الدرس : 06 - سورة هود - تفسير الآيات 29 – 34 - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الدرس : 06 - سورة هود - تفسير الآيات 29 – 34


1986-02-21

 الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا ، إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علِّمنا ما ينْفعنا ، وانْفعنا بِما علَّمتنا ، وزِدْنا عِلما ، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه ، وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه ، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه ، وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين .
 أيها الإخوة المؤمنون ، وصلنا في الدرس الماضي في سورة هود إلى قوله تعالى :

﴿ قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآتَانِي رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ أَنُلْزِمُكُمُوهَا وَأَنْتُمْ لَهَا كَارِهُونَ(28)﴾

( سورة هود )

قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآتَانِي رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ

المؤمن في سعادة عميت على غيره :

 أيْ أنَّ هذا الرحمة لا يعرفها إلا من ذاقها ، كما أنَّ العلماء يتمتّعون في الدنيا بِسَعادة لا يعرفها الأغنياء ، فإذا أنكر الأغنياء على العلماء سعادتهم فَمِن قبيل الجَهل ، هذا في الدنيا ، ولكنّ الأنبياء والصدّيقين وكِبار المؤمنين يتمتَّعون بِسَعادة لا يعرفها إلا من ذاقها ، فإذا نطقوا بها أنكرها عليهم أهل الدنيا ، قال تعالى :

﴿ قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآتَانِي رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ أَنُلْزِمُكُمُوهَا وَأَنْتُمْ لَهَا كَارِهُونَ(28)﴾

( سورة هود )

 أنتم لا تعرفونها ، ولم تذوقوها مِن قبلُ ، ولا تعرفون حقيقة الإيمان ، وحقيقة السعادة التي يتمتَّع بها المؤمن ، قال تعالى :

 

﴿ أَنُلْزِمُكُمُوهَا وَأَنْتُمْ لَهَا كَارِهُونَ(28)﴾

( سورة هود )

 قال تعالى :

﴿ وَيَا قَوْمِ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مَالًا إِنْ أَجْرِي إِلَّا عَلَى اللَّهِ وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ وَلَكِنِّي أَرَاكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ ﴾

( سورة هود )

وَيَا قَوْمِ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مَالًا إِنْ أَجْرِي إِلَّا عَلَى اللَّهِ

1 ـ المالُ شيء عزيز على الكافر :

 يبدو أن المالَ شيء عزيز جدًّا على الكافر ، فإذا كلَّفتَه مالاً ، أو إذا طالبتَه بمالٍ قد يستغني عن الهداية كلها ، لذلك سيِّدنا نوحٍ طمأنهم إلى أن استجابتكم لهذه الدعوة ، وإيمانكم بالله سبحانه وتعالى ، واستماعكم إليَ لا يكلِّفكم مالاً .

2 ـ من علامة الدعية الصادق أنه لا يسأل مالا مقابل دعوته :

 والقرآن الكريم في آيات كثيرة تحدَّث عن علاماتٍ للصادقين ، فمن هذه العلامات قال تعالى :

 

﴿ وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى قَالَ يَاقَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ(20)اتَّبِعُوا مَنْ لَا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا وَهُمْ مُهْتَدُونَ(21)﴾

( سورة يس )

 هذه علامة كبرى على صدق الداعي ، لا يسألكم أجرا ، لا أجرا ماديًّا ولا معنويا ، لا مباشرا ولا غير مباشر ، قال تعالى :

 

﴿ وَيَا قَوْمِ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مَالًا إِنْ أَجْرِي إِلَّا عَلَى اللَّهِ ﴾

( سورة هود )

3 ـ خشية الله وحده :

 علامة أخرى من علامات الصدق في الدعوة إلى الله ، قال تعالى :

﴿ الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا(39)﴾

( سورة الأحزاب )

 إذا خشيَ الداعي غيرَ الله نطق بغير الحق ، وسكت عن الحق ، فإذا سكت عن الحق و نطق بالباطل فماذا بقيَ من تبليغ رسالات الله ؟ لم يبقَ شيءٌ .
 إذاً العلامة الأولى : قال تعالى :

 

﴿ وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى قَالَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ (20)اتَّبِعُوا مَنْ لَا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا وَهُمْ مُهْتَدُونَ(21)﴾

( سورة يس )

 والعلامة الثانية : قال تعالى :

 

﴿ الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا(39)﴾

( سورة الأحزاب )

 والعلامة الثالثة : قال تعالى :

 

﴿ قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنْ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنْ الْمُشْرِكِينَ(108)﴾

( سورة يوسف )

4 ـ تبليغ الدعوة على بصيرة وعلمٍ :

 فعلامة المتَّبع لرسول الله صلى الله عليه وسلم أنه يدعوك على بصيرة ، فالأمور واضحة تماما ، والهدف من الخلق واضحٌ ، هناك انسجام بين الآيات والأحاديث ، هناك هدف كبير يوضِّحه لك ، وهناك شرائع دقيقةٌ يبيِّنها لك ، هناك تعليلات منطقيَّةٌ للعبادات ، قال تعالى :

﴿ قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنْ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنْ الْمُشْرِكِينَ(108)﴾

( سورة يوسف )

 هذه العلامة الثالثة .

 

5 ـ أفعال الداعية تشهد له على صدقه :

 و أما العلامة الرابعة فقوله تعالى :

﴿ شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُوْلُوا الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ(18)﴾

( سورة آل عمران )

 الله سبحانه هو الذي تشهد لك عدالتُه ، وتشهد لك أسماؤه الحسنى فهو يفسِّر أفعالَه بما يتوافق مع أسمائه الحسنى ، وكذا العالم الصحيح فمن علامات العالم الصادق : قال تعالى :

 

﴿ شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُوْلُوا الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ(18)﴾

( سورة آل عمران )

 فالعالم الصحيح تشهد له أفعاله على صدق دعوته وفعالته .

6 ـ النجاح في الابتلاء والامتحان :

 علامة أخرى قال تعالى :

 

﴿ وَإِذْ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ(124)﴾

( سورة البقرة )

 أي أن النجاح في الامتحان علامة كبرى من علامات صدق الداعي وصدق الدعوة ، يُمتحن الإنسان بماله ، ويمتَحن في صحَّته ، يُمتحَن في رزقه فيصبر ، ولا يرى إلا الله ، ويرى حكمة الله كما يرى رحمة الله عز وجل ، قال تعالى :

 

﴿ وَإِذْ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ(124)﴾

( سورة البقرة )

7 ـ الصبر :

 علامة أخرى ، قال تعالى :

 

﴿ وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ(24)﴾

(سورة السجدة )

هذه بشارات لك أيها المؤمن :

 الصبرُ والنجاح في الامتحان ، وخشية الله وحده ، و تبيان عدالة الله عز وجل ، هذه كلُها من علامات الدعوة الصادقة ، لذلك : " إن هذا العلم دين فانظروا عمن تأخذون دينكم " .

[ رواه مسلم من قول ابن سيرين ]

 ويقول عليه الصلاة و السلام لابن عمر :

 

(( يا ابنَ عمر ، دينَك دِينَك ، إنه لحمُك ودمُك ، خذْ عن الذين استقاموا ، ولا تأخذ عن الذين مالوا ))

 

[ رواه الخطيب البغدادي في كتابه الكفاية في علم الرواية ، وفي سنده ضعف ]

 فما أكثرَ الذين مالوا عن طريق الحق ، وما أكثر الذين زيَّفوا الدينَ ، وما أكثر الذين أدخلوا في الدين ما ليس منه ، وما أكثر الذين جعلوا من الدين شيئًا يذوب في الحياة العصرية جعلوه وفق أهوائهم ، خُذْ عن الذين استقاموا ، ولا تأخذ عن الذين مالوا ، والنبيُّ عليه الصلاة و السلام في بعض الأحاديث الشريفة يقول :

(( لا تجلسوا عند كل عالمٍ إلا عالما يدعوكم من الخمس إلى الخمس ، ومن الشكِّ إلى اليقين ، ومن الكبر إلى التواضع ، ومن العداوة إلى النصيحة ، ومن الرياء إلى الإخلاص ، ومن الرغبة إلى الزهد ))

[ ورد في الأثر ]

 فإذا كنتَ قبل أن تحضر هذه المجالس راغبا في الدنيا ، ثم أصبحتَ زاهدا فيها فهذه بشارة لك ، ولمن يدعوك إلى الله عز وجل ، وإذا كنت قبل أن تحضر هذه المجالس تؤثر الرياء على الإخلاص ، ثم أصبحتَ مخلصا فهذه بشارة لك ، ولمن يدعوك إلى الله عز وجل ، وإذا كنت قبل أن تحضر هذه المجالس تؤثر العداوة على النصيحة ، ثم أصبحتَ نصوحا لله و لرسوله ولعامة المسلمين فهذه بشارة لك ، وإذا كنت قبل أن تعرف الله متكبِّرا ، ثم تضاءلتْ نفسُك فأصبحت متواضعا ، فهذه علامة طيِّبة لك ، ولمن يدعوك إلى الله عز وجل ، وإذا كنت متشكِّكا من بعض الأمور ، ولستَ متأكِّدا ويخامرك الشكُّ في بعض المعتقدات ، ثم بلغتَ مستوى اليقين الناصع كما قال عليه الصلاة والسلام في حديث عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَمْرٍو السُّلَمِيِّ أَنَّهُ سَمِعَ الْعِرْبَاضَ بْنَ سَارِيَةَ قَالَ :

(( وَعَظَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَوْعِظَةً ذَرَفَتْ مِنْهَا الْعُيُونُ ، وَوَجِلَتْ مِنْهَا الْقُلُوبُ ، قُلْنَا : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إِنَّ هَذِهِ لَمَوْعِظَةُ مُوَدِّعٍ ، فَمَاذَا تَعْهَدُ إِلَيْنَا ؟ قَالَ : قَدْ تَرَكْتُكُمْ عَلَى الْبَيْضَاءِ ، لَيْلُهَا كَنَهَارِهَا ، لَا يَزِيغُ عَنْهَا بَعْدِي إِلَّا هَالِكٌ ، وَمَنْ يَعِشْ مِنْكُمْ فَسَيَرَى اخْتِلَافًا كَثِيرًا ، فَعَلَيْكُمْ بِمَا عَرَفْتُمْ مِنْ سُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ الْمَهْدِيِّينَ ، وَعَلَيْكُمْ بِالطَّاعَةِ ، وَإِنْ عَبْدًا حَبَشِيًّا ، عَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ ، فَإِنَّمَا الْمُؤْمِنُ كَالْجَمَلِ الْأَنِفِ حَيْثُمَا انْقِيدَ انْقَادَ ))

[ رواه أحمد ]

 فهذه بشارة طيِّبة لك ، ولمن يدعوك إلى طريق الله سبحانه وتعالى ، إذًا دينَك دينَك إنه لحمُك ودمُك ، خذ عن الذين استقاموا ، و لا تأخذ عن الذين مالوا ، إن هذا العلم دينٌ فانظروا عمن تأخذون دينكم ، قال تعالى :

 

﴿ وَيَا قَوْمِ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مَالًا إِنْ أَجْرِي إِلَّا عَلَى اللَّهِ وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ وَلَكِنِّي أَرَاكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ ﴾

( سورة هود )

مجالس العلم والدعوة لا تكلف مالاً :

 اطمئنوا ، هل تستطيع أن تقابل محاميا ، وتستشيره في موضوع ما من دون أن تدفع له ثمن الاستشارة ؟ وهل تستطيع أن تضرب موعدا لدرس خاص في أيِّ مادة من المواد الدراسية دون أن تدفع الثمنَ ؟ و هل تستطيع أن تزور طبيبا و ليس في جيبك مالٌ ؟ و هل تستطيع أن تتلقَّى خدمة أو استشارةً أو شيئا من أشياء الدنيا من دون ثمن إلا إذا جئتَ إلى مجالس العلم فتجدها مجَّاناً ؟ والدعوة عامة ، قال تعالى :

 

﴿ وَيَا قَوْمِ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مَالًا إِنْ أَجْرِي إِلَّا عَلَى اللَّهِ وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ وَلَكِنِّي أَرَاكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ ﴾

( سورة هود )

 إذا كان الإنسان حريصا على المال أو كان مالُه قليلا فليطمئن ، إن حضورك مجلس علم لا يكلِّفك مالا ، هذا الذي يدخل إلى دُور اللهو ألا يدفع ثمنا باهظاً ، هذا الذي يدخل إلى المسارح ليتلقَّى الفساد أحيانا ألا يدفع ثمن هذا الدخول ؟ إن بيوتي في الأرض المساجد ، وإن زوَّارَها هم عمَّارُها ، فطوبى لعبدٍ تطهَّر في بيته ثم زارني ، وحُقَّ على المزور أن يكرم الزائر ، لن تدفع شيئا ، بل سوف يكرمك الله سبحانه وتعالى ، وحُقَّ على المزور أن يكرم الزائر ، أنت تزور اللهَ سبحانه و تعالى ، من أقبل عليَّ منهم تلقَّيته من بعيد ، ومن أعرض عني منهم ناديته من قريب ، أهل ذكري أهل مودَّتي ، أهل شكري أهل زيادتي ، أهل معصيتي لا أُقنِّطهم من رحمتي ، إن تابوا فأنا حبيبهم ، وإن لم يتوبوا فأنا طبيبهم ، إذا رجع العبد إلى الله عز وجل نادى منادٍ في السماوات والأرض أن هنِّئوا فلانا فقد اصطلح مع الله ، قال تعالى :

 

﴿ وَيَا قَوْمِ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مَالًا إِنْ أَجْرِي إِلَّا عَلَى اللَّهِ وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ وَلَكِنِّي أَرَاكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ ﴾

( سورة هود )

 مالكُم دعوه لكم ، لا أسألكم عليه مالا ، قال تعالى :

 

﴿ إِنْ أَجْرِي إِلَّا عَلَى اللَّهِ وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الَّذِينَ آمَنُوا ﴾

( سورة هود )

وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الَّذِينَ آمَنُوا

1 ـ الكبراء يستنكفون عن مجالسة الفقراء :

 هناك عقبتان ، العقبة الأولى خوف هؤلاء الكفار في عهد نوح أن يكون هناك التزام مالي ، فجاءت الآيةُ ، وبشَّرتهم بأن الالتزام المالي ليس موجودا إطلاقا ، ليس هناك التزام مالي ، بقي هناك عقبة ثانية أن هؤلاء الكبراء ، هؤلاء الأغنياء ، هؤلاء الوجهاء الذين ينغمسون في النعيم إذا حضروا مجلس نوح عليه السلام يترفَّعون ، ولا يجالسون الضعفاء ، ولا الفقراء الذين يزعمونهم أراذل القوم بالمعنى اللغوي ، فقال سيدُنا نوحٍ كما حكى عنه الله تعالى :

﴿ وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الَّذِينَ آمَنُوا ﴾

( سورة هود )

معنى : إِنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ

المعنى الأول :

 أنا لا أستطيع طردهم ، لماذا ؟ قال تعالى :

﴿ إِنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ ﴾

( سورة هود )

 هؤلاء الذين تزدرونهم هؤلاء الذين لا ترونهم في مستواكم المعاشي ، وهؤلاء الذين تحتقرونهم لقلّة دخلهم ، أو لوضاعة شأنهم ، أو لفقرهم ، أو لأنهم غير معروفين ، بل هم مغمورون ضعفاء أتقياء أخفياء ، هؤلاء الذين تترفّعون عنهم قال تعالى :

 

﴿ إِنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ ﴾

( سورة هود )

 تكفي هذه ، ملاقوا ربهم ، أي سوف يكرمهم الله عز وجل إذا انقلبوا إليه سوف يجزيهم أحسن الذي كانوا يعملون ، قال تعالى

 

﴿ إِنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ ﴾

( سورة هود )

 سوف يرجعون إلى الله عز وجل ، وسيكرمهم ، ويعلي شأنهم ، ويرفع ذكرهم ، ويقرّبهم منه ، ولا قيمة لفقرهم في الدنيا ، إن هذه الدنيا عرض زائلٌ ، يأكل منه البرُّ و الفاجر ، والآخرة وعدٌ صادق ، يحكم فيه ملِك عادل ، والذي نفس محمد بيده ما بعد الدنيا من دار إلا الجنَّة أو النار ، قال تعالى :

 

﴿ إِذَا وَقَعَتْ الْوَاقِعَةُ(1)لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ(2)خَافِضَةٌ رَافِعَةٌ(3)﴾

( سورة الواقعة )

 قال تعالى :

 

﴿ وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ وَلَكِنِّي أَرَاكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ ﴾

( سورة هود )

 هل يجرؤ نبيٌّ كريم أن يطرد مؤمنا لفقره ، أو لأنه مغمور غير مشهور ، أو لأنه من طبقة اجتماعية دنيا ، أو لأن له حرفة يترفَّع عنها الغنيُّ ، كل عمل شريف ، الشرف أن تطيع الله عز وجل و الدناءة أن تعصيه ، قال تعالى :

﴿ وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ وَلَكِنِّي أَرَاكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ ﴾

( سورة هود )

 هؤلاء على موعد مع الله عز وجل ، هؤلاء سوف يرحمهم الله ، وسوف يكرمهم ، وسوف يصبحون في الآخرة أعلاما ، وسوف يتألَّق نجمُهم في سماء الآخرة ، هؤلاء ملوك الدار الآخرة ، قال تعالى :

 

﴿ إِنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ وَلَكِنِّي أَرَاكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ ﴾

( سورة هود )

 هذا المعنى الأول .

 

المعنى الثاني :

 قال تعالى :

﴿ إِنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ وَلَكِنِّي أَرَاكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ ﴾

( سورة هود )

 نحن نحكم بالظاهر ، واللهُ يتولَّى السرائر ، يبدو لي منهم أنهم صادقون ، أنهم مخلصون ، أنهم مطيعون ، و لا علم لي بما تنطوي عليه نفوسهم ، قال تعالى :

 

﴿ إِنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ وَلَكِنِّي ﴾

( سورة هود )

 اللهُ يحاسبهم لا أنا ، أنا أحكم بالظاهر ، واللهُ يتولَّى السرائر ، قال تعالى :

 

﴿ إِنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ وَلَكِنِّي ﴾

( سورة هود )

 قال تعالى :

 

﴿ إِنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ وَلَكِنِّي أَرَاكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ ﴾

( سورة هود )

2 ـ المترَفِّع عن الناس جاهلٌ :

 هذا الذي يترَّفع عن الناس ، وهذا الذي يستعلي عليهم ، هذا الذي يرى نفسه فوقهم ، هذا الذي تأبى نفسه أن يجلس بجانبهم ، هذا جاهل ، قال تعالى :

﴿ وَلَكِنِّي أَرَاكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ ﴾

( سورة هود )

النبي r أشد الناس تواضعا :

 مَن أنتم ؟ دخل أعرابيٌّ على النبيِّ صلى الله عليه و سلَّم فأصابته الرعدة من شدَّة الهيبة ، فعَنْ أَبِي مَسْعُودٍ قَالَ :

(( أَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَجُلٌ فَكَلَّمَهُ ، فَجَعَلَ تُرْعَدُ فَرَائِصُهُ ، فَقَالَ لَهُ : هَوِّنْ عَلَيْكَ ، فَإِنِّي لَسْتُ بِمَلِكٍ ، إِنَّمَا أَنَا ابْنُ امْرَأَةٍ تَأْكُلُ الْقَدِيدَ ))

[ ابن ماجه ]

 ودعاه صحابيٌّ جليل إلى خبز وخلٍّ ما قولُك ؟ إذا دُعيت إلى وليمة ، وقدَّم لك الداعي خبزا وخلًّا ، وقال لك تفضَّلْ ، ما قولك ؟ فقال عليه الصلاة و السلام :

(( نِعْمَ الْأُدُمُ ، أَوْ الْإِدَامُ الْخَلُّ ))

[ مسلم عن عائشة ]

 قال عليه الصلاة و السلام من باب التواضع قَالَ :

(( لَوْ دُعِيتُ إِلَى ذِرَاعٍ ، أَوْ كُرَاعٍ لَأَجَبْتُ ، وَلَوْ أُهْدِيَ إِلَيَّ ذِرَاعٌ أَوْ كُرَاعٌ لَقَبِلْتُ ))

[ رواه البخاري ]

 وفي رواية أخرى : لو دعيت إلى كراع في مكان ناءٍ ـ يعني في أطراف المدينة ـ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِي اللَّه عَنْه عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ :

(( لَوْ دُعِيتُ إِلَى ذِرَاعٍ أَوْ كُرَاعٍ لَأَجَبْتُ وَلَوْ أُهْدِيَ إِلَيَّ ذِرَاعٌ أَوْ كُرَاعٌ لَقَبِلْتُ ))

[ رواه البخاري ]

 حينما دخل مكة فاتحًا دخلها مُطأطِئ الرأس ، وحينما سمع رجلا يقول لرجل : يا ابن السوداء قال : إنك امرؤ فيك جاهلية ، هذا هو الإسلام ، حينما قيل للنبيِّ الكريم مثِّل بهم هؤلاء الذين أخرجوك ، وعذَّبوك ، وتآمروا على قتلك فقال : لا أمثَّل بهم فيمثِّل الله بي ، و لو كنتُ نبيًّا ، قال تعالى :

 

﴿ وَلَكِنِّي أَرَاكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ ﴾

( سورة هود )

 هذا الذي يرى نفسه فوق الناس هو جاهل ، ضع في نفسك هذه الحقيقة هذا الذي تراه دونك قد يكون فوقك يوم القيامة ، هذا الذي تراه دونك مالا ، أو دونك جاهاً ، أو دونك صحةً ، أو دونك شأنا ، قد يكون فوقك يوم القيامة ، من يدري ؟ قال تعالى :

 

﴿ وَلَكِنِّي أَرَاكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ ﴾

( سورة هود )

 من علامة المؤمن التواضع ، ولا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقالُ ذرَّة من كِبْر ، والمتكبِّر جاهل ، لأنه لم يرَ عظمة الله عز وجل ، قال تعالى :

 

﴿ وَيَا قَوْمِ مَنْ يَنصُرُنِي مِنْ اللَّهِ إِنْ طَرَدْتُهُمْ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ ﴾

( سورة هود )

وَيَا قَوْمِ مَنْ يَنصُرُنِي مِنْ اللَّهِ إِنْ طَرَدْتُهُمْ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ

 

 

إن طردتُهم لأرضيكم أتحمونني من الله عز وجل ؟
 أرسل رجلٌ إلى سيدنا عمر بن الخطاب كتابا قال فيه : << أما بعد ؛ فإن أناسا قد اغتصبوا مالا ليس لهم ، ولستُ أقدر على استخراجه منهم إلا أن أمسَّهم بالعذاب ، فإن أذِنتَ لي فعلتُ ، فقال سيِّدنا عمر : أتستأذنني في تعذيب بشر ؟ ـ أنا أُستأذن في هذا الموضوع ، وهل أنا لك حصن من عذاب الله ؟ وهل رضائي عنك ينجيك من سخط الله ـ أقم عليهم البيِّنة ، فإن قامت فخُذهم بالبيّنة ، ثم ادعُهم إلى الإقرار ، فإن أقرُّوا فخذهم بإقرارهم ، ثم ادعُهم لحلف اليمين ، فإن حلفوا فأطلقْ سراحهم ، وايمُنِ اللهِ ، لأن يلقوا اللهَ بخياناتهم أهون من أن ألقى اللهَ بدمائهم >> ، من أنا حتى تستأذنني في تعذيبهم ، قال تعالى :

 

﴿ وَيَا قَوْمِ مَنْ يَنصُرُنِي مِنْ اللَّهِ إِنْ طَرَدْتُهُمْ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ ﴾

( سورة هود )

 إذا استعليتَ على إنسان فهذا ظلم .
 يبدو أن رجلا غنيًّا طرق بابَه سائلٌ ، وكان يأكل دجاجا ، فهمَّتْ زوجتُه أن تعطيه شيئا من الدجاج ، فنهرها ، و قال : اطرديه ، فطردتْه تنفيذا لأمره ، وبعد سنوات عدَّة نشب خلافٌ بين الزوجين ، و طلَّقها ، و أكرمها الله بزوج آخر أفضل منه ، وعاشت معه سنوات ، وبينما هما جالسان يتناولان دجاجا إذ طرق البابَ طارقٌ ، فذهبتْ لتفتح الباب ، فعادت مضطربة ، قال : من الطارق ؟ قالت : سائلٌ ، لماذا اضطربْتِ ؟ قالت أتدري من السائل ؟ إنه زوجي الأول ، فقال : أتدرين من أنا ؟ أنا السائل الأول .
 وهذا مثال آخر : أرادت امرأةٌ أن تغيظ ضرَّتَها فقالت لها : في بطني ولدٌ ، وعلى يدي ولدٌ ؛ طبعا ذكر صبي ، وكذلك على الأرض ولد ، لها ثلاثة صبية ، وضرَّتها عاقر ، لا تلد ، لم تمضِ سنوات حتى مات الولدُ الأوَّلُ والثاني والثالث ، ورزق اللهُ ضرَّتَها صبيًّا أول ، و ثانيا وثالثا ، قال عليه الصلاة و السلام :

(( الذنب شؤمٌ على غير صاحبه ، إن ذكرَه فقد اغتابه ، و إن عيِّره ابتُلِيَ به ، و إن رضي به شاركه في الإثم ))

[ الجامع الصغير عن أنس ، وفي إسناده ضعف ]

 قال تعالى :

 

﴿ وَيَا قَوْمِ مَنْ يَنصُرُنِي مِنْ اللَّهِ إِنْ طَرَدْتُهُمْ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ ﴾

( سورة هود )

 إذا رددْتَ سائلا هل تعرف ما سيكون ؟ اللهُ أعلمُ ، الذي أعطاك المالَ يأخذه منك ، أتدري من السائل ؟ قالت : زوجي الأول ، أتدرين من أنا ؟ أنا السائل الأول .
 قال تعالى :

﴿ وَيَا قَوْمِ مَنْ يَنصُرُنِي مِنْ اللَّهِ إِنْ طَرَدْتُهُمْ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ ﴾

( سورة هود )

 وقال تعالى :

 

﴿ وَلَا أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلَا أَقُولُ إِنِّي مَلَكٌ ﴾

( سورة هود )

وَلَا أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلَا أَقُولُ إِنِّي مَلَكٌ

1 ـ الأنبياء أصحاب صدق وموضوعية مع الناس :

 انظُرْ إلى الأمور النظرة الموضوعية ، هذا الذي يوهم الناس أنه فوق البشر إنما هو مراءٍ ظالمٍ ، قال تعالى :

﴿ وَلَا أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلَا أَقُولُ إِنِّي مَلَكٌ ﴾

( سورة هود )

 لا أملك شيئا ، لستُ غنيًّا ، ولا أستطيع أن أمنح الغنى لأحد ، الخزائن ليست عندي ، هي عند الله عز وجل ، قال تعالى :

 

﴿ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ ﴾

[ سورة الحجر : من الآية 21 ]

 قال تعالى :

 

﴿ وَلَا أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلَا أَقُولُ إِنِّي مَلَكٌ ﴾

( سورة هود )

2 ـ الأنبياء لا يعلمون الغيب :

 هذا ادَّعاء ، لا يعلم الغيب إلا الله ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَالْحَسَنِ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ :

(( مَنْ أَتَى كَاهِنًا أَوْ عَرَّافًا فَصَدَّقَهُ بِمَا يَقُولُ فَقَدْ كَفَرَ بِمَا أُنْزِلَ عَلَى مُحَمَّدٍ ))

[ رواه أحمد ]

 ومن أتى ساحرا فلم يصدقه لم تُقبَل له صلاة أربعين صباحاً ، لأنه لا أحد يعلم الغيب إلا الله .
 أقرأ أحيانا في بعض الدول عن شخصيات كبيرة تذهب إلى بعض المُنجِّمات ، وتسألها عن المستقبل ، وقد يحمل هذا السائل دكتوراه ، شيءٌ مضحِكٌ أن يكون الإنسان محصِّلا شهادة عالية في الدنيا ، ويذهب إلى منجِّمة ليطمئن من خلال كلامها على مستقبله ، قال تعالى :

 

﴿ وَلَا أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلَا أَقُولُ إِنِّي مَلَكٌ ﴾

( سورة هود )

 أنا لا أنكر بشريتي أنا بشر ، أجوع وأعطش ، وأتعب ، وأمشي في الأسواق ، وآكل الطعام ، اللهم إني بشر أرضى كما يرضى البشر ، و أغضب كما يغضب البشر ، وحينما كان الغزو في أيام الصيام أفطر النبيُّ عليه الصلاة والسلام ، لأنه بشر ، صلى مرة قاعدا لأنه بشر ، غضب مرة لأنه بشر ، اللهم إني بشر أنسى كما ينسى البشر ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ :

(( إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ ، وَإِنَّكُمْ تَخْتَصِمُونَ إِلَيَّ ، وَلَعَلَّ بَعْضَكُمْ أَنْ يَكُونَ أَلْحَنَ بِحُجَّتِهِ مِنْ بَعْضٍ ، وَأَقْضِيَ لَهُ عَلَى نَحْوِ مَا أَسْمَعُ ، فَمَنْ قَضَيْتُ لَهُ مِنْ حَقِّ أَخِيهِ شَيْئًا فَلَا يَأْخُذْ ، فَإِنَّمَا أَقْطَعُ لَهُ قِطْعَةً مِنْ النَّارِ ))

[ متفق عليه ]

 سيدنا نوح أعطى نفسه حجمه الحقيقي ، لستُ غنيًّا ، ولن أستطيع أن أمنح الغنى لأحد ، و لا أعلم الغيب ، ولا أدَّعي أنني فوق البشر ، إنني بشر ، النبيُّ الكريم اللهم صلِّ عليه جمع أصحابه وخطبهم لتصحيح مفهوم كبير ، فعن الْمُغِيرَةَ بْن شُعْبَةَ يَقُولُ : انْكَسَفَتِ الشَّمْسُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ مَاتَ إِبْرَاهِيمُ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :

(( إِنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ ، لَا يَنْكَسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ وَلَا لِحَيَاتِهِ ، فَإِذَا رَأَيْتُمُوهُمَا فَادْعُوا اللَّهَ وَصَلُّوا حَتَّى تَنْكَشِفَ ))

[ رواه مسلم ]

 لا علاقة لكسوف الشمس بموت إبراهيم ، بل الأمر ظاهرة طبيعية .
 الآن لو أنَّ رجلا يبتغي الرفعة عند الناس ، وقال له الناس : هذه الظاهرة من أجلك ، تقول له : بارك الله بك يا ولدي ، يؤكِّدها ، ويرضى بها ليزداد رفعة عند الناس ، لكنَّ النبيَّ عليه الصلاة والسلام قال : لا ، هذا هو الحجم الحقيقي ، هذا الذي يدعوك إلى الله ، لا يعلم الغيب ، ولا يملك لك نفعا ولا ضرًّا ، و يخاف إن عصى ربَّه عذاب يوم عظيم ، استمعوا لآيات القرآن الكريم ، قال تعالى :

 

﴿ قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ(15)﴾

( سورة الأنعام )

 وقال تعالى :

 

﴿ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلَا أَقُولُ إِنِّي مَلَكٌ ﴾

 

( سورة هود )

 وقال تعالى :

 

﴿ وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنْ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِي السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ(188)﴾

( سورة الأعراف )

 هذا حجم النبيِّ ، فهل يستطيع وليٌّ أن يدَّعيَ حجما أكبر من هذا ؟

 

3 ـ ليس هناك رجل فوق النبي مهما كان :

 هناك قصص كثيرة لا طائل منها تُروَى عن بعض العلماء ، إنها ليست من عندهم ، إنها لُفِّقتْ على ألسنتهم ، وهم بريئون منها ، مثلاً : يقولون : هناك بعض العلماء إذا نظر إلى إنسان اهتدى ، هذا دجل وتزوير ، هذه لم يملكها النبيُّ الكريم ، إذاً : حسب ادعائهم هناك من هو فوق النبي !! قال تعالى :

﴿ لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَمَا تُنفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنفُسِكُمْ وَمَا تُنفِقُونَ إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ وَمَا تُنفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ(272)﴾

( سورة البقرة )

 وقال تعالى :

 

﴿ إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ(56)﴾

( سورة القصص )

 وإذا كان النبيُّ عليه الصلاة والسلام لا يهدي من أحبَّ ، أفيأتي رجلٌ من أتباعه ينظر في الرجل فيهديه ؟!
 عالمٌ آخر كان في الحمَّام ، طُرِق بابُ الحمَّام ، وأعطيَ ورقةً فيها أسئلةٌ غمسها في الماء ، فكانت الأجوبة على الطرف الثاني ، تفضَّلْ أليس هذا بهتان ؟ اللهُ سبحانه وتعالى قال :

 

﴿ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلَا أَقُولُ إِنِّي مَلَكٌ ﴾

( سورة هود )

 هذه الخوارق المزعومة لا تُجدي ، و الحديث عنها لا يجدي ، وقعتْ أم لم تقع .
 قال تعالى :

 

﴿ وَلَا أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلَا أَقُولُ إِنِّي مَلَكٌ وَلَا أَقُولُ إِنِّي مَلَكٌ وَلَا أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِي أَعْيُنُكُمْ لَنْ يُؤْتِيَهُمْ اللَّهُ خَيْرًا ﴾

( سورة هود )

وَلَا أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِي أَعْيُنُكُمْ لَنْ يُؤْتِيَهُمْ اللَّهُ خَيْرًا

1 ـ الكبراء مخطئون في تصوراتهم :

 هؤلاء الكبراء يحسبون أن الدنيا لهم والآخرة لهم ، ويحسبون أن الله سبحانه وتعالى يحبِّهم دون سواهم ، حتى إذا ذهب أحدُهم في نزهةٍ إلى مشارق الأرض ، ومغاربها ، قال لك بالحرف الواحد : إذا أحبَّ اللهُ عبدَه أراه ملكَه ، وقد يذهب من فندق إلى فندق ، ومن معصية إلى معصية ، ومن شبهة إلى شبهة ، ويقول لك : إن الله يحبُّني ، هؤلاء لا يحتملون أن يكونوا عند الله عز وجل ، بل شأنهم كشأن غيرهم ، مَن أنا ؟ قال تعالى :

﴿ وَقَالَتْ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ(18)﴾

( سورة المائدة )

 التواضع علامة الإيمان ، قال الشاعر :

فانظُرْ إلى الأكحال و هي حجارة   لانَتْ فصار مقرُّها في الأعين

 قال تعالى :

﴿ وَلَا أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِي أَعْيُنُكُمْ لَنْ يُؤْتِيَهُمْ اللَّهُ خَيْرًا ﴾

( سورة هود )

 هؤلاء الذين تنظرون إليهم بازدراء ، قال تعالى :

 

﴿ لَنْ يُؤْتِيَهُمْ اللَّهُ خَيْرًا اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا فِي أَنفُسِهِمْ إِنِّي إِذًا لَمِنْ الظَّالِمِينَ ﴾

( سورة هود )

2 ـ شأن العباد وأمْرهم إلى الله تعالى وحده :

 هذا من شأن الله عز وجل ، لا تسألني عن شخص ، جيِّد أم سيء ، هذا من شأن الله لا من شأني ، من يعلم الغيب إلا الله ؟ من يعلم ما في نفسه .
 الآن كلُّكم في هذا المسجد ، كلُّ واحد حضر من هذا الحضور له مطلب ، الذي جاء يطلب رضاء الله وحده له درجة ، والذي يأتي من باب الفضول له درجة ، والذي جاء ولديه فراغ فإنه يأتي ليقضيه في هذه الأمسية ، يقول : نذهب إلى الجامع لنتسلَّى ، له درجة ، هذا له درجة ، و الذي يأتي إلى هنا من مكان بعيد يقصد رضاء الله عز وجل له درجة ، ومن يعلم ما في النفوس ؟ قال تعالى :

﴿ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا فِي أَنفُسِهِمْ إِنِّي إِذًا لَمِنْ الظَّالِمِينَ ﴾

 

( سورة هود )

 أحدُ الأصحاب الكرام في بعض الغزوات تبع مشركا ، وحينما كان السيفُ فوق رقبته قال : أشهد أن لا إله إلا الله فقتله ، بلغ ذلك النبيَ صلى الله عليه و سلم فغضب غضبا شديدا ، فقال : يا رسول الله قالها تقيَّةً لينجو من الموت ، قال : أشققتَ على قلبه ؟ أشققتَ على صدره ؟ نحن نحكم بالظاهر ، و اللهُ يتولَّى السرائر ، فلا يعلم ما في النفوس إلا الله .
 قال تعالى :

 

﴿ قَالُوا يَا نُوحُ قَدْ جَادَلْتَنَا فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنتَ مِنْ الصَّادِقِينَ ﴾

( سورة هود )

قَالُوا يَا نُوحُ قَدْ جَادَلْتَنَا فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنتَ مِنْ الصَّادِقِينَ

1 ـ من وسائل معارضة الكفار للأنبياء إغلاق باب النقاش :

 أي بالغتَ في الجدال وبالغت في الخصومة ، وملَلْنا من هذه الموضوعات ، دعْنا منها ، و ضعْ حدًّا لها ، وأقفِلْ باب النقاش فيها إلى متى ؟ قال تعالى :

﴿ فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنتَ مِنْ الصَّادِقِينَ ﴾

( سورة هود )

2 ـ من وسائل معارضة الكفار للأنبياء العنف والتهديد :

 وحينما يفلس الإنسان فكريا يلجأ إلى وسيلة أخرى ، إما إلى التهكُّم ، وإما إلى الضرب ، هذا الذي يفقد الحجَّة يلجأ إلى العنف ، ولا يستخدم العنفَ بعد المناقشة إلا من خسِرَ المناقشة ، لذلك يقول الإمام الغزالي : ما ناقشني عالمٌ إلا غلبْتُه ، ولا ناقشني جاهل إلا غلبني ! لأنّهُ لا يناقش وِفْقَ أُسسٍ صحيحة .
 قال تعالى :

﴿ فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنتَ مِنْ الصَّادِقِينَ ﴾

( سورة هود )

3 ـ من وسائل معارضة الكفار للأنبياء طلب العذاب من الأنبياء :

 من أنا ؟ أنا لا أقدر أن آتيكم بما يعِدُكم ‍الله ، أنا عبْدٌ فقير ، ومخلوق عاجز ، ولكن هذا بِيَدِ الله عز وجل ، قال تعالى :

﴿ قَالَ إِنَّمَا يَأْتِيكُمْ بِهِ اللَّهُ إِنْ شَاءَ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ ﴾

( سورة هود )

قَالَ إِنَّمَا يَأْتِيكُمْ بِهِ اللَّهُ إِنْ شَاءَ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ

1 ـ العذاب بيد الله نوعا وكمًّا وزمانا ومكانا ومعَذَّبا :

 الله عز وجل حكيم ، ويعرف متى يرسل العذاب ؟ ومتى يوقفهُ ؟ ومتى يمْنعهُ ؟ هو الذي يتصرَّف ، قال تعالى :

﴿ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ ﴾

( سورة هود )

2 ـ الله لا يعجزه شيء :

أمرُ الإنسان متوقف على الله :

 إذا كانت آلة كهربائيّة فيها مفتاح كهربائي ، فمهما علا صوتها فبِضَغطة زرّ توقِفُها ، وهكذا الإنسان مهما علا وتكبَّر ، ومهما بدا للناس قويًّا إذا قطَعَ الله عنه الإمداد ثانيَةً واحدة أصبح جثَّة هامدة ‍‍!! فهذه الحركة من الله عز وجل ، وهو الذي أمدَّك بها ، فإذا قطع عنِّه هذا الإمداد ثانيَةً واحدة أصبح الإنسان جثَّة هامدة .
 يُرْوى أنَّ سيّدنا سليمان - هذه قصّة - جاء إليه ملكُ الموت ، وعنده رجل ، فصار ملَكُ الموت يُحدِّق في هذا الرجل تحديقًا غريبًا ، قال : يا نبيّ الله ، من هذا الذي يُحدِّق فيّ ؟! فقال : هذا ملكُ الموت !! فانْخَلَعَ قلبهُ خوفًا ، وقال : خُذْني إلى أقصى الدنيا ، وقد أوتي الرياح ، فنَقَلَهُ إلى الهند ، وهناك قُبِضَتْ روحُه ، فلمَّا سأل نبيّ الله سليمان ملَكَ الموت ؛ لماذا فعلْت هذا ؟ وحدَّقتَ فيه هذا التحديق !! فقال : عَجِبْت للأمر ، فأنا موكّل بِقَبض روحه في الهند ، فلما رأيْتُهُ هنا قلتُ : ماذا يفعل هنا ؟!! قال تعالى :

 

﴿ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ ﴾

( سورة هود )

 هؤلاء الذين أرادوا أن يغزو الفضاء ، ونجحَتْ لهم ستّ أو سبع رِحلاتٍ ، وبعد اثنتين وسبعين ثانية من إقلاعهم برحلة جديدة أصبحَتْ المركبة التي وزنها ثلاثة آلاف طنٍّ كرةً من اللَّهَب !! قال تعالى :

 

﴿ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ ﴾

( سورة هود )

 في بعض المعامل معامل الصلب يُنقل الحديد الخام من مكان إلى آخر بِرافِعة مِغناطيسيَّة ، عبارة عن دائرة من الحديد لُفَّ حولها وشيعة ، فإذا سرى التيار في الوشيعة أصبح هذا الحديد ممَغْنطًا يحمل عشرة أطنان ‍، إنَّك لن تستطيع إنزاْل قِطعة حديد مهما أوتيتَ من قوَّة من شِدَّة الجذب ، فإذا ضغط عامِلُ هذه الرافعة الزرّ وقطع التيار الكهربائي ، فهذه الأطنان العشرة تقع فوْرًا ؛ ضغطة زرّ ، فهذا الذي تراه كبيرًا وقويًا إذا قطع الله عنه الإمداد ثانيةً واحدة أصبح جثَّةً هامدة ، فلذلك يقول الله عز وجل :

 

﴿ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ ﴾

( سورة هود )

 مهما علوْت ، وأينما ذهبت .

لا تأمن الموت في طرْفٍ ولا نفسِ  وإن تمنَّعْت بالحجاب و الحــرس
فما تزال سهام المــوت نافــذة  في جنب مدَّرِع منها ومتـــّرسٍ
أراك لسْت بِوقـــاف ولا حـذِرٍ  كالحاطب الخابط الأعواد في الغلس
ترجو النجاة ولم تسلك مسالكــها  إنّ السفينة لا تجري على اليبــس

 قال تعالى :

 

﴿ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ ﴾

( سورة هود )

 قال تعالى :

 

﴿ وَلَا يَنفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنصَحَ لَكُمْ إِنْ كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ هُوَ رَبُّكُمْ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ﴾

( سورة هود )

وَلَا يَنفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنصَحَ لَكُمْ إِنْ كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ

1 ـ تأويل الآية :

 هذه الآية من الآيات المتشابهات تحتاج إلى تأويل دقيق ، هذا الإنسان إذا أعرض عن الله سبحانه وتعالى امتلأ قلبه شهواتٍ خبيثةً ، فإذا أصرَّ على هذه الشهوات ، وكانت هذه الشهوات حِجابًا بينه وبين الله سبحانه وتعالى أصبحت هذه الشَّهوات وقْرًا في أُذُنَيه ، وغِشاءً على عَيْنيه ، وإنَّ أحْكمَ ما يكون أن تخرج هذه الشَّهوات إلى حيِّز التنفيذ ، فإذا رأيْتَ أنَّ ابنك تعلَّق بهذه اللُّعبة ، ولن يسمعَ منك كلمةً ، ولن يفتح كتابًا ، ولن يذهب إلى مدرسةٍ ، ما لم يُفَكِّك هذه اللعبة ، ويستمتع بها ؛ أنت كأبٍ مربٍّ ترى من الأنسب أن تُعْطِيَهُ سؤْلهُ لِتَشْفيه من هذه الشَّهْوَة ، فإذا شفِي منها عندئذٍ يُصْغي إليك ، فقد تقتضي حِكمة الله سبحانه وتعالى لإنسانٍ أصرَّ على المعصيَة ، وتشبَّث بها ، وجعلها كلّ همِّهِ ، أن يُعينهُ الله على تنفيذ هذه الشَّهوة ، في أثناء هذه المرحلة ؛ هذا الإنسان أصمّ أعمى لا يستجيب لِنَصيحة ، ولا يصغي إلى خير ، قال تعالى :

 

﴿ وَلَا يَنفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنصَحَ لَكُمْ إِنْ كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ ﴾

( سورة هود )

2 ـ لا ينفع نصحٌ لمن تعلق بالدنيا وشهواتها :

 أيْ إذا تعلَّقتُم بالدنيا ، واسْتحكَمَت الشَّهوات في نفوسكم إلى درجة أنَّها أصبَحَت غِشاءً على أعينكم ، ووقْرًا في آذانكم ، عندئذٍ نُصْحي لا ينفعكم ولا يُجدي ، ولن تتأثَّروا به ، ولن تستجيبوا له ، والله سبحانه وتعالى هو الذي يتولَّى مُعالجتكم بِإخراج هذه الشهوات من نفوسكم ، فهذا الذي امتلأ قلبه من شهوات الدنيا الخسيسة ، ولْتَكُن الزنا مثلاً ، لن يستطيع أن يستمع إليك حتى تخرج هذه الشهوة من قلبه ونفسه ، يسوقهُ الله إلى زانيَةٍ مثله ، ثمّ يأتي العِقاب الأليم ، فيصاب بالإيدز ربّما يستفيد بعدها ؛ وإذا أخْرجَ الإنسان شهوته التي أصرّ عليها ، ثمّ جاءهُ العِلاج الأليم ربّما تاب ، وربّما أصغى للحق ، وأحيانًا ترى شخصًا في عمى ، وشهوته صارَتْ حِجابًا ، ولا يعي خيراً ، ويرى ذاته مضخَّمة ، ولا يرى معها أحدًا ، هذا لا يُجديه النُّصْح حتى تخرج هذه الشهوة الخسيسة من نفسه عندئذٍ يُصغي ، قال تعالى :

﴿ وَلَا يَنفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنصَحَ لَكُمْ إِنْ كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ ﴾

( سورة هود )

3 ـ إِنْ كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ

 بمعنى يُخْرج هذه الشهوات التي امتلأتْ قلوبكم بها ، أحيانًا قد يتجمَّع قيْحٌ تحت الجلد ، ماذا يفعل الطبيب ؟ يضعُ مرْهمًا ، أو دواءً ليزيد هذا التجمّع تمهيدًا لِشَقّ الجلد ، وإخراج القيح كلّه ، وهذه العمليّة البسيطة مثلٌ بسيط لما يفعله الله في النفوس ، تمتلئ النفس شهواتٍ خسيسة ، ويصرّ عليها الإنسان ، ويتشبّث بها ، ويضعها حجابًا أمام عيْنيه ووقْرًا في أُذنيْه ، ولا يعي على خير ، ويسوق الله له الشيطان ، ويزيّن له هذه الشهوة حتى تخرج منه فيَشْفى منها ، وكم من إنسانٍ تابَ بعدما أخرج ما في نفسِه من شهوات ، وكم من إنسان أناب بعد أنْ اسْتراحَتْ نفسُهُ مِن ثِقَل الشهوات التي يحملها ، قال تعالى :

﴿ وَلَا يَنفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنصَحَ لَكُمْ إِنْ كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ ﴾

( سورة هود )

 نصائح الطبيب الوِقائيَّة بعد أن يقع المرض الخطير لا تُجدي ، الآن يُجديه أن يدخل إلى المستشفى .
 إذا كان في بيتٍ من البيوت مُبيد زِراعي ، وكان في متناوَل أيدي الأطفال ، وقد شَرِب بعض الأطفال هذا المُبيد ، وبدأ فِعْلُ هذا السمّ القاتل في الأحشاء ، في هذه اللحظة هل ينفع هذا النّصح ؟ وهل يُجدي العِتاب ؟ ماذا ينبغي أن نفعل ؟ يجب أن نأخذ هذا الطِّفل إلى المستشفى ، ونُجْري له غسيل معِدَة ، هذا الكلام وهو النُّصْح ؛ متى يجب أن يكون ؟‍ قبل أن يشْرب هذا المبيد ، ولكن بعد الشّرب الكلام ، والعتاب والنّصح لا يجدي ، إلا أنّ قبله قد يجدي ؛ ضَعْ هذا المبيد في مكانٍ بعيد ، انْتبِه لمكان وجوده ، وحين اسْتِعماله ، فهذا الذي امتلأتْ نفسُه شَهَواتٍ لا يُجدي معه إلا أن تخرج هذه الشهوات من قلبه ونفسه كَغسيل المعدة تمهيدًا لِتَوبتِهِ ، فقد ترى طالباً غافلا عن الدراسة والعلْم ، والنتائج والمستقبل ، وهو غارق في بعض الشهوات ، هذا لن يُعطيك أُذنًا صاغِيَة إلا بعد ضرْبةٍ قاسِيَة مِن قِبَل الله عز وجل ، وكذلك منحرفٌ إذا أوْدى به انحِرافهُ إلى عُقوبةٍ بالغة عندئذٍ يُصغي إليك ، وهذا هو المعنى الدقيق لهذه الآية .
 أما أن تظنّ أنّ الله سبحانه وتعالى يريد أن يُغْوِيَ الإنسان من دون ذَنْبٍ ارْتَكَبهُ فهذا لا يليق بِحَضرة الله سبحانه وتعالى ، ولا يتناسب مع أسمائه الحسنى ، والدليل قوله تعالى :

 

﴿ فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ(5)﴾

( سورة الصف )

 لأنَّهم فاسقون زاغوا فأزاغ الله قلوبهم ، فهذه الآية تقترب من هذه الآية ، قال تعالى :

 

﴿ وَلَا يَنفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنصَحَ لَكُمْ إِنْ كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ ﴾

( سورة هود )

هُوَ رَبُّكُمْ

1 ـ دِقَّة القرآن :

 دِقَّة القرآن هو ربكم فإذا قلنا : شاءَت الأمّ أن تمْنَعَ ابنها طعامها اللذيذ فهي أُمّه ، أقرب الناس إليه ، وأكثرهم عطفًا عليه ، وأكثرهم حنانًا ، وما من أحدٍ يحبّه كحبها فهي أمه ، فالتعقيب هنا : هو ربّكم ، ولم ينتبه بعض الناس إلى هذا التعقيب ، قال تعالى :

﴿ وَلَا يَنفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنصَحَ لَكُمْ إِنْ كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ هُوَ رَبُّكُمْ ﴾

( سورة هود )

 يعني هو الذي يرْعاكم ، هو الذي يُربِّيكم ، هو الذي يُربّي نفوسكم ، هو الذي يضيّق عليكم من أجل صلاحكم ، هو الذي يُذيقكم هذا العذاب من أجل ألا تقعوا في عذاب أكبر ، قال تعالى :

 

﴿ هُوَ رَبُّكُمْ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ﴾

( سورة هود )

2 ـ إغواء رب العالمين تمهيد للشفاء :

 كلمة ربّكم تكفي لإلقاء الضوء على كلّ هذه الآية ، لو فرضنا أنَّ إنساناً صار معه الْتِهاب الزائدة ، ماذا يفعل أقرب الناس إليه ؟ وأشدّهم عطفًا عليه ؟ أكثرهم رحمةً به ؟ يأخذه إلى المستشفى الذي يستدعي طبيبًا ماهرًا لِفَتحِ بطنِهِ يُخدّره فَيُغْمى عليه ، ويفتح بطنه ويسيل الدم ، تؤخذ هذه الزائدة وتستأصَل ، وهذا ما يفعله الأب الرحيم ، والأم الحنون ، وهذا ما يفعلهُ الأخ ، فالإغواء مِن قِبَلِ الله تعالى هو الشِّفاء فإخراج هذه الشهوات تمهيدًا للشّفاء ، ففي هذه المرحلة مرحلة إجراء العمليّة الجراحيّة لا ينفعُ النّصح ، قال تعالى :

﴿ وَلَا يَنفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنصَحَ لَكُمْ إِنْ كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ هُوَ رَبُّكُمْ ﴾

( سورة هود )

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018