الدرس : 21 - سورة النور - تفسير الآيتان 58 – 59 - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الدرس : 21 - سورة النور - تفسير الآيتان 58 – 59


1989-02-17

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا وزدنا علما، وأرنا الحق حقا، وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلا، وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
 أيها الإخوة المؤمنون، مع الدرس الحادي والعشرين من سورة النور، وصلنا في الدرس الماضي إلى قوله تعالى:

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ مِنْ قَبْلِ صَلَاةِ الْفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُمْ مِنَ الظَّهِيرَةِ وَمِنْ بَعْدِ صَلَاةِ الْعِشَاءِ ثَلَاثُ عَوْرَاتٍ لَكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلَا عَلَيْهِمْ جُنَاحٌ بَعْدَهُنَّ طَوَّافُونَ عَلَيْكُمْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآَيَاتِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾

دقة التشريع الإسلامي وتنوّعه:

 أول شيء يلفت النظر أن في هذه الآية تشريعاً دقيقاً، وما من تشريع وضعي يصل إلى حركة الإنسان في بيته، فالإسلام نظام كامل، فيه أحكام السلم، وأحكام الحرب، وفيه نظام المعاهدات، وفيه أحكام دار الإسلام، وأحكام دار الأمان، ودار الحرب، ونظام كسب المال، وإنفاق المال، ونظام الأسرة، وعلاقات اجتماعية، وأنواع منوعة من الأوامر والنواهي، أما أن يصل هذا النظام الدقيق إلى أخص خصوصيات الإنسان، وأن يدخل هذا النظام الدقيق إلى بيته لينظم حركة الزوج، والزوجة، والأولاد بين غرف البيت، فهذا نظام من أدق الأنظمة، ومن أشدها شمولاً، وموافاةً لاحتياجات الإنسان، إنه شيء عجيب أن يصل الأمر إلى آداب استئذان الأولاد على آبائهم وأمهاتهم.
 ولكن لا عجب، فهذه الآية حيث ختمت بقوله:

﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾

 بكم، وبخصائصكم، وبما يصلحكم، ويرقى بكم، ويسمو، إنه حكيم في تشريعه، ولعكم تذكرون أن في هذه السورة موضوعات عديدة، من هذه الموضوعات أحكام الزنى، وكيف بدأت بقوله تعالى:

﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾

(سورة النور: الآية2)

 وكيف انتقلت هذه الآيات من موضوع الزنى إلى موضوع رمي المحصنات، ومن رمي المحصنات إلى إقامة الحد على الزنى، إلى حديث الإفك كتطبيق عملي، وإلى التدابير الاحترازية التي تمنع من الزنى، وإلى آداب الاستئذان، ومن آداب غض البصر، ومن أحكام إبداء الزينة، والآن ونحن في البيوت فيما بين الزوج وزوجته، وفيما بين الأولاد، وآبائهم، وأمهاتهم تأتي أحكام دقيقة لتبين أن هذا التشريع من عند خالق الإنسان.

 

عموم الخطاب القرآني: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا

 

 فالله سبحانه وتعالى يقول:

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾

(سورة النور: الآية58)

 وأيُّ آية يخاطب بها المؤمنون فالمؤمنات يخضعن لهذا الأمر على مبدأ التغليب الذي كثيرا ما يَرِد في كتاب الله، والله سبحانه وتعالى إذا خاطب الذكور فمما يعنيه هذا الخطاب الإناث، وهذا مبدأ معروف لدى علماء اللغة، فلو دخل أربعون طالبةً وطالبًا واحد نقول: دخل الطلاب، على مبدأ التغليب ؛ تغليب الذكور على الإناث.
 فالله سبحانه وتعالى يقول:

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمْ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾

من آداب وأحكام الاستئذان:

 فإذا كان على الرجل أن يأمر ابنه ألا يدخل عليه في بعض الأوقات فجأة من دون استئذان، فلأن تؤمر المرأة بهذا الأمر من باب أولى، لأن تكشف الرجل أخف من تكشف المرأة، ولذلك كانت المرأة معنية بهذه الآية، من مبدأ ثابت هو من باب أولى، كيف أن الله سبحانه وتعالى قال:

﴿فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا﴾

(سورة الإسراء: الآية23)

 فإن نهي الإنسان عن قول كلمة (أُفٍّ) لأمه أو أبيه، أو لهما معا نهي ثابت، فلأن ينتهي أن يوقع بهما الأذى من باب أولى، وقد يقول قائل: ليس في القرآن كله آية تنهى عن ضرب الآباء والأمهات ! نقول له: إذا كانت كلمة (أُفٍّ) قد نهى الله عنها، فما فوق (أُفٍّ) منهي عنها من باب أولى.
 فإذا كان على الرجل، وهو في غرفة نومه أن يأمر أبناءه ألا يدخلوا عليه في أوقات مخصوصة إلا باستئذان واضح، فلأن ينطبق هذا الحكم على المرأة ومن باب أولى، لأن تكشف الرجل أخف من تكشف المرأة، لكن القرآن الكريم في بعض الآيات الأخرى يخاطب الذكور على وجه الخصوص، وحينما يخاطب الذكور على وجه الخصوص فهناك قرينة تؤكد ذلك، فالله سبحانه وتعالى يقول مثلا:

﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ﴾

(سورة النور: الآية30)

 فهذه خاصة بالمؤمنين الذكور وحدهم..

﴿ قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ (30) وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ ﴾

(سورة النور: الآية30 - 31)

 فهناك أمر خاص بالرجال، وهناك أمر خاص بالنساء، أما إذا لم يكن هناك قرينة تصرف الحكم ؛ والأمر والنهي إلى جنس معين، فكل الآيات القرآنية التي يخاطب بها الرجال يخاطب بها النساء من باب التضمين، فالمرأة مضمنة في هذا الخطاب.
 وكما أنها مضمنة في أي خطاب:

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾

تربية غير البالغ:

 لماذا قال ربنا سبحانه وتعالى:

﴿ لِيَسْتَأْذِنْكُمْ﴾

 بينما بعد آيات أخرى يقول:

﴿وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَالُ مِنْكُمْ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا﴾

 لماذا أسند هذا الفعل إلى الأطفال في الآية الثانية، ولم يسند في هذه الآية إلى الأطفال؟
 الجواب: أن الأطفال ذكوراً وإناثاً إذا كانوا دون سن البلوغ، أو دون سن الحلم ليسوا مخاطبين، وليسوا معنيين، وليسوا مكلفين، لكن الذين يخاطبون عنهم أولياؤهم ليربوهم هذه التربية، ففي قوله تعالى:

﴿ لِيَسْتَأْذِنْكُمْ﴾

 فأيُّ مرسوم تشريعي لا يمكن أن يتجه إلى الصغار دون السن المقبول، لكن الآباء مسؤولون عن أبنائهم، وربنا سبحانه وتعالى حينما أسند هذا الفعل إلى المؤمنين المخاطبين تبين أن الأطفال دون سن البلوغ ليسوا مكلفين، وليسوا مخاطبين، فهل معنى ذلك أن نعفيهم من العبادات ؟

 

أمْرُ غير البالغ بالصلاة والحكمة مِن ذلك:

 

 عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

((مُرُوا أَوْلادَكُمْ بِالصَّلاةِ وَهُمْ أَبْنَاءُ سَبْعِ سِنِينَ، وَاضْرِبُوهُمْ عَلَيْهَا وَهُمْ أَبْنَاءُ عَشْرٍ، وَفَرِّقُوا بَيْنَهُمْ فِي الْمَضَاجِعِ ))

[أبو داود]

 والسبع والعشر دون سن البلوغ، فهل يعقل أن تدع هذا الطفل بلا صلاة، وبلا صيام إلى سن الثامنة عشرة، وبعد ذلك تأمره أمراً قطعياً ؟ إنه لن يفعل ذلك، فجميع الأوامر التي لا يكلف بها الصغار، على أولياء الأمور أن يكلفوهم بها كي يعتادوا عليها، وهذا مبدأ في الشرع، فالصلاة يحاسب عليها الإنسان إذا بلغ الحلم، ولكن قبل هذا التاريخ على الأب أن يأمر أولاده بالصلاة إذا بلغوا سبع سنين، وأن يضربهم عليها إذا بلغوا عشرا، وهكذا تأديب الله سبحانه وتعالى، وهاكَ بعضًا مِن سير السلف الصالح في هذا الموضوع..
 فعن زين العابدين أنه كان يأمر الصبيان أن يصلوا الظهر والعصر جميعا، والمغرب والعشاء جميعا، أيْ لهم استثناءات، فقيل له: يصلون الصلاة في غير وقتها ! فقال: هذا خير من أن يتناهوا عنها، فهذا الطفل الصغير سهل عليه الأمر نوعا ما كي يألف الصلاة، وإذا كان هناك ضيق فكلفه أن يصلي الفرض، وإذا كان هناك تكاسل فكلفه أن يجمع بين المغرب والعشاء، وبين الظهر والعصر من أجل أن ينشأ معتادا على الصلاة، ولذلك عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

 

(( مُرُوا أَوْلادَكُمْ بِالصَّلاةِ وَهُمْ أَبْنَاءُ سَبْعِ سِنِينَ، وَاضْرِبُوهُمْ عَلَيْهَا وَهُمْ أَبْنَاءُ عَشْرٍ، وَفَرِّقُوا بَيْنَهُمْ فِي الْمَضَاجِعِ ))

 

[أبو داود(495)]

 ولا تنسوا ذاك الأثر: " لاعب ولدك سبعا وأدبه سبعا وراقبه سبعا ثم اترك حبله على غاربه ".
 فمن السنة الأولى إلى السابعة يجب أن تلاعبه، ويجب أن يحبك، وأن يألفك، والنبي عليه الصلاة والسلام يقول:

 

(( مَنْ كَانَ لَهُ صَبِيٌّ فَلْيَتَصَابَ لَهُ ))

 

[الفردوس بمأثور الخطاب عن معاوية]

 وعن جابر رضي الله عنه قال:

(( دَخَلْتُ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ يَمْشِي عَلَى أَرْبَعَةٍ، وَعَلَى ظَهْرِهِ الْحَسَنُ وَالْحُسَيْنُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، وَهُوَ يَقُولُ: نِعْمَ الْجَمَلُ جَمَلُكُمَا، وَنِعْمَ العِدْلاَنِ أَنْتُمَا ))

[أخرجه الطبراني في المعجم الكبير]

 لاعب ولدك سبعا، وأدبه سبعا، فمن السابعة وحتى الرابعة عشرة يجب أن تؤدبه على كذبة، على أخذ ما ليس له، على خرق لبعض العادات، والتقاليد الإسلامية، ومن الرابعة عشرة وحتى الواحدة والعشرين راقبه، وبعدئذ اتخذه صديقا، وبعد ذلك اترك حبله على غاربه.
 إنّ الأوامر التي يكلف بها الكبار الراشدون في المصطلح الحديث، أو البالغون في المصطلح الفقهي، هذه الأوامر يجب أن يؤمر بها الصغار، لا على أنهم مكلفون، ولا على أنهم معنيون بالخطاب في القرآن الكريم، لكن لأنهم يجب أن يتعودوا عليها، فهل يعقل أن تدع ابنك بلا صيام سنوات وسنوات، فإذا بلغ الخامسة عشرة من عمره تأمره بالصيام ؟ ربما لا يستطيع، وربما لا يصوم، فلابد أن تأمره بالصيام في سن مبكرة، ولابد أن تأمره أن يصوم نصف يوم، وبعدئذ يرتقي إلى اليوم الكامل، وبعدئذ يفطر، ويصوم إلى أن يصوم رمضان بأكمله.

لِيَسْتَأْذِنْكُمْ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ

معنى الحلم وسنه:

 الطفل يبقى طفلا إلى أن يحتلم، والاحتلام معروف، وكأن ربنا سبحانه وتعالى جعل هذه علامة على بلوغه سن التكليف، فالاحتلام للذكر، والحيض للأنثى، فإذا احتلم الصبي، وحاضت الأنثى فقد بلغا سن الحلم، ولكن كل منطقة في الكرة الأرضية بحسب طبيعة الجو لها سن تقرر الوقت المناسب للبلوغ، فلو أن الأمر هكذا لضاع علينا من قبيل هاتين الإشارتين، فلابد من سن زمنية تحدد البلوغ والتكليف، وأكثر العلماء أجمعوا على أن سن الخامسة عشرة هي سن البلوغ، وسن التكليف، وبعض العلماء قال: السابعة عشرة للإناث، والثامنة عشرة للذكور، وعلى كل إما أن نعتبر الاحتلام للذكور، والحيض للإناث، أو أن نعتبر سن الخامسة عشرة كسن ثابتة للتكليف، أو أن نأخذ بقول بعض العلماء من أن سن السابعة عشرة للإناث، وسن الثامنة عشرة للذكور، هذان السنان هما الفيصلان في التفريق بين سن ما قبل التكليف، وسن ما بعد التكليف.

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمْ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ﴾

 طبعا هذا حكم خاص، وآيات الاستئذان التي وردت قبل عدة أسابيع حكم عام، والله سبحانه وتعالى يقول:

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتاً غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (27) فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فِيهَا أَحَداً فَلَا تَدْخُلُوهَا حَتَّى يُؤْذَنَ لَكُمْ وَإِنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا هُوَ أَزْكَى لَكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ (28) لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَدْخُلُوا بُيُوتاً غَيْرَ مَسْكُونَةٍ فِيهَا مَتَاعٌ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ (29)﴾

 هذه الأحكام أحكام الاستئذان عامة لكل الناس البالغين، وهذه الآيات التي نحن بصددها أحكام خاصة، متعلقة بالصغار الذين لم يبلغوا الحلم، أو أن الآيات الأولى آيات الدخول إلى البيوت، والآيات الثانية آيات الآداب في التحرك ضمن البيت الواحد.

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمْ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ مِنْ قَبْلِ صَلَاةِ الْفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُمْ مِنْ الظَّهِيرَةِ وَمِنْ بَعْدِ صَلَاةِ الْعِشَاءِ ثَلَاثُ عَوْرَاتٍ لَكُمْ﴾

أوقات الاستئذان:

 فقبل صلاة الفجر، وبعد الظهيرة، وبعد صلاة العشاء هذه الأوقات الثلاثة سماها القرآن الكريم عورة لماذا ؟ لأن الإنسان في هذه الأوقات قد يضطر إلى تبديل ثيابه، أو قد يضطر إلى التخفيف منها، أو إلى أن يكون مع أهله، فإما أن يبدل ثيابه، وإما أن يتخفف منها، وإما أن يكون مع أهله، فأغلب الظن أن حفظ العورة يكون أقل انضباطا في هذه الأوقات منه في بقية الأوقات، ولذلك فهذا الوقت الذي يتخفف فيه المؤمنون من ملابسهم، أو يخلعونها ليرتدوا ثياب النوم، أو ليلتقوا مع أهليهم، هذه الأوقات الثلاثة سماها القرآن الكريم عورة، لأنه غالبا تنكشف فيها العورات، وغالبا ما يكون حفظ العورات في هذه الأوقات أقلّ انضباطا من حفظها في بقية الأوقات، فإذاً لهذه الأوقات الثلاثة أحكام خاصة..

سبب نزول الآية: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمْ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ

 وقد قال القرطبي في تفسيره: " يروى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث غلاما من الأنصار يقال له مدلج إلى عمر بن الخطاب ظهيرة ليدعوه، فوجده نائما، وقد أغلق عليه الباب، فدق عليه الغلام الباب، فناداه، ودخل، فاستيقظ عمر، وجلس فانكشف منه شيء، فقال عمر: وددت أن الله نهى أبناءنا ونساءنا وخدمنا عن الدخول إلينا في هذه الساعات إلا بإذن، ثم انطلق إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فوجد هذه الآيات قد أنزلت فخر ساجدا لله تعالى".

[تفسير القرطبي]

 وهذه بعض من موافقات عمر، فقد كان يتمنى شيئا، فإذا بالوحي ينزل به، ويصدقه، حتى إن بعض مؤلفي السيرة كتب كتابا سماه: " موافقات عمر"، وهذا من موافقات عمر، وسيدنا ابن عباس رضي الله عنه يقول: " إن الله حليم رحيم بالمؤمنين يحب الستر، وكان الناس ليس لبيوتهم ستور ولا حجال، فربما دخل الخادم أو الولد أو يتيمة الرجل، والرجل على أهله، فأمرهم الله بالاستئذان في تلك العورات فجاءهم الله بالستور والخير، فلم أر أحدا يعمل بذلك بعد ".

 

[تفسير القرطبي]

 

هل الأمر بالاستئذان للوجوب أم للندب ؟

 وهذا من أدب الأولاد مع أوليائهم، ومع آبائهم.
 إن هذا الأمر بالوجوبٍ، وبعضهم قال: أمر بالندب، وبين الوجوب والندب درجة، أعلى من درجات الأمر، فالوجوب يأتي بعدها الندب، ولكن بعض العلماء المحدثين فصلوا متى يكون هذا الأمر واجبا، ومتى يكون هذا الأمر مندوبًا ؛ ففي العصور السابقة لم يكن للأبواب أقفال وأغلاق، فكان الباب يمكن أن يفتح من الداخل، ففي مثل هذه الحالة يعد أمر الاستئذان أمرا بالوجوب، أما إذا أغلق الباب بالقفل فعندئذ يصبح هذا الأمر أمراً بالندب، لأنه غالبا لو دخل الطفل من دون استئذان لن يستطيع أن يفتح الباب حتى يفتح له أبوه أو أمه، فهذا الأمر بين أن يكون أمرًا بالوجوب، وبين أن يكون أمرًا بالندب، فإن الله يحب الستر، ومن أسمائه، "السِّتِّير"، وفي الحديث عَنْ يَعْلَى:

(( أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَأَى رَجُلًا يَغْتَسِلُ بِالْبَرَازِ بِلَا إِزَارٍ، فَصَعَدَ الْمِنْبَرَ، فَحَمِدَ اللَّهَ، وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ حَيِيٌّ سِتِّيرٌ يُحِبُّ الْحَيَاءَ وَالسَّتْرَ، فَإِذَا اغْتَسَلَ أَحَدُكُمْ فَلْيَسْتَتِرْ ))

[أبو داود]

 وفي رواية أحمد:

 

(( فَلْيَتَوَارَ بِشَيْءٍ ))

 وحتى إن فطرة الإنسان تقتضي ذلك، وبعض الحيوانات لا تحب أن تلتقي ذكرانها مع إناثها على مرأى من الناس إلا الخنازير، لكن هناك حيوانات كثيرة تأبى أن يراها أحد، وهي مع أنثاها، فكيف بالإنسان المكرم الذي سخر الله له الكون من أجله ! إذًا هذا شيء ينسجم مع الفطرة.
 وإن امرأة من بلاد الغرب، وهي في أشد حالات التبذل سألوها مرة عن عملها فقالت: إن لها عملاً ترتزق منه عن طريق عرض مفاتنها على الناس، فقالت مرة: إني أشعر بالخزي والعار، وأنا أقف أمام الناس، وهذا شعور كل أنثى تعرض مفاتنها على الناس، وإن الأمر يجب أن يبقى بين الزوجين، وفي غرف مغلقة، وهذه هي الفطرة، فالإنسان الراقي المؤمن الذي استيقظت فطرته، ولم تنطمس بفعل الشهوة يأبى إلا أن يكون مبالغا في الستر فيما بينه وبين أهله.

 

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمْ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ﴾

وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ

 بعضهم قال: سمي سن الحلم حلما لأن الإنسان في هذه السن يغلب عليه الحلم، فإذا كان طائشا، أو أرعن، أو ذا حركة غير مقبولة ففي هذه السن يصبح أقرب إلى الحلم منه إلى الطيش.

﴿ثَلَاثَ مَرَّاتٍ﴾

 أيْ في ثلاثة أوقات..

﴿مِنْ قَبْلِ صَلَاةِ الْفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُمْ مِنْ الظَّهِيرَةِ وَمِنْ بَعْدِ صَلَاةِ الْعِشَاءِ ثَلَاثُ عَوْرَاتٍ لَكُمْ﴾

من استنباطات هذه الآية:

1 - ارتداء اللباس المحتشم أمام الأولاد في غير هذه الأوقات الثلاثة:

 هناك معنى مخالف، أو يسميه بعض الناس المعنى العكسي ؛ إذا كان محرما أن يدخل عليك ابنك، وأنت في غرفتك الخاصة تتهيأ للنوم، أو تخلع ثيابك، أو تتخفف منها، فماذا ينبغي أن تكون حالتك مع أولادك في غير هذه الأوقات الثلاثة ؟ هذا استنباط، إذا ينبغي أن يكون الاحتشام، وارتداء الثياب الكاملة في البيت مظهرا يعبر عن الانضباط الخلقي، والانضباط الاجتماعي في هذا البيت.
 إذاً ما دام الله عز وجل لا يرضيه أن يقوم الرجل في البيت أمام ابنه، وهو متخفف من ثيابه، أو يخلعها، أو يتهيأ للنوم، فمن باب أولى أن الأوقات الأخرى يجب أن يكون بلباس كامل لا يبدي شيئا من عورته، فما بال بعض الناس، وهم في بيوتهم، فلا المرأة تنضبط في لباسها أمام أولادها الكبار، ولا الرجل ينضبط في لباسه أمام بناته الصغيرات ! إن هذه الفوضى في ارتداء الثياب في البيت ليس من الدين في شيء، والنبي عليه الصلاة والسلام استأجر أجيرا، ورآه يغتسل عريانًا، فقال عليه الصلاة والسلام:

(( خذ أجارتك لا حاجة لنا بك فإني أراك لا تستحي من الله ))

2 - وجوب كون لباس البيت ساترًا للعورة:

 فماذا يستنبط أيضا ؟ اللباس في البيت يجب أن يستر العورة، لئلا تنطلق أذهان الصغار إلى شـعور مبكر، أو إلى تحسس معين، أو إلى وعي هم في غنى عنه، ولذلك فعلماء النفس يقولون: إن الصغار إذا اطلعوا على عورات الكبار في سن مبكرة، فربما خلف ذلك في نفوسهم بعض العقد، أو ربما سبب لهم وعيا مبكرا في موضوعات لا ينبغي أن يعرفوها في ذاك الوقت، أو ربما سبب لهم انحرافا لأنهم لا يستطيعون أن يعبروا عن حاجاتهم في وقت مبكر، فحينما يأتي القرآن الكريم ليشرع لنا في علاقات الأبناء مع آبائهم في حركاتهم في المنزل، فالله عليم حكيم، عليم بالنفوس، حكيم بالتشريع.

 

ثَلَاثُ عَوْرَاتٍ لَكُمْ

 

معنى العورة:

 ما تعريف العورة ؟ قال العلماء: " العورة هي كل شيء لا مانع دونه" استُنبط هذا المعنى من قوله تعالى:

﴿إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ﴾

(سورة الأحزاب: الآية13)

 أيْ بيوتنا مكشوفة، وليست محمية، وليست محصنة، فالعورة هي كل شيء لا مانع دونه، والعورة كل شيء غير محفوظ، وكل شيء يستره الإنسان، ويستحي من انكشافه، فهذه المعاني كلها توضح معنى العورة، فبحسب السياق حينما يتخفف الإنسان من ثيابه، قد يبدو منه ما لا ينبغي أن يبدو منه، فقد يرى ابنه منه ما لا يستحسن أن يراه منه، إذا هو في حالة عورة، فهن

﴿ثَلَاثُ عَوْرَاتٍ لَكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلَا عَلَيْهِمْ جُنَاحٌ بَعْدَهُنَّ﴾

 إذاً لا يجوز في غير هذه الأوقات أن يتبذل الإنسان في ثيابه في الصيف، ولا في الشتاء.

 

اتخاذ الاحتياط اللازم لدرءِ كشفِ العورات:

 

 وهناك شيء آخر: لو اضطر الإنسان لخلع ملابسه في غير هذه الأوقات، الساعة العاشرة مثلا، هل هو معفى من إغلاق الباب ؟ طبعا لا، لأن الله سبحانه وتعالى علل هذا الحكم الفقهي بعلة كشف العورات، لماذا العلة ؟ هذا التشريع معقول، فالله سبحانه وتعالى بين لك أسباب التشريع، والسبب انكشاف العورة.
 إذاً لو اضطر الإنسان إلى أن يرتدي ملابسه، أو أن يخلعها في وقت غير هذه الأوقات فينطبق عليه حكم العورات في هذه الآية، إذاً من الأخلاق الإسلامية الرفيعة أن تغير ثيابك في غرفة نومك، وأن ترتج الباب قبل أن تبدأ بذلك، وكذلك الحمام، والغرف التي لها شأن خاص في البيت يجب أن يكون لها إرتاج حتى تنطبق هذه الآية بشكل دقيق.
 والآن لو أن هذا الطفل الصغير دخل إلى غرفة أمه وأبيه في غير هذه الأوقات، وكان الأب متبذلا في ثيابه، فاللوم وحده على من ؟ على الأب، لأن الطفل الصغير في البيت مسموح له أن يطوف على أمه وأبيه في كل وقت، عدا هذه الأوقات الثلاثة، ففي هذه الأوقات لابد من الاستئذان، وفي غير هذه الأوقات يسمح له الطواف، وهذا الذي أرادته الآية الكريمة من الانضباط في الملبس فيما بين أفراد الأسرة الواحدة.

طَوَّافُونَ عَلَيْكُمْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ

 أما قوله تعالى:

﴿طَوَّافُونَ عَلَيْكُمْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾

 بيوتنا عورة، فأنت أيها الأب لك الحق أن تفتح غرفة ابنك من دون استئذان في غير هذه الأوقات، وعندما تكون غرفة الابن معرضة كي تفتح في أي وقت فيما عدا هذه الأوقات، فإن هذا مما يدعو إلى انضباط الابن، فإذا دخلت عليه غرفته في غير هذه الأوقات، فلك الحق أن تدخل عليه أيضا من دون استئذان، كما أن له الحق أن يدخل عليك إذا كان صغيرا من دون استئذان، ولك الحق أن تدخل عليه غرفته من دون استئذان في غير هذه الأوقات، لقوله تعالى:

﴿طَوَّافُونَ عَلَيْكُمْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾

من استنباطات الآية:

1- جواز تخفيف المسلم ثيابه عند النوم:

 شيء آخر ؛ استنبط العلماء من هذه الآية أنه يحق للمرء أن يتخفف من ثيابه عند النوم، وهو ليس مؤاخذا، ولا عاصيا لله عز وجل إذا ترك بعض ثيابه، ونام بثياب خفيفة، وهذا استنباط من هذه الآية.

 

2 – الأحكام الشرعية مبنية على المصلحة:

 وشيء آخر ؛ أحكام الشرع مبنية على المصلحة، والإمام الشافعي رحمه الله تعالى يقول: الله سبحانه وتعالى جعل أحكامه الشرعية معللة بمصالح خلقه، فأي حكم شرعي يعود الخير كله على مطبقه في الدنيا والآخرة "، فإذا طبقت هذه الأوامر فلمصلحتك، ولصالحك، وكأن هذه الأوامر علاجات ربانية لهذه النفوس التائهة.

 

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمْ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ مِنْ قَبْلِ صَلَاةِ الْفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُمْ مِنْ الظَّهِيرَةِ وَمِنْ بَعْدِ صَلَاةِ الْعِشَاءِ ثَلَاثُ عَوْرَاتٍ لَكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلَا عَلَيْهِمْ جُنَاحٌ بَعْدَهُنَّ طَوَّافُونَ عَلَيْكُمْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ الْآيَاتِ﴾

 فهذه آيات تشريعية، وهناك آيات كونية، وآيات في العقيدة، فهذه الآية من ضمن آيات الأحكام.

﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ الْآيَاتِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾

﴿ وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا كَمَا اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آَيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾

وجوب استئذان الطفل البالغ: وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَالُ مِنْكُمْ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا

 هنا الفعل أضيف إلى هؤلاء الأطفال الذين بلغوا الحلم فأصبحوا مكلفين، ومخاطبين، ولم يقل الله عز وجل: وإذا بلغ الأطفال منكم الحلم فليستأذنوكم، بل فليستأذنوا، فنسب هذا الفعل إليهم.

﴿كَمَا اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾

1- أمر الآباء أبناءَهم بالاستئذان:

 وبعض الاستنباطات المأخوذة من هذه الآيات كما أمرنا الله بهذه الأوامر، أمرنا أن نأمر بها أبناءنا، فلو أن الأبناء لم يؤمروا بها، واخترقوها فالمسؤولية وحدها تقع على الآباء، أما إذا أمروا بها، وخالفوها فالمسـؤولية تقع عليهم، ويجب أن ينالوا جزاء عملهم، فلا يعاقب الابن على مخالفته لهذه التعليمات إلا إذا بينت له، ووضحت، وفسرت، وأصبحت واضحة لديه، فإذا خالفها يستوجب العقاب، أما إذا لم يخالفها، ولم تتضح له، وفوجئ الأب بالابن وهو في غرفته، فهو المسؤول، وهو المقصر عن ذلك، والله سبحانه وتعالى يقول:

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا ﴾

(سورة التحريم: الآية6)

 فهذه الآيات المتعلقة بالأهل تنضوي تحت هذه الآية:

﴿قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا﴾

 وبعض العلماء قالوا: " إذا بلغ الصغير عشر سنين كتبت له الحسنات ولا تكتب له السيئات حتى يحتلم "، ومن فضل الله وكرمه أن الصغار إذا فعلوا الحسنات تكتب لهم، وقبل أن يبلغوا الحلم هم معفَون من تسجيل السيئات، والآن هؤلاء الصغار لمجرد أن يبلغوا الحلم انطبقت عليهم آيات الكبار، والكبار لا ينبغي أن يدخلوا على أهليهم إلا باستئذان في كل مرة.

 

2- عدم جواز دخول الابن البالغ على أمه أو أبيه إلا بالاستئذان:

 وهناك حكم آخر ؛ شاب في العشرين من عمره لا ينبغي أن يدخل على أمه وأبيه إلا باستئذان طوال النهار، وهكذا التوجيه النبوي والقرآني، وهناك حديث يوضح هذه القاعدة، فلو أن في بيت الإنسان أختًا كبيرة في السن، أو شابة وهو يرعاها، وينفق عليها فلا ينبغي أن يدخل عليها إلا باستئذان، ففي أوقات ثلاثة هذه للصغار، أما الكبار فحُكمهم:

 

﴿وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَالُ مِنْكُمْ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا كَمَا اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾

وجوب غيرة المسلم على الأعراض:

 ذكرت هذا في آيات الاستئذان، كيف أن أحد أصحاب رسول الله سأل النبي عليه الصلاة والسلام في الدخول على أمه، فعَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَأَلَهُ رَجُلٌ فَقَالَ:

(( يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَسْتَأْذِنُ عَلَى أُمِّي ؟ فَقَالَ: نَعَمْ، قَالَ الرَّجُلُ: إِنِّي مَعَهَا فِي الْبَيْتِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: اسْتَأْذِنْ عَلَيْهَا، فَقَالَ الرَّجُلُ: إِنِّي خَادِمُهَا، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: اسْتَأْذِنْ عَلَيْهَا، أَتُحِبُّ أَنْ تَرَاهَا عُرْيَانَةً ؟ قَالَ: لَا، قَالَ: فَاسْتَأْذِنْ عَلَيْهَا ))

[مالك في الموطأ]

 ورجل آخر من أصحاب النبي سأله في الدخول على أخته قال: استأذن ؟ إذا بلغ الأطفال منكم الحلم فليستأذنوا، لأنه تنطبق عليهم آيات الاستئذان التي مرت من قبل، ففي صحيح البخاري ومسلم حديث نبوي شريف يتصل بهذا الموضوع، فَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ:

 

(( إِنَّ اللَّهَ يَغَارُ، وَغَيْرَةُ اللَّهِ أَنْ يَأْتِيَ الْمُؤْمِنُ مَا حَرَّمَ اللَّهُ ))

 

[البخاري، مسلم]

 فالغيرة من صفات المؤمن والديوث لا يشم رائحة الجنة، فعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:

 

(( ثَلَاثَةٌ قَدْ حَرَّمَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى عَلَيْهِمْ الْجَنَّةَ، مُدْمِنُ الْخَمْرِ، وَالْعَاقُّ، وَالدَّيُّوثُ الَّذِي يُقِرُّ فِي أَهْلِهِ الْخُبْثَ ))

 

[أحمد]

 فهذا المتبذل، وهذا الذي لا يهتم بتغليق الأبواب، وهذا الذي لا ينزعج إذا رئِي على وضع لا يرضي الله، هذا ليس من الإيمان في شيء.
 قال تعالى:

﴿وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَالُ مِنْكُمْ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا كَمَا اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾

 إذًا أصبحت هذه الآية معطلة إذا تجاوز الصغار سن البلوغ.

﴿ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آَيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (59) وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا يَرْجُونَ نِكَاحاً فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ وَأَنْ يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَهُنَّ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (60) لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ آَبَائِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أُمَّهَاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ إِخْوَانِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخَوَاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَعْمَامِكُمْ أَوْ بُيُوتِ عَمَّاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخْوَالِكُمْ أَوْ بُيُوتِ خَالَاتِكُمْ أَوْ مَا مَلَكْتُمْ مَفَاتِحَهُ أَوْ صَدِيقِكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَأْكُلُوا جَمِيعاً أَوْ أَشْتَاتاً فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتاً فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآَيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (61) ﴾

(سورة النور: الآيات 60-61)

 هذه أيضا آيات دقيقة جدا إن شاء الله تعالى نشرحها في الدرس القادم.

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018