الدرس : 19 - سورة النور - تفسير الآيات 47 – 54 - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الدرس : 19 - سورة النور - تفسير الآيات 47 – 54


1989-02-03

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا وزدنا علما، وأرنا الحق حقا، وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلا، وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
 أيها الإخوة المؤمنون... مع الدرس التاسع عشر من سورة النور، وصلنا في الدرس الماضي إلى قوله تعالى:

﴿ وَيَقُولُونَ آَمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ﴾

صفات المنافقين في القرآن الكريم:

الصفة الأولى: يقولون بألسنتهم ما ليس في قلوبهم:

 ربنا سبحانه وتعالى بعد أن حدثنا عن المؤمنين، وكيف أن نور الله في قلوبهم، وبعد أن حدثنا عن الكفار، وكيف أنهم في ظلمات بعضها فوق بعض، انتقل بنا إلى صنف ثالث، ليس هو من المؤمنين، ولا هو من الكفار، إنهم المنافقون، فقوله تعالى:

 

﴿وَيَقُولُونَ﴾

 أيْ هناك صنف ثالث لم ينور الله قلوبهم، ولم يجحدوا آيات ربهم، إنهم بين بينَ.

 

﴿مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لَا إِلَى هَؤُلَاءِ وَلَا إِلَى هَؤُلَاءِ﴾

[النساء: من الآية 143]

 هؤلاء ما صفاتهم ؟ وما مواقفهم ؟ وما أقوالهم ؟ فلماذا يصف لنا ربنا سبحانه وتعالى المنافقين ؟ الحقيقة هذا الوصف الدقيق كي لا نكون مثلهم، ومن تلبس بإحدى هذه الصفات فعليه أن يتخلى عنها، وأن يعالج نفسه منها، فالإنسان المستمع أحد رجلين ؛ إما أن تكون هذه الصفات، أو إحداها منطبقة عليه، فعليه أن يطهر نفسه منها، وأن يجتهد في طريق الإيمان، وإما ألا تكون منطبقة عليه، فليحذر أن تنطبق عليه، وليشكر ربه عز وجل الذي طهره من صفات أهل النفاق، هؤلاء المنافقون ما صفاتهم ؟ فما من المؤمنين مؤمن إلا ويخشى أن يكون منافقاً، وقد قَالَ ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ: << أَدْرَكْتُ ثَلَاثِينَ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كُلُّهُمْ يَخَافُ النِّفَاقَ عَلَى نَفْسِهِ، مَا مِنْهُمْ أَحَدٌ يَقُولُ: إِنَّهُ عَلَى إِيمَانِ جِبْرِيلَ وَمِيكَائِيلَ >>.

 

[البخاري(بَاب خَوْفِ الْمُؤْمِنِ مِنْ أَنْ يَحْبَطَ عَمَلُهُ وَهُوَ لَا يَشْعُرُ)]

 فعلامة المؤمن الصادق أنه يخشى النفاق على نفسه، وأخوف ما يخافه المؤمن أن يكون منافقاً، وأخوف ما يخافه المؤمن ألا يكون مخلصا، أو أن يرد عمله، أو أن يكون في المستوى غير المرضي عنه، ولذلك فربنا سبحانه وتعالى في مجموعة آيات آتية يصف لنا صفات المنافقين، هؤلاء المنافقون يقولون - ونعوذ بالله من قولهم -.

 

 

الصفة الثانية: ادِّعاء الإيمان بالله وطاعة الرسول:

 

﴿وَيَقُولُونَ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا﴾

 الحقيقة: لك أن تقول ما تشـاء، قل: أنا معي المبلغ الفلاني، أن تقول: معي هذا المبلغ شيء، وأن يكون معك هذا المبلغ شيء آخر، أن تقول: أنا أعمل كذا وكذا شيء، وأن تكون في هذا العمل حقيقة فشيء آخر، وأن تقول: أنا أملك كذا وكيت شيء، وأن تملك هذا الذي تدعيه شيء آخر، ولذلك فالإنسان له أن يقول ما يشاء، والله سبحانه وتعالى متكفل أن يحجمه، وأن يضعه في مكانه الصحيح، وأن يحيطه بظرف صعب ينكشف على حقيقته، ولهذا يقول الله سبحانه وتعالى:

﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ﴾

(سورة العنكبوت: الآية2)

 هؤلاء المنافقون قالوا:

﴿آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا﴾

 وصرحوا علانية، وعلى مرأى من الناس، وملؤوا الناس ضجيجا، وقالوا: نحن مؤمنون بالله، وبالرسول، وأطعنا، فأن تقول شيئا لست في مستواه هذا نوع من النفاق، وأن تعطي نفسك حجما أكبر من حجمك الحقيقي فهذا نوع من النفاق، وهؤلاء المنافقون ادعوا أنهم آمنوا بالله وبالرسول، وأطاعوا النبي عليه الصلاة والسلام.
 عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَجُلٌ يَا رَسُولَ اللَّهِ:

 

(( إِنَّ فُلَانَةَ يُذْكَرُ مِنْ كَثْرَةِ صَلَاتِهَا وَصِيَامِهَا وَصَدَقَتِهَا، غَيْرَ أَنَّهَا تُؤْذِي جِيرَانَهَا بِلِسَانِهَا، قَالَ: هِيَ فِي النَّارِ، قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَإِنَّ فُلَانَةَ يُذْكَرُ مِنْ قِلَّةِ صِيَامِهَا وَصَدَقَتِهَا وَصَلَاتِهَا وَإِنَّهَا تَصَدَّقُ بِالْأَثْوَارِ مِنْ الْأَقِطِ، وَلَا تُؤْذِي جِيرَانَهَا بِلِسَانِهَا، قَالَ: هِيَ فِي الْجَنَّةِ ))

 

[أحمد]

 هي تذكر هذا على حد قولها، وهي تدعي، وهي تزعم أنها تكثر من صلاتها، وصيامها، وصدقتها، فقال عليه الصلاة والسلام:

 

(( هِيَ فِي النَّارِ ))

 فأن تقول: أنا مؤمن، وأنا إيماني كبير، وأنا إيماني، وعالٍ، وأطيع، وأفعل، هذا كلام بكلام، لا قيمة له إطلاقا عند الله، فأنت لك عند الله مرتبة، لا يرفعها ادعاؤك أنك مؤمن كبير، ولا يخفضها ذم الناس لك، هذه حقيقة يجب أن تكون ماثلة بين أيديكم، وكل منا له عند الله درجة.

 

﴿وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا﴾

(سورة الأنعام: الآية132)

 ولا يرفع هذه الدرجة مدح المادحين، ولا يخفضها ذم الذامين، فهؤلاء المنافقون يزعمون، ويدعون، ويتبجحون، ويقررون، ويصرحون أنهم آمنوا بالله، وبالرسول، وبأنهم أطاعوا، ووضعوا عند المحك في ظرف صعب في الامتحان، فسيقت لهم الفتنة، أي الامتحان.

﴿ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ﴾

الصفة الثالثة: التولي والإعراض:

 يتولى أيْ: يعرض، يعرضون عن طاعة الله، و يعرضون عن طاعة الرسول، وعن العمل الصالح، ولا يطبقون، ولا ينضبطون، ولا يلتزمون.
 ولذلك لا يقيَّم الإنسانُ من أقواله، بل يقيَّم من أفعاله، وقد يدعي ما يشاء، وقد يتزين للناس بما يحبون، ومن هنا جاء الدعاء الذي أثر عن بعض العلماء: << اللهم إني أعوذ بك أن أتزين للناس بشيء يشينني عندك، وأعوذ بك أن يكون أحد أسعد بما علمتني مني، وأعوذ بك أن أقول قولا فيه رضاك ألتمس به أحداً سواك، وأعوذ بك أن أكون عبرة لأحد من خلقك >>.

 

[مصنف ابن أبي شيبة من قول مطرف بن الشخير]

 

العبرة بالقول الصحيح والعمل الصالح:

 وأريد أن أقف عند هذه الآية في موضوع دقيق، قل عن نفسك ما شئت، ادعِ ما شئت، لك عند الله حجم حقيقي، وهذا الحجم الحقيقي مرتبط بعملك، لا بقولك.

﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾

[فاطر من الآية10]

 يصعد إلى الله عز وجل يصعد وحده إلى الله عز وجل، ولكن الذي يرفعك عند الله عز وجل هو العمل الصالح..

﴿وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾

(سورة فاطر: الآية10)

 الكلم الطيب يصعد وحده، لكن الذي يرفعك إلى الله، ولكن الذي يعلي مقامك عند الله، والذي يجعلك في مقعد صدق عند مليك مقتدر، هو عملك، من هنا قال الله عز وجل:

﴿ فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (92) عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ (93)﴾

(سورة الحجر: الآيات 92-93)

﴿ وَالْعَصْرِ (1) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (2) إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ (3) ﴾

(سورة العصر: الآيات 1-3)

 والعمل الصالح اقترن بالإيمان بالله في أكثر من مائتي آية وقد قيل: الإيمان بلا عمل كالشجر بلا ثمر، وقيل: تعلموا ما شئتم، فوالله حتى تعملوا بما علمتم، فهؤلاء المنافقون يتبجحون، ويزعمون، ويقولون: إننا آمنا بالله، وبالرسول، وأطعنا، فإذا وضعوا على المحك، ووضعوا في التجربة، فإذا هم يتولون، ويعرضون، ويستنكفون، وتأتي أفعالهم مناقضة لأقوالهم، تأتي مواقفهم مباينة لادعاءاتهم، وكلامهم في واد، وأفعالهم في واد آخر.
 ولهذا لما قال رجل عند سيدنا عمر: أنا أعرفه قال: هل سافرت معه ؟ قال: لا، قال: هل جاورته ؟ قال: لا، قال: هل حككته بالدرهم والدينار ؟ قال: لا، قال: أنت لا تعرفه، لعلك رأيته يصلي في المسجد، إنك لا تعرفه.

﴿وَيَقُولُونَ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ﴾

 يتولون

﴿مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ﴾

 وحينما تولوا، وحينما اعرضوا، وعصوا، وقصروا، وتخلفوا، ولم يبذلوا، ولم يقدموا دمغهم ربنا سبحانه وتعالى بالوصف الثابت.

نفي القرآن الإيمانَ عن المنافقين:

﴿وَمَا أُوْلَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ﴾

 هذا الذي يدعي، ولا يفعل يزعم، ولا يطبق، ويتبجح، ولا ينفذ، هذا ليس مؤمنا، فمن صفات المنافق أن له حجما كبيرا، فإذا دققت في حياته الخاصة، فحجمه في واد، وأفعاله اليومية في واد، وهذا الذي جاءت به هذه الآية لتحذرنا أن نكون من هؤلاء المنافقين، والحقيقة الإنسان لا يتبجح، ولا يتكلم بأكثر مما هو عليه، لأن هذا نوع من التبجح والفخر، وليست هاتان الصفتان من صفات المؤمنين، والآن مع ظاهرة في المنافقين خطيرة، قال سبحانه:

﴿ وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ﴾

 فلو أن هذا المنافق دعي إلى رسول الله، ليكون حكماً في موضوع خلافي مع إنسان، إنه لا يريد.

 

سبب نزول هذه الآية:

 

 وقد ورد في أسباب نزول هذه الآية ما قاله الطبري وغيره: إن رجلا من المنافقين اسمه بشر، كانت بينه وبين رجل من اليهود خصومة في أرض، فدعاه اليهودي إلى التحاكم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان المنافق مبطلا، فأبى من ذلك، وقال: إن محمدا يحيف علينا، فلنحكّم كعب بن الأشرف، فنزلت الآية فيه، فهذا الذي يدعي أنه مؤمن، وفي الحقيقة هو منافق، وقعت له خصومة مع يهودي، وكان المنافق مبطلا، دعاه اليهودي إلى النبي عليه الصلاة والسلام ليحكم بينهما فأبى المنافق إلا أن يحتكم إلى كعب بن الأشرف لأنه يعلم أن النبي سيحق الحق بكلماته، وهو مبطل.

الصفة الرابعة من صفات المنافقين: عدم التحاكم إلى الشرع:

 إذاً: المنافق إذا دعي إلى كتاب الله، وإذا دعي إلى الشرع، وإذا دعي إلى محكم مؤمن يقضي بالحق، فإنه يرفض، ويبحث عن شيء وضعي يضمن له اغتصابه، ويبحث عن شـيء وضعي يغطي له عدوانه، ويقره على انحرافه، ولذلك إذا رفض الإنسان أن يلبي دعوة محكم يحكم بما أنزل الله عز وجل من كتاب، وبما جاء به النبي من سنة رفض هذا التحكيم، وهذا نوع من النفاق لأنه يعلم أن هذا الذي سوف يحكم بينه وبين خصمه سوف يحكم بما أنزل الله، وهو مبطل تضيع عليه هذه الأرض، وهذا المحل، وعندئذ يحتكم إلى جهات أخرى غير شرعية لتغطي له عدوانه، واغتصابه، وما هو عليه من انحراف.

﴿وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾

 أي دعوا إلى تحكيم كتاب الله.

﴿وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ﴾

 أي دعوا إلى تحكيم ما جاء به النبي عليه الصلاة والسلام ليحكم بينه.

﴿إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ﴾

 هذه الآية دقيقة جداً.
 فلو أننا في عهد النبي عليه الصلاة والسلام، ودعي اثنان من المؤمنين، أو اثنان من المنافقين، أو منافق ومؤمن، أو مؤمن وذمي، وما شاكل ذلك، إذا دعي اثنان إلى النبي عليه الصلاة والسلام ليحكم بينهما في حياته، ماذا قال الله عز وجل ؟ قال:

﴿وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ﴾

 أي حينما تدعى إلى رسول الله فحكم النبي عليه الصلاة والسلام هو حكم الله عينه، يستنبط من هذه الآية، إذا دعيت إلى النبي عليه الصلاة والسلام في حياته، فاستجابتك لتحكيم النبي وحكمه هي عين استجابتك لله.
 وهناك آية أخرى تؤكد هذا المعنى حينما قال الله سبحانه:

﴿وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ﴾

(سورة التوبة: الآية 62)

 لم يقل الله عز وجل: والله ورسوله أحق أن يرضوهما، بل قال:

﴿وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ﴾

 فإرضاء رسول الله هو إرضاء الله عينه، وإرضاء الله عز وجل هو إرضاء رسول الله عينه، والنبي عليه الصلاة والسلام إذا أطعته فكأنما أطعت الله، وإذا أحببته فإن حبك له هو حبك لله عينه، وإذا تقربت إليه فتقربك إليه هو في الوقت نفسه تقرب إلى الله عز وجل، لكن العلماء يستنبطون من هذه الآية أحكاما كثيرة، وهذه الآية ليست خاصة بحياة رسول الله، إنها خاصة بحياته، وتشمل مرحلة ما بعد موته، إذا دعيت أنت وخصمك إلى أن يحكم بينكما وفق كتاب الله، فكأنما دعيت إلى الله ليحكم بينكما، وإذا دعيت إلى قاض، أو إلى محكم يحكم بكتاب الله وبسنة رسول الله فاستجابتك لهذه الدعوة كأنها استجابة للنبي عليه الصلاة والسلام، يقول الله عز وجل:

﴿وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ﴾

 قد يكون الحكم آية في كتاب الله، وقد يكون الحكم حديثا عن رسول الله، فالذي يحكم المحكم الذي يقضي بين الناس، وإذا اعتمد في قضائه كتاب الله عز وجل وسنة رسوله فدعوتك إليه هي دعوة إلى الله ورسوله، واستجابتك لحكمه استجابة إلى حكم الله ورسوله، ولذلك قالوا: إن كل من يكون في منصب القضاء في المجتمع الإسلامي، ويحكم بين الناس بالكتاب والسنة، فإن الدعوة لحضور محكمته هي الدعوة لحضور محكمة الله ورسوله عينها، والذي يأبى حضورها فإنه يأبى حضور محكمة رسول الله، وعندئذ لا يستحق العقوبة فحسب، بل يستحق أن يحكم عليه لخصمه في حال غيابه، والآن القضاء يأخذ بهذا، يعني إذا دعيت لتحاكم أمام قاض يحكم بشرع الله وبسنة رسوله فلو أنك تخلفت عن هذه الدعوة فإن القاضي يصدر حكما غيابياً يقضي لخصمك عليك، لأن التخلّف عن حضور حكم الله عز وجل وحكم رسوله هو تخلف عن حضور حكومة رسول الله صلى الله عليه وسلم، والشرط أن يكون الحكم بما أنزل الله عز وجل، وما جاء به النبي عليه الصلاة والسلام، وهذا يتضح في المحاكم الشرعية أكثر ما يتضح لأن المحاكم الشرعية تحكم بالشرع الإسلامي.
 وشيء آخر ؛ وإذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم إذا فريق منهم معرضون:

﴿ وَإِنْ يَكُنْ لَهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ ﴾

الصفة الخامسة من صفات المنافقين: خضوعهم للحق إذا كان لصالحهم:

 وأحياناً يكون أحد الخصمين محقاً، وهو منافق، ولذلك يحتكم إلى النبي عليه الصلاة والسلام، وفي كل زمان يكون لإنسان منافق حق في قضية مع إنسان، فهذا الإنسان يصر على تحكيم العالم الفلاني، والشيخ الفلاني، لأنه يعلم علم اليقين أن هذا سيحكم له ـ شيء جميل ـ وإذا كان هذا سيحكم له أقر بحكمه، فإن لم يكن يحكم له كما يعتقد أعرض عن حكمه، إذاً هو يتبع هواه، ومن أضل ممن اتبع هواه إذا كان الحكم سيتحقق لمصلحة هذا الإنسان على يد حاكم يحكم بغير ما أنزل الله، فإنه يحتكم إليه، ويصر عليه، فإذا كان الحق الذي له عند خصمه يتحقق بأن يحتكم إلى عالم، أو إلى شيخ، أو إلى محكم يحكم بكتاب الله، وسنة رسوله عندئذ يسارع إليه، وهذه علامة النفاق، والآن الناس في خلافاتهم إذا كانت القضية تحل وفق الشرع، فلذلك يصرون على تحكيم الشريعة الإسلامية، أخي هذا حكم شرع الله عز وجل، وأنا لا يعنيني القضاء، أنا أصر على أن يكون فلان الفلاني هو الحكم، فإذا كان الشرع لا يغطيهم، بل إن بعض القوانين الوضعية تغطي أعمالهم، فيصرون على أن يحتكموا إلى القوانين الوضعية، وهذا التأرجح، وهذا التقلب من حكم شرعي إلى حكم غير شرعي، بحسب المصلحة، وبحسب ما يتراءى لهذا المنافق من قنص لهذا الشيء، هذا الموقف موقف المنافقين، وربنا سبحانه وتعالى يستفهم، وهذا الاستفهام من أجل التأكيد:

﴿ أَفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَمِ ارْتَابُوا أَمْ يَخَافُونَ أَنْ يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ بَلْ أُولَئِكَ هُمَ الظَّالِمُونَ﴾

الصفة السادسة: كثرة الشك ومرض القلب:

 فهؤلاء انتماؤهم إلى المسلمين انتماء شكلي، وإنهم قد انتموا إلى المسلمين لتحقيق مصالحهم، وهم في الأساس ليسوا مؤمنين أصلا، وكأن الله سبحانه وتعالى نفى عنهم الإيمان، وبين أن انتماءهم إلى المجتمع الإسلامي انتماء مصلحي، فالمنافق في الأصل ليس مؤمناً، ولكنه ينتمي إلى المجتمع المسلم بغية تحقيق مصالحه.

﴿أَفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾

 أحيانا يكون الإنسان على درجة عالية من الذكاء، ويرى أن مصالحه تتحقق في هذا المجتمع الإسلامي، فيتظاهر بالإيمان، ويقيم شعائر الإسلام، وله مظهر مقبول، لكنه إذا وقعت له خصومة مع بعض المسلمين فإنه يتأرجح بين القوانين الوضعية وبين الشريعة الإسلامية، أيهما تحقق مصالحه يحتكم إليها هذا الموقف، ويسمى الوصولي، إذاً يريد أن يصل إلى هذا الشيء بالحق أو بالباطل، فإذا كانت الشريعة الإسلامية تحقق له هذا الشيء احتكم إليها، وإن كانت القوانين الوضعية تحقق له هذا الشيء احتكم إليها، وهذا التأرجح من صفات المنافقين، والله سبحانه وتعالى يقول:

﴿أَفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾

 هؤلاء ليسوا مؤمنين، وإن انتماءهم إلى المجتمع الإسلامي انتماء شكلي ومصلحي، هم في واد، والمسلمون في واد.

﴿أَمْ ارْتَابُوا﴾

 ارتابوا بأحقية هذا الدين، وأحقية هذا الشرع، وأحقية هذا القرآن، ارتابوا بحكم النبي العدنان، أيعقل أن يحيف عليهم النبي عليه الصلاة والسلام.

 

الصفة السابعة: خوفهم من ظلم القرآن إياهم:

 

﴿ يَخَافُونَ أَنْ يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ﴾

 أيعقل أن يكون في القرآن الكريم أحكام ظالمة ؟ أيعقل أن يصدر عن النبي عليه الصلاة والسلام أحكام جائرة ؟ أهذا يليق بالنبي، وهو المثل الأعلى ؟ أيليق بكتاب الله الذي أنزله الله سبحانه وتعالى على نبيه محمد ؟ أيعقل أن يكون هذا الكتاب غير منصف للناس ؟

 

الصفة السابعة: ظلمُهم لأنفسهم:

 

﴿ أَفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَمْ ارْتَابُوا أَمْ يَخَافُونَ أَنْ يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ بَلْ أُوْلَئِكَ هُمْ الظَّالِمُونَ﴾

 أي ظالمون لأنفسهم بعدم إيمانهم اليقيني، وظالمون للناس حينما غشوهم، فظن الناس أنهم مؤمنون، وظالمون لخصومهم الذين تعاملوا معهم على أنهم مؤمنون، وهم ليسوا كذلك، فقد ظلموا ثلاث مرات ؛ ظلموا أنفسهم مرة، وظلموا الطرف الثاني مرة، وظلموا المجتمع الإسلامي بانتمائهم الشكلي إليهم مرة ثالثة.
 وشيء آخر ؛ ظلم نفسه بعدم إيمانه بهذا الدين الحنيف، وظلم نفسه حينما لم يوقن بأحقية الرسالة، والنبوة، والقرآن الكريم، وظلم نفسه حينما ظن أن الله عز وجل يمكن أن يحيف عليه، فربنا عز وجل قال:

﴿بَلْ أُوْلَئِكَ هُمْ الظَّالِمُونَ﴾

مِن صفات المؤمنين:

 أما المؤمنون فأين مواقفهم المثالية ؟..

﴿ إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾

السمع والطاعة في الاحتكام للشرع:

 من علامة إيمان المؤمن: أنه إذا دعي إلى كتاب الله سارع عن طيب خاطر، سمعا وطاعة، يا رب حباً وكرامة، وإذا دعي إلى سنة رسول الله سارع إلى قبولها، أو إلى محكِّم يقيم شرع الله، وسنة رسوله سارع إلى قبول أحكامه، أو إلى قاض شرعي يحكم في قضية شرعية سارع إلى قبول أحكامه، لأنه:

﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمْ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾

(سورة الأحزاب: الآية 36)

 هذا قضاء الله، وقضاء الله عز وجل بعد موت النبي عليه الصلاة والسلام هو ما في كتاب الله، وقضاء النبي ما في السنة المطهرة.

﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمْ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾

 وقال سبحانه:

﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ﴾

 اليهود قالوا: سمعنا وعصينا، وربما وقع بعض المسلمين في آخر الزمان في أمراض مشابهة لأمراض اليهود، وحينما يقولون: سمعنا وعصينا فالحق معروف، والحق مسموع، والحق مشاهد، فما بال المسلمين لا يطبقون.

 

مقياس الفوز في القرآن الكريم: الطاعة والخشية والتقوى:

 

 الله سبحانه وتعالى يبين أن الفوز ليس بنيل هذه الأرض، ولا باغتصاب هذه الدكان، ولا بأخذ هذه الأموال، فالفوز، والفلاح، والنجاح بطاعة الله ورسوله، ولذلك يقول:

﴿وَمَنْ يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا ﴾

 خالق الكون ذو العزة، والجلال يؤكد لنا أنه

﴿مَنْ يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾

 ويقول سبحانه:

﴿وَمَنْ يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقِيهِ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْفَائِزُونَ﴾

 بعضهم قال: هذه الآية من أجمع الآيات:

﴿وَمَنْ يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ﴾

 يطيع الله في أوامره التي افترضها علينا، ويطيع رسوله في سنته التي جاء بها، ويخشى الله فيما سلف منه من أعمال، ويتقيه فيما بقي من أجله من أيام، يخشاه لما مضى، ويتقيه لما سيأتي، وأطاع الله في القرآن، وأطاع النبي في السنة المطهرة، فأولئك هم الفائزون، إذًا يجب أن تأخذ دينك من هذين الأصلين الكبيرين من أصول الدين ؛ كتاب الله، وسنة رسوله، وأن تخشى الله عما سلف منك من أعمال، وأن تتقي الله فيما بقي لك من أيام، وإذا فعلت هذا وذاك فقد كنت من الفائزين بنص هذه الآية الكريمة:

﴿وَمَنْ يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقِيهِ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْفَائِزُونَ﴾

 ومن لم يكن له ورع يصده عن معصية الله إذا خلا، لم يعبأ الله بشيء من عمله.

﴿ وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ أَمَرْتَهُمْ لَيَخْرُجُنَّ قُلْ لَا تُقْسِمُوا طَاعَةٌ مَعْرُوفَةٌ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾

معنى: لاَ تُقْسِمُوا طَاعَةٌ مَعْرُوفَةٌ:

المعنى الأول: خطاب المؤمنين

 طاعتكم طاعة معروفة.

المعنى الثاني: معيار الطاعة الصدق والإخلاص

 وهناك معنى آخر لهذه الآية ؛ أن الطاعة لله معروفة طاعة صادقة قلباً وقالباً، والطاعة المعروفة عند المؤمنين طاعة حقيقة لا رياء فيها، ولا نفاق بها، طاعة معروفة ؛ انصياع لله ورسوله، وتطبيق أمثل لما جاء به القرآن، فهذه الآية تحتمل معنيين:
 المعنى الأول: يخاطب الله المنافقين ؛ أن طاعتكم طاعة معروفة، أيْ كذبكم مكشوف، ولذلك قالوا: تستطيع أن تخدع الناس بعض الوقت، ولك أن تخدع بعض الناس كل الوقت، أما أن تخدع كل الناس طول الوقت فهذا مستحيل، والإنسان مكشوف أمام نفسه، فطاعة معروفة، هذه الطاعة الظاهرية التي تخفي معصية باطنية إنها عند الله مكشوفة.

﴿إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾

 أي مكايدكم راجعة عليكم، والله سبحانه وتعالى يقول:

﴿وَكَفَى بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا﴾

(سورة الإسراء: الآية17)

إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ:

 فهذا العمل ماذا يكمن وراءه من نيات ؟ ماذا تبتغون منه ؟ ولماذا تفعلون هذا العمل ظاهرا ؟ ولماذا تفعلون عكسه سرا ؟ طبيعة أعمالكم، وما رافقها من نيات وأهداف، وما لابسها من ظروف إنها عند الله معروفة.

﴿لاَ تُقْسِمُوا طَاعَةٌ مَعْرُوفَةٌ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾

 ثم يقول الله عز وجل:

﴿ قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾

وجوب طاعة الله ورسوله:

 أطيعوا الله بتنفيذ الأوامر في كتابه، وأطيعوا الرسول بما جاء به من السنة المطهرة، ولذلك إن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين:

﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمْ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾

(سورة آل عمران: الآية31)

 فطاعة النبي واجبة بنص القرآن الكريم:

﴿وَمَا آتَاكُمْ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾

(سورة الحشر: الآية7)

على النبي التبليغ فقط:

 إن تولَّ الناس عن طاعة الله، وإن تولى الناس عن طاعة الرسول فإن عليه ما حمل، وعليكم ما حملتم، هو حمل هذه الرسالة، وقد بلغها للناس، وانتهى الأمر، فالمصاب عائد عليكم، وموقف النبي عليه الصلاة والسلام هنا:

﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾

(سورة البقرة: الآية 272)

 كما قال الله عز وجل:

﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾

(سورة القصص: الآية56)

 وقال:

﴿ فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ (21) لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُسَيْطِرٍ (22) ﴾

(سورة الغاشية: الآيات21-22)

 وقال:

﴿وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ﴾

(سورة الأنعام: الآية107)

 فربنا عز وجل طمأن النبي ؛ أنه حين يبلّغ هذه الرسالة تنتهي مهمته، وأنت حينما تقف عند حجرته الشريفة، تقول: أشهد أنك بلغت الرسالة وأديت الأمانة، ونصحت الأمة، وكشفت الغمة، وجاهدت في الله حق الجهاد، فالنبي عليه ما حمل، حمل هذه الرسالة، وقد أداها خير أداء، وانتهى الأمر، وبقيت المشكلة على هؤلاء الذين حملوا هذه الرسالة، فلم يحملوها، كما قال الله عز وجل:

﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا﴾

(سورة الجمعة: الآية5)

معنى: فَإِنْ تَوَلَّوا فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ

 فأنتم مكلفون بمعرفة ما في هذا القرآن، ومعرفة ما جاء به النبي العدنان، فالنبي بلغكم كتاب الله، وبلغكم سنته المطهرة، وانتهى الأمر، ورفعت عنه المسؤولية، ونال رضاء الله عز وجل، أما أنتم فحينما تسمعون كلام الله، أو تسمعون سنة رسول الله، فأنتم مسؤولون عن هذا السماع، ماذا فعلتم ؟ لذلك فعَنْ أَبِي بَرْزَةَ الأسْلَمِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

(( لا تَزُولُ قَدَمَا عَبْدٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَتَّى يُسْأَلَ عَنْ عُمُرِهِ فِيمَ أَفْنَاهُ ؟ وَعَنْ عِلْمِهِ مَا فَعَلَ بِهِ ؟ وَعَنْ مَالِهِ مِنْ أَيْنَ اكْتَسَبَهُ ؟ وَفِيمَ أَنْفَقَهُ ؟ وَعَنْ جِسْمِهِ فِيمَ أَبْلاهُ ؟ ))

[الترمذي ]

 سمعت في الدرس الفلاني كذا وكذا، وفي اللقاء الفلاني كذا وكذا، وفي الخطبة الفلانية كذا وكذا، وقرأت في القرآن الآية الفلانية، وقرأت في كتاب الأحاديث الحديث الشريف التالي، فماذا فعلت ؟ وما موقفك من هذا الحديث هل قبلته ؟ وهل عظمته ؟ وهل طبقته ؟ وهل خالفته ؟ وهل اعتقدت أنه حديث لا يتناسب مع هذا الزمان ؟ لك موقف.
 ولذلك:

 

(( لا تَزُولُ قَدَمَا عَبْدٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَتَّى يُسْأَلَ عَنْ عُمُرِهِ فِيمَ أَفْنَاهُ ؟ وَعَنْ عِلْمِهِ مَا فَعَلَ بِهِ ؟ وَعَنْ مَالِهِ مِنْ أَيْنَ اكْتَسَبَهُ ؟ وَفِيمَ أَنْفَقَهُ ؟ وَعَنْ جِسْمِهِ فِيمَ أَبْلاهُ ؟ ))

 هذا معنى:

 

﴿فَإِنْ تَوَلَّوا فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ﴾

 حمل هذه الرسالة، فبلغها أحسن تبليغ، وحملتم أنتم هذه الرسالة، ماذا فعلتم بها ؟ وماذا أخذتم ؟ وماذا تركتم ؟ لم تركتم هذا الذي جاءكم من عند رسول الله ؟

﴿وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا﴾

الهداية نتيجة للطاعة: وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا

 هذه الآية دقيقة جداً، فلا يسمى الإنسان مهتديا إذا عرف الحق، وقرأ كتاباً، واطلع على مؤلفات، قرأ كتاباً في العقيدة فتنورت أفكاره، وعرف الحق، وحتى هذه اللحظة لا يسمى مهتديا، لا يسمى مهتديا إلا إذا عمل بما علم، أخذًا من هذه الآية:

﴿وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا﴾

 لا يسمى الرجل مهتديا إلا إذا أطاع الله عز وجل.

 

وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ

 

 وفي الحديث:

(( فَرُبَّ مُبَلَّغٍ أَوْعَى مِنْ سَامِعٍ ))

[البخاري، الترمذي، النسائي]

 وما على النبي عليه الصلاة والسلام إلا البلاغ المبين، وحينما يبلغ الناس يبلغهم ما جاء عن الله عز وجل، وما أوحى الله إليه من شرح لهذا الكتاب، ثم تنتهي مهمته، وتبدأ مهمتنا نحن، فما دمنا على قيد الحياة محاسبين عما عملنا من كتاب الله وسنة رسوله.
 وفي الدرس القادم إن شاء الله تعالى نبدأ بتفسير قوله تعالى:

﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمْ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْفَاسِقُونَ﴾

(سورة النور: الآية55)

 هذه الآية تبث الطمأنينة في قلوب المؤمنين، فكل من آمن بالله عز وجل لابد أن يناله وعد الله عز وجل.

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018