الدرس : 03 - سورة هود - تفسير الآيات 07 – 11 - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الدرس : 03 - سورة هود - تفسير الآيات 07 – 11


1986-01-31

 الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم . اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما ، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه ، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين .
 أيها الإخوة المؤمنون ، وصلنا في الدرس الماضي إلى قوله تعالى :

﴿ وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ ﴾

( سورة هود )

تذكير بفوائد الآية :

1 ـ الحياةُ والموت والرِّزق بيد الله :

 بينَّا في الدرس الماضي أنَّ كلمة الحق لا تقطع رزقًا ، ولا تقرِّب أجلاً ، وأنَّ شؤون الإنسان كلّها بِيَدِ الله سبحانه وتعالى ، ومن أبرز هذه الشؤون : الحياةُ والموت والرِّزق ، وهذه الآية متعلِّقة بالرِّزق .

2 ـ وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا

 أي ما مِن كائن حيّ على وجه الأرض يَدِبّ ، كلمة دابّة شَمَلت أنواع الدواب كلّها .
 أما كلمة مِن فلاستغراق كلّ نوعٍ على حِدة ، ما من دابّة إلا على الله رزقها ، فالنَّفي والاستثناء لِتَأكيد أنَّ الرِّزق قاصرٌ على الله سبحانه وتعالى ، وليس على جهة أخرى .
 وأما كلمة " على " فَمِن باب أنَّ الله سبحانه وتعالى ألْزَمَ نفسه برِزْق العباد ، " ابنَ آدمَ لي عليك فريضة ، ولك عليّ رزق ، فإذا خالفتني في فريضتي لم أُخالفْك في رزقك ! وعِزَّتي وجلالي إن لم ترْضَ بما قسَمْتُهُ لك فلأُسلِطَنَّ عليك الدنيا تركضُ فيها ركض الوحْش في البريّة ، ثمّ لا ينالك منها إلا ما قسَمْتُهُ لك ولا أُبالي ، وكنتَ عندي مذمومًا " !

3 ـ من أسباب المعصية خشية الفقر ، والطاعةُ سبيل الغنى :

 لو تتبَّعْت الأسباب الكبرى التي تدفع الناس إلى المعصيَة ، لوجدت أنَّ مِن أبرزها خشية الفقر ، وخشيَة نقصان الرِّزق ، مع أنّ الرزق بيد الله سبحانه وتعالى ، والرّزق بيد الله حقاً ، والله سبحانه وتعالى ربطه بالاستقامة ، قال تعالى :

﴿ وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنْ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ(96)﴾

( سورة الأعراف )

 وقال تعالى :

 

﴿ وَأَلَّوْ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا(16)﴾

( سورة الجن )

 قال تعالى :

 

﴿ وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا ﴾

( سورة هود )

4 ـ وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا

 هذه الدابة التي على الله رزقها يعلم مستقرّها ومستودعها ، قال بعض العلماء : أين هي الآن ؟ وأين سوف تموت ؟ هذا هو مستودعها إلى أن يأتي يوم الدِّين ، مستودع هذه الدِّابة إلى أن يأتيَ يوم الدِّين يعلمه الله سبحانه وتعالى يعلمهُ ، قال تعالى :

﴿ اللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنثَى وَمَا تَغِيضُ الْأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ(8)عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ(9)﴾

( سورة الرعد )

 قال تعالى :

 

﴿ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ(34)﴾

( سورة لقمان )

 قال تعالى :

 

﴿ وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا ﴾

( سورة هود )

 بعضهم قالوا : يعلم مستقرّ هذه الدابة ، وأين مستودعُ رِزقها ؟ وبعضهم قال : أين مستقرّها ؟ وأين مستودعها ، بِمَعنى في أيِّ أرضٍ تموت ، كلٌّ في كتاب مبين ، كما قال الله عز وجل في كتابه :

 

﴿ لَا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنسَى(52)﴾

( سورة طه )

 قال تعالى :

 

﴿ وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَلَئِنْ قُلْتَ إِنَّكُمْ مَبْعُوثُونَ مِنْ بَعْدِ الْمَوْتِ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ ﴾

( سورة هود )

وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ

1 ـ عظمة الكون :

 إذا قلنا : السماوات والأرض فنعْنِي بهِنّ الكَون ، نحن على الأرض ، وكلّ ما علانا فهو سماء ، فإذا صَعِدْنا إلى القمر ، وكان هذا الصُّعود يُشْبِهُ أن يكون إنجازًا كبيرًا للإنسان ، ماذا قطَعنا ؟ ثانيَةً واحدة ، كم تبْعُد الشَّمس عنَّا ؟ ثماني دقائق ضَوْئيَّة ، فالضَّوء يسير في الثانية الواحدة ثلاثمائة ألف كيلو متر ! كم يبلغُ قطر المجموعة الشَّمسيّة ؟ ثلاثَ عشرة ساعة ، وكم يبعُدُ أقرب نجْمٍ لنا ، نجم القطب ؟ أربعة آلاف سنة ضَوْئيَّة ! وكم تبعدُ عنَّا بعض المجرّات ؟ وكم يبلغ طول درب التبانة ؟ هذه المجرّة التي نحن فيها ، على شَكل مِغْزلي ، كم يبلغ قطرها الأطْوَل ؟ مائة وخمسون ألف سنة ضَوْئيَّة ! وكم يبلغ قطرها الأصغر ؟ خمسة عشر ألف سنة ضَوْئيَّة ، وهناك بعض المجرَّات تبعُدُ عنَّا ثلاثة عشر ألف مليون سنة ضوئيَّة ! نجم العقرب يتَّسِع للأرض والشَّمس مع المسافة بينهما ! فإذا قلنا : وهو الذي خلق السماوات والأرض أي هو الذي خلق الكون ؛ أَعَرَفْتَ مَنْ هُوَ ؟! هو الذي خلقهنّ .
 كلمة " وهو " أعرَفْتَهُ مَنْ ؟ هذا الذي يدْعوك لِطاعته ، هذا الذي يدْعوك أن تستقيم على أمره ، هذا الذي يدْعوك لِتَعْبدَهُ ، هذا الذي ينصحُك بِطاعته ، هذا الذي يُحَذِّرُكَ مِن مَعْصِيَتِهِ ، هذا الذي يدعوك للإيمان به ، أَعَرَفْتَهُ مَن هو ؟ إنّه الذي خلق السماوات والأرض ، وحتى يتذوَّق الإنسان هذه الآية :

﴿ وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ ﴾

( سورة هود )

2 ـ الذي خلق السماوات والأرض هو الرازق :

 فهذا الذي تكفَّل لك بالرِّزْق ؛ مَنْ هو ؟ الذي خلق السماوات والأرض وما مِن دابَّة إلا على الله رزقها ، مَنْ هُوَ اللهُ ؟ هو الذي خلق السماوات والأرض ؛ الكون بأكمله ، هل يُعْجِزُهُ أن يرزقَكَ ؟ خلقتُ السماوات والأرض ، ولم أعْيَ بِخَلْقِهِنّ ، أفَيُعْيِيني رغيفٌ أسوقهُ لك كلّ حينٍ ؟!
 هذا الذي تكفَّل لك بالرِّزق ؛ هل عرفْتَهُ ؟ إنَّه الذي خلق السماوات والأرض ، والإنسان حتى الآن لا يستطيع تصوّر الكون ، ثمانية عشر ألف سنة ضوئيّة بعض المجرَّات ، والمجرة المُسلسلة ثلاثة عشر ألف مليون ! فلو أنَّنا رصَدْنا هذه المجرَّة ، كانت في مكانها قبل ثمانية عشر ألف مليون سنة ضوْئيَّة ، ولكن الآن أين هي ؟ لا ندري !! كانت في هذا المكان الذي يبعدُ عنَّا هذه المسافة قبل ثمانية عشر ألف مليون سنة ضوْئيَّة ، أما الآن أين هي ؟! قال تعالى :

﴿ وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ ﴾

( سورة هود )

 أحيانًا ، ولله المَثَل الأعلى شركةٌ كُبرى تقول : إنَّ هذه الشركة هي التي بَنَتْ أطْوَلَ جِسْرٍ في العالم ، وهي التي بَنَتْ أطوَلَ ناطِحَة سحابٍ في العالم ، وهي التي بنَتْ هذه الناقلة التي تحمِلُ ثلاثمائة ألف طنٍ من البترول ، إذا قالت لك هذه الشركة : إنَّ هذه الأعمال الضَّخمة هي التي صَنَعَتْها مِن أجْلِ ماذا ؟! مِن أجل أن تعرف إمكاناتها اللامتناهِيَة ، فالإنسان يفْعل هذا ، ويشمخ بنفسِهِ فكيف بخلق الله سبحانه ؟ وربُّنا عز وجل تكَفَّل لك بالرِّزق .
 هل تعلم أيها الإنسان من الذي تكفَّل لك بالرِّزق ؟ إنَّه الذي خلق السماوات والأرض ، " خلقتُ السماوات والأرض ، ولم أعْيَ بِخَلْقِهِنّ ، أفَيُعْيِيني رغيفٌ أسوقهُ لك كلّ حينٍ " ؟! فهذا الذي يقول : انفِجار سُكاني ، ونقص المواد الغِذائيّة ، والعالم ينتظر مجاعة كُبرى ، هذا كلام تخريفٌ في تَخريف ، الله سبحانه وتعالى لحِكْمة بالغة قد يُقَنِّن الأرزاق ، وقد يُضيِّق على الناس ، وقد تشح السماء ، ولكنّ هذا بِتَقدير عزيز حكيم ، قال تعالى :

 

﴿ ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ(38)﴾

( سورة يس )

 هناك شخص جعل هذه الآية وِرْدَهُ ، قال تعالى :

 

﴿ وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ ﴾

( سورة هود )

3 ـ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاء

ما قبل خلق الإنسان نقتصر فيه لما ورد به النص :

 كان عرشُهُ على الماء ، هنا ننتقِلُ إلى ما قبل الحياة ، وما قبل الحياة لا نعرف عنه إلا بالقدر الذي ذكره الله تعالى في القرآن الكريم ، فأنت مثلاً تسكن في دمشق ، فإذا رأيتَ كتابًا عن الشام تقرؤُهُ بِشَغَفٍ ومتعةٍ ، ولكنّ طوال قراءتك توازن بين ما في الكتاب والواقِع ، لأنَّك مؤهَّل كي تتوسَّعَ في معلومات الكتاب ، قد يذكر المؤلّف معلومات محدودة عن موضوع مُعيّن ، ولكن من أجل أنَّك مِن سُكان دمشق قد تعرف أشياء أكثر من ذلك ، ولكنَّك إذا قرأت كتابًا يتحدَّث عن مدينة لا تعرفها إطلاقًا ، فمعلوماتك عن هذه المدينة محدودة بِقَدْر النصّ فقط ، فحتى لا يسمح الإنسان لِنَفسه التجاوز في الحديث عمَّا لم ندْرِكْهُ نحن ، وعمَّا كان قبل الحياة ، فما كان قبل الحياة لا نعرف منه إلا بالقَدْر الذي ذكره الله سبحانه وتعالى ، ولكنَّنا مأمورون في الدنيا أن نفكّر في ملكوت السماوات والأرض ، ونحن مأمورون في الدنيا أن نفكِّر في مخلوقات الله ، وهذا الباب واسعٌ جدًّا ، تفكَّر في ملكوت السماوات والأرض ما شاء لك التَّفكّر ، لأنَّك كلَّما زِدت هذا الموضوع فِكرًا زادك معنًى ، كلَّما تعمَّقْت في التَّفَكّر في آيات الله ازْدادت معرفتك بالله ، وكلما تعمَّقت في التَّأمّل في آيات الله ازْدادَتْ خَشْيتُكَ لله تعالى ، ففي هذا المجال فَكِّرْ ولا حرَجَ ، لكنَّك إذا وصَلْت إلى عالم ما قبل الخلق ؛ عالم الغيب والأزل فاكْتَفِ بِما ورَدَ في القرآن الكريم ، لأنَّ الحقائق محدودة بالقدر الذي سمَحَ الله به ، لذلك فإنّ ربنا عز وجل قال :

﴿ وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ﴾

( سورة هود )

4 ـ مفهوم ستة أيام :

 بعضهم يقول : في ستَّة أيام كما تفهمونها على ظاهرها ، ولِحِكمة بالغة ، وبعضهم يقول : في ستَّة أدْوار ، فاليوم هو الدَّوْر ، فالليل والنهار يومان ، والصيف والشتاء والخريف والربيع أربعة أدْوار ، وهناك آيات تؤكّدها ، قال تعالى :

﴿ وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ(10)﴾

( سورة فصلت )

 قد نستأنس بِتِلك الآية على فهْم هذه الآية ، فَيُصبِحُ معنى قوله تعالى :

 

﴿ وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ﴾

( سورة هود )

 أي هو الذي صمَّم السماوات والأرض ليلاً ونهارًا ، وصيفًا وشتاءً ، وربيعًا وخريفًا ، والحقيقة مِن تعاقب الليل والنهار ، والصيف والشِّتاء والربيع والخريف تُنْبتُ الأرض النبات ، وتُمطر السماء المطر ، فكأنَّ هاتين الآيتين مترابطتان ، قال تعالى :

 

﴿ وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ(6)وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ﴾

( سورة هود )

 لولا الليل والنهار لما بقيَت حياة على وجه الأرض ، لو أنَّ الأرض ثابتة لا تدور لكانت الحرارةُ في وجهها مائتين فوق الصفر ، وفي الوجه الآخر مائتين وخمسين تحت الصّفر ، أو ثلاثمائة وخمسين تحت الصّفر ، ولانتهَت الحياة بعد ذلك ، فالذي خلق الليل والنهار مِن أجل أن نحْيا ، ومن أجل أن نأكل ، ولو لم يكن هناك فُصول لما نبَتَ نباتٌ ، فلا بدّ إذاً مِن صيف وشِتاء وربيع وخريف ، إذًا كأنَّ هناك علاقة بين هذه الآية والتي قبلها .
 لأنَّ الذي تكفَّل لها بالرّزق هو الذي خلق السماوات والأرض في سِتَّة أيام ، و فيها ليل ونهار ، وصيف وربيع وخريف وشتاء ، وإن شئتَ أنْ تفهَمَها على ظاهرها ، أنَّ الله سبحانه وتعالى لِحِكمة بالغة خلق السماوات والأرض في ستّة أيام فهذا أيضًا مقبول .
 قال تعالى :

 

﴿ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ ﴾

( سورة هود )

5 ـ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ

الماء مستند الحياة :

 هكذا قال سبحانه وتعالى ، يا ترى إنَّ خلق السماوات والأرض مُتَعَلِّق بالماء ؟ فقد يكون ذلك ، قال تعالى :

﴿ وَجَعَلْنَا مِنْ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ(30)﴾

( سورة الأنبياء )

 العلماء يقولون : هناك عصور مطيرة شكَّلَت البِحار ؛ قد يكون ذلك ، فالله سبحانه وتعالى قال :

 

﴿ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ ﴾

( سورة هود )

 قد يكون هذا يعني أنَّ الحياة تستند إلى الماء ، يؤكِّد هذا المعنى قوله تعالى :

 

﴿ وَجَعَلْنَا مِنْ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ(30)﴾

( سورة الأنبياء )

6 ـ العرش :


 أما العرش فكما يقول ابن عباس : " مِن معاني العرش العلم الإلهي ، أي ربّنا عز جل صمَّم الحياة كي تكون مُتَعَلِّقة بالماء ، على كُلٍّ الله تعالى أعلم ، لأنَّ هذه الآية نافذة نُطِلّ بها على ما كان قبل أن نكون ! ففي حُدود هذه الآية إما أن نفهم أنَّ هناك عصورًا مطيرةً كما يؤكِّد العلماء هي التي شكَّلَت البِحار ، وشكَّلَت الغابات الضَّخمة والحيوانات العِمْلاقة ، والتي ساهَمَتْ في تهيئة الحياة لِبَني البشر ، أو أنَّ طبيعة الحياة مَبنِيَّة على الماء ، فلا بدّ من الماء كَوَسِيط للحياة .
 قال تعالى :

 

﴿ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا ﴾

( سورة هود )

7 ـ وقفة مع : لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا

 الوقفَة الدقيقة عند هذه الآية في اللام " لِ " هذه لام التعليل ، مثلاً تقول : أنا أدرسُ لأنجَحَ أي عِلَّة الدِّراسة النَّجاح ، والحافز هو النَّجاح ، والسَّبب هو النجاح ، والهدف والنتيجة هما النجاح ، فحيثما وردَت لام التعليل ، كما في قوله تعالى مثلاً :

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمْ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ(183)﴾

( سورة البقرة )

 التقوى إذًا هي عِلَّة الصِّيام ، ربنا عز وجل قال :

 

﴿ وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا ﴾

( سورة هود )

خلْقُ اللهِ للعباد من أجل الابتلاء :

 فنحن حينما جاء الله بنا إلى الدنيا لِعِلَّة واحدة هي أن يمْتَحِننا ، فالدنيا دار امتِحان وابتِلاء ، كما قال عليه الصلاة والسلام :

(( إنّ هذه الدنيا دار التِواء لا دار استِواء ، ومنزل ترح لا منزل فرح ، فمن عرفها لم يفرح لِرَخاء ، ولم يحزن لِشَقاء ، قد جعلها الله دار بلْوى ، وجعل الآخرة دار عُقبى ، فجَعَل بلاء الدنيا لِعَطاء الآخرة سببًا ، وجعل عطاء الآخرة مِن بلْوى الدنيا عِوضًا ، فيأخذ لِيُعطي ، ويبْتَلي لِيَجْزي ))

.

[ ورد في الأثر ]

 وآيات كثيرة تؤكِّد هذا المعنى ، فالهدف من الخلق الابْتِلاء ! قوله تعالى :

 

﴿ وَإِنْ كُنَّا لَمُبْتَلِينَ(30)﴾

( سورة المؤمنون )

 وقوله تعالى :

 

﴿ أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ(2)﴾

( سورة العنكبوت )

 لابدّ إذاً مِن أن تنكشف على حقيقتك ، ولا بدّ من أن ينكشف معْدنك ، قال تعالى :

 

﴿ وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَكَانَ لِزَامًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى(129)﴾

( سورة طه )

 كلّ إنسان جاء إلى الدنيا لِيُؤكّد ذاته ، ذاته الخَيِّرَة ، أو ذاته الشرِّيرة ، وليظهر ما إذا كان أمينًا أم خائنًا ، صادقًا أم كاذبًا ، مُحْسنًا أم مسيئًا ، مؤمنًا أم كافرًا ، رحيمًا أم قاسيًا ، منصِفًا أم ظالمًا ؛ طبيعة الحياة ، وطبيعة الأعمال ، وطبيعة الشهوات ، وطبيعة الأموال ، وطبيعة العلاقات الاجتماعيّة ؛ هذا كلّه يكشف الإنسان ، فيوضع كلّ يوم أمام امتِحانات صعبة ؛ إما أن ينْحاز إلى الحق أو إلى الباطل ، إما أن ينضمّ إلى مبدئِهِ ، أو إلى مصلحته ، إما أن يضَع مبدأهُ تحت قدمِهِ ، وإما أن يضع شهوته تحت قدمه ، قال تعالى :

 

﴿ وَإِنْ كُنَّا لَمُبْتَلِينَ(30)﴾

( سورة المؤمنون )

 كلّ واحد منَّا يوضع في مواضع كثيرة يُمْتحَنُ بها ، يُمْتَحَنُ صبرُهُ ، ويُمْتحنُ توكّله ، ويُمْتحنُ تفويضه ، ويُمْتحنُ استسلامه لله عز وجل ، وتُمْتحنُ قوّة إرادته ، قال تعالى :

 

﴿ وَإِنْ كُنَّا لَمُبْتَلِينَ(30)﴾

( سورة المؤمنون )

 كأنّ الله سبحانه و تعالى قد خلقنا في عالم الأزل ، وجاء بنا إلى الدنيا لِيُثبت كلّ مِنَّا ذاته وصفاته ، وخيره أو شرّه ، والحياة الدنيا دار ابتلاء ، لذلك قال العلماء : الدنيا دار تكليف والآخرة دار تشريف ، والدنيا دار امتِحان ، والآخرة دار العطاء ، والدنيا إعداد ، والآخرة رشاد ، فالإنسان في الآخرة يسْعد ، ولكن في الدنيا يُمتحن ، فعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى الْمَسْجِدِ وَهُوَ يَقُولُ بِيَدِهِ هَكَذَا ، فَأَوْمَأَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ بِيَدِهِ إِلَى الْأَرْضِ :

(( مَنْ أَنْظَرَ مُعْسِرًا ، أَوْ وَضَعَ لَهُ وَقَاهُ اللَّهُ مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ ، أَلَا إِنَّ عَمَلَ الْجَنَّةِ حَزْنٌ بِرَبْوَةٍ ، ثَلَاثًا ، أَلَا إِنَّ عَمَلَ النَّارِ سَهْلٌ بِسَهْوَةٍ ، وَالسَّعِيدُ مَنْ وُقِيَ الْفِتَنَ ، وَمَا مِنْ جَرْعَةٍ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ جَرْعَةِ غَيْظٍ يَكْظِمُهَا عَبْدٌ ، مَا كَظَمَهَا عَبْدٌ لِلَّهِ إِلَّا مَلَأَ اللَّهُ جَوْفَهُ إِيمَانًا ))

[ رواه أحمد ]

 ولِحِكمة بالغة فإنَّ اللهَ سبحانه وتعالى جعل كسْب الحلال صعبًا ، وقد يجعل الحرام سهلا ، ولو كان الحلال سهلاً لأقبل الناس على الحلال لِسُهولته ، ولكنّ حِكمة الباري أنَّ الحلال صعب ، والحرام سهل ، بهذا يُمْتَحَن الناس ، فمن كان منهم يعرف الله ، ويصبر على طاعته ، ويصبر عن معصيته فهو الفائز الأوّل في الحياة الدنيا ، إذا كما قال تعالى :

 

﴿ وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا ﴾

( سورة هود )

أنت ممتحَنٌ في كل شيء :


 قد تقول لك أمّك : يا بنيّ ، أعْطِني مبلغًا من المال ، فتُمْتحن بهذا الطلب ، إما أن تؤثر رِضاها ، وإما أن تؤثر لذَّتَك وشهوتك على رِضاها .
 تمتحن في علاقتك مع ربّك ، وتُمتحن في علاقتك مع أبيك ، وفي علاقتك مع زوجتك ، تمتحن في علاقتك مع جيرانك ، وتمتحن مع زبائنك ، وتُمتحن في علاقات العمل ، وتمتحن في العلاقات الخاصة ، قال الله سبحانه وتعالى :

 

﴿ الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا ﴾

( سورة الملك )

 فهنيئًا لِمَن امْتَحَنه الله عز وجل ونجَحَ في الامتحان ، قد يضيق دَخلك ماذا تقول : الحمد لله رب العالمين ، أو تقول على الله ما لا يليق ، أنت في البحبوحة مؤمن ، وصادق وتقول ما تقول ، أما في البلاء فماذا تقول ؟ ، قال تعالى :

 

﴿ وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ(11)﴾

( سورة الحج )

 فالله عز وجل يعرفك تمام المعرفة ، ولكنه إذا امتحنك لِتَعْرف أنت ذاتك وحجمك الصحيح والحقيقي ، ولكيلا تتوهَّم أنَّك مؤمن كبير توضَع في امْتِحانات صعبة فيَنْكشف هذا الإيمان ، هذا الذي يضيق برِزقِهِ امتحَنَهُ الله ورسب في الامتحان ، وهذا الذي لا يرضى عن قِسمة الله له في زوجته ، هذه الزوجة التي اخْتارها الله لك هي التي أرادها الله ، فهل أنت مسْتَسْلِمٌ لِمَشيئته ؟ وهل أنت راضٍ بِحُكمِهِ ؟ وهل أنت صابرٌ على بلائِهِ ؟ تُمْتَحَنُ بالزَّوجة ، وتُمْتحن بالغنى ، وتُمتحن بالفقر ، الغِنى والفقر مَطِيَّتان إلى الله عز وجل ، قال عمر رضي الله عنه : << لا أُبالي ما إذا كنتُ غَنِيًّا أو فقيرًا >> ! لأنَّ الغنى والفقر مَطِيَّتان إلى الله عز وجل ، فالفقير الصابر مَطِيَّتُهُ إلى الجنَّة صبرُهُ ، والغنيّ الشاكر مَطِيَّتهُ إلى الجنَّة شكرهُ ، وليس الفقير الصابر بِأعْظمَ أجرًا من الغنيّ الشاكر، قال تعالى :

 

﴿ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا ﴾

( سورة هود )

الابتلاء يكشف حقيقة الإنسان :

 الغنى امتِحان ، فهذا الرجل الذي كان صحابيًّا ؛ " ثعلبة "، و كانَ يقال له : حمامة المسجد ، و هو الذي كان يُصلِّي خلف النبي عليه الصلاة والسلام ، لا تفوتُهُ تَكبيرة الإحرام خلف النبي عليه الصلاة والسلام ، جاء النبي مرَّةً فقال له النبي عليه الصلاة والسلام : كيف حالك يا ثعلبة ؟ فشكى ثعلبة الفقر فقال يا ثعلبة : قليل تؤدّي شكره خير من كثير لا تؤدّي شكره ‍‍، فقال : اُدْعُ الله لي أن يُغْنِيَني ‍، فقال : يا ثعلبة إنّ الغنى غنى النَّفس ، فقال : اُدْعُ الله لي أن يُغْنِيَني ‍، فقال : يا ثعلبة ليس الغنى عن كثرة العرض ، ولكنّ الغنى غنى النَّفس ، فقال : اُدْعُ الله لي أن يُغْنِيَني ‍، فرفَعَ النبي الكريم يَدَيْه ، وقال : اللهمّ أغْنِ ثعلبةَ بما شئتَ ، وكيف شئت ، وما هي إلا فُصول حتى أصبح له وديانٌ مِن الغَنَم ، أين ثعلبة ؟ غاب ثعلبة ! أين حمامة المسجد ؟ غاب ! منغَمِسٌ في تِجارته ، وتحصيل أمواله ، وحِساباته ، بعث له النبي رسولاً لِيَأخذ منه زكاة ماله ، ويسأل عنه ، فلمَّا لَقِيَ رسول النبي قال : قُلْ لِصاحِبِكَ - يعني محمَّدًا صلى الله عليه وسلم - ليس في الإسلام زكاة ! فقال له : أوَ ما تراهُ صاحِبًا لك ؟! قال تعالى :

﴿ وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنْ الصَّالِحِينَ(75)﴾

( سورة التوبة )

 فثعلبة هذا امْتَحَنه الله عز وجل ، ورسَبَ في الامْتِحان .
 قد تقول : يا ربّ ، زوجة أصون بها نفسي ، تأتيك الزَّوجة فتنسى بها المسجد ! أين المسجد ؟ وأين مجلس العلم ؟ فالزَّوجة امتِحان ، والغِنى امْتِحان ، والفقر امْتِحان ، وقوّة الجسد امْتِحان ، والضَّعف امْتِحان والصِّحة امْتِحان ، والمرض امْتِحان ، ورِفْعة القَدر امتِحان ، والخمول امتحان ، هل تضيق ذرعًا لأنَّ الناس لا يعرفونك ، سيّدنا عمر رضي الله عنه جاءهُ رسول يُخْبرُهُ أنَّ أُناسًا كثيرين من المسلمين ماتوا في بعض المعارك ، فقال له عمر رضي الله عنه : << يرحمك الله ، من هم ؟ فقال : إنَّك لا تعرفهم ، فبكى عمر رضي الله عنه ، وقال : ما ضرَّهم أنّي لا أعرفهم إذا كان الله يعرفهم >> ! أيْ إذا كنت غير معروف ، وليس لك هذا الصيت العريض والسمعة والشهرة ، ولم يكن لك شأن كبير في المجتمع ، وكنتَ إنسانًا مغمورًا ، ولا أحد يعرفك ، فهل هذا مِمَّا يُثبِّط عزيمتك ؟ لا ، مَن عرف نفسهُ ما ضرَّتْهُ مقالة الناس به .
 هل تدري من هو أشهر مخلوق على وجه الأرض ؟ الشيطان ، ما مِن أمّة ، وما مِن شعب ، وما من لغة إلا وفيها اسم الشيطان على ألسنتهم ، فالشُّهْرة وحدها ليسَتْ مِقياسًا ، ولكن البطولة أن تكون طائِعًا لله عز وجل ، فأن تكون عالي الذّكر ، امتحان ، وأن تكون خامل الذِّكر امتِحان ، والفقر والغنى والصحّة والمرض والزواج كلها امتحانات فالمتزوّج ممتَحن ، وغير المتزوّج يُمْتَحَن ، هل يصبر عن الحرام حتى يأتيه الحلال أم لا يصبر ؟ هناك ربّ يُحاسِب ، فهذه الآية دقيقة جدًّا ، قال تعالى :

 

﴿ وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا ﴾

( سورة هود : من الآية 7 )

 يضيق الدَّخْل ، ويضيق ، ويضيق إلى أن تحسّ أنَّك في فقْر مُدْقِع ، ثم يأتيك عَرْضٌ مِن المال مِن طريق غير مَشروع ؛ امتِحان صعب ، فإما أن تبقى مُتماسكًا ، وتقول : لا ، لا آكل إلا مالاً حلالاً ، وإما أن تنهار مُقاومتُك فتأكل المال الحرام ، اُمتُحِنتَ ، ورسبتَ في الامتِحان ، تقول لمن ينصحك : واللهِ أنا مضطر ، وعندي أولاد ، ومثلي مثل هؤلاء الناس كلُّهم ، إذاً رسبتَ ، و لو قلتَ : إني أخاف اللهَ ربَّ العالمين لنجحتَ ، و لو قلتَ : من ترك شيئا لله عوَّضه اللهُ خيرا منه في دينه ودنياه ، لنجحتَ .
 ربُّنا عز وجل له آلاف الأساليب في وضع الإنسان في ظرف ينكشف على حقيقته ، يقول لأمه : يا أمَّاه لو تزوَّجت لكنتُ أنا وزوجتي في خدمتك ، كلام طيِّب ولطيف ، يتزوج ، ويأتي في أحد الأيام فيرى خصاما بين زوجته وأمه ، يقول لأمه : أنتِ كذلك ، بالغْتِ في ذلك ، وكلُّ البلاء منك ، هذا الذي قلتَه امتحنك اللهُ به ، لم تحسن تصرُّفا ، ولم تحسن صنعا ، ولم تكن بارًّا بأمِّك ، فلا تنسَ حقَّ زوجتك ، ولا تهضم حقَّ أمِّك ، اُمتُحِنت ولم تنجح .
 الموضوع طويل ، ولكن تأكد أن في كلّ حركة من حركاتك ، وكلِّ سكنة من سكناتك تُمتحَن ، و أنت لا تدري ، قل ما شئت ، و لكنَّ الأحداث تكشفك على حقيقتك ، تحدّثْ عن ورعك ما شئت ، و توضَع في مكان لا أحد يراك و تمرّ امرأةٌ فهل تنظر إليها ؟ إذا نظرت ، و من لم يكن له ورع يصدّه عن معصية الله إذا خلا لم يعبأ الله بشيء من عمله ، اُمتُحنتَ و رسبتَ .
 قد ينسى البائع معك مبلغا من المال ، تقول : أنا أحاسب على الدرهم ، هل تعود إلى البائع لتنقده ما له معك ، مثلاً خمسون ليرة ، وفي الجمع كان خطأ هل ترجع إليه ، تُكتشَف في هذا على حقيقتك ، على كلِّ إنسان أن ينتبه لأحواله كلها ، في كل حركة ، و في كل سكنة ، و في نومه و يقظته ، و في صلاته ، تحدِّث الناس أن الصلاة يجب أن تكون مُتقنةً ، أتفعل هذا أنت ؟ رسبتَ في الامتحان ، أو نجحتَ ، تحدَّث الناسَ عن قيام الليل ، فهل تصلِّي قيام الليل ؟ تحدِّث الناس عن الصدقة فهل تدفع الصدقة أنت بسخاء ؟ قال تعالى :

 

﴿ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا(1)﴾

( سورة النساء )

 وقال تعالى :

 

﴿ إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ(14)﴾

( سورة الفجر )

 فهذِهِ اللام "ليبلوكم " لام التعليل ، علَّة خلق السماوات والأرض وعلَّة مجيئنا إلى الدنيا الابتلاء ، قال تعالى :

 

﴿ وَإِنْ كُنَّا لَمُبْتَلِينَ(30)﴾

( سورة المؤمنون )

 وقال تعالى :

 

﴿ أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمْ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ(142)﴾

( سورة آل عمران )

 وقال تعالى :

 

﴿ أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ(2)﴾

( سورة العنكبوت )

 أبدا فالامتحانات مستمرة ، في المدارس الامتحان مَرَّتان في السنة ، وهناك امتحان فصلي على النظام الجديد في الجامعة ، وهناك امتحان ثانوي ، وهناك مذاكرات ، ولكنَّ امتحانات الله سبحانه وتعالى مستمرة مع الحياة كلَّ يوم تُمتحن ، أذَّن الصبحُ ، و أنت في فراشك ، والفراش وثير ، و الدفء عميم ، والجو باردٌ ، وليس عندك عملٌ ، وليس هناك مواعيد ، هل تركن إلى النوم ، وتقول : أصلِّي بعد الشمس ، أم أنت كما قال تعالى :

 

﴿ تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنْ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ(16)﴾

( سورة السجدة )

 تُمتحن ، تقول : ليتني أصلِّي قيام الليل ، اللهُ سبحانه و تعالى يوقظك في الساعة الثالثة و الربع ، تفتح عينيك ، وأنت صاحٍ مرتاح ، تفضَّل ، و صلِّ قيام الليل ، لا تقوم ، وإذا خطَرَ ببالك خاطر : ليتني أصلِّي قيام الليل ، يوقظك اللهُ سبحانه و تعالى في الوقت المناسب ، وتبقى نائما ، لا تُعِد هذه الكلمة مرة ثانية ، اُمتُحنت و رسبتَ في الامتحان ، قال تعالى :

 

﴿ وَلَئِنْ قُلْتَ إِنَّكُمْ مَبْعُوثُونَ مِنْ بَعْدِ الْمَوْتِ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ ﴾

( سورة هود )

وَلَئِنْ قُلْتَ إِنَّكُمْ مَبْعُوثُونَ مِنْ بَعْدِ الْمَوْتِ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِين

الكافر رجلٌ حسيٌّ مادي :

 لو قال النبيُّ لكفار قريش : إن هناك بعد الحياة حياة لقالوا : إن هذا إلا سحر مبين ، وقال تعالى :

﴿ وَلَئِنْ أَخَّرْنَا عَنْهُمْ الْعَذَابَ إِلَى أُمَّةٍ مَعْدُودَةٍ لَيَقُولُنَّ مَا يَحْبِسُهُ أَلَا يَوْمَ يَأْتِيهِمْ لَيْسَ مَصْرُوفًا عَنْهُمْ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُون ﴾

( سورة هود )

 فهؤلاء الكفار كما قلت قبل قليل : حسِّيُّون ، ما داموا في بحبوحة وفي صحة جيِّدة يقولون : ليس هناك حساب ، وليس هناك عذاب ، وليس هناك عقاب ، أين هو العقاب ؟ إيتِ به إن كان صحيحا ، هذا رجل حِسِّي ، قال تعالى :

 

﴿ أَلَا يَوْمَ يَأْتِيهِمْ لَيْسَ مَصْرُوفًا عَنْهُمْ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُون ﴾

( سورة هود )

أَلَا يَوْمَ يَأْتِيهِمْ لَيْسَ مَصْرُوفًا عَنْهُمْ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُون

لا رادَّ لعذاب الله :

 إذا جاء أمر ربّك فلا رادَّ لِمَشيئتهِ ، قال تعالى :

﴿ وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلَا مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَالٍ(11)﴾

( سورة الرعد )

 وإذا أخذَ الله أخذَ أخْذَ عزيز مُقتَدِر ، وإنَّ الله يُمْهِل ، ولا يُهْمِل ، يُرْخي الحَبل ، ولكن إذا أخذَهُ لم يُفْلتْهُ ، يقول الكافر : أين الله ؟ أين العذاب ؟ أين العِقاب ؟ إذا جاء العِقاب فلا مردَّ له ، إذا قبضَهُ الله فلن يُفْلتَهُ ، قال تعالى :

 

﴿ إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ(12)﴾

( سورة البروج )

 أحدهم طغى وبغى ، وفسقَ وفَجَر ، وتزوّج زوْجةً صالحة فجعَلها سافرة ، وحملها على الاخْتِلاط ، وأفْسدَها ، ورقَصَتْ له الدنيا كما يقولون ؛ ثم لم يلبث أن آلَمَتْهُ عَيْنُهُ ذات يومٍ فتفاقَمَ الألَم ، انتَقَل من طبيب إلى طبيب ، إلى أن قلعت عينه ، ووجد عيْنَهُ في كفِّه ، فخَنَعَ عندئذٍ ؛ أين العذاب ؟ أين العِقاب ؟ هذا نموذج من العقاب ، قال تعالى :

 

﴿ وَلَئِنْ أَخَّرْنَا عَنْهُمْ الْعَذَابَ إِلَى أُمَّةٍ مَعْدُودَةٍ لَيَقُولُنَّ مَا يَحْبِسُهُ أَلَا يَوْمَ يَأْتِيهِمْ لَيْسَ مَصْرُوفًا عَنْهُمْ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُون ﴾

( سورة هود )

 قال تعالى :

 

﴿ وَلَئِنْ أَذَقْنَا الْإِنسَانَ مِنَّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْنَاهَا مِنْهُ إِنَّهُ لَيَئُوسٌ كَفُورٌ ﴾

( سورة هود )

وَلَئِنْ أَذَقْنَا الْإِنسَانَ مِنَّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْنَاهَا مِنْهُ إِنَّهُ لَيَئُوسٌ كَفُورٌ

1 ـ هذه هي حال الجاهل في النعمة والفقر :

 هذا الإنسان الجاهل أكرمه الله عز وجل بِنِعمة الصحّة ، وأكرمه بِنِعمة الزَّوجة ، وأكرمه بِنِعمة البيت ، أكرمه بِنِعمة العمل وبِنِعمة الأولاد ، إذا نزعَ الله إحدى هذه النِّعم منه ينقمُ على الله عز وجل ، وييْأسُ من رحمته ، ويتكلَّم كلامًا لا يليق بالله عز وجل .
 أنت عبْدُ الله أم عبد الدنيا ؟ أنت عبْدُ الفتاح أم عبدُ الفَتْح ؟ هذا الذي اسْتَمْرأ الحياة واطْمأنَّ لها ، وشَعَر بِخُلودٍ لها ، إذا نزَعَ الله منه صِحَّتَهُ يخْتَلُّ توازنَهُ ، وإذا حرَمَهُ الزَّوجة لا يطيق حياةً بعدها ، إذا حرمه نِعمة الولد ، أوْ قبض أحد أولاده إليه ينْقُم على الله عز وجل ، يقول كلامًا لا يليق ، قال تعالى :

﴿ وَلَئِنْ أَذَقْنَا الْإِنسَانَ مِنَّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْنَاهَا مِنْهُ إِنَّهُ لَيَئُوسٌ كَفُورٌ ﴾

( سورة هود )

 ماذا ينبغي أن يقول إذا نُزِعَت منه النعمة ؟ ينبغي أن يقول : إنَّ لله ما أعطى ، وله ما أخذ ، قال أحد الصحابة وكان قد سافر ، وترك ابنه مريضًا مرضًا شديدًا ، فلما جاء تلقَّتْهُ زوجته بالترحاب ، والتَّطمين ، وأعدَّتْ له الطعام ، وهيَّأت له نفسها ، فقال : يا فلانة كيف ابني ؟ فقالت : هو في أهدَأ حال ، اطْمئِنّ ، فاطْمأنَّ ، في اليوم التالي قالت له : إنَّ الجيران إن أعْطَوْنا حاجةً ، ثمَّ طَلَبوها مِنّا ، فقال : هي لهم ، وما شأنُكِ بِهِم ، فقالت : كذلك فعَلَ الله عز وجل ؛ وَهَبنا الله عز وجل ولدًا ثمّ اسْتَرَدَّهُ ! أيْ هي نقَلَتْ له الخبر تقسيطًا ، وبالتَّدريج ، فالمؤمن يؤمن أنَّ لله تعالى ما أعطى ، وله ما أخذ ، قال تعالى :

 

﴿ وَلَئِنْ أَذَقْنَا الْإِنسَانَ مِنَّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْنَاهَا مِنْهُ إِنَّهُ لَيَئُوسٌ كَفُورٌ(9)وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ نَعْمَاءَ بَعْدَ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئَاتُ عَنِّي إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ ﴾

( سورة هود )

وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ نَعْمَاءَ بَعْدَ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئَاتُ عَنِّي إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ

 فهذا الإنسان الغافل الشارد على الله سبحانه وتعالى هذه هي صفاته إذا أذاقهُ رحمةً ثمَّ نزَعَها منه إنَّه يئوس كفور ، يئوس من رحمة الله جاحدٌ لِفَضله ، قال تعالى :

﴿ وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ نَعْمَاءَ بَعْدَ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئَاتُ عَنِّي إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ ﴾

( سورة هود )

1 ـ الإنسان في حال الفرح ينسى ريه :

 إذا جاءتْهُ الدنيا كما يشتهي ، وربِحَ في تِجارتِهِ ، واقْتَرَن بِزَوجة تروق له ، واشترى بيتًا مناسبًا ، وركب سيارة فارهة ؛ نَسِيَ الله ، ونسيَ الحِساب ، ونسيَ الذي يُراقبه ويُحاسبه ، تراه يفرح الفرح كله ، لذلك فإنَّ الفرح الفرَحُ بالدنيا مِن نَقْص العَقل ، مَن عرفها لم يفرحْ لِرَخاء ، ولم يَحْزن لِشَقاء ، ماذا قال قومُ قارون لِقَارون ؟! قال تعالى :

﴿ إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لَا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ(76)﴾

( سورة القصص )

2 ـ لا تدوم نعمة في الدنيا :

 هذا الذي يفرحُ بالدنيا هو ضَيِّقُ الأُفق ، وهذا الذي يفرح بالدنيا ، ويرضى بها ، ويطمئنّ لها لا يعرف الله سبحانه وتعالى ؛ إِنَّها زائلة .
 جاء رجلٌ لسيّدنا علي رضي الله عنه ، فقال له : << يا أمير المؤمنين ، اُكْتُب لي عَقْد شِراء لِهذا البيت ، نظر إليه فإذا الدنيا متربِّعة على قلبه ، فقال له : هات القلم ، وكتب بسم الله الرحمن الرحيم ، هذا ما اشْترى ميِّتٌ مِن ميِّتٍ ! بيتًا في دار المذنبين ، وسِكَّة الغافلين ، يحُدُّ هذه الدار أربع جِهات ، فَجِهة إلى الموت ، وجهة إلى القبر ، وجهة إلى الحِساب ، وجهة إلى الجنة أو النار >> ، وقدَّم له هذا العقد !!
 الموت لا بدّ واقِع ، ولا بدّ أن تترك هذا البيت ، وجهة إلى القبر ، وجهة إلى الحِساب ، وجهة إلى الجنة أو النار .

3 ـ من علامة الجاهل الفرح بالدنيا والركون لها :

 مِن علامة الجاهل أنَّه يفرح بالدنيا ، ويتباهى بها ، وقيمة المرء متاعُهُ ، وهذا يكون في آخر الزمان ، فلا العلم والخُلُق لهما قيمة عنده ، ولا الإيمان ، بل متاعُهُ نوعُ داره ، ومساحتها ، وفخامتها ، ونوعُ سيّارتِهِ ، ومحلُّه التِّجاري ، وفي أيّ شارعٍ يقع ، وما مساحته ، وما نوع البِضاعة التي يتعامل بها ؟ هذه من علامات قيام الساعة ؛ أنّ قيمة الرجل متاعه فقط ! قال تعالى :

 

﴿ وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ نَعْمَاءَ بَعْدَ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئَاتُ عَنِّي إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ ﴾

( سورة هود )

 عند الله تعالى عِلاجات لا يعلمها إلا الله ، عند الله أَدْوِيَةٌ لا تُعَدُّ ولا تُحْصى ، لِكُلّ بلدٍ ، ولكلّ إنسان ، ولكلّ مجتمعٍ دواءٌ يُصيب موطن الداء ، قال الله تعالى :

 

﴿ إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُوْلَئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ ﴾

( سورة هود )

إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُوْلَئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ

1 ـ الصبر على الطاعة وعن المعصية وعلى قضاء الله وقدره :

 هؤلاء الذين صبروا عن المعاصي ، وصبروا على الطاعات ، وصبروا لحُكم الله ، وهؤلاء الذين عملوا الصالحات في السراء والضراء ، وفي الغِنى والفقْر ، وفي الأثر : " أُحِبُّ ثلاثًا ، وحُبّي لِثلاثٍ أشدّ ، أُحبّ الطائعين وحُبِّي للشابّ الطائع أشدّ ، وأحبّ الكرماء ، وحُبِّي للفقير الكريم أشدّ ، وأحبّ المتواضعين ، وحُبِي للغني المتواضِع أشدّ وأبغُض ثلاثًا وبُغضي لِثَلاثٍ أشدّ ، أبغض العصاة ، وبُغضي للشيخ العاصي أشدّ ، وأبْغُض المتكبِّرين ، وبغضي للفقير المتكبّر أشدّ ، وأبغض البخلاء ، وبُغضي للغني البخيل أشدّ " ، قال الله تعالى :

﴿ إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُوْلَئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ ﴾

( سورة هود )

 صبروا على الطاعات و عن المعاصي ، وعلى حكمة الله ، شاءَتْ حِكمتُهُ أن يكون أولادك جميعًا إناثًا ، الحمد لله، لو كُشِفَ الغِطاء لرأى أن أمره في خير ، لو صبَرَ على أنّ زوجته لا تروق له ؛ هذه قِسْمتهُ ، وصبر على أنَّ أولادهُ ليسوا كما يريد هكذا شاءَتْ حكمة الله عز وجل ، وصبر على دَخْلِهِ المَحدود ، منزله الضيِق ، وعلى عِلَّة في جسده ، صبر على الطاعات وعن المعاصي ، وعمل الصالحات في الرخاء والشِّدة ، والغنى والفقْر ، وفي إقبال الدنيا أو إدبارها لكان في عداد الصابرين ، وله ثوابهم ، قال تعالى :

 

﴿ إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ ﴾

( سورة الزمر : من الآية 10)

 أما المؤمن حقاً فالعمل الصالح دَيْدَنُهُ ، ومطِيَّتهُ إلى الله تعالى ، ولا يبْخل بِما أعطاه الله ، فهؤلاء ليسوا كَهَؤُلاء ، إنَّ الكافر إن جاءَتْهُ الدنيا مشي تيهًا ، وعُجْبًا ، و زها غروراً ، وما عرف الله من خلال النعمة فرسب ، وإن زُوِيَتْ عنه ضاقَتْ نفْسُهُ وكفَرَ بالله ، ويئِسَ مِن رحمة الله عندما امْتَحَنَهُ الله سبحانه وتعالى ورسَبَ في الامتِحان أيضاً فكان راسباً في كلا حالتيه ، عند إقبال الدنيا عليه و عند إدبارها عنه ، فكانت عاقبته الخسران و البوار .

 

2 ـ الصابر له جزاء كبير في الدنيا والآخرة :

 الشيء الآخر ، قال تعالى :

﴿ إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُوْلَئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ ﴾

( سورة هود )

 هؤلاء الذين صبروا وعملوا الصالحات ، أولئك لهم مغفرة وأجر كبير مغفرة في الدنيا ، و المغفرة شِفاءٌ من كلّ أمراضهم ، وأجر كبير في الآخرة ينْعُمون به إلى أبد الآبدين .

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018