الدرس : 10 - سورة هود - تفسير الآيات 69 ـ 83 - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الدرس : 10 - سورة هود - تفسير الآيات 69 ـ 83


1986-03-21

الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا ، إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علِّمنا ما ينْفعنا ، وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما ، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه ، وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه ، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه ، وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين .
أيها الإخوة المؤمنون ، وصلنا في سورة هود إلى قصّة سيّدنا إبراهيم وقصّة سيّدنا لوط ، يقول تعالى :

﴿ وَلَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى قَالُوا سَلَامًا قَالَ سَلَامٌ فَمَا لَبِثَ أَنْ جَاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ ﴾

( سورة هود )

قصّة سيّدنا إبراهيم عليه السلام :وَلَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى

1 ـ إبراهيم عليه السلام كان في فلسطين :

قوم لوط يسكنون في أطراف الشام ، وسيّدنا إبراهيم يسكن في فلسطين ، الملائكة الكرام الذين أوكلهم الله سبحانه وتعالى بإهلاك قوم لوط مَرُّوا في طريقهم إلى بلاد الشام ، مروا على سيّدنا إبراهيم عليه وعلى نبيّنا أفضل الصلاة والسلام ، قال تعالى :

﴿ وَلَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى ﴾

( سورة هود )

2 ـ ما هي البشرى التي جاءت بها الملائكة ؟

ما هي البشرى ؟ العلماء فسَّروا هذه البُشْرى بأحد معْنييْن :

المعنى الأول :

أنَّ سيّدنا إبراهيم له مِن هاجر إسماعيل الذبيح عليه السلام ، أما امرأته سارة فقد كانت عقيمًا لا تلِد ، وأراد إبراهيم عليه وعلى نبيّنا أفضل الصلاة والسلام أن يكون له ولد من امرأته الأولى سارة ، فجاءت الملائكة ، وبشَّرتْهُ بالولد الطيِّب إسحاق الذي أصبح نبيًّا ، والذي جاء مِن نَسْله سيّدنا يعقوب عليه وعلى نبيّنا أفضل الصلاة والسلام ، فهذه هي البشرى .

المعنى الثاني :

المعنى الآخر للبشرى أنّ الملائكة أخبروه بأنَّهم مُهْلِكوا قوم لوط المفسدين .

 

3 ـ أفضل كسْب الرجل ولدُه :

إذًا : يُعدُّ الغلام بشرى لِما قد يفتح الله على يديه ، لحديث أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ :

(( إِذَا مَاتَ الْإِنْسَانُ انْقَطَعَ عَمَلُهُ إِلَّا مِنْ ثَلَاثَ : صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ ، وَعِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ ، وَوَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ ))

[ رواه النسائي ]

النبي عليه الصلاة والسلام يقول :

(( أفضل كسْب الرجل ولدُه ... ))

[ الطبراني عن أبي بردة بن نيار ، وإسناده ضعيف كما في الجامع الصغير ]

فحينما تبذلُ مجهودات كُبْرى في رِعايَة أولادك بِقَصْد أن يُعينوك في كِبَرِك فهذا موضوع ، أما إذا بذلْت عِنايةً كُبرى في تعليمهم القرآن ، وتفْقيههم بأحكام الدِّين ليكونوا دُعاةً إلى الله تعالى من بعدك ؛ فهذا موضوع آخر ، فهذا هو الكسب الذي لا ينقطع ، وهذه هي الصدقة الجارية ، أفضل كسب الرجل ولده ، فالبشرى إذًا : إما بالولد أو إهلاك القوم الفاسقين ، وكلاهما بشرى ، قال تعالى :

 

﴿ وَلَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى قَالُوا سَلَامًا ﴾

( سورة هود )

4 ـ السلام تحية الإسلام في الدنيا وفي دار السلام :

طرحُ السلام سنَّة لكنَّ ردَّ السلام فرضٌ ، وإذا حيِّيتم بِتَحيّة فحيُّوا بأحسن منها علماء النحو قالوا : إنَّ كلمة سلامًا شيء ، وسلامٌ شيء آخر ! الضمّ أقوى من الفتح ، وكلّكم يعلم أنَّ أقوى الحركات الكسر فالضمّ فالفتح فالسكون ، فحينما قال : سلامٌ ، وكانوا قد قالوا سلامًا ؛ قال : سلام ، فحيَّاهم بِتَحِيَّة أحسنَ منها ، والنبي عليه الصلاة والسلام أمرنا بإفشاء السلام ، فأحيانًا يكون الإنسان يمشي بِطَريق مُسْتوحَش ، فإذا مرَّ به رجل يكاد قلبه ينخلعُ خوفا ، فالراكب يُلقي على الماشي ، والقويّ على الضعيف ، وكلمة السلام عليكم تبْعث الطمأنينة في النَّفس ، والنبي عليه الصلاة والسلام أمرنا بإفشاء السلام ، وأن نُسلِّم بِسَلام الإسلام : السَّلامُ عليكم ! والسَّلامُ اسمٌ من أسماء الله سبحانه وتعالى ، قال تعالى :

 

﴿ هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ ﴾

( سورة الحشر : من الآية 23 )

والآخرة دار السلام ؛ لا نغصَ ولا تعب ، ولا هم ولا حزن ، ولا قلق ولا خوف ، ولا وجل ، ولا كِبَر ولا مرض ، قال تعالى :

 

﴿ وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ ﴾

( سورة يونس : من الآية 25)

اللهمّ أبلِغْنا دار السلام بِسَلام ، فإفشاء السلام سنَّة نبويّة مطهرة ، ولكنّ ردَّ السلام فرض ، والأولى أن يُردَّ بأحسن منها .
قال تعالى :

 

﴿ قَالُوا سَلَامًا قَالَ سَلَامٌ فَمَا لَبِثَ أَنْ جَاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ(69)﴾

( سورة هود )

قَالُوا سَلَامًا قَالَ سَلَامٌ فَمَا لَبِثَ أَنْ جَاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ(69)

1 ـ من آداب الضيافة تعجيل الطعام والقِرَى :

الله سبحانه وتعالى في هذه القصة يُعلِّمنا آداب الضِّيافة ، أوَّلاً الاستِعداد للضّيْف ، وقتٌ قصيرٌ جدًّا بين دُخولهم عليه ، وبين تقديم العِجل الحنيذ لا بدّ أنَّه مستعدّ للضِّيافة ، والشيء الثاني أنَّه من آداب الضِّيافة السرعة في تقديم الطعام ، قد يأتي المسافر من مكان بعيد ، وقد يكون جائعًا ، وأنت تُدْخِلُهُ غرفة الضيوف ، وينتظر إلى أن يكاد أن ينفجِر ، أما السنَّة المطهّرة فما لبِثَ ! أيْ سريعًا ما جاء بالطعام ، قال تعالى :

﴿ فَمَا لَبِثَ أَنْ جَاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ(69)﴾

( سورة هود )

2 ـ معنى : بِعِجْلٍ حَنِيذٍ

الحنيذ هو العِجْل المشويّ على الحجَر ، وقالوا : العِجل السَّمين ، على كُلٍّ قدَّم سيّدنا إبراهيم لِضيوفه أطْيَب الطعام ، والنبي عليه الصلاة والسلام يقول :

(( المؤمن كالنَّحلة لا تأكل إلا طيِّبًا ، ولا تُطْعمُ إلا طيِّبًا ))

[ ورد في الأثر ]

هذا الذي يُقدِّم طعامًا لا يأكله ، مُحاسَبٌ عند الله سبحانه وتعالى ، قال تعالى :

 

﴿ فَمَا لَبِثَ أَنْ جَاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ(69)﴾

( سورة هود )

يعني أن العجل سمينٌ مشوي ، ثمَّ يقول تعالى :

 

﴿ فَلَمَّا رَأَى أَيْدِيَهُمْ لَا تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ ﴾

( سورة هود )

فَلَمَّا رَأَى أَيْدِيَهُمْ لَا تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ

1 ـ ضيوف إبراهيم من الملائكة :

لا تنظر إلى الضيف وهو يأكل :

يُكرهُ أن يتأمَّل صاحبُ الدعوة ضيوفهُ كيف يأكلون ؟ يُرْوى أنَّ أعرابيًّا جلس عند رجل وأكل عنده ، فقال هذا الرجل المُضيف : في لقمتك شَعرة ! فقال : تنظرُ إليّ حتّى ترى الشَّعْرة في لُقْمتي ، أنا لا آكُل طعامك أبدًا ، فتأمّل الضيف ، وهو يأكل ليس من آداب الإسلام ، ولكنّه أحيانًا يجب أن تخْتلسَ النَّظر إليه فلعلَّه لا يأكل ! ولعلَّهُ في خجَل ، ويبْدو أنَّ سيّدنا إبراهيم عليه وعلى نبيّنا أفضل الصلاة والسلام اخْتلسَ النَّظر إليهم ، فرآهم لا يأكلون ، قال تعالى :

﴿ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً ﴾

( سورة هود )

2 ـ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً

لأنَّ من عادة أبناء الرِّيف الكرام أنَّهم كُرماء ، وأنَّ أحدًا إذا لم يأكل من عندهم يظنُّون به الظُّنون ، لأنَّك إذا أطْعمْتَ إنسانًا ، أو أكلتَ عند إنسانٍ صار بينك وبينه كما يقال خبزٌ وملح ، وهذا الخبز والملح يمْنَعُ الخِيانة والغَدْر ، والقنْص ، ما دام أكل عندك ، وأكلتَ عنده فبينكما عهْدٌ ، لذلك قال عليه الصلاة والسلام :

(( إنَّ الله يسأل العبد عن صُحبة ساعة ))

[ ورد في الأثر ]

إذاً : سيّدنا إبراهيم رأى أيْدِيَهم لا تصل إليه ، لا يأكلون ، هذا الذي لا يأكل عند مُضيفِهِ يَنْوي شرًا ، أو يُزْمِعُ أمرًا خطيرًا ، قال تعالى :

 

﴿ فَلَمَّا رَأَى أَيْدِيَهُمْ لَا تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ ﴾

( سورة هود )

والعلماء قالوا : من آداب الضِّيافة أن تُسْرعَ في تقديم الطعام ، ومن آداب الضَّيْف أن يُسْرع في الإجابة ، قال تعالى :

 

﴿ فَلَمَّا رَأَى أَيْدِيَهُمْ لَا تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً ﴾

( سورة هود )

حينما رأَوْهُ خائفًا منهم ، وظنَّ بهم الظنون ، أوْجسَ في نفسِهِ خيفة ، قال تعالى :

 

﴿ قَالُوا لَا تَخَفْ إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمِ لُوطٍ ﴾

( سورة هود )

قَالُوا لَا تَخَفْ إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمِ لُوطٍ

تطمين الملائكة لإبراهيم :

نحن لسْنا من بني البشر ، نحن لا نأكل هذا الطعام ، هذا طعام البشر ونحن ملائكة ، قال تعالى :

﴿ إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمِ لُوطٍ ﴾

( سورة هود )

لا تخف إن أرسلنا إلى قوم لوط ، وقال بعض العلماء : لماذا لم يُخْبروه منذ أن دخلوا أنَّهم ملائكة ، كيف يبْدو كرمهُ عليه الصلاة والسلام ؟ لو أنَّه علِمَ أنَّهم ملائكة لا يظهر هذا الكرم الذي ينْطوي عليه ، لكنَّهم أخَّروا تعريفهم بأنفسهم إلى أنْ بدَا كرمُهُ الشَّديد وحِرْصهُ على إطعام الضَّيف ، وفي بعض الأحاديث الشريفة أنَّ الضيف يأتي برِزْقه ، ويرْتَحِلُ بِذُنوب القوم ! قال تعالى :

 

﴿ إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمِ لُوطٍ (70)وَامْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ﴾

( سورة هود )

وَامْرَأَتُهُ قَآئِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِن وَرَاء إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ

1 ـ المرأة قائمة في خدمة الزوج :

لو تعلم المرأة حقّ الزَّوج ما قعَدَتْ ما حضر طعامه أو غذاؤه بل ظلّت قائمة لِخِدمتهِ وخدمة ضُّيوفه ، ولكنّ في بعض التفاسير ، وهو تفسير القرطبي قال : قائمة خلْفَ السِّتار ، أما أنْ تدخل المرأة لِتُقدِّم الطعام للضيوف فهذا يتناقض مع سنَّة النبي عليه الصلاة والسلام ، ومع حقائق الإسلام ؛ هذه امرأة وهي زوجة ، في هذا التفسير ، هكذا ورَدَ ، و امرأتهُ قائمة خلْف السِّتار للِخِدمة ، وعلى كلّ الذي يدْعو إخوانه إلى الطعام لا يذهبنّ به الظنّ إلى أنَّ الأجر له وحدهُ ؛ الأجر منقسِمٌ إلى أقسام ثلاثة فهو له منه الثّلث ، ولزوجته التي بقيَتْ تُعدّ الطعام لِساعات طويلة لها الثلث الثاني ولأولاده الذين قدَّموا الطعام ، وخدموا الضيف الثلث الباقي ، وبعض الأحاديث تُشير إلى هذا المعنى ، قال تعالى :

﴿ وَامْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ فَضَحِكَتْ ﴾

( سورة هود )

أي قائمة بِخِدمته ، وخِدمة ضيوفه .
لي صديق تُوُفِّيَت أُمّه فذَهَبْتُ لأُعزِّيَه ، وقد مكثْتُ طويلاً عنده إلى أن انْتَهَتْ التَّعزِيَة ، وانْفضَّ المُعَزُّون ، فكان أبوه يبْكي بُكاءً مُرًّا ، أُمُّه مُتقدِّمة بالسنّ ، وأبوه كذلك ، وقد أمْضَيا معًا أكثر من خمسين عامًا ، ما هذا البكاء المرّ ؟! حينما حاول بعض الأهل أن يهونوا عليه المصاب قال : والله أمْضَيْتُ معها خمسين عامًا ، ما نِمْتُ ليلةً واحدة وأنا غاضبٌ عليها ! وهكذا كان السلف الصالح .
ثمَّ يقول تعالى :

 

﴿ فَضَحِكَتْ ﴾

( سورة هود )

2 ـ فَضَحِكَتْ

مِمَّ ضَحِكَتْ ؟! هنا معنى آخر ، وهي أنَّ المرأة الصالحة تتعاطف مع زوْجها تعاطفًا كبيرًا ، مأساتُهُ مأساتها ، ومسرَّاتُه مسرَّاتُها .
أوْصَتْ امرأةٌ ابْنَتها قبل أن تُزفَّ إلى زوجها فقالتْ لها : " اتَّقِي الفرَح بين يديه إن كان ترحًا ، والترح بين يديه إن كان فرحًا ، فإنَّ الخصْلة الأولى من التقصير ، والثانية من التكدير " .
يبْدو أنَّها لما علِمَت أنَّه قلقٌ من هؤلاء الضيوف ، حينما علمتْ قلقهُ وخوفهُ قلقَتْ لِقَلقِه ، وحزنَت لِحُزْنِهِ .
خطب إنسانٌ امرأةً من أُسرةٍ صالحة ، فلمَّا دخل بها إلى غرفة الزوجية وجدَ كمالاً وصلاحًا ، فصلى ركْعتين شُكرًا لله على نِعمة الزَّوجة الصالحة ، قال : فلمَّا سلَّمْتُ من صلاتي وجدتها تُصلِّي بِصَلاتي ، وتُسلِّم بِسَلامي ، وتشْكُر بشُكري ! والنبي قال : المرء على دين خليله ، وكان الإمام الشعراني رحمه الله يقول : أنا أعرف مقامي عند الله من أخلاق زوجتي ، قال تعالى :

 

﴿ وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ(21)﴾

( سورة الروم )

هذا هو الأصل ، وهذا هو التصميم الإلهي ، وهذه هي هندسة الله سبحانه وتعالى ، قال تعالى :

 

﴿ وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ(21)﴾

( سورة الروم )

فما بال معظمُ بيوت المسلمين فيها المُشاحنة والبغضاء ، والمُشاكسة والخِصام والشِّقاق ؟ السَّبب بسيط جدّا ، إذا أطاع الزوجان ربّهما توَّلى الله سبحانه وتعالى التوفيق بينهما ، فكان هذا البيت جنَّة صغرى ، وإذا عصيَا الله سبحانه وتعالى تولَّى الشيطان التفريق بينهما قال تعالى :

 

﴿ وَامْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ فَضَحِكَتْ ﴾

( سورة هود )

قائمة لخدمته وخدمة ضيوفه ، وقائمة من وراء السِّتار ، حينما علِمَت قلقه قلِقَتْ لِقَلَقِهِ ، وحينما عَلِمَتْ حُزْنَهُ حزَنَتْ لِحُزْنِهِ ، فلما بُشِّر من قِبَل هؤلاء الملائكة أنَّهم ملائكة قد أُرسلوا إلى قوم لوط زال حزنه ، وقلقهُ ووجلهُ ، فَعَلِمتْ بِذلك فَضحِكَت ‍، هذا هو التعاطف ، والمشاركة الوجدانيّة ، أنت هي ، وهي أنتَ .
قال تعالى :

 

﴿ فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ ﴾

( سورة هود )

3 ـ فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوب

العلماء استنبطوا أنَّ الذبيح هو إسماعيل ، وهو أسنّ من إسحاق ، وإسماعيل الذبيح ، وهو من ولدِ هاجر ، وهذه سارّة ، قال تعالى :

﴿ فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ ﴾

( سورة هود )

الله لا يعجزه شيء ، وهو خالق الأسباب :

الآن هناك موضوع جديد ، هذه امرأةٌ مُتَقَدِّم في السنّ ، وقد انْقَطَعَت دوْرتها منذ عشَرات السِّنين ، فأنَّى لها أن تلِد ؟! الله سبحانه وتعالى جعلَ لِكُلّ شيءٍ سببًا ، وهو مُسبِّبُ الأسباب ، ومن أجل أن تعرفَ أنّه مُسبِّب الأسباب يُعطِّل أحيانًا بعض الأسباب ، ولو أنَّها لم تُعطَّل لَظُنّ أنّ الأسباب هي التي تخلق المُسبَّبات ، والله هو مُسَبِّبُ هذا السَّبَب ، فمادام السّبب من خلْق الله يُعطِّلُهُ متى يشاء .
قال تعالى :

﴿ قَالَتْ يَا وَيْلَتَا أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهَذَا بَعْلِي شَيْخًا ﴾

( سورة هود )

قَالَتْ يَا وَيْلَتَا أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهَذَا بَعْلِي شَيْخًا

استغراب امرأة إبراهيم من بشرى الملائكة بالولد :

يا ويْلتا !!! هذه من ألفاظ التعجّب ، الله عز وجل جعل هناك نِظام التَّوالد أنْ يكون هناك أبٌ وأُمّ وزواج وهذه هي الحالة العامة للتوالد ، ثم إن هناك مولوداً من دون أب ؛ هو سيّدنا عيسى عليه وعلى نبيّنا أفضل الصلاة والسلام ، وهناك مولود من دون أمّ ، وهي أمّنا حواء ، وهناك من يتزوّج بامرأة ولا ينجبُ أولادًا ، بمعنى أن أحدهما أو كلاهما عقيم ، وسيّدنا آدم من دون أب ومن دون أمّ ، هذه هي الحالات الأربع للخلق والتوالد ، امرأةٌ واحدة يجوز لنا النظر إليها جميعنا ، وهي أُمّنا حواء ، وحينما يُعطِّل الله الأسباب فهذا إشارة منه سبحانه إلى أنَّه مُسَبِّب الأسباب ، قال تعالى:

﴿ قَالَتْ يَا وَيْلَتَا أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ ﴾

( سورة هود )

جملة وأنا عَجوزٌ : جملة حالِيَّة ، قال تعالى :

 

﴿ قَالَتْ يَا وَيْلَتَا أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهَذَا بَعْلِي شَيْخًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ ﴾

( سورة هود )

كُنْ فيكون ، زُلْ فيَزُول ، قال تعالى :

 

﴿ قَالَتْ يَا وَيْلَتَا أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهَذَا بَعْلِي شَيْخًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ ﴾

( سورة هود )

فالبحر صار طريقًا يبَسًا على يدي سيدنا موسى ، والنار كانت برْدًا وسلامًا على إبراهيم فلم تُحْرِق والناقة خرجت من الجبل ، وهذه الأشياء لها معنى كبير ، وهي أنَّ الله سبحانه وتعالى يجعلُ لكلّ شيءٍ سببًا ، وقد يُلْغي هذا السَّبب ، إذًا هذا السَّبب بيَدِهِ فهو مُسَبّبُ الأسباب ، لو أنَّ الله سبحانه وتعالى لم يخرق هذه الأسباب ماذا يُظَنّ ؟! أنَّ هذه الأسباب هي التي تخلق المُسَبَّبات ؛ أطِبَّاء مثلاً يقولون لك : هناك حالة نادرة تُسمَّى الشِّفاء الذاتي ، لماذا ؟ لأنَّ الشِّفاء يحتاج إلى سبب ، والله خالق السَّبب ، من أجل أن تعرف أنَّ تأثير هذا السَّبب بالشِّفاء عن طريق الله سبحانه وتعالى قد يخلق الشِّفاء بلا سبب ، والأطباء سمَّوهُ الشِّفاء الذاتي ، أي من عند الله مباشرةً .
قال تعالى :

 

﴿ قَالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ رَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ ﴾

( سورة هود )

قَالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ رَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْت

نساء الرجل من أهله ، فأزواج النبي عليه الصلاة والسلام من أهل البيت ، وهنَّ أُمَّهات المؤمنين ، قال تعالى :

﴿ رَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ ﴾

( سورة هود )

1 ـ الرحمة هي التَّجلي :

الرحمة هي التَّجلي ، والقُرْب من الله يُسبِّب الشعور بالرحمة ، لذلك عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رَضِي اللَّه عَنْه أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ :

(( رَحِمَ اللَّهُ رَجُلًا سَمْحًا إِذَا بَاعَ ، وَإِذَا اشْتَرَى ، وَإِذَا اقْتَضَى ))

[ رواه البخاري ]

فهذا الذي يُعامل الناس باللِّين يرْحمهُ الله سبحانه وتعالى ، قال تعالى :

 

﴿ إِنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنْ الْمُحْسِنِينَ(56)﴾

( سورة الأعراف )

هذا هو التَّجلي ، ورحم الله امرأً صلى قبل العصر أربعًا ، وكلّ حديث فيه رحِمَ الله ، أيْ أنَّ الله سبحانه وتعالى يتجلَّى على هذا الإنسان بِتَجَلٍّ يُسبِّبُ شعورًا بالرّحمة ، رحمة الله وبركاته عليكم أهل البيت ، البركات النُمُوّ والزِّيادة ، قال تعالى :

 

﴿ إِنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنْ الْمُحْسِنِينَ(56)﴾

( سورة الأعراف )

وقال تعالى :

 

﴿ تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ(1)﴾

(سورة الملك)

إنسانٌ مُبارك يعني خيرهُ عميم .
ثمّ يقول تعالى :

 

﴿ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ(73)﴾

( سورة هود )

2 ـ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ

أفعاله سبحانه وتعالى يُحمدُ عليها في النِّهاية ، ما من حدث يقعُ على وجه الأرض ، منذ أن خلق الله الأرض ، وحتى قيام الساعة ، إذا كشف الله للبشر عن أسبابه ، وعن حِكمته لا يمْلِكُ البشَرُ إلا أنْ يقولوا : الحمد لله رب العالمين ، قال تعالى :

﴿ وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنْ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ(10)﴾

( سورة يونس )

عدل الله مطلق لا يشوبه ظلمٌ :

الله سبحانه وتعالى مطلق ، معنى مطلق أنَّ عدالته مطلقة ، وحكمته مطلقة ، ورحمته مطلقة ، فالمطلق لا يُحْتَمل منه أدنى نقص مهما كان صغيرًا ، ستَّة آلاف مليون إنسان على وجه الأرض ، لو أنَّ إنسانًا واحدًا ظُلِم لكان هذا يتناقض مع أُلوهيّة الله سبحانه وتعالى ، ولا يظلم ربك أحداً ، فعَنْ أَبِي ذَرٍّ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيمَا رَوَى عَنْ اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى أَنَّهُ قَالَ :

(( يَا عِبَادِي ، إِنِّي حَرَّمْتُ الظُّلْمَ عَلَى نَفْسِي ، وَجَعَلْتُهُ بَيْنَكُمْ مُحَرَّمًا ، فَلَا تَظَالَمُوا ))

[ مسلم عن أبي ذر ]

قال تعالى :

 

﴿ وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا(77)﴾

( سورة النساء )

وقال تعالى :

 

﴿ لَا ظُلْمَ الْيَوْمَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ(17)﴾

(سورة غافر)

وقال تعالى :

 

﴿ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ(40)﴾

(سورة العنكبوت)

الله عز وجل لا يغفل عن مخلوق ، ويعطي كلّ ذي حقٍّ حقَّه بالكمال والتَّمام ، فإذا قدِمنا على ربِّنا يوم القيامة وكشف لنا الحقائق ، فلا نمْلكُ إلا أنْ نقول : الحمد لله رب العالمين ، لذلك فإن الإمام الغزالي رضي الله عنه عبَّر عن هذه الحقيقة فقال : " ليس في الإبداع مما كان
" ، بعضهم فسَّرها فقال : ليس في إمكاني أبدعُ مِمَّا أعطاني ، هذا الذي أنت عليه اليوم هو أكْمَلُ شيءٍ لك ، وأنسبُ شيءٍ لك وأحكمُ شيء لك ، أعونُ شيءٍ لك على إسْعادك في الآخرة ، ليس في إمكاني أبدعُ مِمَّا أعطاني .
قد تحمدُ إنسانًا لا ينْتَزِعُ إعجابك ، وقد تُعجَبُ بإنسان لا تُحِبّه ، في حياتنا اليوميّة قد تلتقي بإنسانٍ ذكيّ جدًّا إلا أنَّه لئيم ، ينتزعُ إعجابك بِذَكائه إلا أنّ قلبك يمقُته لِلُؤْمِهِ ، وقد تلتقي بإنسان ينْتزعُ محبَّتك بلُطْفِهِ ، ولكنّك لا تُعْجبُ به لِضَعف تفكيرهِ ، ولمحدوديَّته ، ولكنَّ الله سبحانه وتعالى حميدٌ مجيد ، عُلُوّه لا حدود له ، ومع ذلك يُعاملُكَ معاملةً تحمدُهُ عليها ، هذا يفسِّر قوله تعالى :

 

﴿ تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ(78)﴾

(سورة الرحمن)

قد يأخذ الإنسان شهادات عليا ، وقلبهُ معلَّق بِوالدَتِه ، ولكنَّ والدته غير متعلِّمة ؛ يُحبّها ولكنَّه إذا طرح معها موضوعًا فكريًا لا تنال إعجابه في أسلوب حديثها ، وأسلوب مناقشتها ، وقد يلتقي بأُستاذٍ قدير ، وقاسي القلب يُعْجبُ به ، ولا يحترمه ولا يحبُّه ، وقد تحبّ إنسانًا ولا تحترمهُ، ولكنّ الله سبحانه وتعالى الذات الكاملة ؛ ذو الجلال والإكرام ؛ عظيم لا حدود لعظمته ، وكريم لا حدود لكرمه ، تُحبّه وتعظّمه ، لذلك يا رب ، أيّ عبادك أحبُّ إليك حتى أُحبّه بِحُبِّك ؟ قال : أحبّ العباد إليّ تقيّ القلب نقيّ اليدين لا يمشي إلى أحدٍ بِسُوء ، أحبَّني ، وأحبَّ من أحبَّني ، وحبَّبني إلى خلقي ، قال : يا ربّ ، إنَّك تعلم أنِّي أُحبّك وأحبّ من يُحِبُّك ، فكيف أُحبِّبُك إلى خلقك ؟ قال : ذكِّرْهم بآلائي ، ونعمائي ، وبلائي ، ذكرهم بآلائي من أجل التعظيم ، وبنعمائي من أجل المحبة ، وبلائي من أجل الخوف .
لا بدّ من أن يجتمعَ في قلبك محبَّةٌ وإجلال ، وخوف ، فالخوف حتى لا تعصيه ، والمحبّة حتى تُقبِلَ عليه ، والتعظيم حتى تنصرف إليه وتدَعَ ما سِواه إجلالاً وخوفاً ومحبَّةً .
قال تعالى :

 

﴿ فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ الرَّوْعُ وَجَاءَتْهُ الْبُشْرَى يُجَادِلُنَا فِي قَوْمِ لُوطٍ ﴾

( سورة هود )

فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ الرَّوْعُ وَجَاءَتْهُ الْبُشْرَى يُجَادِلُنَا فِي قَوْمِ لُوطٍ

1 ـ معنى : يُجَادِلُنَا فِي قَوْمِ لُوطٍ

سيّدنا إبراهيم يُجادل الله سبحانه وتعالى من خلال مجادلته للملائكة الذين قدموا عليه بخبر قوم لوط الذين أراد الله إهلاكهم ، هنا المجادلة تعني أشياء كثيرة ، أحيانًا الطبيب يقرِّرُ قطْع هذه اليد ، لأنَّ مرض المُوات بدأ يتغلْغلُ فيها ، فإن لم تُقْطع اليوم من هنا قُطِعت بعد يومين من مكان آخر أدنى إلى جسمه ! فقرار الطبيب لا رَجْعة فيه ، لأنَّه مَبْنيّ على علم ، وحكمة ودِقَّة تقدير ، من الذي يُجادل الطبيب ؟ الأب ، ينطلق الأب من رحمة ، لكنَّ عِلْم الأب لا يرْقى إلى عِلْم الطبيب ، لذلك يُجادله فربّنا عز وجل أراد إهلاكهم ، ولكنّ سيّدنا إبراهيم لما انطوى في قلبه من رحمة ومحبّة للبشر يُجادلنا في قوم لوط ، قال تعالى :

﴿ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُنِيبٌ ﴾

( سورة هود )

2 ـ هذه بعض صفات إبراهيم عليه السلام : حَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُنِيب

هذه صفات الأنبياء ، كاد الحليم أن يكون نبيًّا ، والحلْمُ سيِّد الأخلاق ، لو علمتم ما أعلم لضحكتم قليلا ، ولبكيْتُم كثيرًا .
الأم التي لها ابن مريض لا تضحك ، الأخ يضحك ، ولكنّ الأم لا تضحك ، الأم التي لها ابن مسافر تبْدو قلقة بِشَكل مُسْتمرّ ، والأم التي لها ابن مريض تبْدو قلقة ، لأنَّ قلب الأم لا يعرف القسْوة ، وقلب الأم يسعُ كلّ الأولاد ، ولكنّ الابن إذا كان مُعافًى يضحك ، ويقول : أخي مريض ، الله يشفيه ، وماذا أستطيع أن أفعل له ؟ قال تعالى :

﴿ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُنِيبٌ ﴾

( سورة هود )

معنى منيب راجعٌ إلى الله سبحانه وتعالى في كل أحواله ، قال تعالى :

 

﴿ يَا إِبْرَاهِيمُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا ﴾

( سورة هود )

يَا إِبْرَاهِيمُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا

1 ـ أمرُ اللهِ إبراهيمَ بترك جدال الملائكة :

أيْ لا تُجادلني ، لأنَّ الله تعالى قال :

 

﴿ فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنْ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ ﴾

( سورة آل عمران : من الآية 159)

وردت كلمة الرحمة نكرة في الآية السابقة - آية آل عمران فهي تتعلق بالرسول صلى الله عليه وسلم ، أما في الآية التالية من سورة هود فقد وردت معرفة ، وقال تعالى :

 

﴿ وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ لَوْ يُؤَاخِذُهُمْ بِمَا كَسَبُوا لَعَجَّلَ لَهُمْ الْعَذَابَ ﴾

(سورة الكهف : من الآية 58)

لأن الله سبحانه وتعالى صاحب الرحمة الكبرى ، ومع ذلك قال تعالى :

 

﴿ يَا إِبْرَاهِيمُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا إِنَّهُ قَدْ جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَإِنَّهُمْ آتِيهِمْ عَذَابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ ﴾

( سورة هود )

2 ـ إِنَّهُ قَدْ جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَإِنَّهُمْ آتِيهِمْ عَذَابٌ غَيْرُ مَرْدُود

أحيانًا يُقرَّر إعدام إنسان ارتكبَ جريمة كبيرة ، وحينما يصْعد مِنصّة المِشْنقة ، فإن بكى أو لم يبْك ، ورجا أو لم يرْجُ ، تأوَّه أو ضحك ، كلّ هذا سيَّان ، هذا أمْرٌ لا مردَّ له ، البطل هو من يحتاط للأمور قبل وُقوعها ، قبل أن يقعَ أمْرٌ لا مردَّ له ، لأنَّه إذا وقع الأمر الذي لا مردَّ له ؛ إن شئت فاضْحك ، وإن شئتَ فابْك ، وإن شئتَ فتوسَّل ، وإن شئْت اُسْكُت ، كُلُّه سيَّان ، أمر غير مردود ، فالبطولة أن تنْجُوَ من هذا العقاب الذي لا مردَّ له ، البطولة وأنت مُعافى ، وأنت في بحبوحة ، و أنت في شبابك ، وأنت في قوَّتك ، وأنت في غِناك ، وأنت في صحّتك تعَرَّف إلى الله في الرخاء من قبل أن يأتي يوم لا مردَّ له ، هذه ساعة عصيبة ، قال تعالى :

﴿ فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ(8)فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ(9)عَلَى الْكَافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ(10)﴾

( سورة المدثر )

قال تعالى :

 

﴿ وَإِنَّهُمْ آتِيهِمْ عَذَابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ ﴾

( سورة هود )

هؤلاء الرسل انتقلوا من فلسطين ، إلى أطراف الشام إلى أرض قوم لوط ، قوم لوط كانوا يحْتلون مجموعة أماكن ، في أطراف بلاد الشام ، تروي بعض القصص أنَّ الله سبحانه وتعالى صوَّر بعض هؤلاء الملائكة على شكل شباب جميلي الوُجوه ، دخل هؤلاء الملائكة على صورة شبانٍ جميلي الصورة ، دخلوا إحدى قُرى قوم لوط ، بنتان لِسَيِّدنا لوط كانتا تجلبان الماء ، فسألوهما عن هذه القرية ، فقالتا : إنّها قرية تعمل الخبائث ، وإنَّهم فساق ، فقالوا لهما : أليس في هذه القرية بيت نضيف عنده ؟! فدلَّتْ إحداهما هؤلاء الملائكة على بيت أبيها لوط ، فلما دخلوا على سيّدنا لوط سيئ بهم ، أي أصبحَ هؤلاء على ذِمّتِه وفي جواره ، ويعلم من قومه أنَّهم فاسقون فاجرون ، إنْ رأَوْهُم تهافتوا إليه لِيَفْعلوا معهم الفاحشة !! سيئ بهم عندئذٍ ، وضاق بهم ذرعًا ، وقال سبحانه :

 

﴿ وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا وَقَالَ هَذَا يَوْمٌ عَصِيبٌ ﴾

( سورة هود )

وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا وَقَالَ هَذَا يَوْمٌ عَصِيبٌ

1 ـ الملائكة في ضيافة لوط عليه السلام :

تروي القصص أنَّ امرأة لوط ذهبت إلى قومها ، وأخبرتهم خِفْيَةً أنَّ عند زوجها شبانًا جميلي السورة ، فإن شئتُم فأتوا لوطًا ، قال تعالى :

﴿ وَجَاءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ ﴾

( سورة هود )

2 ـ إسراع قوم لوط إلى مكان الملائكة :

معنى يُهْرعُ أي يُسْرِعُ ، مع اقتراب من غضب أو رغبة أو خوف ، قال تعالى :

﴿ وَمِنْ قَبْلُ كَانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ ﴾

( سورة هود )

جاءوه ، قال تعالى :

 

﴿ قَالَ يَا قَوْمِ هَؤُلَاءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ ﴾

( سورة هود )

موقف لوط : قَالَ يَا قَوْمِ هَؤُلَاءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ

1 ـ معنى : هَؤُلَاءِ بَنَاتِي

عند هذه الآية وقْفة لا بدّ منها ، فلا يُعْقل أنَّ سيّدنا لوط عليه السلام ذلك النبي الكريم يريد أن يُزوِّج بناته من هؤلاء الفجرة ، ولكنَّ العلماء قالوا في كلمة

﴿ هَؤُلَاءِ بَنَاتِي ﴾

يقْصِد بهنّ مطلق النِّساء ! فليس المقصود بناته هو ، ولكنّ المقصود جِنْس النِّساء ، هذا طريق شاذّ ، هذا طريق قذر ، أن تضع البِذْرة في بيئة نجسة ، ليس هذا وِفْق الأصول ، أعدّ الله سبحانه وتعالى مكانًا طاهرًا تضعُ فيه ماء الحياة ، وهؤلاء القوم منحرفون ومرضى السريرة ، وشاذُّون ، فهؤلاء بناتي هنّ أطهركم ، فكلمة بناتي في هذه الآية تعني مطلق النساء ، وبعضهم قال : هؤلاء بناتي ، أي النبي الكريم يُمَثِّل الأبُوّة العامّة ، فإذا كانت للإنسان مكانة اجتماعيّة أو مكانة دينيّة ، يُحِسّ أنَّ بنات إخوانه جميعًا هنّ بناته ، هذا شُعور ثابت ، فإما أن نفهم كلمة بناتي يعني هؤلاء النساء في هذه البلدة هنّ أطهر لكم ، أو أنَّه دافع من دون أن يقصْد التَّزْويج ، لأنه متأكِّد أنّهم لن يرْضَوا ، وهذا من باب المدافعة ؛ فهذه هي المعاني الثلاثة التي تحتملها كلمة بناتي في الآية الكريمة .

 

2 ـ معنى : أطْهَرُ

أما كلمة أطْهَرُ ، فليس معناها أنَّ اللِّواط شيء طاهر ، والزواج أطْهر منه ، هذه حملت على قوله الله أكبر ، فلا مجال للتفضيل هنا إطلاقًا ، وكذا هنا الهمزة في أطهر ليْسَتْ للتفضيل .
قال تعالى :

﴿ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَلَا تُخْزُونِي فِي ضَيْفِي ﴾

( سورة هود )

3 ـ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَلَا تُخْزُونِي فِي ضَيْفِي

الوضع صعب ، هؤلاء الشباب ضيوفه ، وعلى ذِمَّته وفي جواره ، ودخلوا بيته آمنين ، كيف يطْمعُ قومه المنحرفون أن يصلوا إلى هؤلاء الشباب ؟ قال تعالى :

﴿ أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ ﴾

( سورة هود )

4 ـ تهييج العقول والفطر السليمة :

إذاً : هذا حُمْق ، قبل شهرين تقريبًا أعلن أن خمسة عشر مليون إصابة الإيْدز في أمريكا !! انحلال المناعة ، سَرَتْ إلى أوروبا ، وصلَت إلى تركيا ، ووصلت إلى بعض دول الخليج ، فهذا عقاب عاجل من الله عز وجل ، أن قوم لوط عاجلتهم العقوبة ، وأهلكهم الله عز وجل ، ويبْدو أنَّ كلّ من سار على شاكلتهم يهلكه الله عز وجل تحت سمعنا وبصرنا اليوم ، نجد أنه ما من مجلة إلا وفيها مقالة عن مرض الإيدز ! وهذا إهلاك آخر نعيشه اليوم نعاينه ، ونسمع أخباره ، حتى إنَّ طبيبًا حدَّثني أنَّ مريضًا تُوُفِّيَ قبل أيام ، وكان سيئ السمعة ، بعد تحليل دمه وجدوا انعدام الكريات البيضاء كليًّا ! عقاب عاجل ، مرض الهربز ، ومرض الإيدز ، الأمراض الجنسيّة كالزهري ، والسلس ، هذه عقوبات عاجلة في الدنيا قبل أن يأتي عقاب الله عز وجل ، أليس منكم رجل رشيد يحول بينكم وبين هذا العمل ؟ أين أنتم ؟ وكيف أنتم ؟ وسبحان الله ما قرأتُ مقالة عن مرض الإيدز إلا ووجدتُ أنَّ شُغْل الغربيِّين الشاغل هو البحث عن مصل لإبادة هذا الفيروس ، وهم يذكرون في مقدّمة المقال أنَّ أسباب هذا المرض الشذوذ واللِّواط وما شاكل ذلك !! أليس في علمائهم رجل رشيد ، فإذا اختلَطَ في مدينة مياه المجاري مع مياه الشُّرْب ، وأُصيب الناس بأمراض فتاكة ، وهذه الأمراض معْدِية وانْتشَرَت ، لم يكن من مسؤوليّ هذه القرية والبلدة إلا أن أوْفدوا إلى أوروبا الأطباء ، واستخدموا التجهيزات والآلات ، هذا عمل مضحك !! فما عليهم إلا أن يمْنعوا اختلاط المياه الآسنة بِمِياه الشرب وانتهى الأمر ، هذا هو العِلاج ، ولكنّهم لا يفكِّرون فيه إطلاقًا ، وإنَّما يُفَكِّرون عن مصْلٍ لإبادة هذا الفيروس ، وكان الأولى منْع العلّة من أساسها !
إذا أحدنا ارتفعَت حرارة ابنه كثيرا ، فماذا يفعل ؟! إن وضع على رأسه كمامات باردة ، أو وضعه في غرفة باردة ! الحرارة أصلها من الداخل ، هناك أسباب داخليّة ، هناك التهابات ، هناك انتانات ، فلا بدّ من معالجتها داخليًا ، أن تضع يدك على جبين ابنك هذه أعلى الحرارة ، والحرارة أعراض لأمراض كثيرة ، فالبحث عن عِلَّة الحرارة هو التشخيص الصحيح ، ولكنّ تسكينها لا يُسمَّى علاجًا ، فالقضيّة أعقد من ذلك .
قال تعالى :

﴿ قَالُوا لَقَدْ عَلِمْتَ مَا لَنَا فِي بَنَاتِكَ مِنْ حَقٍّ ﴾

( سورة هود )

جواب السفهاء : وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ مَا نُرِيدُ

هنا قال بعض المفسِّرين أنَّهم طلبوا بعض بناته فرفض ، ومن عادات بعض الشعوب قديماً: أنَّ الأب إذا رفض تزويج ابنته لا يحقّ للخاطب أن يعيد خِطبتها مرَّةً ثانية ، قال تعالى :

﴿ وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ مَا نُرِيدُ ﴾

( سورة هود )

نريد الفاحشة ، نريد الاعتداء على هؤلاء ، قال تعالى :

 

﴿ قَالَ لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ ﴾

( سورة هود )

لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ

1 ـ أمنية لوط في تلك الساعة الحرجة :

تمنَّى هذا النبي الكريم أن يكون من بين هؤلاء من يعينه عليهم ليثنيَهم عن مُرادهم ، ويحول بينهم وبين فعْلتهم الشنيعة .

2 ـ يَرْحَمُ اللَّهُ لُوطًا لَقَدْ كَانَ يَأْوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ :

النبي عليه الصلاة والسلام لما تلا هذه الآية :

 

﴿ أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ ﴾

( سورة هود )

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :

(( يَرْحَمُ اللَّهُ لُوطًا لَقَدْ كَانَ يَأْوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ ))

[ متفق عليه ]

3 ـ الله عز وجل هو الركن الشديد :

الله عز وجل هو الركن الشديد ، فالقصد أنَّ الإنسان قويّ بأخيه ، وهو كان ضعيفًا في قومه ، استضعفوه ، ولم يجدْ واحدًا منهم ينْهاهم للكف عن فعْلتهم ، فتألَّم أشدَّ الألَم ، وقال: لو أنَّ لي بكم قوّة !! عشيرة ، أو قوّة أستخدمها لتحول بيني وبينكم ، ولكنّ هو في الحقيقة آوى إلى ركن شديد ، لقد أوى إلى الله سبحانه وتعالى ، والدليل سيأتي .

الحكمة من عدم إخبار الملائكة لوطا عن أنفسهم :

والآن هناك سؤال يطرح نفسه : لو أنَّ هؤلاء الضيوف حينما دخلوا عليه قالوا له : نحن ملائكة ، ولا تخْشَ أحدًا ، ما الذي يحدث ؟! لا تبدو غيرتهُ ، ولا يبدو حرصُه لا يبدو وفاؤُه ، لا يبدو صبرُهُ ، لا يبدو ورَعُهُ ، لا يبدو صحته ؛ كلّ هذه الصفات الراقية لا تبدو ، لكنّهم أخَّروا هذا الخبر إلى الوقت العصيب ، ففي بعض التفاسير أنَّ قومه أرادوا أن يدخلوا عليهم عُنْوةً ، خرجَ إلى قومه يجادلهم ، ويناقشهم ، ويدعوهم إلى ترْك هذا العمل القبيح ، لكنهم استمروا في ضلالهم إلى أن تكاتفوا ، وهمُّوا أن يدخلوا عليه عنوَّةً ، هنا الوقت العصيب ، وهنا العقدة ، يبدو أنَّهم أزاحوه جانبًا ، وحطَّموا الباب ، ودخلوا على هؤلاء الملائكة ، وهم يبْغون أن يفْعلوا معهم الفعل القبيح ، عندئذٍ قال هؤلاء الضيوف كما قال تعالى :

﴿ قَالُوا يَا لُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ ﴾

( سورة هود )

قَالُوا يَا لُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا إِلَيْك

1 ـ حقيقة الضيوف :

نحن لسنا أشخاصاً عاديِّين ، نحن ملائكة ، لن يصلوا إليك ، قال تعالى :

﴿ فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنْ اللَّيْلِ ﴾

( سورة هود )

2 ـ ساعة الهلاك :

فأوحى الله تعالى له أن خُذْ أهلكَ ، ومن آمنَ معك ، بِقِطْعٍ من الليل ، أيْ في منتصف الليل الثاني ، قال تعالى :

﴿ وَلَا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ ﴾

( سورة هود )

إياكم أن تلتفتوا إلى متاعكم إلى بيوتكم ، أو إلى قومك الهلكى ، قال تعالى :

 

﴿ وَلَا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ إِلَّا امْرَأَتَكَ ﴾

( سورة هود )

3 ـ معنى الاستثناء : إِلَّا امْرَأَتَكَ

هنا تفسير دقيق جدًّا المعنى الأول فأسْر بِأهلك إلا امرأتك والمعنى الثاني : ولا يلتفت منكم أحد إلا امرأتك ، ولإيضاح المعنى الثاني يقول : إنَّ هذا النبي الكريم أمر أهله إذا ساروا بقِطع من الليل أن يتَّجهوا نحو القرية الثانية دون أن يلتفتوا ، لكنَّ امرأته سارت معهم ، فلما سمعَتْ وقْع الحجارة على قومها ، الْتفَتَتْ فأصابها حجرٌ فقتلها ، قال تعالى :

﴿ إِلَّا امْرَأَتَكَ إِنَّهُ مُصِيبُهَا مَا أَصَابَهُمْ ﴾

( سورة هود )

4 ـ إيّاك أن تحب عير المؤمنين :

التفاتها إلى قومها تعبير عن اتِّجاهها إليهم سابقًا ، وتعاطفها معهم وحبّها لهم ، لذلك قال عليه الصلاة والسلام :

(( مَن هَوِيَ الكفرة حُشر معهم ، ولن ينفعه عمله شيئًا ... ))

[ ورد في الأثر ]

إذا ذهب الإنسان إلى دولة أجْنبيّة ، ورجع محبًّا لها ، ومعْجبًا بأهلها على كفرهم وفِسْقهم وانْحِطاطهم ، وشيوع مرض الإيدز فيهم ، وتفتت أسرهم ، وشرب الخمر ، إذا رجع وهو لا يفتر عن مدحهم ؛ من هوِيَ الكفرة حُشر معهم ، ولا ينفعه عمله شيئاً ، فهذه امرأة لوط لا تحبّ الانحراف ، ليس في مصلحتها أن يكون الرجل منحرفًا ، ولكنّ تعلّقها بقومها جعلها تهلكُ معها ، قال تعالى :

 

﴿ فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنْ اللَّيْلِ وَلَا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ إِلَّا امْرَأَتَكَ إِنَّهُ مُصِيبُهَا مَا أَصَابَهُمْ إِنَّ مَوْعِدَهُمْ الصُّبْحُ أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ ﴾

( سورة هود )

الليل مـهما طال فلا بدّ من طلوع الفجر
والعمر مهما طال فلا بدّ من نزول القبر

قال تعالى :

 

﴿ فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا ﴾

( سورة هود )

جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا

1 ـ احذروا سخط الله وغضبه :

نسمع الآن قرية في سفح جبل والثلج على الجبل بارتفاع خمسة أمتار ثار بركاناً فجاءت الحمم مع السيول الجارفة فأهلكتْ أربعين ألف في يومين !! كولومبيا ، وقبلها المكسيك ، قال تعالى :

﴿ قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ ﴾

(سورة الأنعام : من الآية 65)

كما قال تعالى :

 

﴿ وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ(112)﴾

(سورة هود)

2 ـالله عذب قوم لوط :

الله عذب قوم لوط بالحجارة، إلا أنّ بعض الدوَل ومنها المتقدمة حضارياً أباحت اللّواط ، وجعلته عملاً لا يعاقب عليه القانون !!
قال تعالى :

 

﴿ فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنْ اللَّيْلِ وَلَا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ إِلَّا امْرَأَتَكَ إِنَّهُ مُصِيبُهَا مَا أَصَابَهُمْ إِنَّ مَوْعِدَهُمْ الصُّبْحُ أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ(81)فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ مَنْضُودٍ ﴾

( سورة هود )

3 ـ وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ مَنْضُودٍ

إنه الحجر القاسي والصَّلْب متتابع كأنهما المطر ، قال تعالى :

﴿ مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ ﴾

( سورة هود )

معنى : مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّك

1 ـ المعنى الأول :

لها معنيان ؛ المعنى الأول أنَّ لها شكل خاص ، فليست هذه الحجارة من حجارة هذه البلاد ، بل حجارة خاصة من السماء .

2 ـ المعنى الثاني :

كلّ حجرة عليه اسم من سيصيبه ويقتله ! هذا لفلان ، وذاك لفلان ، وهذا هو معنى مسوَّمة ، وعند الله تعالى لا تجد الغلط ، فهذه الشظيّة لفلان ، وتلك لفلان ، عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ :

(( لِكُلِّ شَيْءٍ حَقِيقَةٌ ، وَمَا بَلَغَ عَبْدٌ حَقِيقَةَ الْإِيمَانِ حَتَّى يَعْلَمَ أَنَّ مَا أَصَابَهُ لَمْ يَكُنْ لِيُخْطِئَهُ ، وَمَا أَخْطَأَهُ لَمْ يَكُنْ لِيُصِيبَهُ ))

[ أحمد ]

فلا ظلم ولا خطأ .
قال تعالى :

 

﴿ وَمَا هِيَ مِنْ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ ﴾

( سورة هود )

قاصمة الظهور : وَمَا هِيَ مِنْ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ

أما هذه الآية فإنها تقصم الظهور ، فهذا الذي حدث لِقَوم لوط ، ثم طويت صحيفتهم من بعد ، لكنّ هذه الحجارة ما هي من الظالمين بِبَعيد ، أيْ كلّ من سار على نهْجهم ، وانْحرفَ انْحِرافهم ، سيأتيهم نوع من الحجارة كذلك فقد تكون شظايا ، وقد تكون حجارة ، وقد يكون مرضاً داخلياً ، وهذا ما نراه ، ويقع تحت سمعنا وبصرنا ؛ إما حجارة من السماء كما فعل الله بقوم لوط ، أو دمار ببراكين أو زلازل ، أو أمراض داخليّة فتاكة ، وما هي من الظالمين ببعيد .
حدّثني أخ أنَّه كان في قرية من القرى رجل شاذّ أخلاقيًا ، كلّما سافر رجل من أهل هذه القرية تسوَّر جدار منزله ، ونزل على أهل بيته ، واغْتصَبَهم ، كان شرِّيرًا ، وكان مجرمًا إلى أن أُصيبَ بِمَرضٍ خبيث في العضو الذي يستخدمه للزنا ؛ إنه مرض السرطان قال تعالى :

﴿ وَمَا هِيَ مِنْ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ ﴾

( سورة هود )

فهو مخيّر في الانحراف أو عدمه ، أما إذا انحرف فهو ليس مخيّر في ردّ العقاب أو عدم ردّه !! وهذا تحت سمعكم وبصركم ، الأمراض الفتاكة والعقوبات العاجلة ، هناك أفعى يقال لها : أفعى الزنا ، رأيتها مكبّرة بثلاثمائة وستِّين ألف مرة في صورة المجهر الإلكتروني ، هذه تدخل من دون إحداث أيّ شيءٍ ، وهي تتوضَّع بالجسم ، فإذا استقرَّت بالدِّماغ يحدث خلل فيه ، وخمسة نزلاء في مصح الأمراض العقليّة مُصابون بالزهري في الدماغ من جرَّاء الزنا ، وإن توضَّعت بالعين تسبِّب العمى ، وهذه عقوبات عاجلة للزناة جزاءً وفاقاً ، قال تعالى :

 

﴿ وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا(32)﴾

( سورة الإسراء )

والشيء الغريب الذي يأخذ بالألباب أنَّه لم يثبت في العالم كلّه أنَّ إنسانًا أُصيب بمرض جنسي من جراء الزواج ، الزواج علاقة طاهرة ، وعلاقة مشروعة ، وعلاقة قدّسها الله سبحانه وتعالى .

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018