الدرس : 11 - سورة هود - تفسير الآيات 84-86 - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الدرس : 11 - سورة هود - تفسير الآيات 84-86


1986-03-28

 الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا ، إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علِّمنا ما ينْفعنا ، وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما ، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه ، وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه ، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه ، وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين .
 أيها الإخوة المؤمنون ، وصلنا في سورة هود إلى قصّة جديدة هي قصّة سيّدنا شعيب عليه وعلى نبيّنا أفضل الصلاة والسلام ، قال تعالى :

﴿ وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ وَلَا تَنقُصُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ إِنِّي أَرَاكُمْ بِخَيْرٍ وَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ ﴾

( سورة هود )

قصة سيدنا شعيب مع أهل مدين :

1 ـ أين هي مدين ، ومَن هم أهلها ؟

 هذه الآية تضيف إلى القصص السابقة قصة جديدة ، هي قصة مدين ، والمقصود بمدين قوم مدين ، ومدين اسم القوم ، وهم من العرب يسكنون في شمال الجزيرة العربية ، وهم إنما سُمُّوا بهذا الاسم إما نسبةً لمدينتهم مدين ، أو نسبة إلى رجل اسمه مدين .
 على كلٍّ ، قال تعالى :

﴿ وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا ﴾

( سورة هود )

2 ـ وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا

 اليوم مع قصة سيدنا شعيب ، أما أنه أخوهم ، فهناك أخوَّةٌ إنسانية ، وهناك أخوَّة متعلِّقة بقومه ، أي منهم يعرفونه ، ونشأ بين ظهرانيهم ، مطمئنون إليه ، ولا يشكُّون في نسبه ، و" أخاهم " منصوبة ، هذه من الأسماء الخمسة ، تقول : جاء أخوهم ، ومررت بأخيهم ، ورأيت أخاهم ، ما الذي نصبها ، أي و أرسلنا إلى مدين أيضا أخاهم شعيبا .
 قال تعالى :

﴿ قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ ﴾

( سورة هود )

3 ـ فحوى جميع الرسالات : اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ

المعرفة الفكرية والمعرفة النفسية :

 هذا هو ملخَّص الديانات الثلاث ، ملخَّص رسالات السماء ، وجوهر الدين ، أن تعرف أنه لا إله إلا الله ، وأن تعبده ، ولا تعبده إلا إذا عرفته ، ولا تعرفه إلا إذا نظرت في الكون ، فمعرفته تكون من خلال آياته ، هذه معرفة فكرية .
 أما إذا أقبلت عليه فهذه معرفة نفسية ، وشتَّان بين المعرفتين ، إما أن تستنبط بفكرك أن هذا الإله قويٌّ ، و أنه عدلٌ ، ورحيم ، وإما أن تتذوق رحمته ، أن تتذوقها يعني أن يتجلَّى عليك باسم الرحيم فتعرف رحمته ، و قد يتجلَّى عليك باسم القوي فتعرف قوَّته ، و قد يتجلَّى عليك باسم الجميل فتعرف جماله ، هذه معرفة ، معرفةٌ تتأتَّى من الإقبال عليه ، و إذا فكَّرت في آيات الله تعرفه عن طريق الفكر ، معرفة فكرية ، و معرفة نفسية ، المعرفة الفكرية وحدها لا تكفي ، فإذا أُضيف إلى المعرفة الفكرية تلك المعرفة النفسية المبنية على الإقبال عليه ، وبعد هذه المعرفة ليس هناك انتكاسة أبدا .
 قال تعالى :

﴿ وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ ﴾

( سورة هود )

 إذا فكَّرتم ، و دقَّقتم ، و نظرتم ، و استقصيتم في أرجاء هذا الكون ، و في أنفسكم ، وفي طعامكم ، و في النباتات ، و الحيوانات ، و في ظواهر الطبيعة ، و في الكواكب ، و في المجرَّات استنبطتم أنه لا إله إلا الله ، إذا استقمتم على أمره ، و أقبلتم عليه عرفتموه معرفة نفسية .

فلو شاهدت عيناك من حسنـنا  الذي رأوه لمَّا ولَّيتَ عنا لغــيرنا
ولو سمعتْ أذناك حسنَ خطابنا خلعتَ عنك ثياب العجب و جـئتنا
***

 و لو أنك تذوّقت ما عند الله لزهدت فيما سواه ، و لكن البطولة أن تعرفه ، فإذا عرفته أقبلت عليه ، و زهدت فيما سواه .
قال تعالى :

 

﴿ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ وَلَا تَنقُصُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ إِنِّي أَرَاكُمْ بِخَيْرٍ ﴾

( سورة هود )

4 ـ السبب الذي من أجله أُهلك قوم مدين :

 ما السبب الذي دعا إلى إهلاك هؤلاء ؟ أنهم أنقصوا المكيال و الميزان ، والله سبحانه وتعالى أهلك قوم لوط لأنهم فعلوا الفاحشة ، وأهلك قوم شعيب لأنهم أنقصوا المكيال والميزان ، وأهلك الأقوام السابقة بذنوب اقترفوها ، فكيف بنا لو أن كل هذه الموبقات وُجدت في مجتمعنا ؟ قال تعالى :

﴿ وَلَا تَنقُصُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ ﴾

( سورة هود )

5 ـ معنى نقض المكيال والميزان :

 المكيال هو وعاء الكيل ، بعضهم يزوِّر هذا الوعاء ، يعطيه حجما أقلَّ من حجمه ، وبعضهم يضع في المكاييل صفائح تقلِّل من حجمها ، هذا من إنقاص المكيال ، وبعضهم يغشُّ الحليب فيجعل فيه ماءً ، فكأنه أدَّى ثلثي هذا الحليب ، لأنه أضافه إليه ماءً ، هذا أيضا من إنقاص المكيال والميزان ، وبعضهم يبدِّل و يغيِّر في الميزان ، وبعضهم يضيف مادة ليست من جنس المبيع ، أي يعطيك جبنا فيه مائتا غرام من الماء ، وهذا من إنقاص الميزان ، يبيعك فولاً فيه مرَقٌ يعادل الربع ، هذا من إنقاص الميزان ، يبيعك لبنا مصفًّى وهو غير مصفًّى ، هذا من إنقاص الميزان ، يضع البضاعة في عبوة لها وزن ثقيل لبضاعة غالية الثمن ، هذا من إنقاص المكيال ، وإما أن يضيف مواد مغايرة أو يغش البضاعة أو ما شاكل ذلك .
 و يقاس على المكيال والميزان الأطوال ، يبيع القماش بالطول يشُدُّه إذا باعه ، فإذا اشترى قماشا يجعل القماش على شكل خط منحنٍ ، يشتري القماش وهو مُرخى ، و يبيعه وهو مشدود ، هذا من إنقاص المكيال والميزان تجوُّزا .
والمساحات فيها غش كذلك ، فهناك من ينقص في المساحة ، يضع الجدار على أرض جاره ، هذا من إنقاص المساحة ، بدلاً أن يضعهُ على أرضه ، وإن كان سورًا يجب وضعه بين أرضين ، تجده يضعه على أرض جاره ، هذا من إنقاص المساحة ويُحْمَلُ على هذا اللَّعِبُ في العدادات ، وكذا عدادات الوقود ، وإضافة نوعٍ من الوقود رخيص مع نوعٍ غال الثَّمَن ، فَيُتلف المحرّكات ، وهذا كلّه من إنقاص المكيال والميزان ، فالإنسان هو الإنسان ، والمنحرف هو المنحرف في شتَّى العصور ، وفي كلّ الأمصار .
 قال تعالى :

﴿ وَلَا تَنقُصُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ إِنِّي أَرَاكُمْ بِخَيْرٍ ﴾

( سورة هود )

6 ـ إِنِّي أَرَاكُمْ بِخَيْرٍ

 ما هو الخير الذي عبّر عنه هذا النبي الكريم ؟ قال بعض العلماء : الخير وَفْرةُ المواد ، ورُخص الأسعار هذا هو الخير ، إن كان هذا الخير موجودًا مع المعصية فهذا خير سيأتي بعده شرّ لا محالة .

الخير يدوم بالطاعة والشكر ، ويذهب بالمعصية والكفر :

 أحيانًا يستخدمون عبارة في بعض البلاغات : هدوء حذِر ، أيْ هذا الهدوء سيأتي بعده قصّف عَشوائي ، وهذا الخير إذا توافرت المواد بأسعار رخيصة ، والناس غارقون في المعاصي فهذا الخير لا يدوم ، لا بدّ من أن يأتي بعده شرّ ؛ لأنَّ الله سبحانه وتعالى يقول :

 

﴿ وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ(112)﴾

( سورة النحل )

 إذا رأيْتَ الله يُتابِعُ نِعَمَهُ عليك ، وأنت تعصيهِ فاحْذَرْهُ ، هذا هو الهدوء الحذر ، وسيأتي بعد هذا الهدوء شرّ ، إن لم نشْكُر ، وإن لم نتُب ، وإن لم نستَقِم على أمره ، وإن لم يُحِبّ بعضنا بعضا ، وإن لم يرحم بعضنا بعضا ، فالعاقبة وخيمة ، وكل آتٍ قريب .
 قال تعالى :

 

﴿ إِنِّي أَرَاكُمْ بِخَيْرٍ ﴾

( سورة هود )

 وهذا الخير لا يدوم ، وهذا هو المقصود من الآية الكريمة السابقة ، أنتم في بحبوحة ونِعَمٍ ، في بعض البلاد الأوربيَّة التي يرخص فيها اللَّحم البشري إلى درجة مذهلة حدَّثني طالب لي أنَّه خرج من الفندق في الساعة الثانية من بعد منتصف الليل متوجِّهًا إلى المطار ، وفي أيام الشِّتاء ، فرأى صفًّا من الناس في هذا الوقت المبكِّر يزيد طوله على أربعة كيلو مترات ، فسأل سائق التاكسي لمَ يقفُ هؤلاء في هذا الوقت المُبَكِّر ؟ فقال : هناك توزيع اللَّحم في الساعة الثامنة ، إذا رخص لحْم البشر غلا لحم الضَّأن !
 إن رأيْت حاجتك في متناول يدك فاحْفظ هذه النِّعمة ، واشْكُر ربّك على هذه النعمة ، وأَطِع ربّك شكرًا على هذه النعمة ، يا عائشة أكْرمي مجاورَة نعم الله ، فإنَّ النِّعمة إذا نفَرت قلَّ ما تعود ، وإذا كان الإنسان في بحبوحة ، وإذا كان في يُسْر ، وكان مستقيمًا على أمر الله ، فلا يخشى شيئًا ، لقوله تعالى :

 

﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ ﴾

( سورة الرعد : من الآية 11)

 إن كنت في بحبوحة وأنت شاكر مستقيم وطائعٌ ، ولك عمل طيّب فلا تخشَ أن تزول عنك هذه النِّعمة ، لا تزول أبدًا لأنَّ الله يحفظك ويحفظها لك ، إن لم تُغَيِّر فلن يُغَيِّر ، قال تعالى :

 

﴿ وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ ﴾

( سورة إبراهيم : من الآية 7)

 قال تعالى :

 

﴿ وَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ ﴾

( سورة هود )

7 ـ وَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ

معنى العذاب المحيط :

 إن تعودوا ، وإن لم تتوبوا ، وإن لم تُنيبوا ، فإنِّي أخاف عليكم عليك عذاب يوم محيط ، ومعنى مُحيط أي لا منْدوحة مِن تحمّل نتائجه الوبيلة ، ولا مندوحة من تحمّل مغبَّته ، كيف يُحاط بالإنسان ، وكيف يضرب على إنسان طوقٌ ؟ إن اتَّجَه إلى هناك يرى الطريق مسدودًا ، وإن اتَّجَه إلى هنا يرى الطريق مسدودًا ، وهذا هو العذاب المحيط .
 قد يُصاب الإنسان بِمَرضَيْن ، أدْويَة هذا المرض تزيدُ من ذاك المرض ، وأدْوية ذاك المرض تزيد من هذا المرض ! هذا هو المحيط ، قد يفقد الإنسان المال ، وقد يفقِد الزوجة ، ويفْقد حريَّته في وقت واحد !
 العلماء لهم في تفسير هذه الآية مذاهب شتى ، عذاب محيط ، قال بعض العلماء : غلاء الأسعار ، وعذاب محيط الاسْتِئصال من الدنيا ، وعذاب محيط هو عذاب النار ، فإما غلاء الأسعار ، وإما عذاب الاستئصال ، وإما عذاب النار ، فأنا أراكم بِخَير ، ولكنَّكم تنقصون المِكيال والميزان ، ولا تؤدُّون للناس حقوقهم ، قال تعالى :

﴿ وَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ ﴾

( سورة هود )

 قال تعالى :

 

﴿ وَيَا قَوْمِ أَوْفُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ ﴾

( سورة هود )

وَيَا قَوْمِ أَوْفُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْط

1 ـ الحكمة من الأمر بوفاء الكيل والوزن بعد النهي عن ضدِّه :

 تساءل بعض المفسِّرين ؛ حينما ينهى الله سبحانه وتعالى عن أن يُنْقَصَ المِكيال والميزان ، أليس في معنى هذا النَّهي وفاءُ المِكيال والميزان ؟ فلِمَ أعاد الله سبحانه وتعالى علينا الكرَّة وقال : وأوفوا المكيال والميزان !! قال : هذا من باب التأكيد ، فقد وصف لك أولاً بشاعة إنقاص المكيال والميزان ، ودفعك ثانياً إلى الوفاء بالتمام والكمال للمِكيال والميزان .

2 ـ معنى : بِالْقِسْطِ

 أما كلمة بالقسط ، فتعني أنك لسْتَ مُطالبًا أن تزيد على الحدّ الصحيح ، ولسْتَ مُطالبًا أن تبيع الكيلو ألفاً ومائتي غرام ، فبِالقِسط أيْ لسْتَ مُطالبًا أن تزيد في الوزن والكيل عن الحدّ المعروف ، إن كان الله سبحانه وتعالى نهاك عن أن تنقص عن الحدّ المقبول ، فهو تعالى كذلك لم يأْمرك أن تزيد على الحدّ غير المعقول ، قال تعالى :

﴿ وَيَا قَوْمِ أَوْفُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ ﴾

( سورة هود )

 دخل رجل إلى هذا المطعم ليأكل طعاماً ، قدَّمت له قطعة اللحم مائة وخمسين غرامًا على أنَّها مائتان ، ماذا فعلت أنت أيها البائع ؟ أنْقصْت المكيال ، وبخسْت المال ، فدفع الطاعم مبلغًا باهظًا ، ولم يكْتفِ بهذا الطعام ، بخسْت أيها البائع الناس أشياءهم ، إن أراد أن يبيعك شيئًا أنقصَه ، قال عليه الصلاة والسلام :

 

(( إنَّ أطْيب الكسب كسب التجار الذين إذا حدّثوا لم يكذبوا ، وإذا وعدوا لم يخلفوا ، وإذا ائتُمنوا لم يخونوا ، وإذا باعوا لم يُطروا ، وإذا اشْتروا لم يذمُّوا ، وإذا كان عليهم لم يَمْطِلوا ، وإذا كان لهم لم يُعَسِّروا ))

 

[ الجامع الصغير عن معاذ ، وفي سنده ضعف ]

 هؤلاء الذين يحْفظهم الله من هزَّات تُصيب معظم التجار .
 قال تعالى :

 

﴿ وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ ﴾

( سورة هود )

وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ

1 ـ الزيادة على الشيء أو النقص منه من البخس :

 قال بعض المفسِّرين : من نواحي بخْس الناس أشياءهم أن تنقص الكميَّة ، دفع لك مبلغًا على أنَّ هذه الكميّة وزنها كذا ، أو حجمها كذا ، أو مساحتها كذا ، أو طولها كذا ، فإذا هي أقلّ من هذا ، أما فيما يتعلق بالمساحات كمسْح الخشب ، أو مسح الألمنيوم ، أو مسح الأرض بالبلاط ، فأحيانًا يزيد صاحب هذه الصِّنعة بالمساحة ، تم الاتفاق على أن المتر بألف ليرة ، هذا اتِّفاق شرعي ، فكيف كسِبَ مالاً حرامًا ؟ بِزِيادة المساحة ! فمساحة البيت مائتا متر ، فقدرها زوراً بمائتين وثلاثين ! هذا مِن بخس الناس الأموال .

2 ـ من البخس إخفاءُ العيوب :

 الشيء الآخر إخفاء العيوب ، إذا بعت البضاعة أخْفيْت عَيبها ، فإذا اشْتريتها دقّقت في عيبها ، وبالغت في تقدير العيب وهوّلت حاله ، حتى إنَّ صاحب هذه البضاعة تنهار معنويَّاته ، ويخشى أن تكْسد ، فيبيعُك إياها بِرأس مالها ‍! هذا من بخس الناس الأشياء ، قال تعالى :

﴿ وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ ﴾

( سورة هود )

 ألا تنقص المكيال والميزان ، وثانيا ألا تخفي العيب إذا بعت ، وألا تُبالغ في هذا العيب إذا اشْتريت .
 مثلاً : رجل شاهدَ غرفة نومٍ مناسبة ، لها سريران ، فقال للنَّجار : أنا أريد سريرا واحدا ، كم تحْسم لي ، يقول : خمسمائة ليرة ، لو أتاه إنسان آخر ، وشاهد غرفة نوم بِسرير واحد ، وقال له : أريد فيها سريران ، كم تزيد ؟ يقول : ألفي ليرة !! لماذا حسَمْت للأوَّل خمسمائة ، وأضفت على الثاني ألفًا ؟!
 إنَّك إذا بِعْتَ بِمِقْياس ، واشْتريت بِمِقياس ، فهذا بخس ، ولا تبخسوا الناس أشياءهم ، إن كنت شاريًا تُبالغ في هذا العيب ، إلى أن تسْودَّ البضاعة في عين صاحبها ، وإن كنت بائعًا لا تبالي بهذا العيب وتهوّن من شأنه ، وتقول له : هذا لا قيمة له ، فهذا من بخس الناس أشياءهم ، إن لم تعط الأجير أجره فقد بخسْته جهده ، وإن لم تُعط الخبير ثمن خبرته ، فقد بخسْته خبرته وإن لم تعط الطبيب أجره فقد بخسْته علمه ، وإن لم تعطِ المهندس ما اتَّفقْت عليه فقد بخستهُ علمه ، إن لم تُعط صاحب الحاجة حقَّه فقد سرقت منه حاجته ، قال تعالى :

 

﴿ وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ ﴾

( سورة هود )

احذرْ فـ : إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ

 العوام يقولون : هناك لصوص النهار ، هؤلاء هم الذين إذا شعروا أنَّ إنسانًا يبيعُ حاجةً لِضَرورة قصوى اشْتروها منه نهْبًا ! قال لي صديق : اضْطررتُ لِبَيْع سجَّادة ، فأتى بِخَبير سجَّاد إلى بيته ، وقال له : كم ثمنها فقال : عشرة آلاف ليرة ، وجاء بآخر : فقال له هذه ثمنها مئة ألف !! فهذا الأوَّل جسّ نبضه أهُوَ جاهلٌ أم واعٍ ؟! فإن كان جاهلاً أخذها منه بِثَمن بخْس ، قال تعالى :

﴿ إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ(14)﴾

( سورة الفجر )

 هذا الذي تأخذه حرامًا تدفعه أضعافًا مضاعفة ، وقد يذهب بِصاحبه ويدمره ويتلفه ، قالوا : المال الحلال يذهب ، ولكنّ المال الحرام يذهب ويذهب بأهله ، ويتلفه الله سبحانه وتعالى ، ومن أخذ أموال الناس يريد أداءها أدَّ الله عنه ، ومن أخذها يريد إتلافها أتلفه الله !
 قال تعالى :

 

﴿ وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ ﴾

( سورة هود )

 أحيانًا تبدي عدم رغبة بهذه الحاجة ، كأن تعرض عليك بِضاعة ثمينة وأنت في أمسّ الحاجة إليها ، تبدي تمثيلاً بارعًا أنّ هذه البضاعة مضى وقتها ، وهذا ليس موعدها ، وفيها عيوب ، وأنك لستُ بحاجةٍ إليها ، وتقول لصاحبها : إن شئت فخُذْ هذا الثَّمَن ، هذا يحْسبهُ الناس مهارة ، وذكاء ، وقدرة على سلْب الناس أشياءهم ، ولكنّ هذا الفعل هو الحمق بعينه ، قال تعالى :

 

﴿ إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ(14)﴾

( سورة الفجر )

 كان السلف الصالح ينظرون في الأمر ، فإن كان بائع هذه الحاجة لا يعرف قيمتها ، فإن من يعرف قيمتها منهم يُعرّفه بقيمتها وحقيقة ثمنها .
 رجل صالح له ابن شابّ ، كلَّفه بشراء حاجة من بعض أسواق دمشق ، فاشْتراها ، ولما أبلغ أباه بالسِّعر قال له الأب : هذا غلط ، هذا السعر رخيص جدًّا ، فرجع الابن ، وقال للبائع : إن أبي يقرئُك السلام ، ويقول لك : إنّ هذه الحاجة قد ارتفع ثمنها ، وخُذ الفرْق ، فقال له : أبقِيَ في الدنيا أمثال والدك ؟! خُذْ هذه الحاجة بِثَمنها الأوّل ، وأنت مُسامَح !
 إنسانٌ آخر أعْطوْهُ أرضًا ، وصلتْ إليه بطريقة غير مشروعة ، سأل هذا الإنسان شيخًا له ، فقال له شيخُهُ : هذه الأرض حرام عليك ، ولا بدّ من أن تدفعَ الثَّمَن لصاحبها ، ذهب لِصاحبها ، وعرض عليه أن يدفع له ثمنها ، نظر إليه وقال له : والله ضاعَ مِنِّي أربعمائة دنُم من الأراضي ، ولم يأتِ واحدٌ لِيَعْرض عليّ هذا العرْض ، هي هِبَةٌ لك ! اِزْرَعها بارك الله لك فيها ، الذي يعرف الله سبحانه وتعالى لا يأخذ مالاً حرامًا ، ولو عُرِضَ عليه بِسَخاء ، قال تعالى :

 

﴿ وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ ﴾

( سورة هود )

3 ـ تلقِّي الركبان من البخس :

 ومِن بخْس الناس أشياءهم أن تُحاوِل تلَقِّي الرُّكبان ، والنبي عليه الصلاة والسلام نهى عن تلقِّي الركبان ، تذهب إلى ظاهر المدينة ، تتلقَّى من معهم بِضاعة من غذاء أو سمن أو زيت أو جبن ، لئلا يصل صاحب البضاعة إلى المدينة فيعرف السِّعْر الحقيقيّ ، تأخذ منه هذه الحاجة بِثَمنٍ بخْس ، وأحيانًا يبيعُ الإنسان بيتًا ، وليس عنده فكرة دقيقة عن أسعار البيوت ليشْتريَ بيتًا أكبر ، يأتي الدلال أو المشتري فيدفع له ثمناً ، في نظر البائع هو ثمن معقول جدًّا ، ومغرٍ ، فيبيعُهُ ، فيذهب لِيَشتري بيتًا بدَلَ بيته فيرى أنَّ الأسعار مرتفعة لا تُحْتمَل ، وهذا أيضًا من بخس الناس أشياءهم .
 حدَّثني رجل من قطر عربي أنَّ بدَويًّا معه حجَّة بِأرض ، يعني أوراقاً رسمية بملكية الأرض ، فجاء إلى المدينة لِيَعرضها على بعض سماسرة الأراضي ، فعرفوا أنَّه جاهل ، فاشْتَرَوها منه بِثَمنٍ بخْس ، وأقاموا عليها بناءً ، بلغَ ارتفاعهُ أكثر من عشرين طابقًا ، وكانوا شركاء ثلاثة ، أما الأوّل فقد ماتَ إثْر حادث سيارة مؤْسِف ، وأما الثاني فقد وقعَ من على ظهر هذا البناء ، فمات حتْف أنفه ، وأما الثالث فَشَعَرَ أنَّ شريكيْه ماتا بِسَبب أنَّهما نهبا من هذا البدوي أرضه ، وهو شريكهما في عملية النهب ، وتضليل البائع ، و بخسه حقه ، فبقي يبحث عنه أكثر من شهرين ، إلى أن عثَرَ عليه ، وأعطاهُ ثمن الأرض بقيمتها الحقيقيّة ، فقال له هذا البدوي : أما أنت فقد لحَّقْتَ حالك ! يعني تداركت أمرك قبل أن يقع بك ما وقع بشريكيك ، قال تعالى :

﴿ وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ ﴾

( سورة هود )

 قال تعالى :

 

﴿ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ ﴾

( سورة هود )

وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ

1 ـ ما هو الفساد ؟

 الفساد : أن تقول : برتقالة فاسدة ، أي أصابها العفن ، وتقول : قطعة لحْمٍ فاسدة ، أصبحَت متفسِّخة هذا هو الفساد المادي ، فالأولى متعفِّنة والثانية متفسِّخة ، الفساد أن تفسُدَ العلاقة بين زوجين ، إياك أن تفْسِد علاقةً بين زوجين ، فأحيانًا كلمة تفسد هذه العلاقة .

2 ـ الفساد طريق الهاوية والهلاك :

 إياك أن تفسد علاقة بين شريكين ، فأحيانًا كلمة تفسد هذه العلاقة ، وإياك أن تفسد علاقة بين أُمٍّ وابنها ، أو بين أخ وأخيه وبين جار مع جاره إياك ثم إياك ، وإذا نظرتَ إلى النساء أفسدْت العلاقة بينك وبين الله ، ولأن يسقط الإنسان من السماء إلى الأرض فتنْكسِرَ أضلاعه ، ويتحطم أهون من أن يسقط من عين الله .
 إذا أطلقت بصرك إلى محارم الله أفسدْت العلاقة بينك وبين الله ، وأيَّة معصيةٍ ترتكبها تفسد علاقتك مع الله ، هذه المعصيَة تُشَكِّل حِجابًا بينك وبين الله ، وكلّما كبرتْ هذه المعصيَة ازداد هذا الحِجاب كثافة ، ويصْعب هتكه بعد ذلك ، لذلك أخطر شيءٍ أن تفسد علاقتك بالله عز وجل ، قال الله تعالى :

﴿ سَيُصِيبُ الَّذِينَ أَجْرَمُوا صَغَارٌ عِنْدَ اللَّهِ وَعَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا كَانُوا يَمْكُرُونَ ﴾

( سورة الأنعام : من الآية 124 )

 قال تعالى :

 

﴿ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا(44)﴾

( سورة الفرقان )

 قال تعالى :

 

﴿ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ ﴾

( سورة المنافقون : من الآية 4 )

وقال تعالى :

 

﴿ كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ(50)﴾

( سورة المدثر )

3 ـ الفساد مانعٌ من العلم والأدب :

 ما اسْترذل الله عبْدًا إلا حظرَ عليه العِلم والأدب ، إذا فسدَت العلاقة بينك وبين الله ، فالعِقاب الصارم أنَّ الله سبحانه وتعالى يحْضر عليك العِلْم والأدب ، كُلْ كما تأكل البهائم وتمتَّع ، ونَمْ نومًا عميقًا مريحًا ، اسْتيقِظ الساعة الحادية عشرة ، وافْعل ما تشاء ، واذْهب إلى حيث تشاء ، ولكنَّه محظور عليك العلم والأدب ، قال تعالى :

﴿ وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ(14)﴾

( سورة القصص )

 أثْمنُ عطاءٍ يُعطاهُ الإنسان ؛ العِلم والحكمة ، أما أن يكون غنيًا فالله تعالى أعطى قارون المال ، وهو لا يحبّه ، وقد تفسدُ العلاقة بين الإنسان وعقله ، فلا يستخدم عقلهُ ولا يُطَوِّرُ مفاهيمه في إدراك الأشياء ، ولا يُنَمِّيها ، ويسيء استخدام قدراته العقلية ويعطّلها ، فإما أن لا يستخدمه إطلاقاً ، وإما أن يستخدمه في الإيقاع بين الناس ، وإما أن يرفض نموّ عقله وانفساحه ، قال تعالى :

 

﴿ وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ(14)﴾

( سورة القصص )

 إذاً : تراه إما أن يُعَطِّله ، وإما أن يُسيء اسْتخدامه ، وإما أن يجمِّده ، ومَن فعل هذا فقد فسدت علاقة الإنسان مع عقله ، وأخطر أنواع الفساد أن تفسد العلاقة بينك وبين ِرَبِّك ، وقد تفسد العلاقة مع زوجتك ، إذا أطلقت بصرك للحرام يغدو بيتك جحيماً ، أما الذي يغضّ بصرهُ عن محارم الله فإن الله يورثه في قلبه حلاوةً إلى يوم يلْقاه ، وأوّل ثمنٍ لهذا الغضّ أن يُوَفِّق الله بينك وبين زوجتك ، فإذا أقام الزوجان الشرع في البيت تولى الله التوفيق بينهما ، وإذا خالف الزوج والزوجة شرع الله تولى الشيطان الإيقاع بينهما ! وتفسدُ العلاقة بينهما ، ويزداد الخرق اتساعاً بينهما يوما بعد يوم ، وتسوء العاقبة .
 الذي يأخذ رَشْوَةً يفسُد ويُفسِد ، والذي يؤديها يُفْسِدُ ويفسُد ، يفسد هذا الموظّف معيشته ، ويجعله يعيش في بحبوحة وسعة لا يرضى أن ينزل مستواها بعد ذلك ، فيُحافظ على أكل الحرام ، والذي يُبالغ بالزِّينة يغرسُ حبّ الدنيا في قلوب الناس ، فإن كانوا مثله قادرين تنافسوا على حُطام الدنيا ، وإن كانوا فقراء أوْدَعَ الله في قلوبهم حُرْقةً طوال حياتهم ، قال تعالى :

 

﴿ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ ﴾

( سورة هود )

 هذه الآية واسعة جدًّا ، فأيَّة معصيةٍ تفسدُ بها مجتمعًا ، وتفسدُ علاقتك بالله عز وجل ، لذلك : ألا يا ربّ شهوة ساعةٍ أوْرَثَتْ حزنًا طويلاً !
 قال تعالى :

 

﴿ بَقِيَّةُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ ﴾

( سورة هود )

معنى : بَقِيَّةُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ

1 ـ هامش الربح المشروع :

 هذه آية دقيقة جدًّا ، ما بقيّة الله ؟ أيْ إذا أدَّيْت الوزن الصحيح ، أو الكيل الصحيح ، أو الطول الصحيح أو المساحة الصحيحة ، وإذا كان العداد صحيحًا ، ولم تضف ، ولم تغشّ ... كما حدَّثتكم من قبل إذا فعلْتَ هذا فهامشُ الرِّبْح المشروع الذي يبقى لك ، أن يُبارك الله لك فيه ، فهو تعالى يحفظك من أمراضٍ وبيلة ، ومن أجور أطباء ، وأجور تحاليل وهدْر الوقت ، إذا أكلت الحلال بارك الله لك بهذا المال .
 أحدهم ذهب ليُصلِّح مركبته ، فقال له المُصلِّح : هذه تكلِّفك عشرة آلاف ليرة ، يبْدو أنَّ صاحب المركبة غشيم كما يقولون ، وجاهل ، وحريص على هذه المركبة ، فاتَّفَق معه ، فلما ولَّى صاحب المركبة مُدْبرًا قال المصلح لجاره : هكذا الرِّبْح !! وهكذا العمل !! فقال له : والله هذا حرام ، وكان ابن هذا المُصلِّح يعمل في مخرطة دخلت نثرة فولاذ في عينه فأخذه إلى المستشفى في بلد مُجاوِر ، ودفع عشرة آلاف ليرة كي تُسْتخرج هذه النثرة من عَين ابنه ! فالإنسان حينما يحتال ، حينما يغشّ الناس ليس ذكياً ولا فهيماً ، فالله سبحانه وتعالى بالمرصاد ، لو أخذ ألف ليرة بدل عشرة آلاف ليرة من وجه صحيح فهذا الهامش فيه بركة من الله تعالى .
 وأما الذي يُغيِّر ، ويبدل ، ويغشّ ، ويُضيف فإن الله سبحانه وتعالى يُتلفُه مع ماله ، قال تعالى :

﴿ بَقِيَّةُ اللَّهِ ﴾

( سورة هود )

 بعض المفسِّرين قال : البقية هي هامش الرِّبْح المشروع ، هذا الذي أبقاه الله لك ، والله سبحانه وتعالى يُبارك لك فيه .

 

2 ـ طاعة الله :

 وبعضهم قال : طاعتك لله عز وجل هي بقيّة الله تعالى ، وهي خير لنا .

 

3 ـ حِفْظ الله للعبد :

  وبعضهم قال : حِفْظ الله لك هذه بقيّة الله ، وهي خير لك من الرِّبح غير المشروع .

 

4 ـ رحمة الله :

 وبعضهم قال : رحمة الله التي يتجلَّى بها على قلبك خير لك من هذا المال الحرام ، فالرِّبْح الحلال ، أو طاعة الله ، أو حفظ الله ، أو رحمة الله ، أو رزق الله خير لك من هذا الرّبح غير المشروع ، ومن هذا المال الحرام .
 قال تعالى :

﴿ إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ ﴾

( سورة هود )

المؤمنون يعلمون أن المستقيم هو الرابح :

 هذا لا يعرفهُ إلا المؤمنون ، فغيرهم يرفضون هذا الكلام ، أما المؤمنون الصادقون يعرفون أنّ المستقيم هو الرابح في النهاية ، والعاقبة للمتقين .
 حدَّثني أخ عمِلَ مع أُناسٍ كسبوا مالاً حرامًا فقال لي : والله مضى عليهم ثلاثون عامًا وهم يأكلون أموالاً من الحرام ، وفي النِّهاية ما مِن واحدٍ منهم إلا ومدَّ يدهُ إلى الناس قبل موته !! أقْسمَ لي !
 هذا الذي أبقاه الله لك ؛ إما الرِّبح المشروع ، أو رحمته أو توفيقه أو حفظه أو رزقه ، هذا خير لك ، ولكن لا يعرف هذا إلا المؤمن .
 قال تعالى :

﴿ وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ ﴾

( سورة هود )

وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظ

1 ـ عليك بمراقبة الله :

 الإنسان إذا شعر أنّ عليه مراقبة يُضَبِّط الوزن ، وإن لم تكن هناك مراقبة ، أشرك وهو لا يشعر ! المؤمن يضبط من دون مراقبة ، من لم يكن له ورعٌ يصدّه عن معصية الله إذا خلا لم يعبأ بِشَيءٍ من عمله أكان حلالاً أم حراماً ، ويستحيل أن يراقب الإنسانُ الإنسانَ ! مهما ضبطْت الأمور ، من يضبط هذا العامل في الفرن ؟ إذا دخل بيت الخلاء أن يغسل يديه !! لا يوجد إلا الله ، وحتى المراقب يحتاج إلى مراقب !! فهل نضع المراقب في كل مكان ؟ لن نستطيع !! إن لم يكن هناك وازِع داخلي فالقضيّة لا نهاية لها ، ففي غياب الإيمان لا بدّ من أجل ضبط الأمور من مراقبة دقيقة ، ولكنّ هذه المراقبة مهما دقَّتْ لا تستطيع أن تغطِّي كلّ الأشخاص وجميع الأوقات .

2 ـ شتان بين الوازع والرادع :

 مثلاً : في بعض البلاد التي تسمَّى بالمتقدّمة ! انقطَع تيار الكهرباء في إحدى الليالي ببعض المدن ، فارْتُكِبَت في هذه الليلة مائتا ألف سرقة !!! إذًا الأنظمة الوضعيَّة تعتمد على الرادع ، بينما الأنظمة الإلهيّة تعتمد على الوازع ، وشتان بين الرادِع والوازِع .
 سيّدنا عبد الله بن عمر ، وأنا أكرر هذه القصّة مئات المرات ؛ التقى بِبَدَوِيّ وقال له : بعْني هذه الشاة ولم يكن صاحبها بل كان راعياً فقال : ليْسَت لي ، قال : قُلْ لِصاحبها ماتَتْ أو أكلها الذِّئْب ! فقال : ليْسَت لي ، فقال : خذْ ثمنها ، ودع عنك صاحبها فقال : والله إنَّني لفي أشد الحاجة إلى ثمنها ، ولو قلتُ لِصاحبها ماتتْ أو أكلها الذِّئب لصدَّقني ، فإنِّي عنده صادق أمين ، ولكن أين الله ؟! هذا الذي نطمحُ إليه ؛ أن يُراقب العبد ربَّه ، ولا تُحَلّ مشكلاتنا إلا إذا حلَّ الوازع محلَّ الرادِع ، فأنْ يخشى الإنسان ربَّه ، ويراه يراقبهُ في كلّ حركاته وسكناته .
 بعضهم قال : كلّ ما نستطيع أن نفعله مع المدرِّس أن نجعله يدخل الصفّ الساعة الثامنة ، فإذا كان مع الطلاب ؛ فهل يُدرِّسهم ؟ وهل يعتني بهم ؟ وهل يُتْقن عمله ؟ هل يُعنى بِتَطَوُّرهم وتقدّمهم ؟ هذا عائدٌ إلى وِجْدانه المسلكي ، فمهما ضبطْت الأمور ؛ دخل الساعة الثامنة ، وانتهى الأمر ! جاءهُ المفتِّش في السنة مرّة أو مرَّتين ، وإذا علم مسبقًا بقدومه بدا كأحسن مُدَرِّس ، ولكنّ المعلّم الذي يعرف الله سبحانه وتعالى يراقب الله في كلّ العام ، فبدل أن يكون له درس واحد نموذجي أمام المفتش ، تكون كلّ الدروس نموذجيّة على مدار العام ، هذا إن عرف الله .
 إذاً هذا شأن المعلّم ، وكذلك الطبيب والمحامي والمدرّس ، وكذلك العامل ، إذا عرفْت ربّك استقمْت على أمره ، وهذا هو الحلّ ، وما من حلّ آخر ، فمهما دقَّقْت في المراقبة ، والمراقَبْ قد يكون أذْكى من المُراقِب .
 مثلاً : كانوا يستخدمون ميزانا ليعرفوا أنَّ الحليب كامل الدسم ، فلجئوا إلى نزع خير الحليب ، ووضْع النشاء مكانه ، فإذا وضعت الميزان بدا وكأنَّه كامل الدَّسم ، استُقْدمَت أجهزة معقَّدة لِكَشف الدَّسم ، فأصبح الخلل في الذي يعمل على الجهاز ، إذا قبضَ مبلغًا رشوةً يقول : الحليب جيّد ، فالقضيّة إذاً لا حلّ لها إلا أن يكون في القلب الإيمان ، وأن يخشى الإنسان ربَّه .
 مُحَلِّلٌ تأتيه عيّنة لِيَفْحصها ، يضعها على الطاولة ، ويكتب : النِّسبة صحيحة مائة بالمائة ، ليقبض الثَّمَن حراماً !! وقد تجد الأخطاء من أصحاب الخِبرات والمثقَّفين بشكْل أخطر ! إن لم يكن في القلب إيمان فسدت الحياة ، فلا بد من الإيمان كي تصلح أمور الناس ، ولا بدّ من الصلح مع الله ، وإذا رجع العبد إلى الله نادى منادٍ في السماوات والأرض أنْ هنِّئوا فلانًا فقد اصطَلَح مع الله !!
 ما قولكم أنَّ بعض بائعي العصير يضعون خمسين إبرة من الماء للبرتقالة الواحدة وهناك من يمزج الزيت النباتي بالبلدي ، فلا بدّ من الإيمان بالله ، ولا بد من مراقبة الله كي تستقيم الأمور ، أما على أساس الرادع فلا يمكن أن تُغطِّي المراقبة كلّ الناس في كلّ الأوقات .
 وفي درس آخر إن شاء الله تعالى نتابع قصَّة سيّدنا شعيب ، وصلنا إلى قوله تعالى :

﴿ بَقِيَّةُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ ﴾

( سورة هود )

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018