الدرس : 20 - سورة النور - تفسير الآيات 55 – 57 - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الدرس : 20 - سورة النور - تفسير الآيات 55 – 57


1989-02-10

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا وزدنا علما، وأرنا الحق حقا، وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلا، وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
 أيها الإخوة المؤمنون... مع الدرس العشرين من سورة النور، وصلنا في الدرس الماضي إلى قوله تعالى:

﴿ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (55) وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآَتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (56) لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَمَأْوَاهُمُ النَّارُ وَلَبِئْسَ الْمَصِيرُ (57) ﴾

تحقُّقُ وعدِ الله: وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ

 أيها الإخوة المؤمنون.

﴿ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ ﴾

 الوعد الإلهي محقق لا محالة، لأن الإنسان إذا وعد الإنسان لم يملك وجوده، فإذا كان موجودا لم يملك ما ينفذ به وعده، وللإنسان طاقات محدودة، وقدرات محدودة، وعلم محدود، وإمكانات محدودة، أو إذا توافر الوفاء وهذا إذا كان الإنسان على مستوى رفيع جداً، ولكن الله جل في علاه إذا وعد وعداً فإنه محقق لا محالة، لقوله تعالى:

﴿ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنْ اللَّهِ ﴾

(سورة التوبة: الآية 111)

 تقولون بعد إقامة الصلاة: إنك لا تخلف الميعاد، والله سبحانه وتعالى يقول:

﴿ وَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ وَعْدَهُ ﴾

(سورة الحج: الآية 47)

 فوعد الله سبحانه وتعالى للمؤمن وعد قطعي محقق، ووعد الله عز وجل واقع لا محالة، ومن هنا قال الله عز وجل:

﴿ أَفَمَنْ وَعَدْنَاهُ وَعْدًا حَسَنًا فَهُوَ لَاقِيهِ كَمَنْ مَتَّعْنَاهُ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ الْمُحْضَرِينَ ﴾

(سورة القصص: الآية 61)

 وإذا وعدك الله عز وجل بالخير، وبالسلامة، والجنة، فإن هذا الشيء واقع لا محالة، ولذلك فالله سبحانه وتعالى يعبر عن تحقق وعده بالفعل الماضي، وقد وعَدَ سبحانه وتعالى العباد أن يرزقهم، وهو القائل في كتابه الكريم:

﴿ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ﴾

(سورة الروم: الآية 40)

 لأن وعد الله واقع لا محالة فهنيئا لمن وعده الله بالخير، والويل لمن متعه الله متاع الحياة الدنيا، وقد أوعده الله جهنم، والنبي عليه الصلاة والسلام حينما دخل عليه عدي بن حاتم، وكان ملكاً فقال: من الرجل ؟ قال: عدي بن حاتم، فرحب به النبي عليه الصلاة والسلام، وأخذه إلى بيته إكراما له، وفي البيت قال له:

((لعله إنما يمنعك من دخول في هذا الدين ما ترى من حاجتهم ! أي ما ترى من فقر المسلمين، وايم الله ليوشكن المال أن يفيض فيهم حتى لا يوجد من يأخذه ))

 لأن الله سبحانه وتعالى وعد المؤمنين أن يستخلفهم في الأرض، وأن يمكن لهم دينهم، قال رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

((وايم الله ليوشكن المال أن يفيض فيهم حتى لا يوجد من يأخذه، ولعله إنما يمنعك من دخول في هذا الدين أنك ترى أن الملك والسلطان في غيرهم، وايم الله ليوشكن أن تسمع بالمرأة البابلية تحج هذا البيت على بعيرها لا تخاف ))

 لأن الله عز وجل.

﴿ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ ﴾

((ولعله إنما يمنعك من دخول في هذا الدين ما ترى من حاجتهم، أو أن الملك والسلطان في غيرهم، وايم الله ليوشكن أن تسمع بالقصور البابلية مفتحة للعرب ))

 ولقد عاش عدي بن حاتم حتى رأى القصور البابلية، وقد فتحها المسلمون، ولقد عاش عدي بن حاتم حتى رأى بعينه أن المرأة تحج البيت على بعيرها لا تخاف، ولقد عاش عدي بن حاتم حتى رأى بعينه كيف أن المال فاض فيهم، وقد ألقيت الغنائم أمام سيدنا عمر، حيث إن أحد المسلمين لا يرى أخاه من الطرف الثاني، ولا يرى رمحه الذي أمسكه، عندئذ شعر سـيدنا عمر ـ هذا الخليفة العظيم ـ أن وعد الله حق، ولذلك حينما يعدك من هو فوقك برتبة واحدة فأنت مجند، وقد وعدك عريف بإجازة، هذا الوعد علاقته بهذه الرتبة، وقيمته من قيمة هذه الرتبة، فلو ارتفعت الرتبة إلى أن وصلت إلى أعلى رتبة، ولو ارتفع المقام إلى أن وصل إلى أعلى مقام، فإن الوعد الأخير يختلف عن الوعد الأول، الوعد قيمته من قيمة الذي يعد، فكيف إذا كان الله سبحانه وتعالى هو الذي يعد ؟!

﴿ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنْ اللَّهِ ﴾

(سورة التوبة: الآية 111)

﴿ وَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ وَعْدَهُ ﴾

(سورةالحج: الآية 47)

 ولذلك حينما قال الله عز وجل:

 

﴿ وَعَدَ اللَّهُ ﴾

 ( الله ) عَلَمٌ على الذات، صاحب الأسماء الحسنى، وصاحب الصفات الفضلى.
 إنّ سيدنا عمر رضي الله عنه عزل سيدنا خالد بن الوليد عن إمارة الجيش، وسيدنا خالد قلق، وخاف أن يكون هذا العزل مبنيا على خطأ ارتكبه، فلما أتى إلى المدينة قال: يا أمير المؤمنين، لم عزلتني ؟ فقال سيدنا عمر: والله إني لأحبك يا أبا سليمان، فأعاد عليه السؤال، ولم عزلتني ؟ قال: والله إني لأحبك، فأعاد عليه السؤال مرة ثالثة، قال: لم عزلتني ؟ عندئذ قال له سيدنا عمر رضي الله عنه: والله ما عزلتك يا ابن الوليد إلا مخافة أن يفتتن الناس بك، لكثرة ما أبليت في سبيل الله، فسيدنا عمر موقن يقينا لا شك فيه أن الله وعد المؤمنين بالنصر، فهذا النصر لابد أن يتم على يد سيدنا خالد، أو على يد غيره، لكنه عزله لئلا يفتتن الناس به، ويظن أن النصر من عند خالد، إن النصر من عند الله، فكأن سيدنا عمر برؤية عميقة أصدر هذا الأمر لينقذ التوحيد، لأن الله عز وجل وعد المؤمنين بالنصر، فأي قائد يقود هذا الجيش لابد أن ينتصر، فلو بدل المسلمون وغيّروا فعندئذ يتخلى الله عنهم، وعندئذ لا تجديهم أية وسيلة يتخذونها للنصر..

 

﴿ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ﴾

(سورة آل عمران: الآية 126)

﴿ إِنْ يَنْصُرْكُمْ اللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ ﴾

(سورة آل عمران: الآية 160)

 هذه الآية تثبت نبوة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، لأن الله سبحانه وتعالى وعد في كتابه الكريم المؤمنين بالنصر، وقد نصرهم، وأعزهم، واستخلفهم، ومكن لهم دينهم، وأبدلهم من بعد خوفهم أمنا، فهذا تنبؤ بالغيب، ولا يعلم الغيب إلا الله، وها قد وقع هذا الغيب، إذًا هذا الكتاب من عند الله.

 

أنواع الغيب في القرآن: غيب الماضي – غيب الحاضر – غيب المستقبل:

 

 وبالمناسبة، الغيب في القرآن على أنواع ثلاثة ؛ غيب الماضي، وغيب الحاضر، وغيب المستقبل، فهذا من غيب المستقبل، وعد الله المؤمنين بالنصر، وبالاستخلاف، وبالتمكين في الأرض، وقد نفذ وعد الله عز وجل، وأصبح رعاة الإبل قادة للأمم، وأصبح هؤلاء الأصحاب الذين كانوا مسـتضعفين في الأرض قادة للأمم والشعوب، تنفيذاً لوعد الله عز وجل، وقد روى الإمام أحمد في مسنده عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

(( بَشِّرْ هَذِهِ الأمَّةَ بِالسَّنَاءِ وَالرِّفْعَةِ وَالنَّصْرِ وَالتَّمْكِينِ فِي الأرْضِ، فَمَنْ عَمِلَ عَمَلَ الآخِرَةِ لِلدُّنْيَا لَمْ يَكُنْ لَهُ فِي الآخِرَةِ نَصِيبٌ ))

[رواه الإمام أحمد]

 وكأن هذه البشارة قد وقعت.

 

معاني وعد الله للمؤمنين: معنى عام ومعنى خاص:

 

 شيء آخر، هو أن هذا الوعد الذي يشمل المؤمنين له معنيان ؛ له معنى عام، ومعنى خاص، له معنى كلي، ومعنى فردي، أو له معنى جماعي، ومعنى فردي، فإذا كان المؤمنون جميعا مؤهلين لنصر الله عز وجل، ولأن يكونوا خلفاءه في الأرض، ولأن يمكن الله لهم دينهم، وعندئذ يتحقق وعده الثابت الذي لن يخلفه أبدا، وبنص هذه الآية الكريمة إذا لم يكن مجموع المؤمنين في المستوى الذي يستحقون هذا التمكين، وإذا لم يكن مجموع المؤمنين في المستوى الذي يستحقون هذا الاستخلاف، عندئذ ينصرف هذا الوعد لآحاد المؤمنين، فأنت أيها المؤمن إذا أهلت نفسك، واستقمت على أمر ربك، ونزهت دخلك، ونزهت سلوكك، عن كل مخالفة أو معصية فلابد أن يعطيك الله شيئا استثنائيا خاصا بك، إذ تتحقق به هذه الآية، فإما أن يكون التنفيذ على مستوى جميع المؤمنين إذا كانوا مؤهلين، وإما أن يكون إنجاز هذا الوعد على مستوى آحاد المؤمنين إن لم يكن المجموع مؤهلا.

وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ

 وشيء آخر:

﴿ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ﴾

 كلمة آمنوا منكم يعني أن هناك إيمانًا يرقى إلى مستوى تحقيق وعد الله، وهناك إيمان آخر لا يرقى إلى هذا المستوى، ولذلك فهو مؤمن، لأن الله عز وجل يقول:

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ ﴾

(سورة الصف: الآية 2)

 الله سبحانه وتعالى خاطبهم بالإيمان، وعاب عليهم أنهم يقولون ما لا يفعلون، فهؤلاء الذين يقولون ما لا يفعلون وصفهم الله عز وجل بأنهم مؤمنون، ومع ذلك فمستوى هذا الإيمان لا يؤهلهم لتحقيق وعد الله عز وجل، فمن هنا جاءت كلمة:

﴿ مِنْكُمْ ﴾

 وهي للتبعيض.
 أيها المؤمنون، إذا تحقق فيكم الإيمان الذي يؤهلكم لأن تكونوا خلفاءه في الأرض فإن وعده محقق، فإن لم تكونوا في المستوى المطلوب فإن هذه الآية لن تتحقق، وهذا شيء دقيق.

 

دائرة المؤمن تضيق بكثرة الأوصاف:

 

 هناك مثل آخر يدعم هذا المعنى ؛ وهو أن الله سبحانه وتعالى حينما قال:

﴿ قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ ﴾

(سورة المؤمنون: الآية 1)

 كلمة ( مؤمنون ) تشمل كل المؤمنين، لكن حينما وصف هؤلاء أنهم في صلاتهم خاشعون، ضاقت الدائرة، ولما زاد الله عز وجل، وقال:

﴿ الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ ﴾

(سورة المؤمنون: الآية 1)

 ضاقت الدائرة أكثر..

 

﴿ وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ ﴾

 

(سورة المؤمنون: الآية 3)

 ضاقت الدائرة..

﴿ وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ ﴾

(سورة المؤمنون: الآية 4)

 ضاقت الدائرة..

﴿ وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ ﴾

(سورة المؤمنون: الآية 5)

 ضاقت الدائرة، فكلما وصف أهل الإيمان بصفات جديدة تضيق دائرة الشمول، إذ ليس كل مؤمن تنطبق عليه هذه الآية، وليست كل جماعة مؤمنة تنطبق عليها هذه الآية، فلابد من مستوى معين من الإيمان حتى تتحقق هذه الآية، فهناك من يتساءل: ألسنا مؤمنين ؟ فيأتي الجواب: بلى، فلماذا لا تحقق هذه الآية ؟ الجواب: إنّ من الإيمان إيمانًا لا يرقى إلى هذا المستوى، ومن الإيمان إيمانًا لا يؤهل صاحبه أن ينطبق عليه هذا الوعد الإلهي الكريم، ولذلك فالوعد الإلهي الذي ينطبق على المؤمنين ينصرف إلى المؤمنين الذين في المستوى المطلوب.

 

ما هو الإيمان الذي يحتاجه المؤمن ؟

 

 وقال بعض علماء التفسير " إن الإيمان الذي يحتاجه المؤمن لتنطبق عليه هذه الآية، أو ليتحقق عليه وعد الله عز وجل، هو إيمان يستغرق نشاطه كله، وهو إيمان يشبه إيمان السابقين، وإيمان المقربين، وإيمان الذين باعوا أنفسهم وأموالهم في سبيل الله، وإيمان الذي دخل الإيمان في كل حجيرة من حجيراتهم، وفي كل خليـة من خلاياهم، والإيمان المطلوب هو أن تكون كل مشاعرك، وكل اتجاهاتك وكل طاقاتك، وكل قدراتك وكل نشاطاتك، وكل إمكاناتك في سبيل الحق، الإيمان المطلوب هو الذي يستغرق النشاط الإنساني كله، الإيمان الذي تتحقق به هذه الآية، أو يتحقق به وعد الله عز وجل هو إيمان من نوع رفيع جداً "، فلذلك من أراد أن تناله هذه الآية، أو من أراد أن يتحقق وعد الله له في هذه الآية، فليرتفع بمستوى إيمانه، وفي الحديث عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: قَالَ رَبُّكُمْ عَزَّ وَجَلَّ:

(( لَوْ أَنَّ عِبَادِي أَطَاعُونِي لأَسْقَيْتُهُمُ الْمَطَرَ بِاللَّيْلِ، وَأَطْلَعْتُ عَلَيْهِمُ الشَّمْسَ بِالنَّهَارِ، وَلَمَا أَسْمَعْتُهُمْ صَوْتَ الرَّعْدِ ))

[أحمد]

 وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

 

(( إِنَّ حُسْنَ الظَّنِّ بِاللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ مِنْ حُسْنِ عِبَادَةِ اللَّهِ ))

 

[أحمد عن أبي هريرة]

 وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

 

(( جَدِّدُوا إِيمَانَكُمْ، قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَكَيْفَ نُجَدِّدُ إِيمَانَنَا ؟ قَالَ: أَكْثِرُوا مِنْ قَوْلِ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ ))

 

[أحمد]

 والله عز وجل يقول:

 

﴿ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ ﴾

 

(سورة الفتح: الآية 4)

 فالإيمان يزيد وينقص، فيبدو أن الإيمان إذا زاد، وزاد حتى بلغ الدرجة التي تؤهل صاحبه لكي يتحقق به وعد الله عز وجل، عندئذ يأتي وعد الله.

 

الإيمان والعمل الصالح مقترنان: آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ

 

 لو أن الله عز وجل قال: وعد الله الذين آمنوا، لكان ذلك لكل مؤمن، ولكن وعد الله الذين آمنوا منكم أيْ: آمنوا من بعضكم، والله سبحانه وتعالى يخاطب في هذه الآية المؤمنين، ويبدو أنه لا يصح الإيمان إلا بالعمل، فالإيمان بلا عمل كالشجر بلا ثمر، ومن هنا عطف الله سبحانه وتعالى على كلمة

﴿ آمَنُوا ﴾

 بقوله:

﴿وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ﴾

 فلا يصح الإيمان إلا بالعمل الصالح، والعمل الصالح اقترن بالإيمان في أكثر من مئتي آية في كتاب الله.

﴿الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ﴾

 وكأن الدين في مجمله عقيدة وعمل، إيمان وعمل، فكر وسلوك، نظر وتطبيق، هذا هو الدين.
 مثلا: لو أردنا أن نعيّن سفيرا في بلد نقول: على طالب الاكتتاب في مسابقة هذه الوظيفة أن يحمل شهادة عليا، وهناك الآلاف يحملون شهادات عليا، في الآداب، وفي الحقوق، وفي العلوم، أصبح الشرط صعباً، إذ لا نجد في 100 ألف إنسان واحداً معه ثلاث شهادات عليا، فلو أضفنا إضافة ثانية، وقلنا: أن يتقن اللغة الإنكليزية والفرنسية والعربية، فكلما زادت الشروط ضاقت دائرة الشمول، فهذا استخلاف في الأرض، والله سبحانه وتعالى في الأساس يقول:

﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً ﴾

(سورة البقرة: الآية 30)

 وفي آية أخرى يخاطب بها أحد الأنبياء الكرام:

﴿ يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعْ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ﴾

(سورة ص: الآية 26)

مِن صورِ ومعاني الاستخلاف: لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الْأَرْضِ

1 – النيابة في إقامة العدل:

 والخليفة عليه أن يخلف الله في حكمه للبشر، فالاستخلاف شيء عظيم جداً:
 أن تنوب عن خالق الكون في الحكم وفق مبادئ العدل والإنصاف، وما إلى ذلك.

﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الْأَرْضِ ﴾

2 – تحقيق الشيء الثمين:

 والاستخلاف ليس معناه بالضرورة أن تكون قادراً على أنْ تفعل ما تشاء، فليس هذا هو الاستخلاف، فأنت حينما تدير دائرة ليس معنى ذلك أنك تملك أن تنفذ أمرك على كل من حولك، بل لابد أن تحقق رسالة، فالاستخلاف من معانيه أن تحقق شيئا ثمينا، أيْ أن تسير بهذه الدائرة إلى الهدف المطلوب، وأن تسير بهذه المدرسة إلى أن تحقق أهدافها.

 

3 – العلم والحكمة والرحمة والعدل:

 الاستخلاف لا يعني القوة وحدها، الاستخلاف هو العلم والحكمة والرحمة والعدل،، فلذلك إذا كان الإنسان مديرَ مدرسة، أو مدير مستشفى، أو كان يرأس عشرة أشخاص فهو مستخلف، فالأب مستخلف في بيته، وليس معنى ذلك أن الأب هو الآمر الناهي فقط، بل يجب أن يكون مع أمره ونهيه حكيما، حتى يكون مستخلفا، ويجب أن يكون مع أمره ونهيه رحيما عالما، حتى يصح استخلافه، وأن يأخذ بيد أفراد هذه الأسرة إلى بر الأمان، وبالسعادة في الدنيا والآخرة.
 إذًا: ليست القوة وحدها تعني الاستخلاف، بل القوة، والرحمة، والعلم، وحمل الرسالة:

 

 

4 – الاستخلاف على مستوى البيت:

 

 فالإنسان مستخلف في بيته على مستوى الأب، والله عز وجل سلمك قياد هذه المرأة، وهؤلاء الأولاد، فأنت إذا كنت كاملا، ودعوتهم إلى الفضيلة، وعلمتهم، وفقّهتهم، وربيتهم التربية الجسمية، والعقلية، والخلقية، فأنت خليفة الله في هذا البيت، فمعنى الاستخلاف دقيق جداً، إذ ليس معنى الاستخلاف أن في الأسرة رجلاً قويًا ! لا، هذا الرجل القوي في الأسرة ليس مستخلفا، ولن يكون مستخلفا إلا إذا كان عالما، ورحيما، وحكيما، وإلا إذا رسم هدفا نبيلا، لن يكون مستخلفا إلا إذا أخذ بيد هذه الأسرة إلى بر الأمان، وإلى السعادة في الدنيا والآخرة، فالاستخلاف في جوهره أن تملك القوة لتحقيق رسالة!
 في الحديث عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:

(( كُلُّكُمْ رَاعٍ، وَكُلُّكُمْ مَسْؤُولٌ، فَالأمِيرُ الَّذِي عَلَى النَّاسِ رَاعٍ وَهُوَ مَسْؤُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ ))

[البخاري، مسلم ]

 والمرأة مستخلَفة في مال زوجها وفي أولادها، ولذلك في الحديث:

 

(( اِنْصَرِفِي أَيَّتُهَا الْمَرْأَةُ، وَأَعْلِمِي مَنْ خَلْفَكِ مِنَ النِّسَاءِ أَنَّ حُسْنَ تَبَعُّلِ إِحْدَاكُنَّ لِزَوْجِهَا تَعْدِلُ ذَلِكَ كُلَّهُ ))

 

[البيهقي في شعب الإيمان عَنْ أَسمَاءَ بِنْتِ يزيد الأنصارية في حديث طويل]

5 – التعمير والإصلاح:

 ومن معاني الاستخلاف التعمير والإصلاح، عمارة الأشياء المادية، وإصلاح النفوس، فيجب أن تعمر الأرض، وأن تزرع، وأن تبنى فيها الأبنية التي يحتاجها الإنسان، فهذه عمارة مادية، ومع التعمير المادي صلاح النفوس، ورقيها، وتربيتها.

6 – العدل والطمأنينة:

 ومن معاني الاستخلاف في الأرض أنْ يقام العدل والطمأنينة وأن يرتفع الإنسان إلى مرتبة الإنسان، لا أن يهبط إلى مستوى الحيوان، فالاستخلاف مهمة كبرى ينيطها الله سبحانه وتعالى بالأنبياء والمرسلين في حياتهم، وبمن ينوب عنهم بعد مماتهم.

﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الْأَرْضِ ﴾

 الأصل أن الله عز وجل حينما خاطب آدم، وقال للملائكة:

﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً ﴾

(سورة البقرة: الآية 30)

 هذا استخلاف، فيجب أن يقيم هذا الخليفة العدل، وأن يرحم الناس، وأن يحقق مصالحهم، سيدنا عمر حينما عيّن والياً قال له: << ماذا تفعل إذا جاءك الناس بسـارق أو ناهب ؟ فقال هذا الوالي: أقطع يده، فأجابه عمر: إذًا، فإن جاءني من رعيتك من هو جائع أو عاطل فسأقطع يدك، إن الله قد استخلفنا عن خلقه لنسدّ جوعتهم، ونستر عورتهم، ونوفّر لهم حرفتهم، فإذا وفّينا لهم ذلك تقاضيناهم شكرها، وإن هذه الأيدي خلقت لتعمل، فإذا لم تجد في الطاعة عملا التمست في المعصية أعمالا، فاشغلها بالطاعة قبل أن تشغلك بالمعصية >>.
 وأن تنتبه لوجودهم في البيت، وأن تنتبه إلى أخلاقهم، وأن تنتبه إلى تربيتهم، فالرعاية الكاملة من معاني الاستخلاف، فليس كل إنسان يملك أن ينفذ أمره على الآخر، وحتى على مستوى الأسرة يعد مستخلفا، فالأب القاسي ليس مستخلفاً، إذ يكون مستخلفا إذا كان رحيماً، وحكيماً، وعالماً، وسعى إلى إصلاح هذه الأسرة، وإلى نقلها من الشقاء إلى السعادة وهكذا..

 

كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ

 

 في كلمة:

﴿الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ ﴾

 يشيع معنى الاستمرار، وكأن هذا قانون إلهي كلما ارتفع الإنسان إلى المستوى المطلوب استخلفه الله عز وجل، وكلما ارتفع إيمان المؤمن إلى المستوى الذي يؤهله أن يكون خليفة الله في الأرض، استخلفه الله في الأرض كما استخلف الذين من قبله، وكأن هذه الآية تشير إلى أن هذه سنة ثابتة من سنن الله عز وجل.

وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمْ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ

 وهو المنهج الإلهي الذي أنزله على النبي صلى الله عليه وسلم، قال تعالى:

﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوْا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنْ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ ﴾

(سورة الحج: الآية 41)

 فالأب في البيت أمره نافذ، وبإمكانه أن يأمر، وأن ينهى، وأن يجبر، وأن يسمح، وأن يمنع، وأن يغضب، وألا يغضب، فهو مستخلف كي يمكن دين الله في هذه الأسرة، فأتبع الله الاستخلاف بقوله تعالى:

﴿وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمْ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ ﴾

 فما قيمة عظمة الدين من دون أن يكون مطبقاً، وممكّناً، وثابتاً، ومسـتقراً ؟ ما قيمة هذا الدين ؟ وأنت إذا قرأت تعليمات دقيقة جدا لآلة، ما قيمة هذه التعليمات إن لم تمكَّن من تنفيذها ؟ فلو أنك أمام آلة معقدة، ومعك تعليمات دقيقة جدا، وإذا طبقت هذه التعليمات أعطت هذه الآلة أفضل مردود، فما قيمة هذه التعليمات إذا جاءك من يمنعك أن تنفذه ؟ فلا بد أن تكون طليق اليد في تنفيذها، حتى تؤتي هذه التعليمات أكلها، ومن هنا جاء قول الله تعالى:

﴿كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمْ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ ﴾

 إذاً: كأن الاستخلاف أن يعطي الله القوة كي يمكّن الدين

﴿الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا ﴾

 وحينما يؤدي الإنسان ما أمره الله به في جو مريح، وحينما لا يخشى في الله لومة لائم، وحينما يرتفع الناس جميعا إلى المستوى المطلوب، وحينما يصلي جميع الناس لا يخاف المصلي، وحينما يؤدي جميع الناس ما عليهم من زكاة، فلا يخشى أن يؤدي الزكاة وحده، حينما يصوم جميع الناس رمضان، لا يخشى صائم رمضان وحده، فمعنى التمكين في الأرض أن يكون هذا الدين ثابتا راسخا مطبقا بكل تفاصيله.

 

وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا

 

 يبدو أن الخوف لابد منه، لأن فيه امتحانًا، يمتحن الله سبحانه وتعالى المؤمن بأن يخيفه من عدوه، فإذا ثبت، وأصر على إيمانه، ولم تهزه هذه الفتن عندئذ يستحق التمكين، ولذل قيل لسيدنا الشافعي: أندعو الله بالتمكين أم بالابتلاء ؟ قال رضي الله عنه: " لن تمكن قبل أن تبتلى "، وهذا القول دقيق جداً.
 ومن البلاء أن تخاف، قال الله عز وجل:

﴿ وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ (155) الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (156) أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ (157) ﴾

(سورة البقرة: الآيات 155-157)

 سيدنا موسى..

﴿فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفًا يَتَرَقَّبُ ﴾

(سورة القصص: الآية 21)

 أحيانا يبتلى الإنسان بأنه يخاف، فيمتحن الله بهذا الخوف إيمانه ؛ هل ينقص عن عقيدته ؟ وهل يرتد عن دينه ؟ هل يبتعد عن طاعته لله عز وجل ؟ وهل يسقط في هذا الدرب، أم يبقى ثابت الجأش، واضح الهدف، ثابت القدم ؟

﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمْ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا ﴾

أَطِعْ تُمَكَّن، واستقِمْ تُستَخْلَف:

 بشكل أو بآخر، كأن هذا عقد بين الله سبحانه وتعالى خالق العباد، وبين العباد أنفسهم، فعلى الله سبحانه وتعالى أن يستخلف هؤلاء في الأرض، كما استخلف الذين من قبلهم، وأن يمكن لهم دينهم الذي ارتضى لهم، ويبدلهم من بعد خوفهم أمنا.
 أما على الفريق الثاني ؛ وهم العباد فعليهم أن يعبدوه، ولا يشركوا به شيئا، فلو أن الفريق الثاني أخلّ بما عليه، فالفريق الأول في حِلٍّ من وعوده الثلاثة.
 وشيء ثان: أن الله سبحانه وتعالى أضاف الدين إلى الناس.. فقال سبحانه:

﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ ﴾

(سورة المائدة: الآية 3)

وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمْ

 إضافة الدين إلى الناس، كما قال بعض علماء التفسير هي إضافة تشريف، فربنا سبحانه وتعالى شرفنا بأن أضاف هذا الدين إلينا.

من شروط التمكين:

الشرط الأول: العبادة الصحيحة: يَعْبُدْونَنِي

 الحقيقة أن تعبده هو ثمن الاستخلاف، وأن تعبده ثمن تمكين دينك في الأرض، وأن تعبده ثمن الطمأنينة التي تطمح إليها، من أجل أن تكون مستخلفا، وأن يكون دينك ثابتا، وأن تكون مطمئنا فلا بد أن تعبده، والعبادة أن تنصاع إليه في كل أوامره ونواهيه، فهذا الذي يطيع الله في كل شيء ؛ في علاقته بنفسـه، وفي علاقته بربه، وبالإنسان، ومع غير الإنسان، هذا الانصياع التام لتنفيذ أوامر الله عز وجل هو العبادة، لكن هذه العبادة لا تصح إلا إذا سبقتها معرفة يقينية، ولذلك فمعرفة الله أولاً، اعرف الله، ثم اعبده، وما الدين في حقيقته إلا معرفة وعبادة.

﴿أَنْ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ ﴾

(سورة المؤمنون: الآية 32)

﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ ﴾

(سورة الكهف: الآية 110)

 ويأتي في القرآن في أماكن عديدة:

﴿أَنْ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ ﴾

 العبادة هي الطاعة، ومعرفة الله هي الإيمان.

 

الشرط الثاني: عدم الإشراك: لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا

 لكن ربنا سبحانه وتعالى يقول:

 

﴿يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا ﴾

 فكلمة شيء هي أنكر النكرات، فهي أي شيء مهما صغر، فإنه شيء، ومهما كبر فإنه شيء.
 إذا:

﴿لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا ﴾

الشرك والعبادة الخالصة ضدّان لا يلتقيان:

 ما الذي يتناقض مع العبادة ؟ الشرك، فمَن عبد غير الله فقد أشرك بالله ؟ ومن خاف من غير الله، ومن أرضى غير الله، ومن أحب غير الله، ومن مال إلى غير الله، ومن سعى إلى غير الله، ومن اطمأن إلى غير الله، ومن اتكل على غير الله، هذا كله شرك، فأي شرك مهما كان صغيرا ينقض العبادة، ولذلك كلما أمرنا ربنا عز وجل بالعبادة ينهانا عن الشرك، ليؤكد لنا أن الشرك مهما كان صغيرا فإنه ينقض العبادة قال عزوجل:

﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا ﴾

( النساء: من الآية36 )

وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْفَاسِقُونَ

 الذي يكفر، وينحرف عندئذ لا يستحق الاستخلاف والتمكين في الأرض، ولا شيئاً من هذا القبيل.

وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ

 ثم قال تعالى:

﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ﴾

 إنّ طاعة النبي عليه الصلاة والسلام هي طاعة الله عز وجل عينها، لقول الله عز وجل:

﴿وَمَا آتَاكُمْ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا ﴾

(سورة الحشر: الآية 7)

﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ﴾

 أين الصيام ؟ وأين الحج ؟ قال بعض العلماء " إقامة الصلاة أداء لحق الله، وإيتاء الزكاة أداء لحق العباد "، فكأن الدين فيه شيئان أساسيان ؛ أداء لحق الله، وأداء لحق العباد،

﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ ﴾

 وفي آية أخرى في سورة مريم:

﴿وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا ﴾

(سورة مريم: الآية 31)

 وكثيرا ما تأتي الصلاة مع الزكاة، وكأنها إشارة إلى أن الصلاة تمثل العبادات، وأن الزكاة تمثل المعاملات، وهناك حقوق لله عليك يجب أن تؤدى، وهناك حقوق للعباد عليك يجب أن تؤدى..

 

لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ

 

 هذه الآية لها علاقة وشيجة بالآية السابقة:

﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمْ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا ﴾

 فقد يأتي على المؤمن خاطر: كيف يستخلفني الله في الأرض، وعدوي قوي مكين ؟ وكيف يستخلفني الله في الأرض، وأنا لا قِبَل لي بعدوي ؟ حينما فتح المسلمون بلاد قيصر وكسرى، وهما قوتان كبيرتان في ذلك الوقت، وهما يشبهان إلى حد كبير القوتين الكبيرتين في العالم اليوم، فكيف بفئة قليلة مستضعفة في أرض الحجاز تستطيع أن تفتح هاتين الدولتين العظيمتين الراسختين القويتين ؟ وقد يأتي هذا الوعد مغايرا لما ألفه الناس، وربما لا يصدق الناس وعد الله عز وجل، قال رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

((يا عدي بن حاتم، لعلك إنما يمنعك من دخول هذا الدين ما ترى من حاجتهم ؟ وايم الله ليوشكن المال أن يفيض فيهم، حتى لا يوجد من يأخذه، ولعله إنما يمنعك من دخول في هذا الدين أنك ترى أن الملك والسلطان في غيرهم ؟ وايم الله، ليوشكن أن ترى القصور البابلية مفتحة للعرب المسلمين))

 فربما لا يصدق الإنسان أن فئة مؤمنة لا تزيد على ألفين أو ثلاثة من المؤمنين الصادقين مع النبي عليه الصلاة والسلام، هذه الفئة سوف تكتسح الشرق والغرب، ولذلك طمأن ربنا عز وجل المؤمنين فقال:

﴿لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ ﴾

 إنهم باقون بأمر الله، فلو أن مشيئة الله عز وجل شاءت أن يضعفوا لضعفوا.

﴿لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَمَأْوَاهُمْ النَّارُ وَلَبِئْسَ الْمَصِيرُ ﴾

 إن الأب قوي بحسب الأعراف الاجتماعية، وبيده السلطة، وبإمكانه أن يطلق زوجته، وبإمكانه أن يضرب أولاده ضربا قاسيا، وأن يرحمهم بإمكانه، وأن يعطي واحداً دون الآخر، وأن يعدل بينهم، فحينما يكون الأب مستخلفا، فهذا شيء، وحينما يكون الأب مبتلى، فهنا شيء آخر، فمن كان أبا، وآتاه الله قوة، ولم يحقق العدل بين أفراد أسرته، ولم ينتقل بأفراد الأسرة إلى السعادة في الدنيا والآخرة فليس مستخلفا، ولكنه مبتلى، أيْ ممتحن، فإذا أدى الامتحان على الوجه المطلوب صار مستخلفا، فالاستخلاف شيء، والابتلاء شيء آخر، وهذا المعنى يشبهه معنى آخر ؛ وهو أن المال ليس نعمة إلا إذا أنفقته في طاعة الله، بل هو ابتلاء، والزوجة قبل أن تقودها إلى الإيمان ابتلاء، فقد تبتلى بها، وقد تفتتن بها، أما إذا أخذت بيدها إلى الله عز وجل فعندها تصبح نعمة، فالقوة، والمال، والعلم، هذه الأشياء تكون تارة نعمة، وتكون تارة ابتلاء، فالأب في بيته لا يسمى مستخلفا إلا إذا حقق رسالة الدين في أفراد أسرته، وعندئذ تنطبق عليه الآية الكريمة:

﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الْأَرْضِ ﴾

 من أجل أن يمكن الله بهم دينه، فإذا مكن الله بهم دينه كانت الطمأنينة محل الخوف، ففي هذه الآيات الاستخلاف يتسع، ويتسع فيشمل الأمة، ويضيق، ويضيق فيشمل الأسـرة، وكل واحد منا مستخلف، فالمعلم في صفه مستخلف، وهؤلاء أطفال وضعهم الله بين يديك، فما معنى أنك مستخلف ؟ أيْ أن الله جعلك نائبا عنه في معاملتهم، هل تضربهم، أم ترحمهم ؟ إذا أردتم رحمتي فارحموا خلقي، فالإنسان مستخلف في عمله، أنت معلم جعلك الله خليفته على هؤلاء الصغار، وأنت طبيب جعلك الله خليفته على هؤلاء المرضى، وأنت موظف جعلك الله خليفته على هؤلاء المراجعين، فهل تنصف بينهم ؟ وهل ترحمهم، أم تضع العراقيل في وجوههم، فالاستخلاف شيء مخيف جدا، فكل إنسان في عمله مستخلف، أيْ ممتحن، فإذا كان يملك قوة في عمله كرئيس دائرة، عنده خمسة موظفين، وبإمكانه أن يؤذي واحداً منهم، وأن ينفع واحداً، فهو مبتلى إن لم يعدل بينهم، ومستخلف إن عدل بينهم، فصار الاستخلاف ليس معناه أن تكون قويا، بل أن تستخدم هذه القوة في إحقاق الحق، وفي تمكين دين الله، وفي إقامة الصلاة، وأداء الزكاة، وفي رفع الإنسان إلى المستوى الرفيع الذي خلق من أجله، هذا هو الاستخلاف، فلا يظن الإنسان نفسه معفى من الاستخلاف ؛ فالأب مستخلف، والابن مستخلف مع إخوته الصغار، فقد يموت الأب، ويُخلّف خمسة أولاد، أحدهم كبير، فهذا الكبير مستخلف، فهل يأخذ المال كله له ؟ أم يعطي إخوته بالعدل والدقة ؟ وهل يقسو عليهم، أم يرحمهم ؟ فالأخ مستخلف، والموظف مستخلف، والطبيب مستخلف، والمحامي مستخلف مع موكليه، والمعلم مستخلف، والمهندس مستخلف، فهذا البناء هل أعطيته حقه ؟ وهل أنصفت ؟ فالقوة إن لم ترافقها الحكمة، والرحمة، والعدل تصبح بلاء، وليست استخلافاً..

 

التطبيق العملي لآية الاستخلاف:

 

 وعلى كلٍّ، فهذه الآية لها تطبيق عملي، وهو أن تعرف ما لك، وما عليك، وأن تؤدي حق الله، وحق العباد، لتنجو من العذاب، فمثلا يقال: فلان مسؤول، فما معنى مسؤول ؟ هل يخفى على الإنسان معنى مسؤول ؟ الله سيحاسـبك، وفلان مسؤول بهذه الجهة، وبهذه الدائرة، وبهذه المستشفى، فهذا الطبيب مسـؤول عن التخدير، فإذا كلف واحداً أقلّ منه، ووقع حادث، فالله يُحاسبه، فكثير من حالات الوفاة تأتي من عدم استخدام القواعد الدقيقة في التخدير، فيموت المريض، وهذا المسؤول عن التخدير يحسب نفسه موظفاً كبيراُ بالتخدير، لا ! فالله سيحاسبك عن كل مريض، وهل أحسنت القيام بواجبه ؟ فكلمة مسؤول تعني أنك مسؤول على مستوى موقعك، أنت معلم ابتدائي مسؤول، لماذا ضربت هذا الطفل الصغير من دون تحقيق ؟ وهذا الطفل اشتكى لك، فضربت الاثنين معا، وأنت غاضب، وأنت مسؤول، فكلمة مسؤول مخيفة، وليست سهلة.
 فلذلك الآية الكريمة اليوم:

﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (55) وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآَتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (56) لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَمَأْوَاهُمُ النَّارُ وَلَبِئْسَ الْمَصِيرُ (57) ﴾

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018