الدرس : 12 - سورة هود - تفسير الآيات 87 – 95 - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الدرس : 12 - سورة هود - تفسير الآيات 87 – 95


1986-04-04

 الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا ، إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علِّمنا ما ينْفعنا ، وانْفعنا بِما علَّمتنا ، وزِدْنا عِلما ، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه ، وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه ، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه ، وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين .
 أيها الإخوة المؤمنون ، وصلنا في الدرس الماضي إلى قوله تعالى :

﴿ قَالُوا يَا شُعَيْبُ أَصَلَاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ ﴾

( سورة هود )

قَالُوا يَا شُعَيْبُ أَصَلَاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ

1 ـ معارضة قوم شعيب لنبيهم :

 قوم شعيب الذين كذَّبوه وعارضوه ، وردُّوا الحق الذي جاء به ، قال تعالى :

 

﴿ قَالُوا يَا شُعَيْبُ أَصَلَاتُكَ ﴾

( سورة هود )

 يذكر بعض المفسِّرين أنَّ سيّدنا شعيبًا عليه وعلى نبيّنا أفضل الصلاة والسلام كان كثير الصلاة ، فالذي بدا لهم من هذا النبي الكريم الصلاة ، أو كثرة الصلاة ، فلما جاءهم بمنهج ربَّاني يأمرهم وينهاهم عارضوه .

 

الشهوات بين الطريق الصحيح والقنوات المنحرفة :

 كلّ منهج إلهي فيه أوامر ، وفيه نواهٍ ، وقد جعل الله النفس البشريّة نزاعة إلى الشهوات ، منقادة إليها ، مائلة إلى الهوى ، كما أنه فطرها على حب الخير ، فلا بد إذاً من المكابرة ، فإذا طبَّقت هذا المنهج الرباني فإنَّها تأخذ من هذه الشهوات الشيء المسموح به ، وتدعُ ما نهى الله عنه ، وأيّة شهوة أودعها الله فينا إلا وجعل لها قناةً نظيفة شرعيّة ، نظيفة صحيحة فيسعد الإنسان بها ، ويشكر ربّه عليها ، كما أنَّ للشهوات قنوات قذرة ومنحرفة مؤذيةٌ قد تؤذيك ، فما من شهوة أودعها الله في الإنسان إلا وجعل لها قناة نظيفة ومشروعة ومعزّزة ومبجّلة ومكرّمة ، وما من شهوة أودعها الله في الإنسان إلا ولها طريق قذرة قد يتزوّج الإنسان امرأة وتحمل هذه المرأة فيفرح الزّوج ، ويفرح الأهل وينتظر هؤلاء جميعًا المولود القادم ، و يُعِدُّون له السرير والمهاد ، كما يُعِدُّون له كلّ حاجاته ، يأتي المولود ، ويأتي المهنئون ويقدّمون الهدايا ، وتكون لدى الأهل أفراح ، أما إذا جاء مولود من طريق غير مشروع ، فإما أن يوضع في حاوية القمامة ، وإما أن يوضع على أبواب البيوت ، أو على قارعة الطريق ، أو الحديقة ، وهذا هو الطريق غير المشروع ، فبِالطريق المشروع تتزوَّج ، فإذا تقدَّمَت السِنّ بالزَّوجة صارَتْ جدَّةً أحبَّها أحفادها ، وأقبلوا عليها ، وأكرموها وخدموها ، فإذا تقدَّمت بها السنّ أيضًا صار أولادها شبابًا ، وأحفادها شبابًا ، وكانت موضع احتِرام وتبجيل ، وإكرام ، فإذا اختطَّت امرأة طريق الزنا في شبابها ، فماذا فيها مسْحة من جمال أقبل المنحرفون عليها ، فلما ذوى جمالها نبذت كنواةٍ في عرض الطريق ، لا كرامة ولا سلامة ، بل حياة ازدراء ، فهذا طريق الزواج ، وذاك طريق الفاحشة والخفاء ، وكذلك الحال بالنسبة للمال ، فإما أن تكسبه عن طريق مشروع تسْعدُ به ، وتُحصِّن به نفسكَ ، وتكفي عِيالك ، وتتقرّب به إلى ربّك ، وإما أن يؤخذ من طريق غير مشروع فيتْلفُ ، ويُتْلِفُ صاحبه !
 فالله سبحانه وتعالى رسمَ للإنسان منهجًا فيه أوامر وفيه نواهٍ ، مبدئيًّا هذا المنهج لا يحْرم الإنسان شيئًا إلا أنَّه يُحِلّ لهم الطيّبات ، ويحرِّمُ عليهم الخبائث ، ويضع عنهم إصرهم ، والأغلال التي كانت عليهم ، أغلال الشّهوات وهذه القيود التي تُقيِّد الإنسان ، وهذه الشّهوات التي تُذِلُّه وترْديه ، وتهلكُه أما المنهج الرباني فيرسُم لك الطريق الصحيح ، لذلك ربنا سبحانه وتعالى يقول :

 

﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا ﴾

( سورة البقرة )

 لو أنَّ إنسانًا يسكن في بيتٍ قديم ، وهو صفر اليدين ، وفقير مُعْوِز ، وتحت هذا البيت كنزٌ عظيم ، لو استخرجهُ لأغناه إلى أولاد أولاده ، ولكنَّه لا يدري ! بوجود هذا الكنز ، فإنْ رأى ورقةً فيها إشارةً إلى هذا الكنْز ؛ أيُّهما أثمنُ هذا الكنز أم تلك الورقة ؟ الجواب تلك الورقة ، لأنَّه لولا هذه الورقة ما عرف الكنز هو فوق الكنز ، وهو لا يدري ، ولكنّ هذه الورقة نبّهتْهُ إلى هذا الكنز فَسَعِدَ به كذلك فما قيمة الحكمة إذاً ؟ الحكمة أثْمن من الدنيا بِأكملها ، لأنَّه بالحكمة تعرف كيف يعيش في الدنيا ؟ وبالحكمة تعرَّف إلى الله سبحانه وتعالى ، وبالحكمة يستقيم على أمره ، وبالحكمة تعرف إلى أثْمنَ ما في الدنيا وهو العمل الصالح ، وبالحكمة يصل إلى مصدر السعادة ، وبالحكمة يسْعدُ إلى الأبد ، فهل الحكمة أثْمنُ أم هذه الدنيا ؟!! الحكمة أثْمنُ من الدنيا .
 قال تعالى :

 

﴿ قَالُوا يَا شُعَيْبُ أَصَلَاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا ﴾

( سورة هود )

2 ـ اعتراض السفهاء في كل زمان ومكان :

 وهذا القول نسْمعه في كلّ زمانٍ ومكان ، يقول لك أحدهم : أدينُكَ يأمرنا ألا نسْتغِلَّ أموالنا ؟! تصور هل أقرض شخصاً مبلغاً ثم استرده كما قدَّمته ؟ أمجنون أنا ؟!!! هذا مال لا بدّ من اسْتثماره فإن أقرضتُه أحداً كان عليّ أن آخذ فائدته ! قال تعالى :

﴿ قَالُوا يَا شُعَيْبُ أَصَلَاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا ﴾

( سورة هود )

 هكذا تريد ! أدينُك يريد أن تفرَّق الأسرة إلى فريقين ؛ نساء ورِجال ! هم يحِبُّون الاختلاط ، أَدِينُكَ يأمرنا أنْ ندعَ هذه التقاليد وذاك التراث ؟ لذلك الكفار هم الكفار في كلّ زمان ومكان ، ويرَوْن في الدِّين قيودًا ، مع أنَّ الدِّين حدود ، فإذا كنتَ تمشي في حقلٍ ، وقرأتَ لائحة كُتِبَ عليها : ممنوع تجاوز هذه اللوحة ، فالحقل حقل ألغام ، بِماذا تُحِسّ في نفسك ؟ أتُحِسّ أنَّ هذه اللوحة فيها تقييد لِحُريّتك ، وحدّ من حركتك ، أتُحِسّ أنّ هذه اللواحة فيها ظلم لك ، أم تحسّ إن هذه اللَّوحة ضمان لِسَلامتك ، وحدّ للخطر ، وإن رأيْتَ عمودًا كهربائيًّا عليه توتر عالٍ ، وكتِب عليه : خطر الموت ، ألا ترى أنَّ هذه اللوحة فيها رحمة لك ؟ رحمة تنبّهك إلى خطر مُميت ، وتحذرك منه قال تعالى :

 

﴿ قَالُوا يَا شُعَيْبُ أَصَلَاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا ﴾

( سورة هود )

3 ـ العادات السيئة منبوذة :

 هؤلاء المتعلّقون بالتراث ، المتعلِّقون بالتقاليد ، المتعلقون بالعادات ، ولو أنَّها غير صحيحة يسيرون وراء كل ناعق ، سمعتُ أنَّ بعض من الناس إن جاءهم رجل من البادية لِيَبيعهم صوفًا بيْعًا سَلَمًا ، أي مُقدَّمًا يشترونه منه بأرخص الأثمان ، فقد قال لي أحدهم : هكذا ألفنا ! وهكذا كان أجدادنا !! صوف هذا البدوي ثمنه مائة ألف ليرة ، تشترونه منه بخمسين ألف ليرة ، من أجل أنَّه محتاجٌ لِثَمن العلف ، أتسْتغِلُّون حاجته إلى هذا الحدّ البشِع ؟ هذا أشدّ أنواع الربا ‍يقولون لك : هكذا ألفنا منذ زمن آبائنا ، وهكذا اعتدنا أن نشتري الصوف !! كلّ إنسان له عادات وتقاليد ، وله أشياء ألِفَها خلاف الحق فهي منبوذة ، فمِن العادات السيّئة أن يجلس العروسان على مِنَصَّة مرتفعة جنبا إلى جنب ، وأمامه حشْدٌ كبير من النساء المدعوات بأبهى زينة ! أأنْت مسلم ؟ أهذا هو الإسلام ؟ يقول لك : هكذا العادات ، وهكذا نشأنا ، وهكذا فعل ابن عمي وابن خالي وجاري ، وإن لم أفعل هذا أُتّهم أنِّي ناقص ومتخلّف ، تستحي بي زوجتي أمام الدعوات ، هذا الذي يتعلّق بالتقاليد ، وما توارثه الناس إن كان مُخالفًا للحق فليس في قلبه ذرَّة من إيمان ، قال تعالى :

﴿ قَالُوا يَا شُعَيْبُ أَصَلَاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا ﴾

( سورة هود )

 قال تعالى :

﴿ أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ ﴾

( سورة هود )

4 ـ الأموال خاضعة للشرع في التعامل :

 الربا مُحرَّم ، بيع التقسيط إذا كان الثَّمن قد زاد عن الثمن الذي تبيع فيه البضاعة نقدًا فهذا أيضًا حرام ، يقول لك التاجر : كيف تُريدني أن أبيع هذه الحاجة لأجلٍ ، وأقبض ثمنها كما لو بعتها نقدًا ؟ أمجنون أنا ؟! قال تعالى :

﴿ قَالُوا يَا شُعَيْبُ أَصَلَاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ ﴾

( سورة هود )

5 ـ إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ

 بعضهم قال : يبْدو أنَّ هذا النبي العظيم كان على خُلُقٍ عظيم ، ومجاراته شيء لا نقدر عليه ، هذا الذي قاله يعني أنه ملتصق بالدين والخلق ، والأنبياء كلهم كانوا كذلك ، ولا من السير على نهجهم ، فهم القدوة وهم سفراء العناية الإلهيّة ، هم سفراء وحي السماء ، والأنبياء قِمم في الأخلاق ، ولا بدّ أن يكون النبي هكذا ، لأنَّه يمثّل الكمال الإلهي ، وأيَّة قصَّة ، وأيّ خبرٍ ، وأيّ كتابٍ ، وأيّ تفسير يقْدح في كمالهم ، أو يجعلهم كعامَّة الناس أو يجعل همَّهم النِّساء ، كما قال بنو إسرائيل عن سيّدنا داود ، أيّ كتاب أو أي تفسير ، أو أية قصّة أو أية رواية تقدحُ في كمالهم ، وتقدح في طهرهم وفي عفافهم ، وفي إخلاصهم وفي رِفْعتهم فهذا افتراء وضلال ، قال تعالى :

﴿ أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ ﴾

( سورة هود )

 لسْتَ حُرًّا حرية متجاوز فيها حدود الدين الحنيف أيُّها الأخ الكريم ، فإن هناك علاقات ماليّة محرَّمة ، علاقة الربا محرَّمة ، كلّ قرْضٍ جرَّ نفعًا فهو ربا ، البيع لأجل يجب أن يكون يالسِّعْر الذي تبيع فيه البضاعة نقْدًا وإلا وقعْت في الحرمة ، والقرض كذلك يجب أن يكون قرضه خالصًا لوجه الله عز وجل ، وحسمُ السَّندات يوقِعُ الإنسان في الربا ؛ أن تقبض مبلغًا حالاًّ أقلّ من قيمته الآجلة ؛ هذا كلّه محرَّم ، لذا قال سيّدنا عمر : << تفقَّهوا قبل أن تدخلوا الأسواق >> ، لأن مئات العلاقات المشبوهة ، ومئات العلاقات المحرَّمة هذه كلّها تُتْلِفُ المال قال تعالى :

 

﴿ إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ ﴾

( سورة هود )

6 ـ قوم شعيب أردوا الحرية في أموالهم :

 يبدو أنّ سيّدنا شعيبًا كان في نظر قومه ـ وهو كذلك ـ حليم رشيد ، وهذا هو المعنى الأول ، أيْ أنت يا شُعيب نعْهَدُكَ حليمًا رشيدًا ، فكيف تأمرنا أن نُجمِّد أموالنا ؟ وألا نستفيد منها؟ وإذا أقرضناها أحداً أفلا نستفيد من إقراضها ؟ وكيف تأمرنا أن نبيع شيئًا مؤجَّلاً بِسِعر المعجّل ؟! قال تعالى :

﴿ إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ ﴾

( سورة هود )

 لذلك بعض أوامر الله عز وجل تبدو عند بعض الناس غريبة ، فعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ : ابْتَعْتُ زَيْتًا فِي السُّوقِ ، فَلَمَّا اسْتَوْجَبْتُهُ لِنَفْسِي لَقِيَنِي رَجُلٌ فَأَعْطَانِي بِهِ رِبْحًا حَسَنًا ، فَأَرَدْتُ أَنْ أَضْرِبَ عَلَى يَدِهِ فَأَخَذَ رَجُلٌ مِنْ خَلْفِي بِذِرَاعِي ، فَالْتَفَتُّ فَإِذَا زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ فَقَالَ :

(( لَا تَبِعْهُ حَيْثُ ابْتَعْتَهُ حَتَّى تَحُوزَهُ إِلَى رَحْلِكَ ، فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى أَنْ تُبَاعَ السِّلَعُ حَيْثُ تُبْتَاعُ حَتَّى يَحُوزَهَا التُّجَّارُ إِلَى رِحَالِهِمْ ))

[ رواه داود ]

 هناك نهْيٌ نبوي من أن تبيع البضاعة قبل أن تصل إلى مستودعاتك ، وإلا وقعْت في المضاربة ، والمضاربة بيعٌ وهمي من شأنه أن يرفع الأسعار دون أن يستفيد الناس شيئًا ، فالمضاربة أن تشتري شيئًا تبيعه ، وتشتريه عشرات المرات ، وهو هو ، أنت ربحتَ أموالاً طائلة ، فماذا قدَّمْت لهذا المجتمع ؟! هذا الذي صنعَ بابًا قدّم خِدمةً ، وهذا الذي خاط لك ثوبا قدَّم لك هذا الثوب ، هذا الذي زرع أرضه قدَّم لك خدمةً ، وهذا الذي قدَّم لك حاجةً من صنعه قدَّم لك خدمةً ، أما هذا الذي باع واشترى والبضاعة هي هي فما الخدمة التي قدّمها ؟ هذا إذاً الذي أهلك البشريّة الآن ؟
 المضاربات العالمية ، كذا ألف طن من البنّ في مستودعاتها في البرازيل تُباع وتشترى ، من جهة إلى جهة وهي هي في مستودعها !! هؤلاء الذين ربحوا ماذا فعلوا ؟ ما كلّفتهم إلا مكالمة هاتفيّة أو برقيّة أو تلكس ، وجاءه جواب فاشترى ، أو عرض فباع ، والبضاعة في مكانها هي هيَ ،

(( لَا تَبِعْهُ حَيْثُ ابْتَعْتَهُ حَتَّى تَحُوزَهُ إِلَى رَحْلِكَ ))

[ رواه داود ]

 إذا نقلت البضاعة إلى مستودعاتك فأنت جادّ في خدمة مجتمعك ، إذا طرحت هذه السِّلعة حللْتَ بها مشكلات الناس ، وفَّرْت الحاجات ، وخفضْت الأسعار ، أما إذا بعْت واشْتريْت ، ولم تفعل شيئًا فهذا سُلوكٌ تجاري يُسبِّب متاعب تُصيب الناس جميعًا ، لذلك قال تعالى :

﴿ أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ ﴾

( سورة هود )

 لا يجوز بيْعُ المعدوم ، بيتٌ في الهواء تشتريه ، من الذي يضمن لك أن تصل البناية إلى الطابق الخامس ؟ دفعْت مالك الذي هو عصارة جهدك ، فماذا فعلت بنفسك ؟ إن الذي وقَّعتَ معه العقد غادرَ البلاد ، وبقيَتْ حُقوق العباد معلَّقة فالبيوع دقيقة جدًّا فبيع المعدوم منهيّ عنه ، ونهى الشارع عن بيع التمر حتى يشتد ، وعن بيع العنب حتى يسْودّ ، ونهى الشارع أيضاً عن بيع الثمر حتى يبْدُوَ صلاحُه ، نهى تلقِّي الركبان ، أكثر من أربعين أو خمسين علاقة في البيع محرَّمة ، وهذه كلّها تُسَبِّب متاعب للمجتمع ومنازعات خطيرة ، لذلك ينبغي أن تفعل في مالك كما يشاء الله لا كما تشاء أنت .
 هناك علاقات محرَّمة ؛ تشتري بيتًا ، وتشتري حِصَّة من بيت ، وتؤدي أجرة بيت تسكنه وتسترد منه بعد حينٍ المبلغ ذاته مقابل إخلائك البيت ، وإن أصابّ هذا البيت الذي اتبعته ، أو استأجرته تلف ، أو وقع تحت تنظيم معيَّن تقول : لا أعترف ، أريد حقي ، وأنا أُطالبك بالمبلغ الذي أديتهُ لك ، ولا أحسم منه شيئًا ، فهذا هو الربا تحت اسم الإيجار ! أدّيتَ ثمنًا وأخذت أجرةً ، والثمن مضمون وما دام الثَّمن مضمونًا فهذه علاقة رَبَوِيَّة ودِرهم ربا أشدّ عند الله من ستّ وثلاثين زنيةً في الإسلام !!! لأنَّ المال بالربا يصبح دُولةً بين الأغنياء فقط ، و الأموال تتجمَّع بأيْدٍ قليلة ، ويصبح المجتمع بِطَبقتين ؛ طبقة مترفةٍ تحارُ في صرْف المال ، وطبقة مدقعة تحار في كسب الرِّزق ! كلّ هذا عن طريق الربا والفوائد ، المركّبة والبسيطة ، فآية :

 

﴿ أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ ﴾

( سورة هود )

 هذه آية دقيقة جدًّا ، لسْتَ حُرًّا أن تفعل في مالك ما تشاء ، أنت عبدٌ ، والعبدُ مُقَيَّد بيَدِ سيِّده ، وهذه العلاقة حرام ، وهذه تجوز ، وتلك لا تجوز ، وهذه العلاقة صحيحة ، وتلك باطلة .
 قال تعالى :

 

﴿ قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي ﴾

( سورة هود )

قَالَ يَاقَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي

1 ـ المؤمن على بينة من ربه :

 في الحقيقة إن المؤمن اقْتِداءً بالنبي العظيم إنما هو على بيِّنة من ربِّه ، قال تعالى :

﴿ قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ ﴾

(سورة يوسف : من الآية 108 )

 الأمور واضحة جدًّا ، والعلاقات واضحة ، والحرام واضح بيِّنٌ ، وكذا الحلال ، وطريق الحق واضح ، وطريق الباطل واضح وطريق الجنّة واضح ، وطريق جهنّم واضح ، وطريق السعادة مستبين وطريق الشقاء واضح ، لذلك تركتكم على بيضاء نقيّة ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك ، قال تعالى :

 

﴿ قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي ﴾

( سورة هود )

 نحن على بيِّنة إن شاء الله ، ما دام هذا الكتاب بين أظهرنا ، وما دُمنا نقرأُهُ ، وما دمنا نُطَبِّقُهُ ، فنحن على بيِّنة ، وشتَّان بين من هو على بيّنة ، وبين من هو في ضلال مبين !! قال تعالى :

 

﴿ َفَمَنْ يَمْشِي مُكِبًّا عَلَى وَجْهِهِ أَهْدَى أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيًّا عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ(22)﴾

( سورة الملك )

 قال تعالى :

 

﴿ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُوا الْأَلْبَابِ(9)﴾

(سورة الزمر )

 قال تعالى :

 

﴿ أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا لَا يَسْتَوُونَ(18)﴾

( سورة السجدة )

 قال تعالى :

 

﴿أَفَمَنْ وَعَدْنَاهُ وَعْدًا حَسَنًا فَهُوَ لَاقِيهِ كَمَنْ مَتَّعْنَاهُ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ الْمُحْضَرِينَ(61)﴾

( سورة القصص )

 قال تعالى :

 

﴿ قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقًا حَسَنًا ﴾

( سورة هود )

معنى : وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقًا حَسَنًا

 المفسِّرون على رأييْن في تفسير هذه الآية .

المعنى الأول :

 فبعضهم يقول في تفسير : رزقًا حسنًا يعني أُوتيتُ مالاً وفيرًا ، فإذا افتخَرَ النبي بِمَاله على ضوء هذا المعنى حُقَّ لأغنياء العالم اليوم أن يفتخروا ، ومن حقهم عندئذٍ أن يقولوا : ونحن لنا كرامتنا عند الله ككرامة شُعَيب .

المعنى الثاني :

 ويقول بعضهم : إذا نُسب الرزق الحسن للأنبياء والصدِّيقين فهو الهدى والنبوّة والحكمة ، وهذا هو الرّزق الحسن ، قال تعالى :

﴿ كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا ﴾

(سورة آل عمران : من الآية 37 )

 قال بعض العلماء : هذا الرزق يعني فاكهة الصيف في الشتاء ، وفاكهة الشتاء في الصيف ، وهذا يفعله الأغنياء اليوم ، فقد يُقدِّم لك فاكهة الصَّيف وأنت في الشِّتاء ، وقد يقدِّم لك فاكهة الشتاء ، وأنت في الصَّيف ، فهل هذا رزق حسن ؟ لا ، هناك ثلاجات ، هناك طريقة دقيقة في حفظ الفواكه ، فإن كان الرِّزق الحسن هو هذا ؟ فإنه لا يرقى إلى مستوى كتاب الله تعالى ، لكنّ الرِّزق الحسن هو الهدى والحِكمة ، قال تعالى :

 

﴿ وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ(14)﴾

( سورة القصص )

 التفسير الأوجه في رزقني منه رزقًا حسنًا الهدى والنبوّة والعلم والحكمة والخلق الرفيع ، هذا هو الرِزق الحسن .
 قال تعالى :

 

﴿ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ ﴾

( سورة هود )

وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ

1 ـ احذر أن تخالفَ أقوالُكَ أفعالَك :

 هذه الآية مهمّة جدًّا ، كيف يستطيع النبي أن يؤثِّر في أُمَّته ويقنعها ، إن لم يطبّق كلامه على نفسه ؟ ما الذي يضع الدعاة اليوم في مواقف لا تقدير لهم ولا احترام ؟ هو أنَّ الكلام شيء ، والسُّلوك شيءٌ آخر ، ما يقولونه بألْسِنَتِهم لا يُطَبِّقونه بأفعالهم ، لذلك قال سيدنا عليّ كرَّم الله وجهه : << قِوام الدِّين والدنيا أربعة رِجال : عالم مستعملٌ علمه ، وجاهل لا يستنكف أن يتعلّم ، وغنيّ لا يبخل بماله ، وفقير لا يبيعُ آخرته بِدُنياه ، فإذا ضيَّع العالم علمه واستنكف الجاهل أن يتعلَّم ! وإذا بخل الغنيّ بِماله باع الفقير آخرته بِدُنياه ضاع الحق >> ، واضطرب الأمر واختلت موازيين المجتمع ، ما الذي يُزهِّد الناس في الحق ؟ أنَّ الدُّعاة إليه لا يُطَبِّقونه ، وأنت إن حدَّثتهم في القِيَم يقولون : هذا كلام مثالي ، نريد شيئًا واقعيًّا نعيشه في يومنا ، لأنَّ الناس تركوا التطبيق ، وصارت القيمُ مثاليًّةً ، ولكنَّ الصحابة الكرام حينما طبَّقوا دينهم جعلوا دينهم واقعِيًّا ، ولن تفلح هذه الأمة حتى يكون دينها واقعيا ، ولا ينبغي أن يبقى الدِّين في القرآن أو في الكتب ، أو في الخطب ، ولكن ينبغي أن ترى الدِّين في الأسواق وفي البيع والشراء ، وفي الإيجار والاستئجار ، وفي الوعد والعهد ، وبين الزوج وزوجته ، وبين الأخ وأخيه ، والجار وجاره ، وفي السَّفر والحضر ، وفي كل نشاطات الحياة ، يجب أن ترى الدّين هنا ، ومن لم يكن له ورعٌ يصدّه عن معصية الله إذا خلا لم يعبأ الله بشيء من عمله ، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَجُلٌ :

(( يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إِنَّ فُلَانَةَ يُذْكَرُ مِنْ كَثْرَةِ صَلَاتِهَا وَصِيَامِهَا وَصَدَقَتِهَا ، غَيْرَ أَنَّهَا تُؤْذِي جِيرَانَهَا بِلِسَانِهَا ، قَالَ : هِيَ فِي النَّارِ ))

[ أحمد ]

 وترْك دانق من حرام خير من ثمانين حجّة بعد حجّة الإسلام ، ولأنْ أمشيَ مع أخٍ في حاجته خير لي من صيام شهر ، واعتِكافٍ في مسجدي هذا ، هذا هو الدِّين ، ورأس الدِّين الورع ، والدِّين النصيحة لله ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم ، إنَّ الله يحب من العبد إذا عمل عملاً أن يتقنه ، وإتقان العمل جزء من الدِّين ، يا أصحاب المهن ، ويا أصحاب الحِرَف ، ويا أيها الموظَّفون إتقان العمل وتلبيَة المواطن ، والصِّدق ، وعدم الغشّ ، وعدم المواربة وعدم الخداع ، هو جوهر الدِّين ، وركعتان من ورع خير من ألف ركعة من مخلّط!!

 

2 ـ كثرة المَظاهر لا تنفع إن لم يتبعها تطبيق :

 كان رجل يجلس جنب النبي عليه الصلاة والسلام كتفًا بِكَتف ، فجاءتْهُ المنيّة فطلب قميص رسول الله ليكفن به ، قال : أعطوه قميصي ، ولن يغني عنه قميصي شيئًا ! الآن استقر في جهنَّم حجَرٌ كان يهوي سبعين خريفًا ، ماذا يُجدي أن يكون لك مظهرٌ ديني ؟ وماذا يُجدي أن تتواجدَ في مجالس العلم ؟ وأنت لا تطبّق الدِّين ، هذه الكثرة الكثيرة من المسلمين في بقاع الأرض ؛ ألف مليون ، مع أنَّ النبي عليه الصلاة والسلام يقول :

(( يَا أَكْثَمُ ، اغْزُ مَعَ غَيْرِ قَوْمِكَ يَحْسُنْ خُلُقُكَ ، وَتَكْرُمْ عَلَى رُفَقَائِكَ ، يَا أَكْثَمُ ، خَيْرُ الرُّفَقَاءِ أَرْبَعَةٌ ، وَخَيْرُ السَّرَايَا أَرْبَعُمِائَةٍ ، وَخَيْرُ الْجُيُوشِ أَرْبَعَةُ آلَافٍ ، وَلَنْ يُغْلَبَ اثْنَا عَشَرَ أَلْفًا مِنْ قِلَّةٍ ))

[ رواه ابن ماجة عن أنس ]

 أي إذا كان في أمَّة الإسلام اثنا عشر ألف مسلمًٍ صادق لن يُغْلبوا ! فعَنْ ثَوْبَانَ مَوْلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :

(( يُوشِكُ أَنْ تَدَاعَى عَلَيْكُمُ الْأُمَمُ مِنْ كُلِّ أُفُقٍ كَمَا تَدَاعَى الْأَكَلَةُ عَلَى قَصْعَتِهَا ، قَالَ : قُلْنَا : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، أَمِنْ قِلَّةٍ بِنَا يَوْمَئِذٍ ؟ قَالَ : أَنْتُمْ يَوْمَئِذٍ كَثِيرٌ ، وَلَكِنْ تَكُونُونَ غُثَاءً كَغُثَاءِ السَّيْلِ ، يَنْتَزِعُ الله الْمَهَابَةَ مِنْ قُلُوبِ عَدُوِّكُمْ ، وَيَجْعَلُ فِي قُلُوبِكُمُ الْوَهْنَ ، قَالَ : قُلْنَا : وَمَا الْوَهْنُ ؟ قَالَ : حُبُّ الْحَيَاةِ ، وَكَرَاهِيَةُ الْمَوْتِ ))

[ رواه أحمد ]

 صارت الدنيا أغلى على المسلم من كلّ شيء ، فهذه إذاً قاصمة الظهر ، يمسي مؤمنًا ، ويصبح كافرًا ، ويصبح كافرًا ، ويمسي مؤمنًا ، يبيع دينه بِعَرَضٍ من الدنيا قليل ، قال تعالى :

 

﴿ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ ﴾

( سورة هود )

 يا عيسى ابن مريم عِظ نفسك ، فإذا وعضتها فعِظ غيرك ، وإلاَّ فاستحِ مِنِّي ، قال تعالى :

 

﴿ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ ﴾

( سورة هود )

 هكذا كان النبي عليه الصلاة والسلام ، كان النبي عليه الصلاة والسلام إذا دخل بيته لفّ ثوبه لكي لا يوقظ أهله ، ويكنس بيته ، ويرفو ثوبه ، ويحلب شاته ، وكان في مهنة أهله ، وكان متواضعًا ، كما في حديث :

(( وعليّ جمع الحطب ... ))

[ ورد في الأثر ]

 حينما كان متوجهاً إلى بدر أمر كلّ ثلاثة من أصحابهِ أن يتعاقبوا على ناقة واحدة ، فعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ :

(( كُنَّا يَوْمَ بَدْرٍ كُلُّ ثَلَاثَةٍ عَلَى بَعِيرٍ ، كَانَ أَبُو لُبَابَةَ وَعَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ زَمِيلَيْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، قَالَ : وَكَانَتْ عُقْبَةُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، قَالَ : فَقَالَا : نَحْنُ نَمْشِي عَنْكَ ، فَقَالَ : مَا أَنْتُمَا بِأَقْوَى مِنِّي ، وَلَا أَنَا بِأَغْنَى عَنْ الْأَجْرِ مِنْكُمَا ))

[ أحمد ]

 هذا الذي طرحه النبي خلال حياته كان مطبِّقًا له في عمله ، قال تعالى :

 

﴿ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ ﴾

( سورة هود )

 أريد صلاح الدنيا والآخرة ، قال تعالى :

 

﴿ وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى ﴾

( سورة المائدة : من الآية 2 )

3 ـ صلاح الدنيا بالبرّ ، وصلاح الآخرة بالتقوى :

 البرّ صلاح الدنيا ، والتقوى صلاح الآخرة ، فكِّر في صلاح الدنيا ، فكّر في تأمين بيتٍ لإنسان مؤمنٍ ، وفكِّر في حلّ مشكلة لمؤمن ، فكّر في إزالة عقبة ، فكِّر في أن تعيش أنت وإخوانك المؤمنون في حياة منظَّمة ، فكِّر في تنظيم الحياة ، فكّر في إعانة اللَهفان ، فكّر في الضمان الاجتماعي ، فكّر في أخيك المسلم ، والله لا يؤمن ، والله لا يؤمن من بات شبعان وجاره جوعان وهو يعلم !! أتدرون ما حقّ الجار ؟ إذا استعان بك أعنْته ، وإن اسْتقرضَك أقرضته ، وإن استنصرك نصرته ، وإن مرض عُدْته ، وإن مات شيَّعْته ولا تستطل عليه بالبناء فتحجب عنه الرّيح إلا بإذنه ، وإذا اشتريت فاكهةً فأهْد له منها ، فإن لم تفعل فأدْخِلها سرًّا ، ولا يخرج بها ولدك لِيَغيظ بها ولده ، ولا تؤذه بِقُتار قِدرك ، إلا أن تغرف له منها .
 فكِّر في مشروع تؤْوي به هؤلاء الشباب الذين هم في أمسّ الحاجة إلى الزواج ، ووالله الذي لا إله إلا هو لتأمين شابّ وشابة مسلمين في بيت أفضل عند الله من حجّة إلى بيته الحرام ، ماذا يفعل هذا الشابّ ؟ وقد أصبح ثمن البيت فوق المعقول ! كيف يصون نفسه عن الحرام ؟ وكيف يحصّن نفسه ؟ فإذا بخل الغني بِمَالهِ باع الفقير آخرته بِدُنياه ، وباع نفسه للشيطان ، وآمن بالمذاهب الإلحاديّة من أجل تأمين حاجته ، الأغنياء أوصِياء ، والفقراء عِيال ، فمن منعَ ماله العِيال الفقراء أذاقهُ الله عذابه ! قال تعالى :

﴿ إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ ﴾

( سورة هود )

 صلاح الدنيا ، وصلاح الآخرة ، صلاح الدنيا بالعدل ، وصلاح الآخرة بالعبادة ، يجب أن تكون جنديًا للحق ، وأن تسعى لتَوفير الحاجات أن يسعى لتحقيق الخدمات للناس ، وأن تسعى لِهِدايتهم ولِصَلاحهم ، ولرشادهم ما استطعت قال تعالى :

 

﴿ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ ﴾

( سورة هود )

4 ـ التوفيق من الله :

 ليس في القرآن الكريم في هذا الموضوع إلا هذه الآية ، أيّ هدف على وجه الأرض لا يُحَقّق إلا إذا سمح الله به ، قال تعالى :

 

﴿ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ ﴾

( سورة هود )

 اطمئنّ !! قال تعالى :

 

﴿ مَا يَفْتَحْ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ(2)﴾

( سورة فاطر )

 قال تعالى :

 

﴿ مَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا(26)﴾

( سورة الكهف )

 قال تعالى :

 

﴿ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ ﴾

( سورة هود )

لا تعزُ التوفيق إلا لله ، وإلاّ فإنك خاسر :

 دخلت الجامعة ، فلا تقل أنا متفوّق ، وأنا مجموعي كان مرتفعًا ، أنا أُدرك ما يتكلم المدرس بِسُرعة فائقة ، و إذا قرأت الكتاب فهمته بسرعة فائقة ، لا تقل هذا ، بل اجعل كل شأنك مرتبطاً بتوفيق الله لك ، قال تعالى :

﴿ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ ﴾

( سورة هود )

 أحدهم قال مخاطباً ربه قبيل الامتحان : يا رب ، عليّ الجبر ، وعليك الهندسة !! فدعاه في الهندسة فقط فرسبَ فيهما ، فقال : يا رب ، علي الهندسة وعليك الجبر ! وأناب بعد فوات الأوان ، فلم يُفد شيئاً ، قال تعالى :

 

[ سورة هود ]

 يفتح أحدهم محلاً تِجارياً ، ويظن أنَّه اختار موقعًا مناسبًا وبضاعة جيّدة ، وبعد شهر تجد لوحة على المحل برسم التسليم ، ويشتري الواحد سيارة ليشتغل عليها ، ويظنّ أنَّ دخله باليوم خمسمائة ليرة أو أكثر ، فإذا بِحادث يدفع فيه نصف رأس ماله بالتصليح ، لم ذلك ؟ لأنه لم يتوكل حقَّ التوكل على الله ، ويسأله التوفيق ، قال تعالى :

 

﴿ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ ﴾

( سورة هود )

 وفي مجال الزراعة يزرع الفلاح أحسن البذور ، ويرش المبيدات الجيّدة ، ويسمد الأرض بالأسمدة ، فإذا بِطائفٍ يأتي ، فلا تُغِلُّ عليه عشرة آلاف ، وكان المفروض أن تكون غِلَّتها مائتي ألف ، قال تعالى :

 

﴿ فَطَافَ عَلَيْهَا طَائِفٌ مِنْ رَبِّكَ وَهُمْ نَائِمُونَ(19)﴾

( سورة القلم )

 يكون عنده حقل أو بيت بلاستيكي زراعي فيغْفل عنه ليلة واحدة ، فإذا بصقيع يذهبه كلّه ! أحدهم خسر بساعة واحدة مائتي ألف ليرة ، تَلِفَ النبات كله بسبب الصقيع ، قال تعالى :

 

﴿ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ ﴾

( سورة هود )

 وفي مجال الوظيفة وفي غيرها ، تمسك جهازاً مثلاً وتقول : سوف أصلحه ، فإذا بك تخربه ! أما إن قلت : بسم الله الرحمن الرحيم وُفِّقْت .
 طبيب نسائي بلغ قمَّة الشهرة في التوليد ، في أثناء التوليد قطع الرحِم ، وقطع الأمعاء ، وكاد يُميت المرأة ، وبعد حين ماتت بسبب ما جرى لها ، و لولا أنه أخذها ، و أسعفها لسُحبت منه الشهادة ، قال تعالى :

 

﴿ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ ﴾

( سورة هود )

 الحياة فيها مطبَّات ، و فيها مزالق ، فإياك أن تعتدَّ بنفسك ، فمن اتَكل على نفسه أوكله الله إليها ، اللهم إني تبرَّأتُ من حولي و قوَّتي و علمي ، و التجأتُ إلى حولك و قوتك و علمك ، يا ذا القوة المتين ، هكذا المؤمن ، إياك أن تقول : أنا ، فمن أنت ؟ أنت لا شيء ، والله هو كلُّ شيء

 

و ما لي سوى فقري إليك وسيلة  فبالافتقار إليك فقري أدفـع
و ما لي سوى قرعي لبابك حيلةٌ  فإذا رددتَ فأيُّ باب أقـرع

 وإذا كان الله معك فمن عليك ؟ وإن كان عليك فمن معك ؟ إياك أن تقول : أنا ، قالها إبليس فأهلكه الله ، وإياك أن تقول : عندي ، قالها قارون فأهلكه الله ، إياك أن تقول : لي ، قالها فرعون فأهلكه اللهُ .
 قال تعالى :

 

 

﴿ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ ﴾

( سورة هود )

 ثم قال تعالى :

 

﴿ وَيَا قَوْمِ لَا يَجْرِمَنَّكُمْ شِقَاقِي أَنْ يُصِيبَكُمْ مِثْلُ مَا أَصَابَ قَوْمَ نُوحٍ أَوْ قَوْمَ هُودٍ أَوْ قَوْمَ صَالِحٍ وَمَا قَوْمُ لُوطٍ مِنْكُمْ بِبَعِيدٍ ﴾

( سورة هود )

وَيَا قَوْمِ لَا يَجْرِمَنَّكُمْ شِقَاقِي أَنْ يُصِيبَكُمْ مِثْلُ مَا أَصَابَ قَوْمَ نُوحٍ

لابد من الفصل بين الإسلام والمسلم :

 أحيانا الإنسان يكره رجلا ديِّنا في مظهره لكنه كذّاب ، فمن الممكن أن يكون شخص له زيٌّ ديني ، و نفسه ليست في مستوى مظهره ، مخبره لا كمظهره ، فإذا كرهتَ هذا الإنسان الكاذب تكره الدين ، هذا غباء في الإنسان ، و ما دخل الدين في هذا ؟ اِفصِل بين هذا الإنسان و بين الدين ، و الإسلام بريء من هذا ، افصِل بين الإسلام و المسلمين ، افصِل بين الدين و رجال الدين ، افصِل بين التديُّن و بين هذا المتديِّن ، إن لم تفصل تقع في غلط كبير ، الدين في عليائه ، الدين في السماء ، وهذا الذي يدّعي الدِّين هو في الوحل ، لا يمْنعنَّك كل ذلك أن تحق الحق ، ولا تجعل هذا حجَّة في أن تدَعَ الدِّين كلّه فهذا غباءٌ في الإنسان .
لو أنَّ طالبًا في كليّة الطبّ في الصف الرابع على وشك التَّخرّج وأزعَجَهُ أحد الطَّلبة ، هل يدعُ الكليّة ؟! لا ، فإن مصيره هنا ، ومستقبله ومهنته ، ومكانته وشهادته ، هاتوا لي طالبًا واحدًا في إحدى الكليات بسبب نزاعٍ بينه وبين طالبٍ آخر ترك الجامعة كلّها !! مستحيل ، يقول لك : ما دخْلُ فلان ؟ وما لي وفلان ؟ هنا مستقبلي ، هنا نجاحي ، هنا شهادتي ، هنا عملي ، لماذا أنت في الدنيا لا تنسحب من الجامعة ، ولو آلمك أحد أساتذتها ؟ بينما لِخِلاف تافهٍ بينك وبين إنسان تتْرك مجالس الدين والعلم .
 قال لي أحدهم : لن آتي للدرس ! فقلت له : لماذا ؟ فقال لي : أزعجني أحد الحاضرين !! فقلت له : أين يجلس ؟ فقال لي : بالجهة الفلانية ، فقلتُ له : اجْلس بالجهة الأخرى والجامع كبير ، فالإنسان عليه أن يفصل بين خِلافاته الشخصية ومجلس العلم ، هذا لله عز وجل ، وهذه مائدة الله سبحانه وتعالى ، قال تعالى :

﴿وَيَا قَوْمِ لَا يَجْرِمَنَّكُمْ شِقَاقِي أَنْ يُصِيبَكُمْ مِثْلُ مَا أَصَابَ قَوْمَ نُوحٍ أَوْ قَوْمَ هُودٍ أَوْ قَوْمَ صَالِحٍ وَمَا قَوْمُ لُوطٍ مِنْكُمْ بِبَعِيدٍ(89)وَاسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ وَدُودٌ(90)﴾

( سورة هود )

وَاسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ وَدُودٌ(90)

 إنه رحيم بالخلق كافة ، وودود لِمَن أحبّه من المؤمنين ، والله تعالى طيّب لا يقبل إلا طيِّبًا ، فالأب مثلاً يرحم أولاده جميعًا ، ولكنّ قلبه معلّق بالابن الأخلاقي ، بالابن البار ، والابن المحسِن والمتفوِّق ، قلبهُ مُعلَّق هنا ، أما إحسانه فللجميع ، فالله تعالى رحيم بالخلق كلّهم ، ولكنّه ودود للمؤمنين ، قال تعالى :

﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمْ الرَّحْمَانُ وُدًّا(96)﴾

[ سورة مريم ]

 فالله سبحانه وتعالى لا يُحِب الخائنين ، ولا يحبّ الكاذبين ، ولا يحبّ من كان مُختالاً فخورًا ، ولا يحبّ المنحرفين ، ولا يحبّ المنافقين ، لا يحبّ هؤلاء ، ولكنّه يرْحمهم ، لأنَّ رحمة الله وسِعَت كلّّ شيء .
 كما أسلفنا في مثال الأب ، من باب التقريب والإيضاح ، وكذا الأم ، يرضيان عن فلان بالذات من أبنائهما ، ويسكتان عن بقية الأولاد ، وهذه الأم إن جاءوها تُطعمهم ، ولكنها لا تحبّهم إلا إذا كانوا في المستوى المطلوب ، قال تعالى :

 

﴿ قَالُوا يَا شُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيرًا مِمَّا تَقُولُ وَإِنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفًا وَلَوْلَا رَهْطُكَ لَرَجَمْنَاكَ وَمَا أَنْتَ عَلَيْنَا بِعَزِيزٍ ﴾

( سورة هود )

قَالُوا يَاشُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيرًا مِمَّا تَقُولُ وَإِنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفًا وَلَوْلَا رَهْطُكَ لَرَجَمْنَاكَ

1 ـ الراسب يتَّهم الأستاذ ولا يتَّهم نفسه :

 فالراسب يتَّهم الأستاذ ولا يتَّهم نفسه ، قال تعالى :

﴿ قَالُوا يَا شُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيرًا مِمَّا تَقُولُ وَإِنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفًا وَلَوْلَا رَهْطُكَ لَرَجَمْنَاكَ وَمَا أَنْتَ عَلَيْنَا بِعَزِيزٍ ﴾

( سورة هود )

2 ـ تهديد قوم شعيب لنبيهم بالرجم :

 أي لرجمناك إما بالقول أو الحجارة ، لكن العقبة دونك رهْطك ، وإننا نحْسب لهم حسابًا .
 مرّة قال لي مدرّس ملء السمع والبصر : قالت لي أمي : صم ، فصرت أصوم !! الله عز وجل لا قيمة له عندك ، بل صمت فقط من أجل الأم !! قال تعالى :

﴿ قَالَ يَا قَوْمِ أَرَهْطِي أَعَزُّ عَلَيْكُمْ مِنْ اللَّهِ ﴾

( سورة هود )

3 ـ جواب شعيب : قَالَ يَا قَوْمِ أَرَهْطِي أَعَزُّ عَلَيْكُمْ مِنْ اللَّهِ

 أي قومي أغلى عندكم من الله .
 قال تعالى :

 

﴿وَاتَّخَذْتُمُوهُ وَرَاءَكُمْ ظِهْرِيًّا إِنَّ رَبِّي بِمَا تَعْمَلُونَ مُحِيطٌ ﴾

( سورة هود )

4 ـ هجر القرآن تطبيقا :

 الناس اليوم اتَّخذوا القرآن مهجورًا يتلونه صباح مساء ، ويستمعون إليه ، ولكنّهم لا يطبّقونه ، فالهجران هنا هجران التطبيق ، كلك الكافر والمنافق لا يعبأ بأوامر الدِّين ، وهي وراء ظهره ، ولا يلقي لها بالاً ، كذلك ويستخفان بها ، قال تعالى :

﴿ وَيَا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنِّي عَامِلٌ ﴾

[ سورة هود ]

 كلّ إنسان يعمل وفْق مكانته ، ومكانته يعني مقامه ، وقد يكون مقامه عالٍ جدًّا ، امرأة جاءت أميرًا فأمر بإكرامها ، فقال له بعض من كان عنده : يا أيها الأمير إنَّه كان يرضيها القليل ، فقال : إن كان يرضيها القليل فأنا لا أرضى إلا بالكثير ، وإن كانت لا تعرفني فأنا أعرف نفسي ! قال تعالى :

 

﴿ قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ فَرَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَنْ هُوَ أَهْدَى سَبِيلًا(84)﴾

(سورة الإسراء )

 حصّل مرتبة وهو يعمل وفقها ، قال تعالى :

 

﴿ وَيَا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنِّي عَامِلٌ سَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ سَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَمَنْ هُوَ كَاذِبٌ وَارْتَقِبُوا إِنِّي مَعَكُمْ رَقِيبٌ(93)وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا شُعَيْبًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَأَخَذَتْ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ(94)كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا أَلَا بُعْدًا لِمَدْيَنَ كَمَا بَعِدَتْ ثَمُودُ ﴾

( سورة هود )

جاء وقت العذاب فلا مفرَّ لأحدٍ :

1 ـ تكفيهم صيحة واحدة :

 صيحة واحدة فقط ، كانوا بعدها جثثاً هامدة ، صرعى بغيهم وعتوهم ، فأنت لا تقل : قاتلْتُ النملة ، النملة لا تحتاج إلا إلى ضغطة ، والكفار لم يحتاجوا إلا إلى صيحة فقط ، قال تعالى :

﴿ إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ خَامِدُونَ(29)يَا حَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُون(30)﴾

( سورة يس )

 قال تعالى :

 

﴿ إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً ﴾

( سورة يس : من الآية 29)

2 ـ احذروا صيحة أخرى يا أشبه قوم شعيب :

 في أثناء البيع والشِّراء والحركة اليوميّة وعقد الصَفقات تأتي هذه الصَّيْحة تأخذهم جميعًا ، قال تعالى :

﴿ وَأَخَذَتْ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ(94)كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا أَلَا بُعْدًا لِمَدْيَنَ كَمَا بَعِدَتْ ثَمُودُ ﴾

( سورة هود : من الآية 24)

 قال تعالى :

 

﴿ حَتَّى إِذَا أَخَذَتْ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ ﴾

( سورة يونس )

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018