الدرس : 16 - سورة النور - تفسير الآيات 36 – 39 - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الدرس : 16 - سورة النور - تفسير الآيات 36 – 39


1989-01-13

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علما، وأرنا الحق حقا، وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلا وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
 أيها الإخوة المؤمنون، مع الدرس السادس عشر من سورة النور، وصلنا في الدرس الماضي إلى قوله تعالى:

﴿ فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآَصَالِ (36) رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْماً تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ (37) لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ (38) ﴾

(سورة النور)

فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ

 أيها الإخوة الأكارم، في الدرس الماضي توضح لكم من قول الله عز وجل:

﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ﴾

 معنى ترفع أي تبنى، وتعظم، وقد أوردت في الدرس الماضي أحاديث كثيرة عن فضل ارتياد المساجد، وعن آداب المسلم في المسجد، وهذا كله يغطيه قول الله عز وجل:

﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ﴾

 ومعنى ترفع أي تبنى، وتعظم.

﴿وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾

(سورة الحج: الآية32)

 

من معاني: فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ

المعنى الأول: البناء والتعظيم:

 يضيف المفسرون إلى هذه الكلمة معنىً ثالثاً:

﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ﴾

 أن تبنى، وأذن الله أن ترفع أن تعظم.

 

المعنى الثاني: رفع الحاجات إلى الله:

 

 وأذن الله أن ترفع أي أن ترفع فيها الحاجات إلى رب الأرض والسماوات، فما من إنسان على وجه الأرض إلا وله حوائج كثيرة، قد يطرق باب زيد، أو عبيد، أو فلان، أو علان، الإنسان من طبعه الشح، والعلاقات بين الناس قائمة على المشاححة، لكن الإنسان إذا توجه إلى الله سبحانه وتعالى، توجه إليه في المسجد، وطلب منه حوائجه، هناك حوائج تعينه على أمر الآخرة، فلو طلب المؤمن من ربه وهو في المسجد أن يرزقه رزقا حلالا طيبا، فهذا طلب معقول، والله سبحانه وتعالى يقول:

﴿وَقَالَ رَبُّكُمْ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾

(سورة غافر: الآية60)

 وفي الحديث عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

 

(( مَنْ لَمْ يَدْعُ اللَّهَ سُبْحَانَهُ غَضِبَ عَلَيْهِ ))

 

[ابن ماجه]

 وفي رواية الترمذي عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

 

((مَنْ لَمْ يَسْأَلْ اللَّهَ يَغْضَبْ عَلَيْهِ ))

 

[الترمذي]

 وعَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

 

(( إِنَّ اللَّهَ يُحِبُ الْمُلِحِّينَ فِي الدُّعَاءِ ))

 

[القضاعي في مسنده]

 وعَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

 

(( لِيَسْأَلْ أَحَدُكُمْ رَبَّهُ حَاجَتَهُ كُلَّهَا حَتَّى يَسْأَلَ شِسْعَ نَعْلِهِ إِذَا انْقَطَعَ ))

 

[ابن حبان]

 فالإنسان المؤمن له باب لا يغلق، وهو باب الله عز وجل، المؤمن شرفه القيام بالليل، وعزَّه استغناؤه عن الناس، والنبي عليه الصلاة والسلام يقول:

(( اُطْلُبُوا الْحَوَائِجَ بِعِزَّةِ الأَنْفُسِ فَإِنَّ الأُمُورَ تَجْرِي بِالْمَقَادِيرِ ))

[فيض القدير]

﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ﴾

 هو سمح لك أن ترفع إليه حاجاتك في بيته، أنت في بيته، وإليه ترفع الحاجات، فما من شاب، وما من رجل، وما من شابة، وما من امرأة لها عند الله حاجة، وعليها أن ترفعها إلى الله عز وجل، فَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:

 

(( إِذَا مَضَى شَطْرُ اللَّيْلِ أَوْ ثُلُثَاهُ يَنْزِلُ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا فَيَقُولُ: هَلْ مِنْ سَائِلٍ يُعْطَى ؟ هَلْ مِنْ دَاعٍ يُسْتَجَابُ لَهُ ؟ هَلْ مِنْ مُسْتَغْفِرٍ يُغْفَرُ لَهُ ؟ حَتَّى يَنْفَجِرَ الصُّبْحُ ))

 

[البخاري، مسلم، واللفظ له، الترمذي، أبو داود، النسائي]

 ولفظ البخاري:

 

(( يَنْزِلُ رَبُّنَا تَبَارَكَ وَتَعَالَى كُلَّ لَيْلَةٍ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا حِينَ يَبْقَى ثُلُثُ اللَّيْلِ الْآخِرُ، فَيَقُولُ: مَنْ يَدْعُونِي فَأَسْتَجِيبَ لَهُ ؟ مَنْ يَسْأَلُنِي فَأُعْطِيَهُ ؟ مَنْ يَسْتَغْفِرُنِي فَأَغْفِرَ لَهُ ؟ ))

 إذاً ارفع إلى الله حاجاتك، لكن الله سبحانه وتعالى لا يسمع دعاء الداعي إلا بشروط، فالله سبحانه وتعالى يقول:

 

﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ﴾

(سورة البقرة: الآية186)

 في أكثر من عشر آيات في القرآن الكريم تأتي الصيغة على الشكل التالي:

﴿يَسْأَلُونَكَ عَنْ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ﴾

(سورة البقرة: الآية219)

﴿وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلْ الْعَفْوَ﴾

(سورة البقرة: الآية219)

﴿يَسْأَلُونَكَ عَنْ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ﴾

(سورة البقرة: الآية189)

 في أكثر من عشرة مواضع يأتي قوله تعالى على شكل يسألونك، فتأتي كلمة قل بين السؤال والجواب، إلا في آية واحدة في كتاب الله ليس لها مثيل:

﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ﴾

 أي من دون وسيط.

﴿أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِي إِذَا دَعَانِي﴾

 الإنسان أحيانا يدعو الله عز وجل، وقلبه معلق بزيد أو عبيد، يدعو الله عز وجل وهو معتمد على فلان، يدعو الله عز وجل وهو متوكل على ماله، أو على جاهه، أو على أصدقائه، فلذلك ربنا عز وجل يقول:

﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِي إِذَا دَعَانِي﴾

 إذا دعوت الله حقا فالله سبحانه وتعالى يستجيب لك، وربنا عز وجل أعظم من أن تدعوه مخلصا فلا يستجيب لك، لذلك أي أخ كريم له حاجة ملحة له فليدع الله عز وجل مخلصا.

﴿أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِي إِذَا دَعَانِي فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي﴾

 استجب لأمر الله أولا، وسوف تجد كيف أن الله يجيب دعاءك.

﴿فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾

 إلى الدعاء الصحيح.
 آمن بالله أولاً، واستجب لأمره ثانياً، ثم ادعه ثالثاً، وسوف ترى كيف أن الدعاء يتحقق، وأن الله سبحانه وتعالى ما خلق لك هذه الحاجة إلا من أجل أن تدعوه، فإذا دعوته، واستجاب لك عرفت أن لك رباً لا ينساك، وأنه سميع الدعاء، وأنه قريب مجيب.
 لذلك المعنى الثالث من معاني:

﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ﴾

 أي أن ترفع فيها حاجات المصلين، اسجد لله عز وجل، واطلب من الله الهدى، اطلب من الله الرزق الحلال، اطلب من الله الذي ترجوه.

﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ﴾

 الإذن: العلم، ورفع الحظر، لكن الله عز وجل لم يقل: أمر الله أن ترفع، بل قال: أذن الله أن ترفع، وثمة فرق كبير بين أذن الله أن ترفع، وبين أمر الله أن ترفع، تقول: أمر الناس بدفع ما عليهم من تكاليف للخزينة، وقد أذن لهم أن يستوردوا، لمَ أذن لهم أن يستوردوا، ولمَ أمروا أن يدفعوا ما عليهم من تكاليف ؟ لأن الشيء الذي سمح لهم محبب إليهم، وهم راغبون فيه، فالله سبحانه وتعالى جعل كلمة أذن بمعنى أن هذا الذي ورد بعد الإذن شيء محبب للناس، لذلك أذن الله أن ترفع، ويذكر فيها اسمه، أما أن يذكر فيها اسمه فيعني أن تذكر أسماؤه الحسنى أن يذكر فيها اسمه، اسمه الرحيم أن يذكر فيها، اسمه العليم، اسمه القدير، اسمه اللطيف، اسمه الغني، اسمه السميع، اسمه المجيب، وفي الحديث عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:

 

(( إِنَّ لِلَّهِ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ اسْمًا مِائَةً إِلَّا وَاحِدًا مَنْ أَحْصَاهَا دَخَلَ الْجَنَّةَ ))

 

[البخاري، مسلم]

 وهذا لا يعني مَن عدّها، ولكن من تحقق بها، لا يكفي أن تؤمن بالله عز وجل خالقاً فإبليس قال:

﴿قَالَ رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾

(سورة الحجر: الآية39)

 إن إبليس يعتقد أن له ربا، لكنك لن تستكمل الإيمان حتى تؤمن بالله خالقاً، وبالله مربياً، وبالله مسيراً، وأن تؤمن بأسمائه الحسنى، وبصفاته الفضلى، فاسأل نفسك هذا السؤال: ماذا أعرف عن اسم الله الرحيم ؟ كيف تواجه خبر البلد الذي مات من العطش، وهذا البلد الذي مات من الجوع، وهذا الزلزال الذي ضرب البلاد الفلانية، وهذا البركان الذي دمر هذه المنطقة الفلانية ؟ هل عندك جواب ؟ وهل عندك يقين برحمة الله عز وجل على الرغم من هذه الأخبار ؟ كيف توفق بين رحمة الله عز وجل، وما يجري بالحياة من مصائب ؟ يجب أن تقف موقفا واضحا، ويجب أن تتحقق من اسم الله الرحيم، ويجب أن تتحقق منه.

 

معنى: وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ

 

 إذاً:

﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ﴾

المعنى الأول: معرفة الله تعالى:

 ليس بيت الله من أجل أن تصلي فقط، من أجل أن تصلي، ومن أجل أن تعرف الله عز وجل، فكأن هذه الآية تشير إلى أن الوظيفة الأولى لبيوت الله ؛ أن تعلم الناس كل شيء عن الله عز وجل، وأن تعلم الناس شيئا كثيراً عن أسماء الله الحسنى، وصفاته الفضلى، فالقصد الأول التعليم، والقصد الأول التعريف، القصد الأول أن تذكر الله بأسمائه كلها، وأسماء الله كلها حسنى، وصفاته كلها فضلى، لذلك هناك إلحاد في الذات، وإلحاد في الأسماء، فمن أيقن بوجود الله، وشك في رحمته فهو ملحد بشكل أو بآخر، ملحد في بعض أسمائه، ولن تستكمل الإيمان إلا إذا عرفت الله بأسمائه الحسنى كلها.
 لذلك:

﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ﴾

المعنى الثاني: الصلاة:

 يذكر فيها اسمه، وبعضهم قال: الصلاة، لقول الله عز وجل:

﴿ وَأَقِمْ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾

(سورة طه: الآية14)

 ولقول الله عز وجل:

﴿وَأَقِمْ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنْ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾

(سورة العنكبوت: الآية45)

 أي ذكر الله أكبر ما في الصلاة، وربنا سبحانه وتعالى أشار إلى أن جوهر الصلاة، وسر الصلاة في ذكر الله عز وجل:

﴿وَأَقِمْ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾

﴿كَلَّا لَا تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ﴾

 الصلاة قرب، ولو يعلم المصلي من يناجي ما التفت، والصلاة مناجاة.

﴿ قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (1) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ (2) ﴾

(سورة المؤمنون: الآيات 1-2)

 الصلاة خشوع، الصلاة ذكر، الصلاة قرب، الصلاة عروج إلى الله عز وجل، الصلاة معراج المؤمن.
الصلاة نور، فعَنْ أَبِي مَالِكٍ الأَشْعَرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

(( الطُّهُورُ شَطْرُ الإِيمَانِ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ تَمْلأ الْمِيزَانَ، وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ تَمْلأَنِ، أَوْ تَمْلأ مَا بَيْنَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ، وَالصَّلاةُ نُورٌ ))

[مسلم(223)]

 الصلاة راحة وسعادة، فعَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ قَالَ: قَالَ رَجُلٌ، قَالَ مِسْعَرٌ: أُرَاهُ مِنْ خُزَاعَةَ: لَيْتَنِي صَلَّيْتُ فَاسْتَرَحْتُ فَكَأَنَّهُمْ عَابُوا عَلَيْهِ ذَلِكَ، فَقَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: يَقُولُ:

 

(( يَا بِلالُ أَقِمِ الصّلاةَ، أَرِحْنَا بِهَا ))

 

[أبو داود]

 الصلاة وعي، قال تعالى:

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾

(سورة النساء: الآية43)

 الصلاة عقل: ليس للمرء من صلاته إلا ما عقل منها.
 لذلك يقول بعض المفسرين:

﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ﴾

 أي يصلى فيها.
 والأولى أن نجمع بين المعنيين، فإنما أنشأت بيوت الله عز وجل ليصلى فيها، أي ليتصل العباد بربهم، وليتعلموا شيئا عن ربهم، وأحكام دينهم، فهو اتصال وتعلم.

﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ ﴾

معنى: يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا

 وبعضهم يقول: كل تسبيح في القرآن صلاة، لأنك إذا سبحت الله فقد مجدته، ونزهته، فإذا وقفت في الصلاة قلت:

﴿ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (2) الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (3) مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (4) إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (5) ﴾

 ثم تركع، فتقول: سبحان ربي العظيم، ثم تسجد، فتقول: سبحان ربي الأعلى، وهذا الذي ناجى ربه فقال: يا رب، حينما قال الله عز وجل:

﴿اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى*فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾

(سورة طه: الآيات 43-44)

 قيل: يا رب، إذا كانت هذه رحمتك بمن قال: أنا ربكم الأعلى، فكيف رحمتك بمن قال: سبحان ربي الأعلى ؟ وإذا كانت هذه رحمتك بمن قال: ما أعلم لكم من إله غيري، فكيف رحمتك بمن قال: لا إله إلا الله ؟ لو يعلم المعرضون حبي لهم، وانتظاري إليهم، وشوقي إلى ترك معاصيهم لتقطعت أوصالهم من حبي، ولماتوا شوقا إلي، يا داود هذه إرادتي بالمعرضين، فكيف إرادتي بالمقبلين، أهل ذكري أهل مودتي، أهل شكري أهل زيادتي، أهل معصيتي لا أقنطهم من رحمتي، إن تابوا فأنا حبيبهم، وإن لم يتوبوا فأنا طبيبهم، أبتليهم بالمصائب لأطهرهم من الذنوب والمعايب، فلذلك بعضهم قال: كل تسبيح ورد في القرآن الكريم يعني الصلاة.
 إذاً:

﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا﴾

 أي يصلي له يسبح له فيها بالغدو والآصال، غدا أي خرج قبل الشمس، وراح عاد إلى بيته بعد الغروب، فالغدو هو الذهاب، والرواح هو المجيء، والمقصود أن هؤلاء الرجال الذين يذكرون الله عز وجل، ويذكرون أسماءه الحسنى، وصفاته الفضلى، ويتعلمون شيئا عن كمالاته، ويتعلمون أوامره، ويتصلون به في بيوت الله، هؤلاء يفعلون ذلك كل يوم، وكل صباح ومساء، بل إن بعض المفسرين قال: هذا ينطبق على الصلوات المفروضات، لأن الغدو يعني به صلاة الصبح، والآصال يعني صلاة الظهر، والعصر، والمغرب، والعشاء، أو صلاة العصر وحدها، وقد كان قبل فرض الصلوات الخمس أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام يصلون قبل الشمس، وفي وقت العصر، على كل يسبح له فيها بالغدو والآصال أي يتصل هؤلاء الرجال صباحا ومساء، وكل يوم، وهذا يرجح أن تكون كلمة يسبح يعني يصلي، والقرينة بالغدو والآصال، لذلك ورد في بعض الأحاديث القدسية:

 

(( ابن آدم، لا تعجز عن ركعتين قبل الشمس أكفك النهار كله ))

 

[ ورد في الأثر ]

 أنت في هذا النهار في حفظ الله، وفي توفيق الله، وفي رعاية الله، والله يدافع عنك، ويتولى شأنك كله، هم في مساجدهم، والله في حوائجهم، هم في صلاتهم، والله من ورائهم، كن لي كما أريد أكن لك كما تريد، كن لي كما أريد، ولا تعلمني بما يصلحك، أنا أعلم، وأعرف ما يصلحك، أنت تريد، وأنا أريد، فإذا سلمت لي فيما أريد كفيتك ما تريد، وإن لم تسلم لي فيما أريد أتعبتك فيما تريد، ثم لا يكون إلا ما أريد، فعَنْ بُرَيْدَةَ الْأَسْلَمِيِّ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:

 

(( بَشِّرْ الْمَشَّائِينَ فِي الظُّلَمِ إِلَى الْمَسَاجِدِ بِالنُّورِ التَّامِّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ))

 

[الترمذي، أبو داود، ابن ماجه]

معنى كلمة رجال إذا وردت في القرآن:

 وأما فاعل يسبح فهو رجال.

﴿يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ﴾

 ومرة ثانية: كلمة رجال في القرآن الكريم لا تعني الذكران، فإن الله سبحانه وتعالى خلق الإنسان ذكرًا وأنثى، فكلمة رجل في القرآن الكريم لا تعني أنه ذكر، تعني أنه بطل، وهذا يؤكده قول سعد بن أبي وقاص: << ثلاثة أنا فيهن رجل ؛ وفيما سوى ذلك فأنا واحد من الناس: ما صليت صلاة فشغلت نفسي بغيرها حتى أقضيها - هذه بطولة - ولا سمعت حديثا من رسول الله إلا علمت أنه حق من الله تعالى، ولا سرت في جنازة فحدثت نفسي بغير ما تقول حتى أنصرف منها>>.
 إذاً: رجال أيْ أبطال، يؤكد هذا ما في سورة الأحزاب:

﴿مِنْ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾

[سورة الأحزاب: الآية23]

مقياس القرآن للرجولة:

 يجب أن يكون الإنسان رجلاً كما أراد الله عز وجل، ويجب أن ترقى في المقاييس التي وضعها الله في القرآن، لا أن ترقى في المقاييس التي تواضع الناس عليها، فإن الناس يعظمون أصحاب الأموال، ويعظمون الأقوياء، ويعظمون أصحاب الدرجات العليا في العلم، ولو كانوا كفارا، هذه مقاييس تواضع الناس عليها، ولكنك إذا كنت بطلاً ترتفع في المقياس الذي وضعه الله في القرآن الكريم، قال:

﴿وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا﴾

[سورة الأنعام: الآية132]

 المقياس الوحيد الذي ورد في القرآن الكريم، والذي أشار إلى مرجح وحيد يمكن أن يكون مقياساً بين الناس هو العلم، العلم بالله لقول الله عز وجل:

﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُوا الْأَلْبَابِ﴾

[سورة الزمر: الآية9]

 وقد قال الإمام الغزالي رحمه الله تعالى " حيثما وردت كلمة العلم في الكتاب والسنة فإنما تعني العلم بالله لأنك إذا عرفت الله عرفت كل شيء، وإذا فاتك فاتكَ كل شيء "... رجال.... الحياة تمضي، وكل الذي تستمتع به في الدنيا يمضي، وينتهي عند الموت، ولكن الأعمال التي ترضي الله تسعدك إلى الأبد، فوازن بين كل أعمالك، فالعمل الذي يمتد أثره بعد الموت احرص عليه، والعمل الذي يمتد أثره بعد الموت هذا العمل الذي هو يسعدك إلى الأبد، وأي عمل مهما علا شأنه إذا كان ينتهي عند القبر فهذا العمل خسارة في خسارة، إلا أن يبتغى به وجه الله تعالى، لذلك يقول الله عز وجل:

﴿ قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالاً (103) الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً (104) ﴾

[سورة الكهف: الآيات 103-104]

 قد تخطئ خطأً كبيراً عندما تنطلق في علاقاتك في حركتك اليومية من أفكار ليست صحيحة، والعلماء قالوا: العلاقات العلمية تعني أن تقوم علاقة بين شيئين مقطوع بصحتها يؤكدها الواقع، عليها دليل، فإذا أردت أن تنطلق في كل حركة من حركاتك اليومية من هذه المقولة، أو من هذه القاعدة، فإنك لابد أن تصل إلى السعادة في الدنيا والآخرة لو لم يكن هذه المقولة، أو هذه الفكرة، أو هذه القاعدة، لو لم تكن مطابقة للواقع، فهذا الجهل بعينه لو لم يكن عليها دليل، فهذا التقليل بعينه لو لم يكن مقطوعًا بصحتها فهو الشك، أو هو الظن، أو هو غلبة الظن، فالله سبحانه وتعالى يقول:

 

﴿رِجَالٌ﴾

 وربنا عز وجل إذا أردت أن تعرف مقامك فانظر فيما استعملك، فيجب أن تعلم، أو يجب أن تسعى لإرضاء الله عز وجل، إن كلمة رضي الله عنهم، ورضوا عنه لهي أعلى مرتبة ينالها مخلوق في الكون، رضي الله عنك، فرضي الله عن أصحاب رسول الله، هذه صيغة فعل ماض، يعني لقد رضي الله عنهم، وانتهى، لكن إذا قيل لإنسان رضي الله عنك هذه صيغة دعائية، أيْ أرجو الله أن يرضى عنك، أرجو الله أن تعمل عملا يرضيه، لذلك هؤلاء الصوفيون الذين لهم أوراد في الصباح يقولون: إلهي، أنت مقصودي، ورضاك مطلوبي، أنت ترضي من ؟ هناك من يرضي زوجته، فقد خاب وخسر إن أرضاها بمعصية الله، وهناك من يرضي من هو فوقه في العمل، خاب وخسر إن أرضاه في معصية الله، هذا الذي يرضي الناس في معصية الله.
 قولاً واحداً، لا يعرف الله، ولا يعرف ما عنده من ثواب، ولا يعرف ما عنده من عقاب، ولا يعرف أن المصير إليه، ولا يعرف أنه راجع إليه، وما قال: الله أكبر حقيقة، ولو قالها بلسانه ألف مرة، قل: الله أكبر مليون مرة، فإذا أطعت إنساناً، وعصيت الخالق معنى ذلك أنك رأيت أن هذا الإنسان أكبر من الله عز وجل، وقد آثرت أن ترضيه، وأن تسخط الله عز وجل، فالتعامل مع هذه الكلمات التي يقولها المسلمون كل يوم التعامل معها الآن أصبح تعاملا شكليًّا، نسمع الأذان كل يوم ؛ الله أكبر، تصلي، وتقول: الله أكبر، فهل أنت في مستوى هذه الكلمة ؟ هل تعلم أنك إن قلتها مرة واحدة بشكل صحيح سعدت في الدنيا والآخرة، هل تعلم أنك إن قلتها مرة واحدة بشكل صحيح لا ينبغي لك أن تعصي الله أبدا، ولا ينبغي لك أن تطيع مخلوقا، وتعصي خالقا.
 هذا المقياس الإلهي:

 

 

﴿ رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْماً تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ﴾

 

[سورة النور]

رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ

 التجارة عمل، والإنسان مكلف أن يعمل، ومكلف أن يكسب رزقه، وربما تقرب إلى الله بالعمل، وربما أنفق المال الذي حصله بالعمل في وجوه ترضي الله عز وجل، بل إن بعض الناس يقول: إن العمل عبادة، وفي هذا القول جانب كبير من الصحة، ولكن أن يكون العمل على حساب دينك، أو على حساب طاعة ربك، أو على حساب صلواتك، أو على حساب عباداتك، فهذا العمل خرج عن الحد المألوف، خرج عن دائرة القبول، خرج عن الوضع الصحيح، لذلك هؤلاء الرجال لا تلهيهم تجارة، والنبي عليه الصلاة والسلام يقول:

(( إِنَّ أَطْيَبَ الْكَسْبِ كَسْبُ التُّجَّارِ الَّذِينَ إِذَا حَدَّثُوا لَمْ يَكْذِبُوا، وَإِذَا وَعَدُوا لَمْ يُخْلِفُوا، وَإِذَا ائْتُمِنُوا لَمْ يَخُونُوا، وَإِذَا اشْتَرَوْا لَمْ يَذُمُّوا، وَإِذَا بَاعُوا لَمْ يُطْرُوا، وَإِذَا كَانَ عَلَيْهِمْ لَمْ يَمْطُلُوا، وَإِذَا كَانَ لَهُمْ لَمْ يُعْسِرُوا ))

[البيهقي في شعب الإيمان عن معاذ]

 والنبي عليه الصلاة والسلام رأى شابا يصلي نهارًا في المسجد فقال: من ينفق عليك ؟ قال: أخي، قال: أخوك أعبد منك، فالعمل مطلوب.

﴿وَقُلْ اعْمَلُوا﴾

[سورة التوبة: الآية105]

 وكسب الرزق الحلال فرض بعد الفريضة، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

 

(( طَلَبُ الْعِلْمِ فَرِيضَةٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ، وَوَاضِعُ الْعِلْمِ عِنْدَ غَيْرِ أَهْلِهِ كَمُقَلِّدِ الْخَنَازِيرِ الْجَوْهَرَ وَاللُّؤْلُؤَ وَالذَّهَبَ ))

 

[ابن ماجه]

 هناك حديث شريف آخر:

 

(( طَلَبُ الْحَلاَلِ فَرِيضَةٌ بَعْدَ الْفَرِيضَةِ ))

 

[سنن البيهقي الكبرى]

 عليك أن تصلي، وعليك أن تطلب الحلال، عليك أن تبحث عن عمل، عليك أن تقدم شيئاً، عليك أن تكون يدك هي اليد العليا، ولكن أن نعمل، ولا نصلي فقد انحرف العمل عن الحدود التي رسمها الله له، نعمل على حساب ديننا، نكسب المال من شبهات، لسنا متأكدين من صحتها، ننفق المال في وجوه لا ترضي الله عز وجل.

﴿رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ﴾

 قد يسأل سائل: ألا تعني التجارة البيع والشراء ؟ فلِمَ جاء البيع بعد التجارة ؟ قال العلماء:

﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ﴾

 الذكر مستمر.

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا﴾

(سورة الأحزاب: الآية41)

 وهذا يؤكده قول الله عز وجل:

﴿الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ﴾

(سورة المعارج: الآية23)

 كيف دائمون ؟ وهو في محله، وهو وراء مكتبه، وهو يركب مركبته يذكر الله عز وجل، ودائما ذكر الله عز وجل ملء نفسه، ملء تفكيره، ملء مشاعره، ملء ساحة نفسه، فذكر الله عز وجل يجب أن يكون مستمرا، وكلما طالت فترة الذكر، وقلت فترة الغفلة ارتقى الإنسان في مراتب الدرجات العلى.
 لذلك الأنبياء صلوات الله عليهم تنام أعينهم، ولا تنام قلوبهم، لأن مرتبة النبوة اتصال دائم بالله، ومرتبة الصديقية أدنى من ذلك، أما أنتم، فيا أخي ساعة فساعة، المؤمن ساعة، فساعة، لكن كلما طالت فترات الذكر، وقلت فترات الغفلة ارتقى الإنسان في معارج القرب عند الله عز وجل، فهؤلاء الرجال لا تلهيهم تجارة، ويروى أن أحد أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام كان إذا وزن شيئاً، وسمع النداء ترك الشيء في الميزان، وذهب إلى المسجد، وكان صانعاً للسيوف على عهد النبي عليه الصلاة والسلام، فإذا أنزل المطرقة على السيف، وأذن المؤذن ترك المطرقة على حالها، بل رماها خلف ظهره، وتوجه إلى المسجد، فقال بعضهم: هؤلاء ممن تعنيهم هذه الآية، لكن ثمة حالات أخرى، هذا الذي يفتح بطن إنسان، ويجري عملية، فإذا أذن المؤذن لا ينبغي له أن يدع العملية، وهذا البطن مفتوح، ربنا عز وجل جعل الإسلام دين يسر، هناك حالات إنسانية قاهرة، فعلى الإنسان أن يصلي ضمن الوقت المسموح به.

﴿رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ﴾

 فنحن سؤالنا: لماذا قال الله عز وجل:

﴿رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ﴾

 مع أن البيع من التجارة ؟ فكما أن ذكر الله مستمر، والتسبيح في وقت محدود فكذلك التجارة هنا، وقد حدثني شخص قال: إن حساب الصندوق لا ينضبط إلا، وأنا في الصلاة، فأجد في الصلاة ماذا دفعنا، وماذا قبضنا، فهؤلاء على الرغم من أنهم يصلون فالتجارة تلهيهم عن الصلاة.

﴿رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ﴾

 فيه احتمال للربح، لكن البيع الربح فيه محقق، فلو أن إنساناً يعمل موظفاً، وليس تاجراً، لكن يبيع الآن بيتًا، وترك الصلاة من أجل ذلك، فكل إنسان يبيع، وليس كل إنسان بتاجر.

﴿رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ﴾

 إن ذكر الله أعظم شيء، لقول الله عز وجل:

﴿وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾

(سورة العنكبوت: الآية45)

 أيْ أكبر ما فيها.

 

معنى إقامة الصلاة:

 

 وإقام الصلاة أن يذكر الله دائماً، في سره، وفي علنه، في سفره، وفي حضره، في بيته، وفي عمله، وإقام الصلاة تحتاج إلى إقامة، تقول: أقام البناء، أيْ أشاده، فالإقامة هنا لها معان عدة، من معانيها أن يجعل صلاته صحيحة، وأن يجعل صلاته مستقيمة إلى الله عز وجل، لا عوج بها، أو أن يجعل لهذه الصلاة تمهيداً من عمل صالح، أو استقامة على أمر الله، أو من بذل، أو من تضحية، فهؤلاء الرجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، قال بعضهم: الزكاة التي فرضها الله عليك، وبعضهم قال: لو أن هؤلاء الرجال لا مال لهم، فأين الزكاة ؟ قال بعضهم: إن الزكاة هنا أن تزكو نفوسهم من هذه الصلاة، يعني اتصالهم بالله ينتج عنه تزكية لنفوسهم.

معنى: يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ

 هذا اليوم الذي لابد منه، هذا اليوم الذي ترتعد فيه الفرائص، هذا اليوم الذي لا ينفع الإنسان فيه شيء إلا عمله الصالح.

﴿ يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ (88) إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ (89) ﴾

[الشعراء: 88-89]

 السيدة عائشة رضي الله عنها قالت: يا رسول الله يوم القيامة أيعرف بعضنا بعضاً ؟ فقال عليه الصلاة والسلام:

(( نعم، يا أم المؤمنين، يعرف الناس بعضهم بعضا إلا في ثلاثة مواضع، عند الحشر، وعند الميزان، وإذا الصحف نشرت، وفيما سوى ذلك فقد تبصر الأم ابنها يوم القيامة، تقول: يا بني جعلت لك حجري وطاء، وصدري سقاء، فهل من حسنة يعود علي خيرها اليوم ؟ فيقول هذا الابن: يا أماه ليتني أستطيع ذلك، إنما أشكو مما أنت منه تشكين))

 

﴿ يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ (88) إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ (89) ﴾

 يا قيس، إن لك قرين يدفن معك، وهو حي، وتدفن معه، وأنت ميت، فإن كان كريماً أكرمك، وإن كان لئيماً أسلمك، ألا وهو عملك، هذا اليوم تتقلب فيه القلوب بين الخوف والرجاء، لو أنزل الله عز وجل على أنبيائه أنه معذب أحداً لظننت أنه أنا، هكذا قال سيدنا عمر.

﴿يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ﴾

 الأبصار قد تعمى بعد أن كانت مبصرة، أو قد ترى حينما يقدم لها كتابها، هل قدم كتابها بيمينها فتنظر من طرف خفي، وأين سيقودونها، إلى الجنة أم إلى النار ؟ الأبصار تضطرب في هذا اليوم، تتقلب فيه القلوب والأبصار.

 

المعنى الأول:

 قال بعضهم: تتقلب القلوب من الصدور إلى الحناجر.

 

﴿وَبَلَغَتْ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ﴾

(سورة الأحزاب: الآية10)

 هذا تقلب.

 

المعنى الثاني:

 وبعضهم قال: تتقلب فيه الأبصار من البصر إلى العمى.

 

 

المعنى الثالث:

 وبعضهم قال: تتقلب فيه القلوب من الطمع إلى الخوف، ومن الخوف إلى الطمع، لا يدري أفائز أم خاسر ؟

 

 

المعنى الرابع:

 وبعضهم قال: تتقلب فيه الأبصار بمعنى أنها تنتظر دورها، أتساق إلى الجنة، أم إلى النار ؟

 

 

المعنى الخامس:

 وبعضهم قال: في هذا اليوم تتقلب فيه القلوب والأبصار، أيْ أن الحقائق تبدو كما هي، فكشفنا عنك غطاءك فبصرك اليوم حديد، كل ما كان يقال في الدنيا من باطل يزول، ويبقى الحق الصريح الذي جاء به الأنبياء يراه كل إنسان، ويوقن به كل مخلوق، فلذلك لابد أن تعرف الحقيقة، إن عرفتها قبل فوات الأوان فأنت بطل، أما بعد فوات الأوان فلابد أن نعرفها جميعا، ولكن يتفاوت الناس في وقت معرفتها، إذا عرفت إجابة السؤال قبل الامتحان فقد نجحت، أما إذا عرفت الإجابة بعد الامتحان فهذه المعرفة لا تنفعك:

 

 

﴿ لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾

 

(سورة النور)

معنى: لِيَجْزِيَهُمْ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ

 الله سبحانه وتعالى يختار من أعمالك أفضلها فيجازيك عليها، فلو أن الطالب أجرى عشر مذاكرات، وأخذ في مذاكرة نقطتين من عشر، وفي أخرى خمسًا من عشر، وفي الثالثة سبعًا من عشر، وأخذ في إحدى هذه المذاكرات عشر نقاط من عشر تثبت هذه العلامة، ويعطى عليها مكافأة، هذا معنى قول الله سبحانه وتعالى:

﴿لِيَجْزِيَهُمْ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ﴾

 أن يزيدهم من فضله، وأن يعطيهم فوق ما عملوا، فالإنسان يطعم اللقمة في سبيل الله، فيراها يوم القيامة كجبل أحد، المؤمن يعرق إذا جاءه ملك الموت، يعرق عرق الخجل بعد أن يعرف مقامه عند الله، يرى أن عمله كله لا يكفي لهذا العطاء، لأن هذا العمل الذي قدمه في الدنيا لا يعد ثمنا لهذا العطاء، لذلك فالجنة ندخلها بفضل الله عز وجل، والذين يدخلون النار يدخلونها بعدل العطاء، بمحض الفضل والجزاء، وبمحض العدل.

﴿لِيَجْزِيَهُمْ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ﴾

 بعضهم قال: يدخلون الجنة كجزاء لأعمالهم، وأما حينما يتجلى الله عز وجل على قلوبهم فهذه هي الزيادة، وهي رؤية وجه الله الكريم:

 

وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ

 

 عطاء الله عز وجل ليس عطاء معاوضة، أنت ما قدمت شيئا، وما قدمت ثمناً حقيقياً لهذا العطاء، قدمت ثمناً رمزياً، استقمت على أمر الله، فعلت الصالحات بفضل الله أيضا، فاستحققت دخول الجنة إلى الأبد، فهل تظن أن هذه الجنة استحققتها بعملك فقط، فلو أنك استحققتها بعملك لكانت هذه الجنة عوضاً عن عملك، ولكان عملك مكافئاً للجنة، وهذا مستحيل.

﴿وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾

 ربنا عز وجل إذا أعطى أدهش، شيء آخر ربنا عز وجل بعد أن بين هؤلاء الرجال العظام الذين لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، والذين يخافون يوما تتقلب فيه القلوب والأبصار، الطالب المجتهد دائما الامتحان في ذهنه، من أول يوم من العام الدراسي الامتحان في ذهنه، يسأل كيف يأتي السؤال، هل يأتي مسألة ؟ هل يأتي سؤالا نظريًا ؟ كيف أحفظ هذا الدرس ؟ كيف ألخصه ؟ كيف أتفوق فيه ؟ فهذا الامتحان ماثل في ذهن كل طالب مجتهد، لذلك هؤلاء الرجال العظام هكذا يقابل هؤلاء.

 

﴿ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآَنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ ﴾

 

(سورة النور)

وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ

 هذا الكافر له عمل ظاهره حسن، وله عمل سيئ، لو أنه أخذ شيئا ليس له فهذا عمل سيئ، لو أنه ظلم الناس فهذا عمل سيئ، لو أنه قهرهم، لو أنه بنى مجده على أنقاضهم، لو أنه بنى غناه على فقرهم، لو أنه بنى حياته على موتهم، هذا عمل سيئ، أما لو عمل عملاً فيما يبدو صالحاً، وهو لا يبتغي به وجه الله عز وجل، بل يبتغي به الشهرة والسمعة، ويبتغي أن ينتزع إعجاب الناس، وأن يثنوا عليه، ويبتغي الوجاهة بينهم، ويبتغي الربح الوفير، صدق في البيع والشراء حباً بالربح الوفير، يقول لك: هذا استثمار للمال بشكل صحيح، أنا أريد نجاحاً مستمراً لا نجاحاً مؤقتاً، لم ينطلق في صدقه، وفي استقامته، وفي عمله الطيب من حب الربح الوفير، ومن الجاه العريض من دون أن يعلق أهمية على إرضاء الله عز وجل، أو على طاعته، أو على عبادته، فهذا العمل فيما يبدو عمل طيب، وقد يتعامل المسلمون مع كفار أحيانا في دول بعيدة، فيجدون أطيب معامله ؛ أمانة، وصدق، واستقامة، وهم يعتقدون أن لا إله، أو يعتقدون بإله غير الله عز وجل، فكيف نفسر ذلك ؟ فالله سبحانه وتعالى فسر أعمال الكفار الصالحة، وفسر أعمالهم السيئة.

﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ﴾

 إذا سافر الإنسان في الصيف يرى أمام مركبته من مسافة لا بأس بقعة كأنها بركة ماء، لها تفسير فيزيائي دقيق، وهو انعكاس ضوء الشمس، على كل ما منا أحد إلا رأى السراب.

﴿حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا﴾

 فهذا الذي عمل عملاً في الدنيا فيما يبدو صالحاً، وفي الحديث عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ:

 

(( إِنَّ أَوَّلَ النَّاسِ يُقْضَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَيْهِ رَجُلٌ اسْتُشْهِدَ، فَأُتِيَ بِهِ فَعَرَّفَهُ نِعَمَهُ فَعَرَفَهَا، قَالَ: فَمَا عَمِلْتَ فِيهَا ؟ قَالَ: قَاتَلْتُ فِيكَ حَتَّى اسْتُشْهِدْتُ، قَالَ: كَذَبْتَ، وَلَكِنَّكَ قَاتَلْتَ لِأَنْ يُقَالَ: جَرِيءٌ، فَقَدْ قِيلَ، ثُمَّ أُمِرَ بِهِ فَسُحِبَ عَلَى وَجْهِهِ حَتَّى أُلْقِيَ فِي النَّارِ، وَرَجُلٌ تَعَلَّمَ الْعِلْمَ، وَعَلَّمَهُ، وَقَرَأَ الْقُرْآنَ، فَأُتِيَ بِهِ فَعَرَّفَهُ نِعَمَهُ، فَعَرَفَهَا، قَالَ: فَمَا عَمِلْتَ فِيهَا ؟ قَالَ: تَعَلَّمْتُ الْعِلْمَ، وَعَلَّمْتُهُ، وَقَرَأْتُ فِيكَ الْقُرْآنَ، قَالَ: كَذَبْتَ، وَلَكِنَّكَ تَعَلَّمْتَ الْعِلْمَ لِيُقَالَ: عَالِمٌ، وَقَرَأْتَ الْقُرْآنَ لِيُقَالَ: هُوَ قَارِئٌ، فَقَدْ قِيلَ، ثُمَّ أُمِرَ بِهِ فَسُحِبَ عَلَى وَجْهِهِ حَتَّى أُلْقِيَ فِي النَّارِ، وَرَجُلٌ وَسَّعَ اللَّهُ عَلَيْهِ، وَأَعْطَاهُ مِنْ أَصْنَافِ الْمَالِ كُلِّهِ، فَأُتِيَ بِهِ، فَعَرَّفَهُ نِعَمَهُ، فَعَرَفَهَا، قَالَ: فَمَا عَمِلْتَ فِيهَا ؟ قَالَ: مَا تَرَكْتُ مِنْ سَبِيلٍ تُحِبُّ أَنْ يُنْفَقَ فِيهَا إِلَّا أَنْفَقْتُ فِيهَا لَكَ، قَالَ: كَذَبْتَ، وَلَكِنَّكَ فَعَلْتَ لِيُقَالَ: هُوَ جَوَادٌ، فَقَدْ قِيلَ، ثُمَّ أُمِرَ بِهِ فَسُحِبَ عَلَى وَجْهِهِ، ثُمَّ أُلْقِيَ فِي النَّارِ ))

 

[مسلم، النسائي]

 هذه النقطة دقيقة جداً، هناك أعمال عظيمة، هناك أعمال تجارية عظيمة تدر أرباحاً مذهلة، يقول لك: هذا مشروع عمره مئة سنة، وخبرات متراكمة، وإنجاز كبير، هناك أعمال صناعية رائعة، هناك أعمال عسكرية رائعة، يكتبها التاريخ، هذه الأعمال الكبيرة ذات الصدى الكبير لو لم يكن صاحبها قد ابتغى بها وجه الله عز وجل فهذا حاله يوم القيامة، عمل الإنسان شيئًا أثنى عليه الناس جميعا، وكان سعيداً بهذا الثناء، بل كان يبتغي هذا الثناء، بل كان يكفيه هذا الثناء، ولا يبتغي شيئاً آخر، هناك أعمال خيرية، وقد ذكر النبي الكريم لنا أن إنساناً يأتي يوم القيامة، وقد مات في ساحة الحرب في سبيل الله، يقول: أين الشهداء في سبيلي ؟ يقوم الشهداء، يقول الله له: أنت كذبت، قاتلت ليقال عنك مقاتل أو شجاع، وقد قيل خذوه إلى النار، أين العلماء في سبيلي، يقوم العلماء، يقول: تعلمت العلم ليقال عنك عالم، وقد قيل، خذوه إلى النار، من تعلم العلم ليماري به السفهاء، أو ليجادل به العلماء، أو ليصرف وجوه الناس إليه فليتجهز إلى النار، وأندم الناس عالم دخل الناس بعلمه الجنة، ودخل هو بعلمه النار، وأندم الناس غني دخل هو بماله النار، ودخل ورثته بماله الجنة، ترك ذرية مؤمنين، فأنفقوا هذا المال في طاعته، وهو لم ينفقه في طاعة الله عز وجل، فلذلك هؤلاء الذين كفروا إذا عملوا أعمالاً فيما يبدو أنها جيدة، ولكن لا يبتغون فيها وجه الله، أرادوا السمعة، والجاه، والثناء المديح، أرادوا الشأن.

أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ

 فهؤلاء الذين كفروا أعمالهم كسراب بقيعة، الباء حرف جر، بقيعة، القيعة الأرض المنبسطة، والسراب ما يبدو، للمسافر أنه ماء يحسبه الظمآن ماء، فهذا الكافر إذا جاء يوم القيامة جاء ظمآن، ظمآن لعمل يدخله الجنة، ظمآن لعمل يقيه عذاب النار، هو ظمآن، وعمله كالسراب.

حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ

 أعطاه جزاء عمله الذي أراده في الدنيا، أما عمله السيئ:

﴿أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحَابٌ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا وَمَنْ لَمْ يَجْعَلْ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ﴾

(سورة النور: الآية40)

أهمية الإخلاص وخطورة الرياء:

 فلابد من الإخلاص.

 لذلك ربنا عز وجل يقول:

﴿فَاعْبُدْ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾

(سورة الزمر: الآية2)

 اعبده، وكن في هذه العبادة مخلصاً، فإنّ درهمًا أنفق في إخلاص خير من ألف درهم أنفق في رياء.
 والدعاء النبوي الشريف:

(( اللهم طهر قلوبنا من النفاق وأعمالنا من الرياء وألسنتنا من الكذب وأعيننا من الخيانة))

 هذا الدعاء يجب أن نحفظه، وأن ندعو به لأن هؤلاء الذين كفروا حالتهم تدعو إلى الشفقة يوم القيامة، أعمال عظيمة.

﴿فَاعْبُدْ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾

(سورة النساء: الآية104)

 فلو تألم المؤمن في الدنيا لكان يرجو من الله الجنة، لكن الذي كفر يتألم في الدنيا، وسوف يصلى في الآخرة عذابا أليما.

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018