الدرس : 04 - سورة هود - تفسير الآيات 12 – 24 - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الدرس : 04 - سورة هود - تفسير الآيات 12 – 24


1986-02-07

 الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما ، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه ، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه ، وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين .
 أيها الإخوة الأكارم ، وصلنا في الدرس الماضي في تفسير سورة هود إلى قوله تعالى :

﴿ فَلَعَلَّكَ تَارِكٌ بَعْضَ مَا يُوحَى إِلَيْكَ وَضَائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ أَنْ يَقُولُوا لَوْلَا أُنزِلَ عَلَيْهِ كَنزٌ أَوْ جَاءَ مَعَهُ مَلَكٌ إِنَّمَا أَنْتَ نَذِيرٌ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ ﴾

( سورة هود )

فَلَعَلَّكَ تَارِكٌ بَعْضَ مَا يُوحَى إِلَيْكَ وَضَائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ

1 ـ النبي عليه الصلاة والسلام ضاق صدره من قول الكفار :

 النبي عليه الصلاة والسلام ضاق صدره بالكفار ، لأنَّهم لم يُقَدِّروا رِسالته ، ولم يعرفوا نُبْلَ هدفه ، ولم يُعْطوهُ أُذُنًا صاغِيَةً ، بل سألوه أسئلةً سخيفة ، وطالبوه بِأدِلّة لا يليق به أن يُطالبَ بها ، جاءهم بالحق فقالوا :

﴿ أَوْ جَاءَ مَعَهُ مَلَكٌ ﴾

( سورة هود : من الآية 12)

 جاءهم بالحق فقالوا كما قال اليهود :

 

﴿ أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً ﴾

( سورة البقرة : من الآية 153 )

2 ـ القرآن معجزة :

 فأخذتهم الصاعقة ، فالكفار دائمًا إذا دُعُوا إلى الله سبحانه وتعالى يتحجَّجُون ، ويُطالبون بالمعجزة ، مع أنَّ الكون كلّه معجزة ، وحَسْبُكُم الكون معجزةً ! هذا الذي يُريد خرقًا لِقوانينه متَعَنِّتًا ، غاب عنه أنَّ خلقهُ معجزة ، أنَّ خلقه من ماءٍ مهين ، وأنَّ أولاده ، طعامه ، وشرابه والبيت الذي يأوِي إليه والزوجة التي يسْكنُ إليها ، ما حوله ، وما أمامه ، وما وراءهُ ، في كلّ شيءٍ له آية تدلّ على أنَّه واحِدُ ، لذلك قال بعضهم : لم أجِد أشدَّ صمَمًا مِن الذي يريد ألا يسْمع ، فالذي يتكلّم عن الله سبحانه وتعالى إنَّما يتكلَّم لإقبال الناس عليه ، وبِتَشْجيعِهِم له ، وبِقَبُول كلامه ، وبإصْغائِهِم إليه ، فإذا صَدُّوا وأعْرَضُوا وتعنَّتوا وطالبوا وسَخِروا ، واسْتخَفُّوا وتتبَّعوا بعض الهَنات ، فإنَّ المتكلِّمَ تَضيقُ نفسهُ ، ولا ينطلقُ لِسانهُ ، لأنَّ المُسْتَمِع ليس مُصَدِّقًا ، إنَّما هو متعَنِّت ، لذلك هناك سائلٌ يسأل سؤالَ من يريد أن يعلم ، سؤال المستفهم ، فتُجيب عنه بِنَفْسٍ رَضِيَّة ، ولكن سؤال المتعنِّت تُجيب عنه ونفسُكَ ضيِّقَةٌ به ، ولما طال تعنت الكفار أراد الله سبحانه وتعالى أن يُبيِّن للنبي صلى الله عليه وسلم تعنُّتهم وسُخفهم ، ومطالبتهم له عليه الصلاة والسلام بِأشياء مِن باب التعجيز ، هذه حقيقة ، والله سبحانه وتعالى في الوقت نفسه أيضاً أراد أن يُسَلِّي نبيّه عليه الصلاة والسلام ويثبِّتهُ ، ويَدْعوه أن يُواجه هذه المتاعب بِثَباتٍ وأنَّ حِسابهم ليس عليه إنَّما على الله رب العالمين ، قال تعالى :

﴿ فَلَعَلَّكَ تَارِكٌ بَعْضَ مَا يُوحَى إِلَيْكَ ﴾

( سورة هود )

 مثلاً حينما أسْرى الله به مِن مكَّة المكرّمة إلى بيت المقدس ، كان النبي عليه الصلاة والسلام يخشى أن يقول الذي حدث معه فيزيد الناس له تَكْذيبًا ، وكلَّما أراه الله آيةً من آياته الكُبرى كانتْ نفسُهُ تضيق عن أن يذكرها خشيَة التكذيب وخَشْيَةَ التَّعَنّت ، ومطالبتِهم بالمُسْتَحيلات ، قال تعالى :

 

﴿ فَلَعَلَّكَ تَارِكٌ بَعْضَ مَا يُوحَى إِلَيْكَ وَضَائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ ﴾

( سورة هود )

 أحيانًا يُسأل الإنسان سؤالاً عن حُكْم الشرع في هذا الموضوع ، فيقول المسؤول : ليْتَهُ لم يسألني هذا السؤال ، لأنّني إذا أجبته وِفْقَ الحق قد لا يتحمَّل هذه الإجابة ، وإن قلتُ له : إنَّ هذا العمل حرامٌ فإنه يقول : هذا عملي ، فماذا أصنعُ به ؟‍ لو كان الإيمان بِدَرَجةٍ أكبر لضحَّى الإنسان بِكُلّ شيء اتِّجاه مرضاة الله ربّ العالمين ، فالإنسان في أوَّل الأمر ليس له أن يُكْثِرَ الأسئلة ، لأنَّه إن أكثرها ضاق عليه الشرع ، وضاق إلى درجة أنَّه قد لا يحْتمِلُ مُتابعة الطريق ، فالإنسان كما قال تعالى :

 

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِنْ تَسْأَلُوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ عَفَا اللَّهُ عَنْهَا وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ(101)﴾

( سورة المائدة )

إذا عرفت الآمر قبل الأمر هان عليك أمرهُ :

 لأحدهم محلٌّ تجاري ، والبِضاعة كلّها حرام ، تعاملُهُ كلّه حرام ، فإذا سألك عن شرْعِيَّة هذا العمل فأنت ليس لك خِيار ، فلا بدّ أن تقول الحق كائنًا ما كان ، وليَكُن ما يكون ، فالإنسان في أوَّل الطريق عليه أن يتعرّف إلى الله رب العالمين ، وأن يلْتَفِت إلى الكون لِيَرى عظمة الخالق ، فإذا عرف عظمة الخالق هانَ عليه طاعتهُ مهما كان ثمنها باهظًا ، فلو تعرَّفْت على إنسان يستطيعُ أن يُمِدَّك بآلاف الملايين ، وقال لك : سلِّم هذا المحلّ ، فُروغُهُ خمسون ألفًا إذا عرفْت حجْم ماله ، وحِرْصهُ على منْفَعَتِك وصِدقهُ في وعدهِ ، وغِناهُ إذا عرفْت كلّ هذه الحقائق يهون عليك إذا وجَّه لك أمرًا أن تُسلِّم هذا المحل أنْ تستجيب له ، لذلك المشكلة دائمًا أن تعرف الآمِرَ قبل أن تعرف أمرهُ ، فإذا عرفت الآمر قبل الأمر هان عليك أمرهُ ، فإذا تعرَّفْت إلى أمرهِ قبل أن تتعرَّف إليه صَعُب عليك أمره وهذه هي المشكلة ، النبي عليه الصلاة والسلام أمضى مع صحابته الكرام بضْع عشرة سنة يُعَرِّفهم إلى الله سبحانه وتعالى ، ويَلْفِتُ نظرهم إلى الكون ، قال تعالى :

 

﴿ قُلْ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا تُغْنِي الْآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ(101)﴾

( سورة يونس )

 وقال تعالى :

 

﴿ وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا (1)وَالْقَمَرِ إِذَا تَلَاهَا (2)وَالنَّهَارِ إِذَا جَلَّاهَا (3)وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا (4)وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا (5)وَالْأَرْضِ وَمَا طَحَاهَا (6)وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا (7)فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا (8)قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا(9)وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا ﴾

( سورة الشمس )

 وقال تعالى :

 

﴿ وَالْفَجْرِ(1)وَلَيَالٍ عَشْرٍ(2)وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ(3)وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ(4)﴾

( سورة الفجر )

 هذه الآيات إذا الْتَفَتْنا إليها ، وعرفنا مدلولاتها ، وعرفنا الخالق العظيم الذي خلقها والمُرَبِّي الكريم الذي أمدّها ، والمُسيِّر الحكيم الذي سيَّرَها ، إذا عرفناه حقّ المعرفة هان علينا أن نترك كلّ شيءٍ من أجله ، تقول رابعة العدويّة :

فليتَكَ تحلو و الحـياة مــريرةٌ  و ليتك ترضى والأنام غِضاب
وليت الذي بيني وبينك عــامر  وبيني و بين العالمين خـراب
وليَت شرابي مِن وِدادِكَ سائـغٌ  وشُربيَ مِن ماء الفرات سراب
إذا صحّ منك الوصل فالكلّ هيّن  وكلُّ الذي فـوق التراب تراب
***

 الذي أتمنَّى عليكم أن تتَّجِهوا بِكُلّ طاقاتكم إلى معرفة الله ، فإذا عرفتموه حقّ المعرفة هانَ كلّ شيءٍ في سبيله .

فلو شاهَدَت عيناك من حسننا  الذي رأوْهُ لما ولَّيْت عنَّا لِغَيرنــا
ولو سَمِعت أذنك حُسْن خِطابنا  خَلَعْتَ عنك ثِيابَ العُجْب وجِئتنـا
ولو ذُقْتَ من طَعْم المحبّة ذرَّةً  عَذَرْتَ الذي أصحى قتيلاً بِحُبِّنـا
ولو نسَمَتْ مِن قُربنا لك نسْمةٌ  لَمُتَّ غريبًا واشْتِياقًا لِقُربنــــا
فما حُبُّنا سهل وكلّ من ادََّعى  سهولته قلنا له قد جهلتنـــــا
فأيْسَرُ ما في الحبّ للصدّ قتله  وأصعبُ مِن قتل الفتى يوم هجرنا
***

 أنت طالبٌ وُدَّ الله عز وجل ، وطالب وُدَّ خالق الأكوان ، ويجب أن تدفعَ الثَّمَن ، ألا إنَّ سِلعة الله غالية ، ألا إنَّ سِلعة الله الجنَّة ، قال تعالى :

 

﴿ أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ(2)﴾

( سورة العنكبوت )

 وقال تعالى :

 

﴿ أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمْ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ(142)﴾

( سورة آل عمران )

 لا بدّ مِن أن تُمْتَحَن ، ولا بدّ مِن أن يمتحن إيمانك ولا بدّ من أن يُمْتَحَن توكّلك وصبركَ ، ولا بدّ من أن يُمتحن حبّك ، مثلاً لو أنَّ أُمًّا تسْكنُ عند ابنها ، وهو يملأُ سمعها من ألفاظ الإخلاص والوُدّ والطاعة ، وما شاكلَ ذلك ، فقالتْ لهُ مرّةً : أعْطِني هذه الغرفة أختص بها ؟ فقال : لا أستطيع !! هذا الكلام الذي يقوله تلاشى أمام رفضِه لِهذا الطَّلَب ، لأنَّه حينما رفض طلبها تبيّن أنّ البقاء بِهذه الغرفة أغلى عليه من رِضاها ؛ هذا مثلٌ ، وأحيانًا يعصي الإنسان ربّه من أجل شَهْوةٍ ، ماذا يعني ذلك ؟! يعني ذلك أنَّ هذه الشَّهوة أغلى عليه مِن ربِّه ، إذا قال لك واحدٌ من الناس : لا أستطيع أن أغضّ بصري ، هل تعرف ماذا تعني هذه الكلمة ؟ تعني أنّ اسْتِمتاعه بالنَّظر إلى النِّساء أغلى عليه مِن رِضاء الله رب العالمين ، قال تعالى :

 

﴿ أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ(2)﴾

( سورة العنكبوت )

 فلما يتعرّف الإنسان إلى الله عز وجل معرفةً حقيقيّة ثم سمع أمره طبَّقه طواعِيَةً ، وليس في حياةِ المؤمن شيءٌ مستحيل ، ما دام يُرضي الله رب العالمين ، ذهب إلى الطائف مشيًا على قَدَميه ، وتهجَّم عليه أهل الطائف ، وردُّوه وكذَّبوه ، واسْتَخَفُّوا به ، ثم قال :

(( إن لم يكن بك غضب عليّ فلا أُبالي ، ولك العتبى حتى ترضى ، ولكن عافيتَك أوسَعُ لي ))

[ الطبراني عن عبد الله بن جعفر ]

 وكُلٌّ يدَّعي وصلاً بِلَيلى ، فما مِن مؤمن على وجه الأرض إلا ويدَّعِي محبّة الله عز وجل ، ولكنّ المحبّة لها ثمن ، آيات كثيرة بهذا المعنى ، قال تعالى :

 

﴿ وَإِذْ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ(124)﴾

( سورة البقرة )

 الآن تستحقّ أن تكون إمامًا ؛ بعد أنْ امْتَحَنْتُكَ ، وبعد أن نجحْت في الامتِحان ، فلا بدّ من مرحلة مكِّيَّة في كلّ عصرٍ ، ولا بدّ مرحلةٍ مدنيَّة في كلّ عصرٍ ، ففي المرحلة المكيّة نتعرّف إلى الله عز وجل ، وفي المرحلة المدنيّة نتعرّف إلى أوامره ، فإذا جاءَت معرفة الله قبل أوامره هان علينا تطبيق أوامره ، فإذا جاء تعريف الناس بالأوامر قبل معرفتهم بالله تملَّصُوا منها كما يتملّص المُخادع من أمْرٍ نزَلَ به ، فَكُلُّكُم يعلم كيف أنَّ الناس يحْتالون على الشَّرْع ، فالشخص الذي يضع أمام دكانه صندوقًا من الشاي ، ويأتيه رجل ليستقرض منه دَينًا بالربا ، يقول له : بِكَم تبيعني هذا الصندوق من الشاي ؟ فيقول مثلا : بألف ، فيقول : اشْتريتُ ، سجِّلهُ عليّ دينًا ، ثمّ يقول له : أتشتري منِّي هذا الصندوق فيقول له : نعم ، فيقول : بِكَم ، فيقول الآخر : بثمانمائة نقدًا ، فهذه عمليّة ربا ، هذا الصندوق يبقى سنوات وسنوات ، لا ينتقل لا إلى المشتري ، ولا إلى البائع ، بل يباع ويشتري عشرات المرات ، وهو مكانه لا يتزحزح ، والأمر كله ربا ، فإذا عرفتَ الأمر الإلهي قبل أن تعرف الآمر تحتال على الأمر ، كيف يستطيع الإنسان أن يرى زوجة أخيه ؟ هذه لها فتوى ! لابدّ أن تأخذ بنتًا من الجيران ، ترضّعها امرأة أخيك ، ثمّ تعقدُ عليها ، ثمّ تطلّقها ، تصبح زوجة الأخ أُمّ زوجتك بالتقليد ، حرمتها مؤبَّدة ، وحينها تسكن مع أخيك في بيت واحد !! الذي شرَّعَ لنا أيَخفى عليه هذا الاحْتِيال ؟! إذا عرفتَ الأمر الإلهي قبل أن تعرف الآمر تحتال عليه كما فعل اليهود حينما نُهُوا عن الصَّيْد يوم السبت ، فَحَفروا الحفر إلى جانب البحر ، ودخلتها الحيتان يوم الجمعة ، وأغلقوها يوم السبت ، واصطادوها يوم الأحد !! نفَّذوا الشرع ، لكن مع الاحْتِيال !! لذلك لا بدّ من أن نعرف الله سبحانه وتعالى الذي لا تخفى عليه خافيَة ، قال تعالى :

 

﴿ فَلَعَلَّكَ تَارِكٌ بَعْضَ مَا يُوحَى إِلَيْكَ وَضَائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ أَنْ يَقُولُوا لَوْلَا أُنزِلَ عَلَيْهِ كَنزٌ ﴾

( سورة هود )

شبهة الكفار في صدق النبي :

1 ـ لَوْلَا أُنزِلَ عَلَيْهِ كَنزٌ أَوْ جَاءَ مَعَهُ مَلَك

 كان فقيرًا عليه الصلاة السلام فقال : جاءني جبريل فقال لي : يا محمّد أتحبّ أن تكون نبيًّا ملِكًا ، أم نبِيًّا عبْدًا ؟ فقلت : بل نبيًّا عبدًا ، أجوعُ يومًا فأذكرهُ وأشبَعُ يومًا فأشْكرهُ ، دخل عليه عمر بن الخطاب مرّة فرآه مسْتَلْقِيًا على الحصير ، وقد أثَّرَ على خدِّه الشريف فبكى عمر، قال : يا عمر ، ما يُبكيك ؟! فقال عمر : كِسرى ملك الفرس ينام على الحرير ورسول الله ينام على الحصير ! فقال : يا عمر ، إنما هي نبوّة وليسَتْ مُلكًا !! وفي الآية هنا قالوا : لولا أنزل عليه كنزٌ ، لو كان غنيًّا ، أو له مظهر فخم ، أو جاء معه ملَك ، يُؤيِّدُهُ ، ويُصدِّقهُ ، لكنا آمنا به .

2 ـ الردُّ الإلهي : إِنَّمَا أَنْتَ نَذِيرٌ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيل

 قال ربنا عز وجل :

﴿ إِنَّمَا أَنْتَ نَذِيرٌ ﴾

( سورة هود )

 وعلى الله تعالى الباقي ، قال تعالى :

﴿ إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ(25)ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ(26)﴾

( سورة الغاشية )

 قال تعالى:

 

﴿ إِنَّمَا أَنْتَ نَذِيرٌ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ ﴾

( سورة هود )

 هذا الذي لم يصدق لن تحاسب عنه ، وهذا الذي كفر لن تُسأل عنه ، قال تعالى :

 

﴿ إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ(25)ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ(26)﴾

( سورة الغاشية )

 ومعنى النذير أنَّ مهمَّتك يا محمّد تنتهي بالبيان .
 قال تعالى :

 

﴿ أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ ﴾

( سورة هود )

تهمة قديمة متجدِّدة :

1 ـ يَقُولُونَ افْتَرَاه

 من التُّهَم التي ضاق النبي عليه الصلاة والسلام بها ذرعاً أنَّهم قالوا : إنَّ هذا القرآن من صنعِهِ ، ومِن نَظْمِه وصِياغَتِهِ ، قال تعالى :

﴿ أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ ﴾

( سورة هود )

 أي هذا كلام من صُنْع البشر ، وهذا بِمَقدور البشر أن يفعلوا مثله .

 

2 ـ الردُّ الإلهي :

 قال تعالى :

﴿ أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ ﴾

( سورة هود )

 الحقيقة أنَّ ربنا عز وجل تحدَّاهم ثلاث مرات ؛ تحدَّاهم مرَّة أن يأتوا بمِثل هذا القرآن بِكَامله ، وتحداهم أن يأتوا بِعَشر سُور مثله ، وتحدَّاهم أن يأتوا بِسُورة واحدة ، والحقيقة أنَّ التحدِّي الأوّل كان بِكلّ القرآن ، ثمّ بِعَشر سُوَر ، ثمّ بِسُورة ؛ ليس هذا هو القَصْد ، القصْد تَحَدِّي النّوع ، وليس تَحَدِّي الكمّ ، أي لن يستطيعوا أن يأتوا بِكَلامٍ مثل كلام الله عز وجل ، لا سورة ولا عشر سُوَر ، ولا القرآن بِكَامِلِه ، إنَّ النَّوع مستحيل عليهم ؛ صِياغة كلامٍ كَكَلامِ الله سبحانه وتعالى ؛ هذا يتعذَّر على العِباد ، قال تعالى :

 

﴿ أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُوا مَنْ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ ﴾

( سورة هود )

 أي أنتم ومن معكم ، ومن حولكم ، واستَعينوا بالخُبراء ، واللُّغَوِيِّين والأُدباء والعلماء ؛ لن تستطيعوا أن تأتوا بِعَشر سُوَرٍ مِن مثل هذا الكتاب ، قال تعالى :

 

﴿ فَإِنْ لَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا أُنزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ وَأَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ﴾

( سورة هود )

فَإِنْ لَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا أُنزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ

1 ـ القرآن حوى جميع أنواع الإعجاز :

 الحقيقة هل تستطيع أن تُلقي على الناس محاضرة ، ثمّ يُكتشف من هذه المحاضرة أنَّ فيها كلمات متوازية مع كلمات أخرى ، مثلاً عدد حروف الجر ( الباء )كعدد حروف الجر (من) ؟ هذا فوق طاقة البشر ، فإنك تجد في القرآن الكريم كلمة اليوم مذكورة فيه ثلاثمائة وخمساً وستين مرَّة بالضَّبط ، وكلمة شهر مذكورة فيه اثنتي عشرة مرَّة ، وكلمات الملائكة تُكافئ كلمات الشياطين ، وكلمات الجنّة تُكافئ كلمات النار ، وكلمات الدنيا تكافئ كلمات الآخرة ، هذا فوق طاقة البشر ، فلو تتبَّعنا تَكرار الكلمات الحِسابي ، لوَجَدنا العَجَب العُجاب ، فهناك إعجاز حِسابي ، وهناك إعجاز رياضي ، وهناك إعجاز بياني ، وهناك إعجاز تشريعي ، وهناك إعجاز لُغوي ، لأنَّ الله عز وجل كماله مطلق ، فكما أنّ كماله مطلق فكمال كلامه مطلق ، قال تعالى :

﴿ فَإِنْ لَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا أُنزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ وَأَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ﴾

( سورة هود )

2 ـ هل أنتم مستَسْلِمون لما في القرآن من حقائق ؟

 لا مُسيِّر إلا الله ولا خالق إلا الله ، ولا مُربِّيَ إلا الله أنتم ماذا تنظرون ؟ فهل أنتم مسلمون ؟ أيْ مستَسْلِمون لما فيه من حقائق .
 أحيانًا يكون الإنسان مريضًا ، فيأتيه الطبيب ، ويصِفُ له دواءً ، إذا تيقَّن المريض أنّ هذا الطبيب عالم ، وأنّ هذا الدواء يشفيه من مرضه ، وأنّ اتِّباع تعليمات الطبيب لِمَصلحته يستسلم لأوامر الطبيب ، وهذا الاستِسْلام مهمّ جدًّا ، فالناس الآن لم يسْتَسْلِموا لله عز وجل ؛ هذا يأكل الربا ! إذًا : هو ما استسلم لأمر الله ، والآخر يؤثر الاختلاط ، فهذا لم يستسلم لأمر الله أيضاً ، وغيره لا يبالي بِأغلاط وأخطاء لِسانه ؛ من غيبة إلى نميمة إلى فحشٍ ؛ إذًا : لم يستسلم لله عز وجل ، فالإسلام الأوَّل أن تستسلم لأوامر الله صغيرها وكبيرها .
 جاء صحابي جليل إلى النبي عليه الصلاة والسلام فقال : يا رسول الله ما الإسلام ؟ ما هذا السؤال ؟! فقال عليه الصلاة والسلام : الإسلام أن تُخلّي لله نفسَك ، هذا القلب وِعاء ، عليك أن تخرج منه كلّ شيء ، وألا يبقى في قلبك إلا الله ، وفي الأثر : " عبدي ، طهَّرتَ منظر الخلق سِنين ، أفلا طهَّرتَ منظري ساعة ؟ ما وَسِعني أرضي ولا سمائي ، ولكن وسعني قلب عبْدي المؤمن " ! هذا القلب بماذا ملأتَهُ ؟ قال تعالى :

 

﴿ مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ ﴾

( سورة الأحزاب : من الآية 4 )

 لك قلب واحد ، ولا يتَّسِع إلا لشيء واحد ، ما هذا الشيء الذي يملأ قلبك ؟ قد تكون الدنيا ، فالدنيا إذًا رأس كلّ خطيئة ، وقد يكون حبّ المال أو الجاه أو حبّ العلوّ في الأرض ، أو حبّ الحياة بأوْسع معانيها ، أو حبّ الملذات ، أو حبّ السمعة ، أو حبّ ما في الحياة من مالها وأولادها ونسائها ، ما الذي يملأ القلب ؟ الدعاء الكريم : اللهمّ لا تجعلها في قلوبنا ، واجعلها في أيدينا ، إن كانت في القلب أعْمَت وأصمَّت ، وحُبّك الشيء يُعمي ويُصمّ ، وإن كانت في اليدين كانت قوَّة لك على أمر دينك ودنياك ، قال تعالى :

 

﴿ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ﴾

( سورة هود )

3 ـ الإيمان مراتب متفاوتة :

 هل أنتم منقادون لهذه الأوامر ؟ على كلّ الإيمان مراتب ، هناك أُناسٌ مشغولون بِمُدافعة التدنِّي ، وهناك أُناس مشغولون بِمُتابعة الترقّي وشتان بين الفريقين ! مِن الناس شُغلهُ الشاغل ألا يقع في الغلط والأخطاء ، وألا ينظر إلى النّساء ، وألا يكذب ، مشغول بِمُدافعة التدنِّي ؛ هذه مرتبة العابدين ، ولكنّ في الإيمان صنفًا آخر مشغولٌ بِمُتابعة الترقِّي ، ماذا عرفت عن الله اليوم ؟ كيف تقرَّبْت إليه ؟ وماذا فعلت من أجله ؟
موضوع الاستقامة موضوع مفروغ منه ، فأنت بين أن تكون مشغولاً بِمُدافعة التدنِّي ، وأن تكون مشغولاً بِمُتابعة الترقّي ، وهذه مرتبة المؤمنين الصادقين .
 قال تعالى :

﴿ مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ ﴾

( سورة هود )

مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ

مَن طلب الدنيا وجَدَها :

 إذا أصْررْت على طلب الدنيا تأتيك الدنيا ، إذا أصْررْت على أن تكون غنيًّا فسوف تكون غنيًّا ، لأنَّ الله سبحانه وتعالى حينما جاء بك إلى الدنيا وعدَكَ أن يُعْطِيَكَ سُؤْلَكَ ، قال تعالى :

﴿ مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلَاهَا مَذْمُومًا مَدْحُورًا(18)﴾

( سورة الإسراء )

 وأنا أقول لكم هذا الكلام : اُطلب من الله بِصِدْق ، لا بدّ من أن تناله ، اُطلب المال الوفير تُصبح غنيًا ، اُطلب الجاه العريض يصبح لك شأن كبير ، ولكن كما قال تعالى :

 

﴿ مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلَاهَا مَذْمُومًا مَدْحُورًا(18)﴾

( سورة الإسراء )

 بعض العلماء وجَّهوا هذه الآية توجيهًا بليغًا دقيقًا .

 

وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ


 قال تعالى :

 

﴿ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ(115)﴾

( سورة الأنعام )

1 ـ الصدق والعدل ينظمان علاقة العبد بربه :

 يا عبادي ، هما كلمتان تنظِّم العلاقة بيني وبينكم ، الصِّدْق والعَدل ، فمنكم الصِّدق ومنِّي العَدل ، أي إن طلبتم منِّي طلبًا بِصِدق لا بدّ من أن تنالوه ، وأنا أعْدلُ بينكم ، قال تعالى :

﴿ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ(115)﴾

( سورة الأنعام )

 لذلك لو جئتَ في آخر العمر ، وتولَّدَ في نفسك طلبٌ للحق وحبّ لله عز وجل ، لا بدّ من أن تتقلَّب في معارج القدس ،‍ لا بدّ من أن تسْمُوَ نفْسك ، فأنت في كلّ زمان ومكان ، وفي كلّ عصرٍ ، وفي أيِّ مِصْرٍ ، إذا صدقت في طلب معرفة الله عز وجل لا بدّ من أن تعرفه ، قال تعالى :

 

﴿ وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ(69)﴾

( سورة العنكبوت )

 قال تعالى :

 

﴿ مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا ﴾

( سورة هود )

 إذا طلبتها وكان صادقًا في هذه الإرادة كأن يحتاج إلى بيتٍ فخمٍ ، بيت مساحته ثلاثمائة وخمسون مترا ‍! بيت ذو بهاء وزينة ، وفيه جميع الأجهزة الكهربائيّة ، وسيارة من نوعٍ خاصّ ، وإذا أراد أن يخطب فإنه يحبّ امرأة من مواصفات خاصَّة ، مواصفاتها من خمسين شرطاً !! قال تعالى :

 

﴿ نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ ﴾

( سورة هود )

 تأتيه الدنيا كما شاء ، خُذْها كما تريد ، فهذا الذي أمضى ثلاثين عامًا يفكِّر في كيفيّة كسْب المال ، لا بدّ من أن يكون غنيًّا كبيرًا ، وهذا الذي أمضى أربعين عامًا يفكِّر في نجاح مشروع ما ، لا بدّ من أن ينجح هذا المشروع ، الأعمال الضَّخمة التي صنعها أقطاب الكفر في أوروبا أعمال جبارة ، وصلوا إلى الفضاء ، ولكنَّهم حينما تحدَّوا الفضاء ، فاحترقت المركبة الفضائيّة ! حينما قالوا : نحن نتحدَّى الفضاء ! بعد كذا ثانية أصبحت هذه المركبة كتلةً من اللَّهب ، قال تعالى :

 

﴿ نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ ﴾

( سورة هود )

2 ـ القرآن غِنًى لا فقْر بعده ، ولا غنًى دونه :

 لكنّ المشكلة أنَّك إذا طلبت من الله الدنيا ، وجاءتك الدنيا ؛ فهل أنت رابحٌ ؟! لا ، والله ، القرآن غِنًى لا فقْر بعده ، ولا غنًى دونه ، لو كان دخلك مليوناً باليوم ، فهل أنت رابِح ؟ لا ، والله ! قال تعالى :

﴿ كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ(26)﴾

( سورة الرحمن )

 قال تعالى :

 

﴿ كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ثُمَّ إِلَيْنَا تُرْجَعُونَ(57)﴾

( سورة العنكبوت )

 وقال تعالى :

 

﴿ كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ(88)﴾

( سورة القصص )

 فالأنبياء ماتوا ، أين رجالات العمل الإسلامي الذين نعرفهُم جميعًا ، أين النبي عليه الصلاة والسلام ؟ وهو أسعدنا ، توفَّاه الله ، قال تعالى :

 

﴿ إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ(30)﴾

( سورة الزمر )

 وأين صحابته رضي الله عنهم ، الصديق وصحبه .
 ثم أين أبو جهل ؟ أين أبو لهب ؟ ماتوا جميعًا ، ولكنّ سيّدنا رسول الله صلى الله عليه وسلّم وأصحابه الكرام منذ أن توفَّاهم الله فهم في سعادةٍ ما بعدها سعادة ، مضى عليهم في هذه السعادة ألف وأربعمائة عامٍ ، وأبو جهل وأبو لهب وأمثالهما منذ أن ماتوا في شقاءٍ ما بعدهُ شقاء ، ومضى لهم في هذا الشقاء ألف وأربعمائة عامٍ ، قال تعالى :

 

﴿ النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ (46)﴾

( سورة غافر )

 ألف وأربعمائة سنة ، ضرب ثلاثمائة وخمسة وستين يومًا ، ضرب اثنان صباحًا ومساءً ! إذًا لو نَجَحْت في الدنيا ؛ هل أنت من الفالِحِين ؟ لا ، ولو وَصَلْت إلى أعلى مرتبةٍ عِلْميَّة في الجامعة ، ولم تكن تعرف الله سبحانه وتعالى ؛ هل أنت من الفائزين ؟ لا ، لو وصلْتَ إلى أعلى مرتبةٍ اجتماعيَّة ، ولو وصلتَ إلى أعلى مرتبةٍ ماليَّة ؛ ماذا فعَلْتَ ؟ حصَّلْت الدنيا والدنيا فانيَة ، الدنيا دار من لا دار له ، ولها يسعى من لا عقل له .
 مرَّ النبي عليه الصلاة والسلام في طريقه مع أصحابه على جيفةٍ نَتِنَة فماذا قال ؟ عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ : كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِذِي الْحُلَيْفَةِ ، فَإِذَا هُوَ بِشَاةٍ مَيِّتَةٍ شَائِلَةٍ بِرِجْلِهَا ، فَقَالَ :

(( أَتُرَوْنَ هَذِهِ هَيِّنَةً عَلَى صَاحِبِهَا ؟ فَوَ الَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَلدُّنْيَا أَهْوَنُ عَلَى اللَّهِ مِنْ هَذِهِ عَلَى صَاحِبِهَا ، وَلَوْ كَانَتْ الدُّنْيَا تَزِنُ عِنْدَ اللَّهِ جَنَاحَ بَعُوضَةٍ مَا سَقَى كَافِرًا مِنْهَا قَطْرَةً أَبَدًا ))

[ ابن ماجه ]

 فلو أنّ واحدًا كانت عنده قطعة لحم متفسِّخة ، هل لها قيمة ؟ على القمامة فورًا .

 

3 ـ المؤمن معنوياته مرتفعة :

 المؤمن معنويَّاته عالية جدًّا ، معنويَّاته العالية نابعة مِن أنَّه عرف الحقيقة الكبرى ، والهدف الذي خلق مِن أجله مِن أنَّه على طريق مستمرّة إلى الأبد ، طريق السعادة مهما تكن حياته متواضعة ، ومهما يكن دَخلهُ قليلاً ، ومهما تكن المتاعب مُحيطة به من كلّ جانب فإنه يرضى بها ، لأنَّ هدفه الأكبر تحقَّق ، أجوع يومًا فأذكرهُ ، وأشبعُ يومًا فأشكرُه .
 سيّدنا الصدِّيق كان خليفة المسلمين ، جاءتهُ قضيَّة فحوَّلها إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنهما ، سيّدنا عمر حكمَ فيها حكمًا اغتاظ منه أصحابها ، فذهبوا إلى الصدِّيق لِيُوقِعُوا بينه وبين عمر ، فقالوا : فعَلَ كذا وكذا ، فالخليفة أنت أم هو ؟‍‍ فقال : هو إذا شاء ! هيِّنةٌ عليه ، فأنت إذا عرفْت الله سبحانه وتعالى هانَتْ عليك الأمور ، وهانَتْ عليك الدنيا ، إنك لم ترضَ عن الله عز وجل ، ولن يرضى الله عنك إلا إذا رضيتَ عن الله ، وقد قال رجلٌ وهو يطوف : " يا ربّ ، هل أنت راضٍ عَنِّي ؟ فقال له الشافعي : وهل أنت راضٍ عنه حتى يرضى عنك ؟! قال : سامحك الله ! من أنت يرحمك الله ؟ كيف أرضى عنه ، وأنا أتمنَّى رِضاه ؟! فقال له الشافعي : إذا كان سُرورك بالنِّقْمة كَسُرورك بالنِّعْمة فقد رضيتَ عن الله " هذا مِقياس الرضا ! فهل أنت راضٍ عن الله ؟ قال تعالى :

﴿ مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ(15)أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾

( سورة هود )

أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا

1 ـ هذا مصير مَن أحَبَّ الدنيا يوم القيامة :

 أحبُّوا الدنيا وانتهى الأمر ، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ :

(( إِنَّ أَوَّلَ النَّاسِ يُقْضَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَيْهِ رَجُلٌ اسْتُشْهِدَ ، فَأُتِيَ بِهِ ، فَعَرَّفَهُ نِعَمَهُ ، فَعَرَفَهَا ، قَالَ : فَمَا عَمِلْتَ فِيهَا ؟ قَالَ : قَاتَلْتُ فِيكَ حَتَّى اسْتُشْهِدْتُ ، قَالَ : كَذَبْتَ ، وَلَكِنَّكَ قَاتَلْتَ لِأَنْ يُقَالَ : جَرِيءٌ ، فَقَدْ قِيلَ ، ثُمَّ أُمِرَ بِهِ فَسُحِبَ عَلَى وَجْهِهِ حَتَّى أُلْقِيَ فِي النَّارِ ، وَرَجُلٌ تَعَلَّمَ الْعِلْمَ ، وَعَلَّمَهُ ، وَقَرَأَ الْقُرْآنَ ، فَأُتِيَ بِهِ ، فَعَرَّفَهُ نِعَمَهُ ، فَعَرَفَهَا ، قَالَ : فَمَا عَمِلْتَ فِيهَا ؟ قَالَ : تَعَلَّمْتُ الْعِلْمَ وَعَلَّمْتُهُ ، وَقَرَأْتُ فِيكَ الْقُرْآنَ ، قَالَ : كَذَبْتَ ، وَلَكِنَّكَ تَعَلَّمْتَ الْعِلْمَ لِيُقَالَ : عَالِمٌ ، وَقَرَأْتَ الْقُرْآنَ لِيُقَالَ : هُوَ قَارِئٌ ، فَقَدْ قِيلَ ، ثُمَّ أُمِرَ بِهِ فَسُحِبَ عَلَى وَجْهِهِ ، حَتَّى أُلْقِيَ فِي النَّارِ ، وَرَجُلٌ وَسَّعَ اللَّهُ عَلَيْهِ ، وَأَعْطَاهُ مِنْ أَصْنَافِ الْمَالِ كُلِّهِ ، فَأُتِيَ بِهِ ، فَعَرَّفَهُ نِعَمَهُ ، فَعَرَفَهَا ، قَالَ : فَمَا عَمِلْتَ فِيهَا ؟ قَالَ : مَا تَرَكْتُ مِنْ سَبِيلٍ تُحِبُّ أَنْ يُنْفَقَ فِيهَا إِلَّا أَنْفَقْتُ فِيهَا لَكَ ، قَالَ : كَذَبْتَ ، وَلَكِنَّكَ فَعَلْتَ لِيُقَالَ : هُوَ جَوَادٌ ، فَقَدْ قِيلَ ، ثُمَّ أُمِرَ بِهِ فَسُحِبَ عَلَى وَجْهِهِ ، ثُمَّ أُلْقِيَ فِي النَّارِ ))

[ مسلم ]

2 ـ الإخلاصَ الإخْلاصَ :

 الإخلاصَ الإخْلاصَ أيها المؤمنون ، يا معاذ أخْلِصْ دينَكَ يكْفِكَ القليل من العمل ، فمع الإخلاص ينفع كثير العمل وقليله ، ومن غير الإخلاص لا ينفع قليل العمل ولا كثيره ! إذا أراد أحد الدنيا وصل إليها ، هل لك عندي شيء ؟ ماذا تريد ؟ أردْت الدنيا فأعطيناك ، هذه الآخرة لِمن أراد الآخرة ، قال تعالى :

﴿ وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُوْلَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا(19)﴾

( سورة الإسراء )

 وقال تعالى :

 

﴿ تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ (83)﴾

( سورة القصص )

 لذلك إذا كنت أنت أيها الأخ الكريم مؤمنًا فأنت مِن مُلوك الدار الآخرة ، قال تعالى :

 

﴿ إِذَا وَقَعَتْ الْوَاقِعَةُ(1)لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ(2)خَافِضَةٌ رَافِعَةٌ(3)﴾

( سورة الواقعة )

 تخفض أُناسًا ، وترفع آخرون ألا يا ربّ نفسٍ جائعةٍ عارِيَةٍ في الدنيا طاعمةٍ ناعمة يوم القيامة ، ألا يا ربّ نفسٍ طاعمةٍ ناعمة جائعةٍ عارِيَةٍ في الآخرة في الدنيا ، ألا يا ربّ مكرِمٍ لنفسه وهو لها مهين ، ألا يا رب مهين لِنَفسه وهو لها مكرِم ، فالبطولة كما قال تعالى :

 

﴿ إِذَا زُلْزِلَتْ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا(1)وَأَخْرَجَتْ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا(2)وَقَالَ الْإِنسَانُ مَا لَهَا(3)يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا(4)بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا(5)يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتًا لِيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ(6)فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَه(7)وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَه(8)﴾

( سورة الزلزلة )

 البطولة في عمل الخير والتقوى والصلاح ، قال تعالى :

 

﴿ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾

( سورة هود )

3 ـ معنى حبِطَ :

 يُقال : حبِطَت الناقة ، أيْ انتَفَخَ بطنها انْتِفاخًا شديدًا ، ثمَّ ماتَتْ ، والإنسان الكافر في الدنيا له عمل في الظاهر كبير جدًّا ، أما ذو الأعمال السيِّئة فيأتي يوم القيامة ، وقد أهْلَكَهُ هذا العمل ، قال تعالى :

﴿ وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا(23)﴾

( سورة الفرقان )

 قال تعالى :

 

﴿ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾

( سورة هود )

4 ـ معنى باطل :

 معنى باطل : أنَّه لا استقرار له ، ولا دوام له ، الشيء الباطل هو الذي يتلاشى ، قال تعالى :

 

﴿ وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا(81)﴾

( سورة الإسراء )

 قال تعالى :

 

﴿ أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِنْهُ وَمِنْ قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَى إِمَامًا وَرَحْمَةً أُوْلَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنْ الْأَحْزَابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ فَلَا تَكُنْ فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ ﴾

( سورة هود )

أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِنْهُ وَمِنْ قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَى إِمَامًا وَرَحْمَةً

1 ـ نظائر هذه الآية في القرآن الكريم :

 هذه الآية تُشْبه آيات كثيرة تزيد على عشرين آية ، قال تعالى :

﴿ أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا لَا يَسْتَوُونَ(18)﴾

( سورة السجدة )

 وقال تعالى :

 

﴿ أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ(21)﴾

( سورة الجاثية )

 وقال تعالى :

 

﴿ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُوا الْأَلْبَابِ(9)﴾

( سورة الزمر )

 وقال تعالى :

 

﴿ أَفَمَنْ وَعَدْنَاهُ وَعْدًا حَسَنًا فَهُوَ لَاقِيهِ كَمَنْ مَتَّعْنَاهُ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ الْمُحْضَرِينَ(61)﴾

( سورة القصص )

 قال تعالى :

 

﴿ أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ ﴾

(سورة هود )

2 ـ الوقت هو كلّ شيء في الدنيا :

 الأمور عنده واضحة ، يعلم أين كان ، وماذا كان ، هناك يوم مفقود ؛ انتهى ، لا يؤسف عليه ، ولا تقل : كنتُ كذا وكذا ، ولا تقل : فعلتُ كذا وكذا ، ويوم مشهود ، ويوم موعود ، ويوم مورود ، ويوم ممدود !

ما مضى فات والمُؤمَّل غيب  ولك الساعة التي أنت فيها .
***

 أيها الإخوة الأكارم ، لا تملكون إلا الوقت ، هذه الساعة التي نحن فيها ، أما كيف كنت ، فهذا مضى ، سأتوب بعد كذا وكذا ؛ هذا قد لا يكون ، قد لا يأتي ذلك اليوم ، المؤمَّلُ غيب ، لذلك ففي كلّ يومٍ يُصبح الإنسان فيه يُنادي عليه ملَكٌ يقول متحدِّثًا بِلِسان اليوم : أنا خلقٌ جديد ، وعلى عملك شهيد ، فاغتنم منِّي قبل الرحيل ، استيقظتَ صباحًا ، ولم تصلّ بعد الصبح ، فاتك الوقت ، وخسرت ما خسرت ، أما اليوم فقد فاتتْك الصلاة كلها ، جلست ، ولم تفعَل شيئًا ، وما تقرَّبت إلى الله عز وجل ، وما خَدَمتَ أحدًا ، وما تلَوْت القرآن ، فأنت اسْتَهلكتَ اليوم اسْتِهلاكًا رخيصًا ، هذا من دون سيِّئات ! كأن يقدِّم الواحد امتِحاناً في مادَّة أساسية ، وبقي ساعةً من دون حركة ! فلما الإنسان يستهلك يومه اسْتِهلاكًا رخيصًا يكون أحمق ، ويوم القيامة لا يندم المؤمن إلا على شيءٍ واحد ؛ على ساعةٍ مرَّتْ لم يذكر الله فيها ، هذا الذي يندم على الزمن قد خسر الكثير ، فهذا اليوم يقول للإنسان أنا خَلْقٌ جديد ، وعلى عملك شهيد ، فتزوَّد منِّي قبل الرَّحيل ، وهذا هو اليوم المشهود الذي لا تملك غيره ، وهناك اليوم الموعود ، نحن وُعِدْنا بِسَاعة اللِّقاء ، وساعة الموت ، وهناك يوم مورود ؛ وهو يوم القيامة ، وهناك يوم ممدود إما في الجنَّة أو النار ، وهذا اليوم لا نهاية له ، وإلى الأبد واليوم الموعود هو الموت ، وكلّ واحد له ساعة لا بد آتية ، وأنّ ملَكَ الموت قد تخطَّانا إلى غيرنا ، وسيتخطَّى غيرنا إلينا ، كلّ يوم تمشي في الطريق ترى نعوات كثيرة ، الشاب والشابة ، ورب البيت ، والطبيب والمحامي ، ووُجهاء البلد ، لكن هناك يوم لا بدّ من أن يأتي ؛ يقف الناس لِيَقرؤوا النَّعْي .
 قال تعالى :

 

﴿ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أُوْلَئِكَ يُعْرَضُونَ عَلَى رَبِّهِمْ وَيَقُولُ الْأَشْهَادُ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ ﴾

( سورة هود )

وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أُوْلَئِكَ يُعْرَضُونَ عَلَى رَبِّهِمْ

1 ـ الكذب أسوأ خُلُقٍ :

 عَنْ أَبِي أُمَامَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :

(( يُطْبَعُ الْمُؤْمِنُ عَلَى الْخِلَالِ كُلِّهَا إِلَّا الْخِيَانَةَ وَالْكَذِبَ ))

[ أحمد ]

 قبيحٌ بالإنسان أن يكذب ، أما إذا كذب على الله فهذا أقبح أنواع الكذب ؛ أن تكذب على الله الذي خلقَكَ ولم تكن شيئًا ، قال تعالى :

 

﴿ وَيَقُولُ الْأَشْهَادُ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ ﴾

( سورة هود )

2 ـ الكاذبُ ظالمٌ لنفسه :

 هنا ربُّنا عز وجل بدَّل كلمة الكاذب بالظالم ، أيْ كلّ إنسان يكذب يظلم نفسهُ بهذا الكذب .
 قال تعالى :

 

﴿ الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ ﴾

( سورة هود )

الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ

1 ـ الكافر همُّه الأول الصدُّ عن سبيل الله :

 لا يوجد وصْفٌ أبلغُ مِن هذا الوَصْف ، الكافر في الدنيا همُّه الأوَّل أن يصدّ عن سبيل الله ، ويقطع الطُّرُق التي توصِل إلى الله عز وجل ، قال تعالى :

﴿ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا ﴾

( سورة هود )

 أيْ يُحِبّ الأمر المُلْتوِي ، وغير الصحيح والوسيلة غير المباشرة ، قال تعالى :

 

﴿ أُوْلَئِكَ لَمْ يَكُونُوا مُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ ﴾

( سورة هود )

2 ـ لا يعجِز اللهَ أحدٌ في الأرض ولا في السماء :

 أي لا بدّ أن يموتوا ، لم يسبقوا الله سبحانه وتعالى ، هم بِقَبْضة الله عز وجل ، كُنْ فَيَكون ، قال تعالى :

 

﴿ أُوْلَئِكَ لَمْ يَكُونُوا مُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَمَا كَانَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ يُضَاعَفُ لَهُمْ الْعَذَابُ مَا كَانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وَمَا كَانُوا يُبْصِرُونَ ﴾

( سورة هود )

3 ـ السمع والبصر مرهونان باستعمالهما :

 الإنسان إذا كان مزوّداً بِسَمعٍ أو بصرٍ ، فإذا استخدم السمع والبصر في معرفة الحقّ كان سميعًا بصيرًا ، فإن لم يستخدمهما هو والذي لم يعطهُما سواء ، إذا كانت معك بوصلة ، ولم تستخدمها أنت والذي لا يملكها سواء ، إذا أكرمنا الله عز وجل بالفِكر ، وسخَّرناه للشَّهوات ، ولِكَسْب المنكرات فقط ، وأسأنا اسْتِخدامه فكأنَّنا لا نملك فِكرًا ، قال تعالى :

 

﴿ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ ﴾

( سورة هود )

4 ـ المفتري على الله خاسرٌ :

 لأنَّ شهواتهم أغلقت عليهم منافذ السَّمع والبصر ، لو ضيَّع أحدهم ألف ليرة ، ألا يتألَّم ؟ فكيف إذا ضيَّع مائة ألف ؟ وكيف إذا ضيَّع كلّ ثروته ؟ هل يقول لك : الحمد لله ، الأهل موجودون ، والكلّ يُعَوَّض !
 وإن فقَدَ زوجته يقول لك : أتزوج غيرها ، وإن فقَدَ ابنًا له يقول لك : عسى الله أن يرزقنا غيره ، أما إن أحاط به الموت ، فإذا مات الإنسان فهناك آخرة ، فإذا كان عملكَ طيّب فالحمد لله ، فإذا خسِرَ نفسهُ في الآخرة فهذه أكبر خسارةٍ في الكون ، أن تخسر نفسَكَ ، ، لذا قيل : من لم تُحْدث المصيبة في نفسه عظةً ، فمُصِيبَتُهُ في نفسه أعظم ! وأكبر خسارة في الكون أن تخسر الحياة الأبدِيَّة التي خلقك الله من أجلها ، لذلك يقول الإمام عليّ : << يا بنيّ ، ما خيرٌ بعدهُ النار بِخَير ، وما شرّ بعده الجنّة بِشرّ >> ! فمهما بلغت من الخير في الدنيا ، إذا انتَهَت بك إلى النار فهذا ليس خيرًا ، مهما كان المرء في الدنيا معذَّبًا ، فإذا انتهى به المطاف إلى الجنة فهو في سعادة كبرى ، << وكلّ نعيم دون الجنَّة مَحقور ، وكلّ بلاء دون النار عافيَة >> ، فأكبر مشكلة أن يخسر الإنسان نفسه ، فكلّ الخسارات معوَّضة إلا خسارة النَّفس ، لأنَّها هالكة ليس في الدنيا فقط ، بل وفي الآخرة ، وإلى الأبد ، قال تعالى :

 

﴿ لَا جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمْ الْأَخْسَرُونَ ﴾

( سورة هود )

 هذا له المعنى ذاته فالذي خسر نفسه حقَّق أكبر خسارةٍ في الكون ، قال تعالى :

 

﴿ إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ﴾

( سورة هود )

من صفات المؤمنين الناجين :

1 ـ الإيمان والعمل الصالح :

 هؤلاء الذين عرفوا الله عز وجل واستقاموا على أمره ، وفعلوا الطيّبات ، وانقادوا إليه ورضُوا به ربًّا ، واستقرُّوا في رحمته .

2 ـ الإخبات إلى الله :

 قال تعالى :

 

﴿ وَأَخْبَتُوا إِلَى رَبِّهِمْ أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ﴾

( سورة هود )

 قال تعالى :

 

﴿ مَثَلُ الْفَرِيقَيْنِ كَالْأَعْمَى وَالْأَصَمِّ وَالْبَصِيرِ وَالسَّمِيعِ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا أَفَلَا تَذَكَّرُونَ ﴾

( سورة هود )

مَثَلُ الْفَرِيقَيْنِ كَالْأَعْمَى وَالْأَصَمِّ وَالْبَصِيرِ وَالسَّمِيعِ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا أَفَلَا تَذَكَّرُونَ

1 ـ المؤمن سميع بصير ، والكافر أعمى أصمّ :

 يمكنك أن تقول للمؤمن : أنت سميع بصير ، وتقول للكافر : أنت أعمى أصمّ ، قال تعالى :

﴿ صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ(18)﴾

( سورة البقرة )

 لا يرى الحقائق ، ولا يستمع إلى المواعظ ، والضال يرى صور الأشياء ، كمن يستمع إلى صدى الكلمات ، وهناك كلمات خطيرة ، فلو قال أحدهم : هذا البيت سقفه في خطِر ، وأخذت كلامه بالمزاح ! وفي إحدى الليالي وجدت السقف يتحرّك ، فإنك ما سمعت كلام صديقك ، ولكن سمعت صدى كلامه ! أما لو أخذْت كلامه على مَحْمل الجدّ لتركْت البيت منذ أن قال لك ذلك ، لذلك :

 

﴿ مَثَلُ الْفَرِيقَيْنِ كَالْأَعْمَى وَالْأَصَمِّ وَالْبَصِيرِ وَالسَّمِيعِ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا أَفَلَا تَذَكَّرُونَ ﴾

( سورة هود )

2 ـ المؤمن يرى الحقيقة ويستمع إلى الموعظة :

 المؤمن سميع بصير ، بِمَعنى أنَّه رأى الحقيقة واسْتَمَع للموعظة ، فأثَّرَتْ فيه ، والكافر أصمّ وأعمى ، لذلك قال الله عز وجل :

 

﴿ مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ(5)﴾

( سورة الجمعة )

 لو حمَّلت على دابّة كتاب فيزياء ! ولو سألتها عما فيه هل تعلم ؟!! هكذا تعامل الناس مع كتاب الله .

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018