الدرس : 05 - سورة هود - تفسير الآيات 25 – 28 - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الدرس : 05 - سورة هود - تفسير الآيات 25 – 28


1986-02-14

 الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا ، إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علِّمنا ما ينْفعنا ، وانْفعنا بِما علَّمتنا ، وزِدْنا عِلما ، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه ، وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه ، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه ، وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين .
 أيها الإخوة المؤمنون ، وصلنا في سورة هود إلى قوله تعالى :

﴿ وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ ﴾

( سورة هود )

وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ

1 ـ الإرسال دليل رحمة الله بعباده :

 الإرسال أوَّلاً دليل رحمة الله سبحانه وتعالى ، فالمُعَلِّم يُدرِّسُ طلابه ، فإذا وجَدَ في أحدهم تَقصيرًا هل يدَعُهُ إلى الامتحان كي يرْسب ؟ لا بدّ من أن ينْصحَهُ ، ولا بدّ من أن يضيّق عليه ، فَمُجرّد إرسال الأنبياء للعِباد دليل رحمة الله سبحانه وتعالى ، وإنَّ الله أمر عباده تخييرًا ، ونهاهم تَحذيرًا ، وكلَّف يسيرًا ، ولم يُكَلِّف عسيرًا ، وأعطى على القليل كثيرًا .

2 ـ الفائدة من التكلم بصيغة الجمع :

 أما كلمة أرسلنا بِضَمير الجَمع ، معنى ذلك أنَّ أفعال الله سبحانه وتعالى تدخل فيها كلّ أسمائه ، فأيّ فِعْلٍ لله عز وجل فيه رحمة ، وفيه لُطْفٌ وفيه عَدْلٌ ، وفيه غِنًى ، وفيه تَقْديرٌ ، وفيه عِلْمٌ ، وفيه خِبْرةٌ ، فإذا تحدَّث الله سبحانه وتعالى عن ذاته استخدم ضمير المفرد ، قال تعالى :

 

﴿ إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمْ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي(14)﴾

( سورة طه )

 قال تعالى :

 

﴿ وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ ﴾

( سورة هود )

 رحمة وعلما ، وخِبرة ، وحكمة ، وقوّة ، ولُطْفًا ، كلّ هذه الأسماء الحسنى مجتمعة في( نا ) الدالة على الفاعلين ، قال تعالى :

 

﴿ وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ ﴾

( سورة هود )

3 ـ الأنبياء صفوة الخَلق :

 هذا الذي أرسله صَفْوَةُ القوم ، قال تعالى :

 

﴿ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ(33)﴾

( سورة آل عمران )

 فالأنبياء هم صفوة الخلق كما قال الله سبحانه وتعالى :

 

﴿ وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَانُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ(26)﴾

( سورة الأنبياء )

 صَفْوَة الخلق الأنبياء ، وصَفْوَةُ الصَّفْوَة سيّدنا محمّد صلى الله عليه وسلَّم ، قال تعالى :

 

﴿ وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ ﴾

( سورة هود )

4 ـ الانتساب إلى الأنبياء شرف بشرط اتباعهم :

 نُسِبوا إليه تشريفًا لهم ، قَوْمِهِ ، ونحن مِن أُمَّة سيّدنا محمَّد صلى الله عليه وسلَّم نُسِبْنا إليه تَشْريفًا لنا ، تشَرَّفْنا به فإن نُسْبْنا إليه ينبغي أن نكون عند أمره ونهْيِهِ ، قال تعالى

﴿ وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ ﴾

( سورة هود )

إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ

1 ـ ما هو الإنذار ؟

 ما معنى الإنذار ؟ هو بيان الأخطار ، وبيانُ طُرُق الوِقاية منها هذا هو الإنذار ، والإنذار لا يكون بعد فوات الأوان ، لابدّ مِن أن يأتي في الوقت المناسب ، فالإنذار بيان الأخطار ، ولكن هذا الإنذار مُبين ، أحيانًا ينهاك الطبيب عن المِلْح ويسكت ، أنت لا تعرف لِمَ ينهاكَ ؟ فلو كان طبيبًا حكيمًا لبيَّنَ لك مضارّ المِلح ، المِلح الزائِد يحْبس في الجسد سوائل زائدة ، والسوائل الزائدة تجعل الشرايين منتفخة ، فيرتفع الضغطُ فيجهد القلبُ بالملح الزائد ، فإذا أنذرتَ المريض بمغبّة تناوله الملح ، وبيَّنت له كيف أن الملح يرفع الضغط ، ويجهد القلب فهذا إنذارٌ مع تبيين ، فالإنذار وحده لا يكفي ، ربُّنا عز وجل حينما ينذرنا يبيِّن لنا أخطار مغبَّة الذي ينذرنا ، ويحذرنا منه ، قال تعالى :

﴿ وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ ﴾

( سورة هود )

 الإرسال رحمة من الله ، و ( نا ) دليل أن أسماء الله الحسنى كلها داخلة في هذا الإرسال ، ( نوحا ) صفوة القوم ،

﴿ إِلَى قَوْمِهِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ ﴾

من صفات الإنسان الكامل الخلقُ الحسنُ :

 الله سبحانه وتعالى كماله مطلَق ، لذلك الكامل لا يقرِّب إليه إلا الكامل ، أما بنو البشر فلأسباب خاصة ولأسباب تتعلَّق بمصالحهم يقربون إليهم من هم ليسوا في مستوى هذا التقريب ، لكنَّ الله سبحانه وتعالى لا يقرِّب إليه إلا مَن كاملا رحيما ، لذلك فالنبيُّ عليه الصلاة والسلام كان أرأفَ وأرحم الخلق بالخلق ، استخلف أبا بكر ، وقال : أرأف أمتي بأمتي أبو بكر ، واستخلف أبو بكر عمر ، وقال : أرحم أمتي بأمتي ، هؤلاء الكُمَّل لا يقرِّبون إليهم إلا من كانوا على شاكلتهم ، لذلك طرق القرب من الله عز وجل أسبابها الكمال ، أما الإنسان فقد يقرِّب إليهم من كان شرِّيرا ، ومن كان ناقصا لمصلحة ما ، ولكن الله سبحانه وتعالى إذا اصطفى الأنبياء فهم صفوة البشر ، لذلك دُعِي النبيُّ عليه الصلاة والسلام إلى التمثيل بقتلى قريش لشدّة ما عاندوه حينما كانوا أحياء ، ولشدَّة ما أساءوا إليه ، ولشدَّة ما ضيَّقوا عليه ، ولشدة ما تآمروا على قتله ، ولشدة ما أخرجوه من بلده فقيل له : مثِّلْ بهم ، فقال عليه الصلاة و السلام : لا أمثِّل بهم فيمثِّل الله بي ، ولو كنت نبياً ، ولقد جاءه جبريل ، وقد ردّه أهل الطائف فقال : يا محمد ، أمرني ربي أن أكون طوع إرادتك ، لو شئتَ لأطبَقت عليهم الجبلين ، قال : اللهم اهدِ قومي فإنهم لا يعلمون ، لا يا أخي ، عسى الله أن يخرج من أصلابهم من يعبد اللهَ ، هكذا الأنبياء ، وهكذا الصدِّيقون ، وهكذا المؤمنون ، ولن يكون المؤمن مؤمنا إلا إذا كان كاملا ، قال عليه الصلاة و السلام :

(( مَن حدَّث الناسَ ، ولم يكذبهم ، ووعدهم فلم يخلفهم ، وعاملهم فلم يظلمهم فهو ممن كملت مروءته ، و ظهرت عدالته ، و وجبت أخوَّته ، و حرمت غيبته ))

[ القضاعي في مسند الشهاب عن علي ، وقد ذكر العلماء أنه موضوع غير صحيح ]

 صار مقياس الرفعة في سلَّم الإيمان الخلق الحسن ، وما من شيء أثقل في الميزان من خلق حسن ، ولم يُوصف النبيُّ عليه الصلاة والسلام في القرآن الكريم إلا بصفة واحدة ، وهي الخلق الحسن ، قال تعالى :

 

﴿ وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ(4)﴾

( سورة القلم )

 وما جاء الأنبياء إلا ليرقوا بأتباعهم إلى المستوى الرفيع ، قال عليه الصلاة و السلام :

(( وَإِنَّمَا بُعِثْتُ مُعَلِّمًا ))

[ ابن ماجه عن عبد الله بن عمرو]

 وَعَنْ مَالِك أَنَّهُ قَدْ بَلَغَهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ :

(( بُعِثْتُ لِأُتَمِّمَ حُسْنَ الْأَخْلَاقِ ))

[ رواه مالك ]

 فالخلق الحسن ، والسُّموُّ النفسي هذا هو الهدف الأكبر من الدين ، تسمو نفوسنا فنصبح أهلا لأن نكون في مقعد صدق عند مليك مقتدر ، تسمو نفوسنا كي نكون أهلا لجنة عرضها السماوات والأرض ، قال تعالى :

 

﴿ وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ ﴾

( سورة هود )

 الإنذار تبيان الأخطار ، وتبيان طرق الوقاية منها ، وتبيان مضار الأذى وأخطاره ، قال تعالى :

 

﴿ أَنْ لَا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ ﴾

( سورة هود )

أَنْ لَا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ

1 ـ الفائدة من صيغة النفي والاستثناء : لَا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ

 لم يقل الله عز وجل أن اعبدوا الله هناك آيات أن اعبدوا الله ، أما الآية هنا :

﴿ أَنْ لَا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ ﴾

( سورة هود )

 هذا النمط الإزدواجي ، فقد يعبد الإنسانُ ربَّه ، ويعبد مع ربه جهةً أخرى ، هذا هو الشرك ، أما النهي هنا :

 

﴿ أَنْ لَا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ ﴾

 يجب أن تعبد الله ، ولا أحد مع الله ، والعبادة الطاعة التي يسبقها معرفةٌ بالله عز وجل ، وتعقبها سعادة بسبب القرب منه ، قال تعالى :

 

﴿ وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ(56)﴾

( سورة الذاريات )

 وقال تعالى :

 

﴿ أَنْ لَا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ ﴾

( سورة هود )

2 ـ : إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ

 إذا تورَّطتم في عبادة غير الله فلا بد من يوم فيه عذاب أليم ، لكنَّ الحبل مرخى ، والجاهل يغترُّ بإرخاء الحبل ، ولكن إذا أزفت الآزفة ليس لها من دون الله كاشفة ، يُشدُّ الحبلُ و يقع الإنسان فريسة عمله السيئ ، قال تعالى :

﴿ كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ (38)إِلَّا أَصْحَابَ الْيَمِينِ (39)فِي جَنَّاتٍ يَتَسَاءَلُونَ (40)عَنْ الْمُجْرِمِينَ (41)﴾

( سورة هود )

لَا تَكُونُوا إِمَّعَةً :

 العاقل هو الذي يحتاط للأمور قبل وقوعها ، والجاهل هو الذي يعيش لحظته ، يعيش وقته يعيش عصره كما يقولون ، مع الناس ، و مع ضلالاتهم ، و مع انحرافاتهم ، مع علاقاتهم المشبوهة التجارية ، مع أكلهم الحرام ، مع أكلهم الربا ، مع الاختلاط ، يقول : أنا مع الناس ، فعَنْ حُذَيْفَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :

(( لَا تَكُونُوا إِمَّعَةً ، تَقُولُونَ : إِنْ أَحْسَنَ النَّاسُ أَحْسَنَّا ، وَإِنْ ظَلَمُوا ظَلَمْنَا ، وَلَكِنْ وَطِّنُوا أَنْفُسَكُمْ إِنْ أَحْسَنَ النَّاسُ أَنْ تُحْسِنُوا ، وَإِنْ أَسَاءُوا فَلَا تَظْلِمُوا ))

[ رواه الترمذي ]

و ما أنا إلا من غزِية إن غوت ْ غويتُ و إن ترشد غزيةُ أرشدِ
***

 هذا الذي يقول : أنا مع الناس ، مع العادات التقاليد مع ظروف البيئة ، مع معطيات الحياة ، مع تيارات الحياة ، مع عصر العلم ، مع عصر الانفتاح ، هذا الذي يضع الشَّرعَ وراء طهره ، و يضع هذا الكتاب الذي أنزله ليكون دستورا لنا يضعه خارج اهتمامه ، ويعيش وقته و لحظته ، و يأخذ ، و يعطي ، و يفعل ما يحلو له من دون ضابط من كتاب الله ، و من دون أن يكون وقَّافاً عند كتاب الله ، أمره خطير ، فسيِّدنا عمر رضي الله عن عمر كان وقَّافا عند كتاب الله ، والمؤمن في ليله ونهاره يطرح على نفسه هذا السؤال ، هل هذا العمل الذي أفعله مطابق للشرع ؟ وهل يرضى الله عنه ؟ وهل فيه زيغٌ ؟ وهل فيه انحراف ؟ و هل فيه تقصيرٌ ، وهل فيه تجاوزٌ ؟ وهل فيه بغيٌ ، وهل فيه عدوانٌ ؟ هل فيه خروجٌ ، وهل فيه فسقٌ ؟ هذا الذي لا يسأل لا يبالي ، وإذا بالَ فمِن بال يبول ، ولا يبالي ، وإذا كان عمله صحيحا أم غير صحيح ، أكان مستقيما أم غير مستقيم ، أكان عمله مطابقا للشرع أم غير مطابق ، كلمته الثابتة أنه لا يبالي ، فالله سبحانه و تعالى يقول :

 

﴿ أَنْ لَا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ ﴾

( سورة هود )

3 ـ لا تعبد مع الله غيره :

 إذا كنت تصلي ، و تصوم ، و تحج ، و تزكي فأنت لا شك تعبد اللهَ ، و لكن هل : لا تعبدوا إلا الله ، إن فعلتَ هذه العبادات فأنت تعبده ، ولكنَّ المهمَّ النهيُ : ألا تعبد إلا الله ، هل تعبد مع الله جهةً أخرى ؟ ، إنه من ضعف اليقين أن ترضيَ الناسَ بسخط الله ، هذا من ضعف اليقين ، ربُّنا عز وجل و صف حالتين مَرَضيتين : الحالة الأولى ، وهي قوله تعالى :

﴿ وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ وَلَئِنْ جَاءَ نَصْرٌ مِنْ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ إِنَّا كُنَّا مَعَكُمْ أَوَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِمَا فِي صُدُورِ الْعَالَمِينَ(10)﴾

( سورة العنكبوت )

 دقة الآية متناهية ، قال تعالى :

 

﴿ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ ﴾

( سورة العنكبوت )

 جعل ما يفعله الناسُ معه تضييقا عليه كعذاب جهنم ، فعندئذٍ يُحجِم عن الطاعة خوفا من الناس ، يحجم عن حضور مجلس علم لكلمة قالها أحدُهم ، يحجم عن عمل صالح لكي لا يُظنَّ به كذا كذا ، يحجم عن قول المعروف لئلا يُظنَّ به كذا كذا ، النبيُّ عليه الصلاة و السلام أثنى في بعض الأحاديث على الرجل الذي إذا تكلَّم غنِم ، وإذا سكت سلم ، ولكنَّ أهل الدنيا يتكلمون فيأثمون ، و يسكتون فيأثمون ، يتكلمون بالباطل فيأثمون ، ويسكتون عن الحق فيأثمون ، لكن المؤمن هذا حاله : رحم اللهُ عبدًا تكلم فغنم ، أو سكت فسلم ، و قال تعالى :

 

﴿ وَقَالُوا إِنْ نَتَّبِعْ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آمِنًا يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقًا مِنْ لَدُنَّا وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ(57)﴾

( سورة القصص )

 هذا الذي يقول مثل هذا الكلام هو منافق لا شك ، هذا الذي يقول إذا طبَّقتُ الشرع أخاف على نفسي ، أو أخاف على دخلي ، أو أخاف على رزقي ، و لو حضرتُ معكم مجلس علم أخاف على رزقي أن ينقطع ، هذا الذي يقول هذا منافق و ربِّ الكعبة ، قال تعالى :

 

﴿ وَقَالُوا إِنْ نَتَّبِعْ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آمِنًا يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِ شَيْءٍ رِزْقًا مِنْ لَدُنَّا وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ(57)﴾

( سورة القصص )

 هكذا يجب أن تكون أخلاق عباد الله عز وجل ، هذا الذي أطاعه هذا الذي استقام على أمره ، وهذا الذي دخل بيته ليتعلم شرعه ، و ليتعلم قرآنه أيفعل الله به ما تظنون ؟
 قال تعالى :

 

﴿ إِنَّمَا ذَلِكُمْ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِي إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ(175)﴾

( سورة آل عمران )

 لا تخافوهم ، ألا تعبدوا إلا الله ، فرقٌ كبير بين أن يقول الله سبحانه وتعالى : أن اعبدوا الله ، وبين أن يقول سبحانه وتعالى :

 

﴿ أَنْ لَا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ ﴾

( سورة هود )

 فرق كبير بين أن تقول : نعبد اللهَ ، وبين أن تقول : " إياك نعبد " ، حينما تقدَّمت إياك على نعبد أفادت الحصرَ ، يعني لا نعبد إلا الله ، قال تعالى :

 

﴿ قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ(1)لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ(2)وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ(3)وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدتُّمْ(4)وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ(5)لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ(6)﴾

( سورة الكافرون )

المؤمن متميز عن غيره في كل شيء :

 لا بدَّ من التمايز ، إذا كنتَ مختلطًا مع الكفار فهذا يذيب الإيمانَ كما يذوب الملح في الماء ، تذوب فيهم ، تتعلم منهم فيسحبونك إلى صفهم ، ويقلِّبونك كما يريدون ، أنت مؤمن يجب أن تبقى متميِّزا عنهم ، و لا تذهب حيث يذهبون ، ولا تجلس حيث يجلسون ، ولا تخض في حديث كما يخوضون ، ولا تنظر كما ينظرون ، ولا تسمر كما يسمرون ، هذا معنى قوله تعالى :

﴿ لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ(2)وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ(3)وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدتُّمْ(4)وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ(5)لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ(6)﴾

( سورة الكافرون )

 إن تميِّزت عنهم حفظك الله عز وجل ، قال تعالى :

 

﴿ فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنشُرْ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيُهَيِّئْ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ مِرفَقًا(16)﴾

( سورة الكهف )

 قال تعالى :

 

﴿ أَنْ لَا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ ﴾

( سورة هود )

 فإذا تورَّطتم ، وعبدتم غير الله ، قال تعالى :

 

﴿ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ ﴾

( سورة هود )

 قال تعالى :

﴿ فَقَالَ الْمَلَأُ ﴾

( سورة هود )

فَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ مَا نَرَاكَ إِلَّا بَشَرًا مِثْلَنَا

1 ـ الملأ :

 الملأ هم علِيَّة القوم الذين يملئون السمع و البصر ، قال تعالى :

﴿ وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ ﴾

( سورة المنافقون )

 ثيابهم فاخرة ، وبيوتهم واسعة ، ومركباتهم فارهة ، وحياتهم ناعمة هؤلاء علية القوم ، الأغنياء منهم ، قال تعالى :

 

﴿ فَقَالَ الْمَلَأُ مَا نَرَاكَ إِلَّا بَشَرًا مِثْلَنَا ﴾

( سورة هود )

2 ـ مَا نَرَاكَ إِلَّا بَشَرًا مِثْلَنَا

الرسول بشر كسائر البشر :

 أي أنت واحدٌ منا تأكل كما نأكل ، وتشرب كما نشرب ، وتمشي في الأسواق ، وتأكل الطعام ، ومن قال : إن الأنبياء لا يأكلون الطعام ، ولا يمشون في الأسواق ، فهم مفتقرون إلى الطعام ، ومن أجل تأمين الطعام هم مفتقرون إلى العمل ، هذا الإنسان يأكل الطعام ، ويمشي في الأسواق ، بشريتهم حجبتهم عن حقيقتهم ، إذا التقيتَ بأكبر جرَّاح قلب في العالم ماذا سوف تُريك عيناك منه ؟ أترى له رأسين ؟ لا ، سترى رأسا واحدا ، أربع أيدٍ ؟ لا ، بل له يدان اثنتان مثلك ، إنه مثل أيِّ إنسان آخر ، إنه أكبر جرَّاح قلب في العالم ، وقد أجرى مائة ألف عملية قلب مفتوح ، ونجحت كلها ، وهو الذي امتلأ علما و خبرة في القلب ، لكنه له عينان كعيني فلان ، له أذنان كأذني فلان ، له رأس كرأس كل إنسان ، له قامة منتصبة ، إذاً هو كغيره من الناس ، امتاز عنهم بعمله وخبرته ، وكذلك الأنبياء هم في أجسامهم كغيرهم من الناس ، لكنهم امتازوا برسالتهم ونبوتهم ؟! هؤلاء الكبراء هؤلاء علية القوم ، هؤلاء الذين يملئون عين أهل الدنيا ، هؤلاء الملأ ، قال تعالى :

﴿ فَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ مَا نَرَاكَ إِلَّا بَشَرًا مِثْلَنَا وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِي الرَّأْيِ وَمَا نَرَى لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ بَلْ نَظُنُّكُمْ كَاذِبِينَ ﴾

( سورة هود )

 أنت مثلنا ، والله سبحانه و تعالى قال :

 

﴿ قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ ﴾

( سورة فصلت )

 بمعنى أن في جوانحي عواطف و أحاسيس ، اللهم إني بشر أغضب كما يغضب البشر ، و أرضى كما يرضى البشر ، يجوع النبي ويعطش ، و يشعر بالحرِّ و يشعر بالقرِّ ، و يشعر بالدفء ، ويتزوج ، و يأتيه أولاد ، إنه بشر ، و لكن لا كالبشر ، محمدٌ بشرٌ ، و ليس كالبشر ، بل هو جوهرة ، و الناس كالحجر ، الجوهرة حجر ، و ليست كالحجر ، حجر كريم قطعة الماس بحجم الحِمصة يزيد ثمنها على سبعين ألف ليرة ، واذهب إلى سهول حوران ، وانظر كم فيها من أحجار ؟ محمَّدٌ بشر ، و ليس كالبشر ، بل هو ياقوتة ، و الناس كالحجر

فإن تفُقِ الأنامَ فأنت منـهم  فإن المسكَ بعض دم الغزال
***

 أي أنت منهم ، ولكنك فقتَهم ، قال تعالى :

 

﴿ فَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ مَا نَرَاكَ إِلَّا بَشَرًا مِثْلَنَا وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِي الرَّأْيِ وَمَا نَرَى لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ بَلْ نَظُنُّكُمْ كَاذِبِينَ ﴾

( سورة هود )

 فإذا قيل لك : فلان مؤمن كبير ، ماذا ترى فيه ؟ له جسد كسائر الناس ، سيدنا ابن مسعود كان أسمر اللون ، قصير القامة ، صعد شجرةً فخفق الريحُ بثوبه ، فعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُ كَانَ يَجْتَنِي سِوَاكًا مِنْ الْأَرَاكِ ، وَكَانَ دَقِيقَ السَّاقَيْنِ ، فَجَعَلَتْ الرِّيحُ تَكْفَؤُهُ ، فَضَحِكَ الْقَوْمُ مِنْهُ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :

(( مِمَّ تَضْحَكُونَ ؟ قَالُوا : يَا نَبِيَّ اللَّهِ ، مِنْ دِقَّةِ سَاقَيْهِ ، فَقَالَ : وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَهُمَا أَثْقَلُ فِي الْمِيزَانِ مِنْ أُحُدٍ ))

[ أحمد ]

 سيدنا ابن الوليد رضي الله عنه أبو سليمان خالد بن الوليد كان قصير القامة أسمر اللون ، لكنه خاض مائة معركة أو زُهاءها ، و ما في بدنه كما يقول ، وهو على فراش الموت موطن شبر إلا و فيه ضربة بسيف ، أو طعنة برمح ، عزلَه سيدنا عمر فجاءه إلى المدينة فقال : يا أمير المؤمنين ، لِمَ عزلتني ، خاف أن يكون قد اقترف إثمًا ، أو فعل شيئًا ، لأنَّ رضاء عمر مِن رِضاء رسول الله صلى الله عليه وسلّم ، ورِضاءُ رسول الله مِن رِضاء الله ، هكذا قال سيّدنا عمر : << كنتُ سيف رسول الله المَسْلول ، وكنتُ جِلْواذهُ وخادمه ، فكان يُغْمدني إذا شاء ، وتُوُفيّ وهو عنّي راضٍ ، فالحمد لله على هذا كثيرًا ـ‍ فهذا رأى رِضاء رسول الله عنه أكبر ثَرْوَة يَحْمِلها ـ ثمّ جاء أبو بكر ، وكنت خادمه وجِلواذه ، وسيف الله المسلول ، فكان يغمدني إذا شاء ، وتُوفّي وهو راضٍ عنّي فالحمد لله ، لقد صَعِد عمر المِنبر لِيَخطب بعد أبي بكر ، انتبَهَ الناس أنَّه هبط درجة ، ثمّ قال : ما كان الله لِيَراني أن أرى نفسي في مقام أبي بكر ، فكان يقف على درجة أدنى من آخر درجة ، لأنّ هذه الدرجة الأخيرة هي مقام سيّدنا أبي بكر ، فما بالك في الأيام هذه ‍؛ فعلى الناس أن يحفروا خندقًا إذا قاموا خطباء ! ما كان الله لِيَراني أن أرى نفسي في مقام أبي بكر >> ! علماء حكماء كادوا أن يكونوا مِن فقهِهم أنبياء ، قال تعالى :

 

﴿ مَا نَرَاكَ إِلَّا بَشَرًا مِثْلَنَا وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا ﴾

( سورة هود )

وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا

3 ـ معنى الأراذل ومدلولها :

 معنى كلمة أراذلنا ، هذه الكلمة لها معنى لغوي ؛ تعني ضعفاءنا وفقراءنا ، وهذه الكلمة فيها استعلاء ، هؤلاء الذين اتَّبعوك من الطبقة الدنيا في المجتمع فقراء أصحاب مصالح ، أصحاب حِرف ، يكسبون قوت يومهم ، ولا شأن لهم ، بيوتهم صغيرة ، أموالهم قليلة ، حياتهم خشنة ، هؤلاء لا نرضى أن نجلس معهم ، ما نراك اتبعك إلا الذين هم أراذلنا ، قال عليه الصلاة والسلام ، وقد دخل عليه صحابيّ فقير :

(( أهْلاً بِمَن خبَّرني جبريل بقُدومه ! قال : أَو َمثِلْيِ ؟! قال : نعم ، يا أخي ، خامل في الأرض ، علَمٌ في السماء ))

[ ورد في الأثر ]

 عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :

(( كَمْ مِنْ أَشْعَثَ أَغْبَرَ ذِي طِمْرَيْنِ لَا يُؤْبَهُ لَهُ لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللَّهِ لَأَبَرَّهُ ))

[ الترمذي ]

 قال تعالى :

 

﴿ إِذَا وَقَعَتْ الْوَاقِعَةُ(1)لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ(2)خَافِضَةٌ رَافِعَةٌ(3)﴾

( سورة الواقعة )

 قال : أتُحِبّ أن تكون نبيًا ملِكًا ، أم نبيًّا عبْدًا ؟ فقال : بل نبيًا عبْدًا ؛ أجوع يومًا فأذْكُره ، وأشبعُ يومًا فأشكرهُ !

 

النبي كان أشد الناس تواضعًا :

 دخل عليه عمر رضي الله عنه فرآه مضطجعًا على حصير ، وقد أثَّر في خدِّه الشريف ،

(( وَإِنَّهُ لَعَلَى حَصِيرٍ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ شَيْءٌ ، وَتَحْتَ رَأْسِهِ وِسَادَةٌ مِنْ أَدَمٍ حَشْوُهَا لِيفٌ ، وَإِنَّ عِنْدَ رِجْلَيْهِ قَرَظًا مَصْبُوبًا ، وَعِنْدَ رَأْسِهِ أَهَبٌ مُعَلَّقَةٌ ، فَرَأَيْتُ أَثَرَ الْحَصِيرِ فِي جَنْبِهِ ، فَبَكَيْتُ ، فَقَالَ : مَا يُبْكِيكَ ؟ فَقُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إِنَّ كِسْرَى وَقَيْصَرَ فِيمَا هُمَا فِيهِ ، وَأَنْتَ رَسُولُ اللَّهِ ، فَقَالَ : أَمَا تَرْضَى أَنْ تَكُونَ لَهُمْ الدُّنْيَا وَلَنَا الْآخِرَةُ ))

[ متفق عليه ]

 عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : قَالَ اللَّهُ :

(( أَعْدَدْتُ لِعِبَادِي الصَّالِحِينَ مَا لَا عَيْنٌ رَأَتْ ، وَلَا أُذُنٌ سَمِعَتْ ، وَلَا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ ))

[ متفق عليه ]

 ٍ قال تعالى :

 

﴿ فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ(17)﴾

( سورة السجدة )

 وقال تعالى :

 

﴿ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ(12)﴾

( سورة محمد )

 قال تعالى :

 

﴿ لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلَادِ(196)مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ (197)﴾

( سورة آل عمران )

قال تعالى :

 

﴿ مَا نَرَاكَ إِلَّا بَشَرًا مِثْلَنَا وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا ﴾

( سورة هود )

 هؤلاء ضِعاف ، فقراء ولهم حِرفٌ قميئة لا نرضاها ، ولا نجلس معهم ، وليْسُوا في مستوانا ، عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ قَالَ :

(( أَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَجُلٌ فَكَلَّمَهُ ، فَجَعَلَ تُرْعَدُ فَرَائِصُهُ ، فَقَالَ لَهُ : هَوِّنْ عَلَيْكَ فَإِنِّي لَسْتُ بِمَلِكٍ ، إِنَّمَا أَنَا ابْنُ امْرَأَةٍ كانت تَأْكُلُ الْقَدِيدَ ))

[ رواه ابن ماجه ]

لا طبقية في الإسلام :

 ودخل سيدنا عمر المسجد فداس على يد أحد المصلين ، ويبدو أنه تألَّم فقال : أأعمى أنت ؟ قال : لا ، فقال له مَن معه : أيخاطبك هكذا ؟ قال : سألني فأجبته ، والنبيُّ عليه الصلاة والسلام كان متواضعا ، فكان يجلس جلسة العبد ، وكان يخصف نعله ، و يرفو ثوبه ، و يحلب شاته ، و كان في مهنة أهله ، و كان يصغي الإناء للهرة ، و ربما أخذت بيده الجارية الصغيرة فقادته في أطراف البيت ، هكذا كان الأنبياء ، أما الذين يستعلون في الأرض فإنهم ينبذون ، فقال تعالى :

 

﴿ تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ (83)﴾

( سورة القصص )

 سيدنا بلال عبدٌ حبشي ، كان عبدا مملوكا عند أمية بن خلف ، وكان يعذِّبه لأنه آمن ، ويقول : أَحَد أحَد ، أراد الصدَّيق رضي الله عنه أن يشتريه ، ويعتقه ، فذهب إلى سيِّده ، ونقده الثمن ، و أراد أن يعلن عن أخوَّته ، فوضع يدَه الكريمة تحت إبط بلال ، وأن تضع يدك تحت إبط أخيك هذه رمز المودَّة والأخوَّة والتساوي ، فاغتاظ أمية والد صفوان ، وقال : واللهِ لو دفعتَ به درهما واحدا لبِعتُكَهُ ، فأراد الصدِّيقُ أن يرفع من شأن بلال ، قال : واللهِ لو طلبتَ له ثمنا مائة ألفٍ لأعطَيتُكَها ، هذا أخي حقًّا ، هذا الإسلام ، طبقة واحدةٌ ، الطبقية غير موجودة بين المسلمين ، قال تعالى :

 

﴿ مَا نَرَاكَ إِلَّا بَشَرًا مِثْلَنَا وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا ﴾

( سورة هود )

 لا طبقية في الإسلام ، مقياس رفعة الإنسان عند الله طاعتُه لله ، كان يقول عليه الصلاة و السلام إذا دخل عليه سعد قال توَدُّدا له :

(( هَذَا خَالِي فَلْيُرِنِي امْرُؤٌ خَالَهُ ))

[ الترمذي عن جابر ]

 عيَّنه سيدُنا أبو بكر قائدا لجيش القادسية ، وقال له : << يا سعدُ ، لا يغُرَّنك أنه قد قيل : إنك خال رسول الله ، فالخلق كلهم عند الله سواسية ، ليس بينه و بينهم قرابة إلا طاعتهم له >> .
 على جنب النبيِّ الأيسر كان يجلس رجل عظيم الشأن في قومه ، جاءه ملَكُ الموت فطلب قميص رسول الله ، فقال : " أعطوه قميصي ، الآن استقرَّ في جهنم ، كأنه حجرٌ يهوي سبعين خريفا إلى قعرها " ، فمهما كنتَ قريبا جسميا من رسول الله فلا ينفعك إلا عملُك ، قال تعالى :

 

﴿ وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِي الرَّأْيِ ﴾

( سورة هود )

4 ـ بَادِي الرَّأْيِ

 بادي الرأي ، يعني هم تسرَّعوا ، وآمنوا ، بدا لهم أن دعوتك حقٌّ فآمنوا بها ، لم يتعمّقوا ، ولم يحلِّلوا النيات ، ولم يتفهموا ، هؤلاء الكفار الماكرون يشوّهون كلَّ شيء ، ويظنون السوء بكلِّ شيء ، كلما دعوتَهم إلى الله عز وجل قالوا : ماذا يريد من هذه الدعوة ، و ماذا يبتغي منها ، أن يعلُوَ علينا ، وأن يستعليَ في الأرض ، وأن يخضعنا ، قال تعالى :

 

﴿ وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِي الرَّأْيِ ﴾

( سورة هود )

 يعني هم اتّهموا هؤلاء الرَّعاع على حدِّ زعمهم أن رأيهم متسرِّع ، بدا لهم سريعا أن هذه الدعوة على حقِّ فآمنوا بها ، لم يحلِّلوها ، و لم يتريَّثوا ، و لم يتدبَّروا ، لذلك هؤلاء الذين حلَّلوا ، و قالوا : هذا النبيُّ رجلٌ ذكيٌّ يريد أن يجمع قومَه ، وأن يستعليَ علينا ، فكفروا به ، فكانوا في جهنم ، و بئس المصير ، فإذا دُعِيتَ إلى الحقِّ فاستجِبْ ، قال تعالى :

 

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ(24)﴾

( سورة الأنفال )

 باديَ الرأي يعني أنهم قالوا : اتخذوا هذا الرأي السريع ، و اعتنقوه ديناً وعقيدة لم يكن رأيهم متعمِّقا ، و لم يحلِّلوا ، و لم يشكِّكوا ، قال تعالى :

 

﴿ وَمَا نَرَى لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ ﴾

( سورة هود )

5 ـ وَمَا نَرَى لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ

 دائما هذه كلمة الكفر ، و الكفار يعلنون دائما ، أن المؤمنين ليسوا أفضل منهم ، يقول أحدهم : صحيح أنا لا أصلِّي ، ولكن قلبي نظيف ، ونسي أن الصلاة عماد الدين ، من أقامها أقام الدين ، قال تعالى :

﴿ أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى(9)عَبْدًا إِذَا صَلَّى(10)﴾

( سورة العلق )

 راقِبْه أين يسهر ، و كيف معاملته للناس ، إذا اقترض منهم مالاً فهل يؤديه لهم ؟ نفسُه الدنيئة و مواعيده التي يخلفها ، حبُّه لِذاته ، استعلاؤه وأنانيته ، قال تعالى :

 

﴿ أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى(9)عَبْدًا إِذَا صَلَّى(10)﴾

( سورة العلق )

 قال تعالى :

 

﴿ وَمَا نَرَى لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ بَلْ نَظُنُّكُمْ كَاذِبِينَ ﴾

( سورة هود )

6 ـ بَلْ نَظُنُّكُمْ كَاذِبِينَ :

 من صفات الكفار أيضا التحفُّظ والتشكيك في التعبير ، وأحدهم يقول : يبدو لي أن هذا القول منطقيٌّ ، و لكنَّني مُتشكِّك ، ويقول : أنا متفائل ، ولست متفائلاً ، فهو بَين بين ، ولستُ متفائلا ، كيف أنت إذًا ، لقد حيَّرتَنا ، دائما يقول عبارات لا تستطيع أن تفهم منها شيئا عن موقفه ، ولا أن تفهم منها شيئا عن حاله ، قال تعالى :

﴿ وَمَا نَرَى لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ بَلْ نَظُنُّكُمْ كَاذِبِينَ(27)قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي ﴾

( سورة هود )

قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآتَانِي رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ

1 ـ الأنبياء معهم حُجة وبينة :

 يعني معي هذا الكتاب ، ومعي هذه الحجّة ، ومعي هذا المنطق ، قال تعالى :

﴿ وَآتَانِي رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ ﴾

( سورة هود )

 تجلَّى على قلبي ، أسعدني رفعني رفع ذِكري ، قال تعالى :

 

﴿ فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ ﴾

( سورة هود )

2 ـ فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ

 لم يقل الله عز وجل : فعمَّاها الله عليكم ! لا ، فَعُمِّيَتْ عليكم ، أيْ حبّكم للدنيا حجَبَكم عن هذه الحقيقة ، وحبّكم للعلوّ في الأرض حجَبَكم عن هذه الحقيقة ، قال تعالى :

 

﴿ أَنُلْزِمُكُمُوهَا وَأَنْتُمْ لَهَا كَارِهُونَ ﴾

( سورة هود )

3 ـ المؤمن سعيد في جميع أحواله :

 المؤمن في سعادة ينكرها عليه المنافق ، أو الكافر ، لِسان حال المؤمن أن يقول : أنا سعيد بِهذا الدَّخْل القليل ، وبهذا البيت الصغير ، وبهذه الزوجة ، وبهذا العمل المتواضع ، مالي حلال ، وأنام مطمئنًا ، لم أبنِ ثروتي على فقر الآخرين ، ولم أبْنِ مجدي على أنقاضهم ، ورفعتي على تعاستهم ، وحياتي على موتهم ، وأنا سعيد راضٍ عن الله ، والله راضٍ عنِّي ! لا ، قال تعالى :

﴿ قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآتَانِي رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ أَنُلْزِمُكُمُوهَا وَأَنْتُمْ لَهَا كَارِهُونَ ﴾

( سورة هود )

 فهذا الزَّعم الذي يزعمه الكفار لأنَّهم يروا أنفسهم في مستوى أرفع من عامة الناس هو زعْمٌ باطل ، كلّكم لآدم وآدم من تراب ، والناس رجلان : برّ تقي كريم على الله ، وفاجر شقيّ هيّن على الله ، قال تعالى :

﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ(13)﴾

( سورة الحجرات )

 اسمعوا وأطيعوا ، ولو تولّى عليكم عبْد رأسُه كالزبيبة ، وأنا جدّ كلّ تقيّ ، ولو كان عبداً حبشيّا ، فعَنِ الْمَعْرُورِ بْنِ سُوَيْدٍ قَالَ : لَقِيتُ أَبَا ذَرٍّ بِالرَّبَذَةِ ، وَعَلَيْهِ حُلَّةٌ ، وَعَلَى غُلَامِهِ حُلَّةٌ فَسَأَلْتُهُ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ : إِنِّي سَابَبْتُ رَجُلًا فَعَيَّرْتُهُ بِأُمِّهِ فَقَالَ لِيَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :

(( يَا أَبَا ذَرٍّ ، أَعَيَّرْتَهُ بِأُمِّهِ ؟ إِنَّكَ امْرُؤٌ فِيكَ جَاهِلِيَّةٌ ، إِخْوَانُكُمْ خَوَلُكُمْ ، جَعَلَهُمُ اللَّهُ تَحْتَ أَيْدِيكُمْ ، فَمَنْ كَانَ أَخُوهُ تَحْتَ يَدِهِ فَلْيُطْعِمْهُ مِمَّا يَأْكُلُ ، وَلْيُلْبِسْهُ مِمَّا يَلْبَسُ ، وَلَا تُكَلِّفُوهُمْ مَا يَغْلِبُهُمْ ، فَإِنْ كَلَّفْتُمُوهُمْ فَأَعِينُوهُمْ ))

[ رواه البخاري ]

 كلّنا لآدم ، وهذا هو الإسلام ، فأبو ذرٍ ساوى غلامه بنفسه عندما ألبسه مثل حلته .
 قال تعالى :

 

﴿ قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآتَانِي رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ أَنُلْزِمُكُمُوهَا وَأَنْتُمْ لَهَا كَارِهُونَ ﴾

( سورة هود )

 على بيّنة ، تركتكم على بيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك ، والأمور واضحة جدًّا في الدِّين ، أين كنَّا ؟ وما سِرّ وُجودنا في الأرض ؟ وما الشيء الذي ينفعنا في الدنيا ؟ وماذا ينبغي أن نكون ؟ وإلى أين نحن ذاهبون ؟ ماذا بعد الموت ؟ الأمور واضحة ، تركتكم على بيضاء نقيَّة ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك ، قال تعالى :

 

﴿ قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآتَانِي رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ أَنُلْزِمُكُمُوهَا وَأَنْتُمْ لَهَا كَارِهُونَ ﴾

( سورة هود )

4 ـ المؤمن راحمٌ مرحوم :

 المؤمن مرحوم ، رحم الله عبْدًا سَمحًا إذا باع ، سمحًا إذا اشترى ، سمحًا إذا قضى ، سمحًا إذا اقتضى ، ورحم الله رجلاً قام من الليل فصلّى ، الله سبحانه وتعالى يرحمه ، قال تعالى :

﴿ وَآتَانِي رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ ﴾

( سورة هود )

 لا يعرف رحمة الله إلا من كان محسنًا ، ولا يعرف رحمة الله إلا من كان مستقيمًا ، ولا يعرف رحمة الله إلا من كان مقبلاً ومخلِصًا ، فاسْتَقِم واعْمَل صالحًا وأخْلِصْ وأقْبِل ، عندئذٍ قل لي : ما الرحمة ؟ من أخلص لله أربعين صباحًا تفجَّرَتْ ينابيعُ الحِكمة في قلبه ، وأجراها الله على لِسانه ، قال تعالى :

 

﴿ قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآتَانِي رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ ﴾

( سورة هود )

5 ـ المؤمن يؤثر الآخرة على الدنيا :

 أنتم لا تريدونها ، أنتم آثرتم الدنيا ، آثرتم جمْعَ الدِّرْهم والدِّينار ، آثرتم بيتًا بالحرام ، ومحلاً تِجاريًا محرَّماً ، وبضاعة محرّمة ، وعلاقة ماليّة محرّمة وآثرتم الاختلاط ، وسرتم في مسارب أهل الغرْب ، وتقليد الأجانب ، وآثرتم شهواتكم ، و آثرتم عاجل دنياكم ، قال تعالى :

﴿ قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآتَانِي رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ أَنُلْزِمُكُمُوهَا وَأَنْتُمْ لَهَا كَارِهُونَ ﴾

( سورة هود )

 عندما يدخل شخص عند الطبيب يجد عنده حوالي ثلاثين مريضاً ، وكلّ مريض له تخطيط ، وكشف بمائتي ليرة ، يجمع ويطرح ، فيجد دخله باليوم أربعة أو خمسة آلاف ليرة ! فلعله يحسده ، ولكن لما كان هو يدرس ليلا ونهارا ، أنت أين كنت ؟! هو آثر العِلم ، وأنت ماذا آثرْت ؟ الكسل والخمول ، قال تعالى :

 

﴿ قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآتَانِي رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ أَنُلْزِمُكُمُوهَا وَأَنْتُمْ لَهَا كَارِهُونَ ﴾

( سورة هود )

 لا إكراه في الدِّين ! يجب أن تأتي إلى مجلس العلم طواعِيَة ، ومبادرةً منك ، وأن تؤثر رضاء الله ، وأن تؤثر ما يبقى على ما يفنى ، وأن تؤثر طاعة الله ، فإذا آثرت هذا رحمك الله .
 قال تعالى :

 

﴿ وَيَا قَوْمِ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مَالًا إِنْ أَجْرِي إِلَّا عَلَى اللَّهِ وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الَّذِينَ آمَنُوا ﴾

( سورة هود )

وَيَا قَوْمِ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مَالًا إِنْ أَجْرِي إِلَّا عَلَى اللَّهِ وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الَّذِينَ آمَنُوا

من علامات الصدق الترفعُ عن الدنيا :

 هذه علامة الصادقين ، قال تعالى :

﴿ وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى قَالَ يَاقَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ(20)اتَّبِعُوا مَنْ لَا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا وَهُمْ مُهْتَدُونَ(21)﴾

( سورة يس )

 قال تعالى :

 

﴿ إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا(9)﴾

( سورة الإنسان )

 علامة الإخلاص الترفّع عن الدنيا ، فلا تبتغي أجرًا ولا شكرًا ، ولا ذِكرًا ولا تنويهًا ، ولا تلميحًا ، ولا تصريحًا ، ولا إشادةً ، ولا شيئًا من هذا القبيل ,

 

خاتمة :

 فهذه قصّة من قصص الأنبياء اطلعنا عليها ، ولكنّ قصص القرآن الكريم كلها وقائع ونحياها ، لأنَّ الإنسان هو الإنسان ، والكافر هو الكافر ، والمؤمن هو المؤمن ، والحق هو الحق ، والباطل هو الباطل ، وقديمًا قالوا : التاريخ يعيد نفسه ، فأنت إن دعوتَ إلى الله أصحاب المال المتْرفين عارضوك ، وأما إن دعوت المفكِّرين الصادقين المستبصرين اتَّبعوك ، وهذه سنَّة الخلق ، سنَّة الله في خلقه ، وقيمة الإنسان بإيمانه ، وأخلاقه ، ولو كان من أراذل القوم أي من فقرائِهم ، ولو كان من كبرائهم ، وكان بعيدًا عن الله عز وجل فهو في أسفل سافلين .

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018