزَ إليهم ، الشيء الذي حصَلَ أنَّ أحدَ أصْدِقائِهِ أُعْجِبَ بِزَوْجَتِهِ ، ونشأَتْ علاقة بينهما غير مَشْروعة ، انْتَهَتْ إلى الطَّلاق وضَياع أربعة أولاد !! هذا هو جزاء المخالفة ، فهذه القِصَّة تُرْوَى لأنَّها تؤكِّد أنَّ هذا الشَّرْع من عند الله تعالى ، وأنّ كلّ من خالفهُ دفَعَ الثَّمَن باهِظًا في حياته ، وكاد قلبهُ يحْترِق ، وكاد قلبهُ يُصْعَق من هذه الزَّوجة الخائنة ، فهذا جاهل ، ولكن حينما سمَح لِنَفسِهِ أن يزور أصدِقاءهُ على شَكل اختِلاط ، وحينما زارهُ أصْدِقاءهُ ، وأمر زوجته أن تبْرُزَ إليهم كان ما كان !!

3 ـ القصة أداة خطيرة :

 القِصَّة أداة خطيرة ؛ إما أن تُهدِم بها الحق ، وإما أن تبْنِيَ بها الحق ، فَقصَّة لا تعرف ملابساتها ، لا ترْوِها ، وقل : الله أعلم ، ولله حِكمة بالغة ، أحيانًا تجد الناس مُغْرَمون بأن يُظْهروا لك شخْصًا مستقيما استقامة تامَّة ، وطاهراً ، وإذا بِمُصيبة تأتيه فوق تَحَمّله ! ويقْصِدون أنَّه لا إله يعينه !!! الله عز وجل هو الحقّ ، وهذه القصَّة خِلاف الحقّ ، من أسماء الله تعالى أنَّه حق وعادل ، فلذلك ربّنا عز وجل قال :

﴿ وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ وَجَاءَكَ فِي هَذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ ﴾

( سورة هود )

 قال تعالى :

 

﴿ وَقُلْ لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنَّا عَامِلُونَ ﴾

( سورة هود )

وَقُلْ لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنَّا عَامِلُونَ

1 ـ أعمال الإنسان تجسِّد مكانته عند الله :

 كلّ إنسان له مكانة عند الله ، أعماله تجْسيد لها ، وتنفيذ لها ، وتَحقيق لها ، فالمؤمن أعماله كلّها تؤكِّدُ إيمانه ، اسْتِقامته ونزاهته ، وإخلاصه وأمانته ، وحبّه للخير ، وبذْلُهُ وتَضْحِيَتُه ، هذه مكانتهُ ، وهذا حالهُ ؛ حالُ العبْد المتواضِع وحال العَبْد المفْتَقِر ، وحال العبْد المُحِبِّ لله عز وجل أعماله تؤكِد أفعاله ، وأعماله وَجهٌ آخر لأحواله ، أحواله وجه ، وأعماله وجه آخر والكافر أعماله كلّها تؤكِّد دناءتَهُ ، تؤكِدُ أنانيَّتَهُ ، وتؤكّد جهْلهُ وتؤكِّد حبَّه لِذاتِه ، أعماله تجسِّد انْحِرافهُ النَّفسي ، قال تعالى :

﴿ وَقُلْ لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ ﴾

( سورة هود )

2 ـ ليس للمنحرف مكانة رفيعة عند الله :

 أنتم لن تستطيعوا أن تفعلوا إلا شيئًا يُجَسِّد نفْسِيَّتكم ، فالكافر لن يستطيع أن يكون مخلصًا ولا طاهرًا ، ولا مخلصًا لأنَّ مكانته الانحراف ، وبُعْدُه عن الله سبحانه وتعالى جَعَلَ مكانتهُ عند الله منحرفة ، وأعماله تَجسيد لانْحِرافه النّفسي .
 قال تعالى :

﴿ وَقُلْ لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ ﴾

( سورة هود )

 كلّ إنسان ينتظر من إنسان غير مؤمن الإنصاف ، أو الرَحمة ، أو المساعدة ، والإحسان ، فهو لا يعرف هذه الآية ، قال تعالى :

 

﴿ وَقُلْ لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنَّا عَامِلُونَ ﴾

( سورة هود )

 ونحن أيُّها المؤمنون نعملُ على مكانتنا ، ولم يخْرجَ مِنَّا إلا الخير ، ولن نتعاملَ مع الناس إلا بالحقّ ، ولن نأخذ شيئًا ليس لنا ، ولن نسْتَعْلِيَ على خلق الله ، ولن نبْنِيَ مَجْدنا على أنقاض الآخرين ، ولن نفعلَ شيئًا يُغْضِبُ الله عز وجل ، أما الشيء الذي يأخذ بالألباب ، قوله تعالى :

 

﴿ وَانتَظِرُوا إِنَّا مُنتَظِرُونَ ﴾

( سورة هود )

وَانتَظِرُوا إِنَّا مُنتَظِرُونَ

1 ـ ماذا تنتظرون ؟

 أنتم ماذا تنتظرون ؟ ماذا ينتظر أحدكم من الدُّنيا ؟ هؤلاء المعرضون ماذا ينتظرون ؟ غِنًى مطغِيًا أو فقْرًا منسِيًا ، أو مرضًا مفْسِدًا ، أو هرمًا مفنِّدًا ، أو موتًا مجْهِزًا ، أو الدَّجال فَشَرُّ غائبٍ يُنْتَظر ، أو الساعة والساعة أدْهى وأمرّ !!! ماذا ينتظر المؤمنين ؟ توفيق الله ، ورِضْوان الله سبحانه وتعالى ، والتَّقَلّب في رحمة الله ، والطمأنينة ، والرِّضا ، والسعادة ، الحبّ ، والإكرام ، قال تعالى :

﴿ وَانتَظِرُوا إِنَّا مُنتَظِرُونَ ﴾

( سورة هود )

2 ـ كلّ إنسان ينتظر نتيجة عمله :

 إذا طمح طالب أن يكون الأوَّل على القطر ، قدَّم الامتحان ، وطالب كَسول قدَّم الامتحان ، بين انتِهاء الامتحان ، وإعلان النتائِج ، هناك فاصِل زمني ، ثلاثون يومًا مثلاً ، هذا ينتظر وهذا ينتظر ، هذا ينتظر نبأ إحراز الدَّرجة الأولى ، واسْتَحَقَّ تَكريم الحكومة ، وذاك ينتظر الرُّسوب واشْمِئزاز الناس منه ، قال تعالى

﴿ وَانتَظِرُوا إِنَّا مُنتَظِرُونَ ﴾

( سورة هود )

 وقال تعالى :

 

﴿ قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلْ الْمُؤْمِنُونَ(51)﴾

( سورة التوبة )

 فيا أيّها المؤمنون انْتظروا الخير وكلّ الخير ، في الدنيا والآخرة ، ويا أيّها الذين عَصَوا ربَّهم لا تنتظروا - إن أصْررْتُم على المعصِيَة - إلا كلّ خبرٍ مؤْلِم ، وكلّ خبرٍ سيئ ، غِنًى مطغِيًا أو فقْرًا منسِيًا ، أو مرضًا مفْسِدًا ، أو هرمًا مفنِّدًا ، أو موتًا مجْهِزًا ، أو الدَّجال فَشَرُّ غائبٍ يُنْتَظر ، أو الساعة والساعة أدْهى وأمرّ !!!
 هنيئًا للمؤمن فهو ينتظر الخير ، في كل مراحل الحياة ، في الدنيا قبل الآخرة ، والويل للكافر ينتظر المصيبة تلْو المصيبة ، قال تعالى :

 

﴿ وَلَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُمْ بِمَا صَنَعُوا قَارِعَةٌ أَوْ تَحُلُّ قَرِيبًا مِنْ دَارِهِمْ حَتَّى يَأْتِيَ وَعْدُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ(31)﴾

(سورة الرعد)

 من بلْوى إلى أخرى ، ومن ضيقٍ إلى خوف ، ومن مرض إلى فقْر وهذا العذاب الصُّعد .
 قال تعالى :

 

﴿ وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ﴾

( سورة هود )

وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ

 ما سيكون غَيب ، ما مضى فات ، والمؤمَّل غيب ، ولك الساعة التي أنت فيها ، قال تعالى :

﴿ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ ﴾

( سورة هود )

وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ

1 ـ الأمور كلها بيد الله :

 ما من عثرة ، ولا اختلاج عِرْق ، ولا خدْش عود ، إلا بما قدَّمَت أيديكم الأمر كلّه ؛ أمْر زوجتك ومركبتك ، وأمر من هم فوقك ، ومن هم دونك ، وأمْر رِزقك ، وأمر خوفك وسعادتك الأمر كلّه ، يَنطوي تحت هذه الآية مليون بنْد ! بل أكثر ، آلة فيها قطعة كُسِرَتْ ! إليه يرجع الأمر كلّه ، تعطَّلْت أسبوعَين ؛ إليه يرجع الأمر كلّه ، حادِث ؛ إليه يرجع الأمر كلّه ، عبدي ، كن لي كما أريد أكن لك كما تريد ، كن لي كما تريد ولا تعْلِمني بما يُصْلِحُك ، أنت تريد وأنا أريد فإذا سلَّمت لي فيما أريد كفَيْتُك ما تريد ، وإن لم تُسَلِّم لي فيما أريد أتْعَبْتُكَ فيما تريد ثمَّ لا يكون إلا ما أريد ، قال تعالى :

﴿ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ ﴾

( سورة هود )

 أي وحدهُ ، قال تعالى :

﴿ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ ﴾

( سورة هود )

 قال تعالى :

 

﴿ وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ(84)﴾

(سورة الزخرف)

 قال تعالى :

 

﴿ وَقَالَ اللَّهُ لَا تَتَّخِذُوا إِلَهَيْنِ اثْنَيْنِ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ(51)﴾

(سورة النحل)

 لا إله إلا الله ، قال تعالى :

 

﴿ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ ﴾

( سورة هود )

2 ـ التوكل على الله وحده :

 قال تعالى :

﴿ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ(79)﴾

(سورة النمل)

 إذا أردْت أن تكون أقْوى الناس فَتَوَكَّل على الله ، ولا يعرف حال المُتَوَكِّل إلا المُتَوَكَّل ، فهو لا يخاف في الله لَوْمة لائِم ، لأنّ الله تعالى معه ، قال تعالى :

 

﴿ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ ﴾

( سورة هود )

3 ـ الله لا يغفل عن عمل العباد جميعهم :

 لا يغْفلُ عن عملك ، قد تفْتَعِلُ شيئًا لِتَحقيق شَهْوةٍ ، لا يغْفَلُ عن هذا العمل ، وتفْتَعِلُ شيئًا لِترْوي شهوتك ، فالله لا يغفل عنه ، وقد تُسَبِّب الأذى للإنسان من دون أن تكون مسؤولاً قد نفعلُ شيئًا ، ولا تُحاسب عليه في الدنيا ، ولكنّ هذا الشيء سبَّب الأذى ، قال تعالى :

﴿ وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ ﴾

( سورة هود )

 لو وقفنا عند هذه الآية لكَفَتنا ، قال تعالى :

 

﴿ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ ﴾

( سورة هود )

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018