الدرس : 14 - سورة النور - تفسير الآية 35 - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الدرس : 14 - سورة النور - تفسير الآية 35


1988-12-30

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علما، وأرنا الحق حقا وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلا، وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
 أيها الإخوة المؤمنون، مع الدرس الرابع عشر من سورة النور، وقد وصلنا في الدرس الماضي إلى قوله تعالى:

﴿ اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾

(سورة النور)

اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ

 أيها الإخوة الأكارم.

﴿ اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾

 وقفنا عند هذا المقطع في الدرس الماضي، وكلمات الله عز وجل لا حدود لمعانيها:

﴿قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا﴾

(سورة الكهف: الآية 109)

 قال بعض العلماء: " الله سبحانه وتعالى خلق السماوات والأرض، إذا هو موجد السماوات والأرض، وهو منور السماوات والأرض، أوجد السماوات والأرض، ونصب الأدلة التي تشير إليه التي تدل عليه، ما من اسم من أسمائه الحسنى إلا وملايين الأدلة التي تدل عليه وتشير إليه "، فالأدلة الكونية التي نصبها الله عز وجل لتكون تجسيدا لأسمائه الحسنى، وصفاته الفضلى هي بمثابة النور، فهذه الأدلة نور، فالشمس والقمر آيتان، والليل والنهار آيتان، والكواكب آية، والأرض وما فيها من جبال، وسهول، وصحارى، ومن بحار، وأنهار، وينابيع، هذه كلها آيات، ما في الأرض من حيوانات، ونباتات، وما في البحر من أسماك، وما في الجو من أطيار، هذه كلها آيات دالة عليه، ناطقة بعظمته، مُسبّحة بحمده، إذا هذه الآيات نور.

 

من معاني: اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ

 

المعنى الأول: الكونُ نورٌ:

 فمن معاني:

﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾

 أن الله خلق السماوات والأرض، ثم نصب الأدلة الدالة على وجوده، وعلى أسمائه الحسنى، وعلى صفاته الفضلى، كيف أنك إذا رأيت في طريق ترابي آثار لعجلات السيارة تقول: لابد أنه مرت في هذه الطريق سيارة، وكيف أن هذه الخطوط التي تشاكل خطوط عجلات السيارة تؤكد بالدليل القاطع أنه قد مرت هنا سيارة، هذا دليل بمثابة نور، لو أن هناك من يتبع بأنه هل مرت من هنا سيارة، وقد رأى آثار العجلات، إذا الأدلة التي نصبها الله عز وجل في السماوات والأرض التي لا تعد ولا تحصى، والتي تشير كلها إلى جلاله، وتنطق بحمده، وتسبح بعظمته، هذه الأدلة التي نصبها الله عز وجل أحد فروع نور الله، الذي به نعرف الحق من الباطل، وبه نهتدي إليه، هذا أول معنى.
 الأدلة نور: الله عز وجل رحمة بنا نصب هذه الأدلة هو لا نراه، ولكن آثاره تدل عليه، قال أعرابي: " الماء يدل على الغدير، والبعرة تدل على البعير، والأقدام تدل على المسير، أفسماء ذات أبراج، وأرض ذات فجاج، ألا تدلان على الحكيم الخبير"، إذا أنت أيها الإنسان أمام طائفة لا حدود لها من البراهين الساطعة، ومن الأدلة القاطعة، ومن الآيات البينة، لذلك يقول ربنا عز وجل:

﴿قُلْ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾

(سورة يونس: من الآية 101)

 اليوم وفي خطبة الجمعة أشرت إلى هذا القانون الذي أودعه الله في الماء ؛ أنه إذا غرزت جسما في الماء، فإن هناك قوة تدفعه إلى الأعلى تكافئ وزن الماء الذي أزاحه هذا الجسم، ولولا هذا القانون لما سبحت سمكة في البحر، ولولاه لما رأيت مركبة تمخر عباب البحر، إذاً هذه الفلك، وهذه الأسماك كلها تجري بنعمة الله عز وجل أليس هذا دليلا ؟ من جعل في الماء هذه القوة الدافعة نحو الأعلى ؟.

 

المعنى الثاني: القرآن نور:

 شيء آخر ؛ الكتاب الذي أنزله الله على عبده ورسوله سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، بل الكتب التي أنزلها الله على رسله هي نور، لقوله تعالى:

 

﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا﴾

(سورة النساء: الآية 174)

 فهذا الكتاب الذي أنزله الله على النبي صلى الله عليه وسلم بمثابة النور.

 

المعنى الثالث: النبيُّ نورٌ:

 معنى ثالث من معاني النور: النبي عليه الصلاة والسلام نور، لقوله تعالى:

 

﴿جَاءَكُمْ مِنْ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ﴾

(سورة المائدة: من الآية 15)

 فالنور في هذه الآية هو النبي عليه الصلاة والسلام.
 فالأدلة التي نصبها الله في الكون نور، والقرآن الكريم الذي بين الله تعالى فيه كل شيء نور، والنبي عليه الصلاة والسلام، ومن خلال سنته المشرفة، والتي بين فيها كل شيء نور أيضا، كأن هذه الأشياء.. الكون وما فيه من آيات، والقرآن وما فيه من آيات، والنبي وما ترك من سنة، كأن هذه الجهات الثلاث نور أنزله الله عز وجل لنهتدي بهداه.

﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾

 خلق الكون ونوره.. نوره بالأدلة، نوره بالأنبياء والرسل، نوره بالكتب.

 

المعنى الرابع: العقلُ نورٌ:

 معنى آخر من معاني النور: العقل الذي أودعه الله في الإنسان نور، به تعرف أسباب الأشياء، به تعرف غايات الأشياء، الله سبحانه وتعالى كرم الإنسان بهذا الفكر، لذلك قالوا: الجماد شيء له حيز مادي، له طول، وارتفاع، وحجم، ووزن، بينما النبات فشيء له حيز مادي، وينمو، والحيوان شيء له حيز مادي، وينمو، ويتحرك، أما الإنسان فشيء له حيز مادي، وينمو، ويتحرك، ويفكر، فبماذا فضل الله سبحانه وتعالى الإنسان على ما سواه ؟ بهذا الفكر، يقول ربنا سبحانه وتعالى:

 

﴿ وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ (7) أَلَّا تَطْغَوْا فِي الْمِيزَانِ (8) ﴾

(سورة الرحمن: الآيات 7-8)

 ومن فَضْلِ الله على الإنسان أنه خلق على هذا الميزان ميزانا، وهو الشرع، خلق السماوات والأرض، ومنحك نعمة العقل، ومنحك الشرع الذي هو ميزان على ميزان العقل، فلو أعطيت طالبا مسألة في الرياضيات، وكلفته أن يحلها، وأعطيته الجواب الذي يجب أن يصل إليه، فإذا حل هذه المسألة، وانتهى إلى هذا الجواب فحله صحيح، فأصبح هذا الجواب ميزانا لحل الطالب، ما إذا كان صحيحا أو غير صحيح.
 إذًا الكون نور، الكون بما فيه من أدلة ساطعة على أسماء الله الحسنى وصفاته الفضلى نور.
 والكتاب الذي أنزله الله سبحانه وتعالى على نبيه فيه الأمر والنهي، وفيه الحلال والحرام، وفيه الآيات الدالة على عظمته، وفيه أخبار من كان قبلنا، وفيه نبأ ما بعدنا، وفيه الوعد والوعيد، وفيه البشارة والإنذار، هذا القرآن الكريم الذي فيه بيان كل شيء، وتفصيل كل شيء هو نور.
 والنبي عليه الصلاة والسلام ببيانه وسنته وأقواله وأفعاله وإقراره وصفاته نور أيضا.
 والعقل الذي أودعه الله في الإنسان هو أيضا نور.
 فالله سبحانه وتعالى خلق السماوات والأرض، ونورها بالأدلة التكوينية، ونورها بالآيات القرآنية، ونورها ببعثة الأنبياء والرسل، ونورها بالعقل الذي هو أكبر نعمة أخذها الإنسان من رب الأكوان.
 إذاً:

﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾

 تعني أنه خلقها، ونورها.
 بشكل تفصيلي مبسط، كما لو أن مصنعا عالي المستوى ذا خبرة رفيعة، وقدرات فائقة أنتج جهازا معقدا غالي الثمن، عظيم النفع، معقد الصنعة، أرسل هذا الجهاز إلى جهة معينة، وأرسل معه كتيبا فيه طريقة التشغيل، وطريقة الصيانة، وطريقة التنظيف، وكيف تستعمله، فكأن هذا المصنع صنع الجهاز، ونورك بطريقة استعماله، فالله نور السماوات والأرض، خلق الكون، ونوره بالأدلة الكونية، بالآيات القرآنية، بالرسالات التي أرسلها على يد أنبيائه ورسله، وبالعقل الذي ميزك به على سائر المخلوقات.

 

الله سبحانه ظاهر لكل المخلوقات:

 

 شيء آخر: حينما نعرف النور بأنه الشيء الظاهر بذاته، المُظْهِرُ لغيره إذًا فالله سبحانه وتعالى ظاهر لكل المخلوقات، لذلك لما سئل الإمام علي رضي الله عنه متى كان الله ؟ قال: ومتى لم يكن،

وفي كل شيء له آية  تدل على أنه واحد
***

 لذلك يقول سبحانه وتعالى في القرآن الكريم:

﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ﴾

(سورة الإسراء: من الآية 44)

 إنْ: بمعنى ما من، لاستغراق أفراد النوع، وما من كلمة في اللغة تعبر عن أدق الأشياء، كشيء، لو أن ذرة من غبار اسمها شيء فالله سبحانه وتعالى يقول:

﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾

(سورة الإسراء: من الآية 44)

 إذًا: كل شيء خلقه الله حتى الجمادات وحتى النباتات، وحتى كل المخلوقات تسبح بحمده، إلا هذا الإنسان الغافل، الذي كانت شهوته حجابا بينه وبين الله عز وجل.
 الله سبحانه وتعالى يقول:

﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ﴾

مَثَلُ نُورِهِ

 يقول علماء اللغة: ما دام هذا النور.

﴿مَثَلُ نُورِهِ﴾

 قد أضيف إلى ضمير يعود على الله عز وجل، إذًا هذا النور ليس النور الذي به قامت الأشياء، النور الذي قامت به الأشياء هو النور العام، ولكن النور الذي يسطع في قلوب المؤمنين هو النور الخاص، كل مخلوق أساسه من نور الله:

﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾

 بمعنى موجدها، هذا النور العام... ولكن النور الخاص هو النور الذي يقذف في قلب المؤمن، والذي هو معني في هذه الآيات، ما الدليل ؟ أن الله سبحانه وتعالى قال:

﴿مَثَلُ نُورِهِ﴾

 فكأن هذا النور هو النور الخاص، وليس ذلك النور الذي تقوم به الأشياء.

﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾

(سورة البقرة: من الآية 255)

 لا قيام للأشياء إلا بالله، لكن هذا النور هو النور الخاص الذي يقذف في قلوب المؤمنين، والدليل قوله عز وجل:

 

 

﴿يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾

 

 

[النور: من الآية 35]

 والآية الثانية:

﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ﴾

(سورة التوبة: من الآية 32)

 يريد الكفار بمعاكستهم الحق، وصدهم عن سبيل الله أن يطفئوا نور الله بأفواههم.
 والآية الثالثة:

﴿أَوَ مَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا﴾

(سورة الأنعام: من الآية 122)

 فالآية الأولى:

﴿يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾

 والثانية:

﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ﴾

 والآية الثالثة:

﴿أَوَ مَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا﴾

 هذه الآيات الثلاث تؤكد أن النور المعني في هذه الآيات ليس النور الذي هو أصل الموجودات، بل هو النور الذي يقذف في قلوب المؤمنين، فيرون به طريق الخير من الشر.

 

سبل اكتساب النور:

 

السبيل الأول: تطبيق شرع الله تعالى:

 شيء آخر: أكد العلماء أن الإنسان إذا طبق الشرع الحنيف قاده هذا التطبيق إلى نور الله، لذلك:

(( مَنْ أَخْلَصَ لِلَّهِ أَرْبَعِينَ صَبَاحًا تَفَجَّرَتْ يَنَابِيعُ الْحِكْمَةِ مِنْ قَلْبِهِ، وَأَجْرَاهُ اللَّهُ عَلَى لِسَانِه ))

[كشف الخفاء]

 لذلك إذا طبقت أحكام الشرع، وطبقت أمر الله عز وجل، إذا ائتمرت بأمره، وانتهيت عما نهى عنه، إن هذا التطبيق وحده ينقلك إلى نور الله عز وجل، الذي هو موضوع هذه الآيات.

 

السبيل الثاني: الأعمال الصالحة:

 شيء آخر ؛ إن الأعمال الصالحة التي يفعلها الإنسان في الدنيا أيضا تقوده إلى نور الله سبحانه وتعالى، قد تقول: هذا الإنسان له وجه منير، هذا النور الذي في وجهه أثر من عمله الطيب، كل من له عمل طيب ترى النور في وجهه، لذلك فعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

 

 

(( اتَّقُوا فِرَاسَةَ الْمُؤْمِنِ، فَإِنَّهُ يَنْظُرُ بِنُورِ اللَّهِ، ثُمَّ قَرَأَ:﴿ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ ﴾))

 

وَقَدْ رُوِيَ عَنْ بَعْضِ أَهْلِ الْعِلْمِ فِي تَفْسِيرِ هَذِهِ الْآيَةِ:

 

﴿ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ ﴾

 قَالَ:

﴿لِلْمُتَوَسِّمِينَ ﴾

[الترمذي]

 وفي الآية الكريمة:

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾

(سورة التحريم: الآية 8)

 نورهم: أعمالهم الطيبة التي فعلوها في الدنيا بمثابة النور يسعى بين أيديهم، إذاً الاستقامة على أمر الله تنقلك إلى نور الله، والأعمال الطيبة التي تفعلها في الدنيا تنقلك إلى نور الله، وكأن الاستقامة والعمل الصالح طريقان لأن يتنور قلبك بنور الله.

 

التشبيه القرآني: مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ

 

 أيها الإخوة الأكارم، ننتقل إلى قوله تعالى:

﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ﴾

 الآن نحن أمام تشبيه، أو أمام تمثيل، يقول ربنا عز وجل:

﴿وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾

 أحيانا تكون الفكرة مجردة، غير محسوسة، نشبهها لشيء محسوس تقريبا للأذهان، ربنا عز وجل شبه الكفار في إعراضهم عن الحق، وفي جمود عقولهم، وفي ضيق أفُقِهم، كأنهم خشب مسندة، هذا تشبيه، وشبه الكفار تارة ثانية بأنهم كالأنعام.. كالبهائم، والله الذي لا إله إلا هو هذا الذي لا يعرف الله عز وجل، ولا يعرف لماذا خلقه، ولا لماذا أوجده، ولا يعرف مهمته، إن هو إلا كالأنعام، بل أضل سبيلا، لأنه مزود بالعقل،وكان كالأنعام:

﴿تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا﴾

(سورة الفرقان: الآية 44)

 إذًا: هذا تشبيه، وفي تشبيه آخر قال عز وجل:

﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا﴾

(سورة الجمعة: من الآية 5)

 هذا تشبيه آخر، فالذي لا يعي ما في القرآن، ولا يعي أوامره، ولا نواهيه، ولا يعلم ما المقصود من هذه القصة، وما العبرة منها فهو بعيد عن فهم هذا القرآن.
 لذلك قال:

﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا﴾

 فلو تتبعنا الأمثال والتشبيهات التي وردت في كتاب الله لوجدناها لا تعد ولا تحصى، فهي كثيرة جدا، ومن هذه التشبيهات قوله:

 

تفسير: مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ

 

 بعضهم قال: مثل نور الله في قلب المؤمن، ألم نَقُل قبل قليل: إن الاستقامة على أمر الله تقذف النور في القلب، وإن الأعمال الطيبة تقذف النور في القلب، نقول: فلان له قلب مستنير، يرى به الخير من الشر، والحق من الباطل، والصالح من الطالح، وما ينبغي، وما لا ينبغي، وما يجدي، وما لا يجدي، وما يجوز، وما لا يجوز، وما هو مستحسن، وما هو مستقبح، إن هذا النور الذي في قلب الإنسان هو الذي يكشف له عن حقيقة الأشياء، لذلك لماذا يقع الكافر في شر عمله ؟ لأنه أعمى، لماذا في ساعة حمق يطلق امرأته ؟ لأنه أعمى، لماذا يأكل مالا حراما فيدمر الله كل ماله ؟ لأنه أعمى، لماذا يأخذ ما ليس له فيتلف الله ماله ؟ لأنه أعمى، لأنه أعمى فعل هذا، ولو أنك مستنير بنور الله لكنت على الصراط مستقيم لذلك، موضوع الاستنارة بنور الله هي أدق آية في هذا الموضوع:

﴿أَوَ مَنْ كَانَ مَيْتًا ﴾

 ولو كان في أوج شبابه، وفي أوج حيويته، وفي كامل طاقته فهو عند الله ميت،

 

ليس من مات فاستراح بميت  إنما الميت ميت الأحياء
***

 

﴿أَوَ مَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا﴾

(سورة الأنعام: من الآية 122)

﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾

(سورة البقرة: الآية 257)

 يا أيها الإخوة الأكارم، قال الإمام الشافعي:

 

شكوت إلى وكيع سوء حفظي  فأرشدني إلى ترك المعاصي
وأنبأني بأن العلم نــــور  ونور الله لا يهدى لعـــاص
***

 إذا أردت هذا النور فالزم سبيل الاستقامة، ولا تحد عنها أبدا، إذا أردت هذا النور فاعمل الأعمال الطيبة، عندئذ يلقي الله في قلبك نورا.
 سيدنا عثمان رضي الله عنه قال وهو على المنبر: << يدخل أحدكم علينا وأثر الزنى بين عينه ؟ فضج الصحابة الكرام، وقالوا: يا أمير المؤمنين، أوحيٌ بعد رسول الله ؟ فقال: لا، ولكنها فراسة صادقة >> - لقلب مستنير -.
 فالبطولة أن تقف الموقف الصحيح في كل ظرف معين، وهذا الموقف الصحيح لا يكون إلا إذا كان قلبك متصلا بالله عز وجل، لذلك قال عليه الصلاة والسلام:

 

 

(( الصَّلاَةُ نُورٌ))

 

[مسلم، الترمذي،أحمد عن أبي مالك الأشعري]

 فمثل نور الله عز وجل في قلب المؤمن كمشكاة.
 المشكاة: الكوة في الحائط، الكوة غير النافذة في البيوت القديمة، ففي أثناء بناء الجدار يتركون كوة في الجدار، نافذة غير نافذة، لها غلاف، هذه الكوة يوضع فيها المصباح لماذا ؟ لأن سطح الكوة منحن، ومطلي باللون الأبيض، فإن المصباح تتجمع أنواره، وتنعكس إلى الغرفة، فهذه الكوة حفرة في الحائط غير نافذة، هذا تعريف المشكاة.

 

كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ

 

 لماذا يوضع المصباح في المشكاة ؟ قالوا: لأنه أجمع للضوء، ولأن المصباح وهو بالمشكاة أكثر إنارة منه في غيرها، لذلك أحدث إضاءة الآن وراء المصباح في سطح مقعر منحن يوضع المصباح في محرقه، لذلك يعكس إلى مسافات بعيدة، هذا معنى المشكاة.

﴿كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ﴾

 أما المصباح فهو الفتيل المشتعل.

 

الْمِصْبِاحُ فِي زُجَاجَةٍ

 

 والزجاجة تمنع تأثير الرياح على المصباح، وتزيد من تألق الضوء، لذلك الزجاجة التي توضع أمام مصباح السيارات فيها علم كثيف، وفيها خبرات طويلة، وهناك زجاجات تجعل تألق المصابيح أكثر بكثير من غيرها، تختص بها بعض الشركات، فالمصباح هو الفتيل المشتعل، والمشكاة هي الكوة غير النافذة، والزجاجة هي التي حول المصباح لتحميه من آثار الرياح، ولتزيد من تألق الضوء، أما الزجاجة فهي كما تعلمون الجسم الشفاف، فالمصباح في زجاجة أكثر منه إضاءة في غيرها، لذلك يكفي أن تضع فوق المطبوعات ورقا شفافا لاصقا، فإذا بالمطبوعات تتألق، ويزداد سعرها، ويكثر بيعها، لذلك يلصق الطبق الشفاف على المطبوعات، فالمصباح في زجاجة أكثر تألقا منه في غيرها، فربنا عز وجل بين أن نوره في قلب المؤمن كأن صدره مشكاة، وكأن نور الله هو المصباح، وكأن قلبه زجاجة، يوقد هذا المصباح من شجرة الزجاجة، كأنه كوكب دري، كوكب شديد اللمعان، كثير التألق.

يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ

 يوقد من شجرة مباركة، هذه الشجرة المباركة وصفها الله عز وجل بأنها زيتونة، والزيتون كما جاء في بعض التفاسير شجرة تورق أوراقها من أسفلها إلى أعلاها، فيها إدام، وفيها دهن، وفيها دباغ، وهي وقود بحطبها وتفلها، وليس فيها شيء إلا وفيه منفعة، وهي معمرة، أوراقها سماد، تؤتي أكلها مرتين، والله تعالى سماها الشجرة المباركة، وفي القرآن الكريم:

﴿وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ﴾

[التين: 1]

 وكلكم يعلم أن هذا الشجر يقدم المواد الدهنية النباتية من أعلى مستوى، فكأن الله سبحانه وتعالى يشير إلى أن هذا المصباح، الذي هو في مشكاة، وهذا المصباح الذي هو في زجاجة، وهذه الزجاجة التي كأنها كوكب دري، وهذا النور الذي يمد المصباح يوقد من شجرة مباركة، وكأن الدهن الذي يمد المصباح هو أعلى دهن في صفائه، وفي استعداده للاشتعال، بل إن من استعداده للاشتعال أنه يكاد يضيء، ولو لم تمسسه نار.

 

يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ

 

 تعبير عن استعداده التام للاشتعال، وعن صفائه من الشوائب، الوقود مع الماء لا يشتعل، لوجود الشوائب فيه، الوقود مع مواد أخرى يطلق دخانا كثيفا، ولكن الوقود الصافي الذي ليس فيه شوائب يكاد يضيء، ولو لم تشعله، هذا تعبير عن هذا النور في صدر المؤمن أنه يوقد من شجرة مباركة، بعد قليل سنرى ما هي هذه الشجرة المباركة.

معنى: لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ

 لكن هذه الشجرة المباركة لا شرقية، ولا غربية.

المعنى الأول: أنها ليست من شجر الدنيا:

 بعضهم قال: ليست من شجر الدنيا، لأن شجرة الدنيا لابد أن تكون شرقية أو غربية، تأخذ أشعة الشمس من المشرق، أو تأخذها من المغرب، فإذا قال الله عز وجل:

﴿لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ﴾

 إذاً ليست من شجر الدنيا.

 

المعنى الثاني: أنها تأخذ الشمس من كل جانب:

 

 وبعضهم قال: الزيتونة إذا كانت بجانب الحائط تأخذ الشمس من جهة واحدة، فليس زيتها جيدا، وليس دهنها صافيا، أو هي من شجر الدنيا تأخذ الشمس من كل جانب، وهذه إشارة إلى أن الأشجار المعمرة لا تؤتي أكلها ناضجة شهية، ولا تكون ذات طعم طيب إلا إذا تلقت الشمس من كل جهة، فالأشجار المزروعة في حديقة مكتظة، وحولها أبنية أو جدران، هذه الأشجار لا تعطي ثمرا طيبا، إشارة إلى أن الأشجار إنما تتلقى طيب ثمارها من الشمس.

المعنى الثالث: إشارة إلى انقسام الدول إلى شرق وغرب:

 ومعنى ثالث: وكأن هذه الآية فيها إشارة إلى أن الله لعلمه بالغيب بما سيكون في آخر الزمان، كيف أن هذه الدول، وهذه الشعوب تنقسم إلى شرق وغرب ؛ في تفكيرها، وفي قيمها، وفي نظمها، وفي مبادئها، وأن هذه الشجرة المباركة لا هي من الشرق، ولا من الغرب، بل هي من السماء، وليس الإسلام شرقيا، ولا غربيا، إنه علوي من رب السماوات والأرض، هذا معنى ثالث، أي هذه الشجرة لا تنتمي إلى أصل أرضي، لا تنتمي إلى فكر أرضي، لا تنتمي إلى جهة دون جهة، لا تنتمي إلى قيم من صنع البشر، لا تنتمي إلى مبادئ من صنع الإنسان، إنها من رب السموات والأرض، لا شرقية، ولا غربية، ولكنها علوية.

﴿يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾

 هنا بيت الشاهد.

 

معنى: َكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُورٌ عَلَى نُورٍ

 

 أما قوله تعالى:

﴿يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُورٌ عَلَى نُورٍ﴾

 فقال علماء التفسير: " ليس معنى نور على نور تعدد النور، ولكن كثافة النور"، لذلك الله سبحانه وتعالى جعل الكون نوراً تستنير به لمعرفة الله، وجعل القرآن لك نوراً، فهو نور على نور، وجعل الأنبياء والرسل لك نوراً، وجعل العقل لك نوراً، وجعل الأحداث التي تقع في الدنيا نوراً، فيكافَأُ المحسن، ويعاقَب المسيء، يعز المستقيم، ويذل المنحرف، يمنح الكريم الميزات، ويحرم البخيل من هذه الخيرات، الذي يفي بوعده يكرمه الله، والذي لا يفي يخزيه، فالأحداث في الدنيا تؤكد الحقائق التي جاء بها القرآن، لذلك معنى:
 الكون نور، والقرآن نور، والأنبياء نور، والعقل نور، والأحداث نور.

 

معنى: هداية الله مَن يشاء إلى نوره:

 

﴿يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾

 الحقيقة هذا موضوع دقيق جدا، فمن هذا الذي يشاء الله أن يهديه إلى النور ؟ هناك آيات كثيرة تؤكد ذلك، يقول ربنا سبحانه وتعالى:

﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾

(سورة العنكبوت: الآية 69)

ثمن النور:

الثمن الأول: مجاهدة النفس والهوى:

 هذا أول ثمن، فهل جاهدت نفسك وهواك ؟ هل عاكست نفسك ؟

﴿ وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى (40) فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى (41) ﴾

(سورة النازعات: الآية 40-41)

 هل نهيتها من الهوى ؟ فَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ:

 

((خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى الْمَسْجِدِ وَهُوَ يَقُولُ بِيَدِهِ هَكَذَا - فَأَوْمَأَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ بِيَدِهِ إِلَى الْأَرْضِ - مَنْ أَنْظَرَ مُعْسِرًا أَوْ وَضَعَ لَهُ وَقَاهُ اللَّهُ مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ، أَلَا إِنَّ عَمَلَ الْجَنَّةِ حَزْنٌ بِرَبْوَةٍ، ثَلَاثًا أَلَا إِنَّ عَمَلَ النَّارِ سَهْلٌ بِسَهْوَةٍ، وَالسَّعِيدُ مَنْ وُقِيَ الْفِتَنَ، وَمَا مِنْ جَرْعَةٍ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ جَرْعَةِ غَيْظٍ يَكْظِمُهَا عَبْدٌ مَا كَظَمَهَا عَبْدٌ لِلَّهِ إِلَّا مَلَأَ اللَّهُ جَوْفَهُ إِيمَانًا))

 

[رواه حمد ]

 فالذي يجاهد نفسه وهواه يدفع ثمن هذا النور، يهدي الله لنوره من يشاء هذا أول ثمن.

 

الثمن الثاني: الهداية إلى سبل السلام:

 

 الثمن الثاني:

﴿يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنْ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ﴾

(سورة المائدة: الآية 16)

 فهل تتبع ما يرضي الله، أم تتبع ما يسخطه ؟ والله الذي لا إله إلا هو إن الإنسان يعلم بفطرته ما إذا كان في سلوكه يرضي الله أو يسخطه، فمن أرضى الله بسخط الناس رضي الله عنه، وأرضى الناس، ومن أرضى الناس بسخط الله سخط الله عليه، وأسخط الناس، فالذي يتبع رضوان الله عز وجل يهديه إلى هذا النور، وهذا ثمن ثان.

 

الثمن الثالث: الإيمان:

 

 الثمن الثالث:

﴿وَأَنَّا لَمَّا سَمِعْنَا الْهُدَى آمَنَّا بِهِ﴾

(سورة الجن: الآية 13)

 إذا لابد أن تسمع الهدى، وإن لم يكن لديك وقت لسماع الهدى فكيف تهتدي ؟ أن تقول: أريد أن أكون طبيباً، وليس لدي وقت للذهاب إلى الجامعة !! فلن تصبح طبيباً، ولا يمكن أن تكون طبيبا إلا إذا داومت في كلية الطب، ولا يمكن أن تكون مهتديا إلا إذا سمعت الحق، إذا لابد من حضور مجالس العلم، لأن طلب العلم فريضة، وأنى لك أن تعرف من دون أن تحضر.

﴿وَأَنَّا لَمَّا سَمِعْنَا الْهُدَى آمَنَّا بِهِ﴾

 فالهدى لابد أن تستمع إليه، والهدى له مكان، فالمساجد أمكنة توضح فيها الحقائق، ويقال فيها الحق، فإذا كنت تريد أن تهتدي فلابد أن تحضر مجالس العلم، فمن ليس لديه وقت لحضور هذه المجالس أنى له أن يعرف الحقيقة.

﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ﴾

(سورة يونس: الآية 9)

 يقول تعالى:

﴿يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾

مشيئة الله تعالى:

 أليست مشيئة الله موضحة في آيات كثيرة ؟ هذه الآيات توضح مشيئة الله، إذا أردت أن تهتدي فجاهد نفسك وهواك، إذا أردت أن تهتدي فاتبع ما يرضي الله، وبحسب الفطرة تعرف ما الذي يرضيه، وما الذي يسخطه، إذا أردت أن تهتدي فاحضر مجالس العلم، إذا أردت أن تهتدي فاعمل صالحا،

﴿وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾

(سورة آل عمران: من الآية 101)

 اعتصم بالله، وقال وهب بن منبه: قرأت في الكتاب الأول إن الله تعالى يقول:

 

(( بِعِزَّتِي إِنَّهُ مَنِ اعْتَصَمَ بِي فَإِنْ كَادَتْهُ السَّمَاوَاتُ بِمَنْ فِيهِنَّ وَالأَرْضُ مِمَّنْ فِيهِنَّ فَإِنِّي أَجْعَلُ لَهُ مِنْ بِيْنِ ذَلِكَ مَخْرَجًا، وَمَنْ لَمْ يَعْتَصِمْ بِي فَإِنِّي أَخْسِفُ بِهِ مِنْ تَحْتِ قَدَمَيْهِ الأَرْضَ فَأَجْعَلُهُ فِي الْهَوَاءِ، فَأَكِلُهُ إِلَى نَفْسِهِ ))

 

[ابن كثير، وفيض القدير]

 هل تعتصم بزيد، أو عبيد، أو فلان، أو علان، أم تعتصم بالواحد الديان ؟

﴿وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا﴾

(سورة النور: من الآية 54)

((ابْنَ آدَمَ أَطِعْ رَبَّكَ تُسَمَّ عَاقِلاً، وَيَهْدِكَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ، وَلاَ تَعْصِهِ فَتُسَمَّى جَاهِلاً ))

[مسند الحارث "زوائد الهيثمي" عن أبي هريرة وأبي سعيد، وانظر كشف الخفاء، وميزان الاعتدال]

 كان عليه الصلاة والسلام مع أصحابه يوما فرأى مجنونا فقال: من هذا ؟ قالوا: هذا مجنون، قال: لا، هذا مبتلى، المجنون من عصى الله، فالثمن أن تطيعه:

﴿وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَأَنْهَارًا وَسُبُلًا لَّعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾

(سورة النحل: الآية 15)

 هل فكرت في الكون، فإن أحد أسباب الهداية أن تفكر في هذا الكون، فعندما يقول ربنا تعالى:

 

﴿يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾

 ففي آيات كثيرة يبين ما هي هذه المشيئة.

 

 

موانع الهدى: الظلم – الفسق - الخيانة – الكذب – الإسراف - الاستكبار

 

 وهناك موانع للهدى، فالله سبحانه وتعالى لا يهدي إلى نوره القوم الظالمين، ظالم زوجتك، ظالم لأخيك، ظالم لصانع عندك، ظالم لجيرانك، آكل ما ليس لك، فإن الله لا يهدي القوم الظالمين، هذه موانع الهدى.

﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ﴾

(سورة المائدة: الآية 67)

 الجاحدين المعرضين.

﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾

(سورة المنافقون: الآية 6)

 من هو مقيم على معصية لا يهديه الله، قلبه أعمى لا ينور قلبه:

﴿وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ﴾

(سورة يوسف: الآية 52)

 كل أنواع الخيانة يمقتها الله عز وجل، ولا يهدي صاحبها، كل أنواع الخيانة دون استثناء، وقد قالوا: ترك السلام على الأعمى خيانة، إن رأيت أعمى تعرفه كفيف البصر، وتركت السلام عليه فهي خيانة له، بدءا من ترك السلام على الأعمى، وانتهاء بخيانة الأمة، هذا الذي ينقل أسرار الأمة إلى العدو، هذه خيانة عظمى، كل أنواع الخيانة:

﴿وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ﴾

 وقال تعالى:

﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ﴾

(سورة الزمر: الآية 3)

 الكذاب لا يهديه الله عز وجل، لأن المؤمن لا يكذب، يطبع المؤمن على الخلال كلها إلا الكذب والخيانة، إذا كذب لم يكن مؤمنا، انتهى الأمر، الكذب والخيانة يتناقضان مع الإيمان:

﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ﴾

(سورة الزمر: الآية 3)

 المسرف لا يهديه الله عز وجل... في كل شيء.

﴿إِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ لَا يَهْدِيهِمْ اللَّهُ﴾

(سورة النحل: الآية 104)

 هذه الآيات التي نصبها الله عز وجل دالة عليه لم لا تفكر بها؟؟. إذا لا تهتدي هذه موانع الهدى:

 

﴿وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءَهُمْ الْهُدَى إِلَّا أَنْ قَالُوا أَبَعَثَ اللَّهُ بَشَرًا رَسُولًا﴾

 

(سورة الإسراء: الآية 94)

 المستكبر لا يهتدي، يقول: من فلان، أنا أجلس في مجلسه، إذا كنت ترى أنك أعظم من الحق لن تهتدي، خذ الحكمة، ولا يضرك من أين مكان خرجت.. العبرة أن أهتدي بهذا الهدى.

﴿وَقَالُوا إِنْ نَتَّبِعْ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا﴾

(سورة القصص: الآية 57)

 هذا الذي ليس موحدا، إنه يخاف غير الله، يخاف إن صلى أن يقال عنه: كذا وكذا، يخاف إن حضر مجلس علم أن يقال عنه: كذا وكذا، وقالوا:

﴿وَقَالُوا إِنْ نَتَّبِعْ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا﴾

 هؤلاء مشركون بالله عز وجل لو علموا أن لا إله إلا الله، ولا معز إلا الله، ولا مذل إلا الله، ولا معطي، ولا مانع، ولا رافع، ولا خافض، ولا قابض، ولا باسط إلا الله، ما قالوا هذا الكلام، لذلك عندما يقول ربنا عز وجل:

﴿يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾

 هذا كله مثل من أمثال الله عز وجل.
 بعض التفاسير تقول: إن الزيتونة المباركة هي النبي عليه الصلاة والسلام، فهذا النور الذي في قلب المؤمن، إذا كان نور الله عز وجل هو المصباح، وإذا كان صدر المؤمن هو المشكاة، وإذا كان قلبه هي الزجاجة، هذا النور يوقد من شجرة مباركة هي النبي عليه الصلاة والسلام، يكاد زيتها، أي حججها الدامغة الدالة على عظمة الله عز وجل هو الزيت، كقوله تعالى:

﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ﴾

(سورة التوبة: الآية103)

 أي إذا صلى النبي عليه الصلاة والسلام على المؤمنين انتقل هذا النور من قلبه إلى قلوبهم، فكأن قلوبهم تضيء من نور رسول الله صلى الله عليه وسلم، الذي هو نور الله عز وجل، هذا تؤكده بعض الآيات الكريمة:

﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾

(سورة الأحزاب: الآية 56)

﴿يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾

الهدى بيد الله وحده:

 هناك شيء دقيق في الهدى...الهدى ليس بيد أحد لقوله عز وجل:

﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾

(سورة القصص: الآية 56)

 فإن الإنسان مخير، ويقول عز وجل:

﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾

(سورة البقرة: الآية 272)

 فالنبي ليس بإمكانه أن يهدي أحد، وليس مسؤولا عن عدم هداية أحد.
 الأولى:

﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾

 أي ليس الأمر لك.
 والثانية:

﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ﴾

 لك أنت تقول الحق، وبذلك تنتهي مهمة العلماء في تبيين الحق، فعَنْ قَيْسِ بْنِ كَثِيرٍ قَالَ قَدِمَ رَجُلٌ مِنْ الْمَدِينَةِ عَلَى أَبِي الدَّرْدَاءِ وَهُوَ بِدِمَشْقَ فَقَالَ: مَا أَقْدَمَكَ يَا أَخِي ؟ فَقَالَ: حَدِيثٌ بَلَغَنِي أَنَّكَ تُحَدِّثُهُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: أَمَا جِئْتَ لِحَاجَةٍ ؟ قَالَ: لَا، قَالَ: أَمَا قَدِمْتَ لِتِجَارَةٍ ؟ قَالَ: لَا، قَالَ: مَا جِئْتُ إِلَّا فِي طَلَبِ هَذَا الْحَدِيثِ ؟ قَالَ: فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ:

 

(( مَنْ سَلَكَ طَرِيقًا يَبْتَغِي فِيهِ عِلْمًا سَلَكَ اللَّهُ بِهِ طَرِيقًا إِلَى الْجَنَّةِ، وَإِنَّ الْمَلَائِكَةَ لَتَضَعُ أَجْنِحَتَهَا رِضَاءً لِطَالِبِ الْعِلْمِ، وَإِنَّ الْعَالِمَ لَيَسْتَغْفِرُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ حَتَّى الْحِيتَانُ فِي الْمَاءِ، وَفَضْلُ الْعَالِمِ عَلَى الْعَابِدِ كَفَضْلِ الْقَمَرِ عَلَى سَائِرِ الْكَوَاكِبِ، إِنَّ الْعُلَمَاءَ وَرَثَةُ الْأَنْبِيَاءِ، إِنَّ الْأَنْبِيَاءَ لَمْ يُوَرِّثُوا دِينَارًا وَلَا دِرْهَمًا، إِنَّمَا وَرَّثُوا الْعِلْمَ، فَمَنْ أَخَذَ بِهِ أَخَذَ بِحَظٍّ وَافِرٍ ))

 

[الترمذي(2682)]

 تنتهي مهمتهم في تبيان الحق.
 فإذًا:

﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾

 و:

﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾

الهدى اختيار:

 شيء ثان: الهدى اختيار، لقول الله عز وجل:

﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا﴾

(سورة الإنسان: الآية 3)

 ولقوله عز وجل:

﴿وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾

(سورة البقرة: الآية 148)

 ولقوله عز وجل:

﴿وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾

(سورة البقرة: الآية 213)

 ولقوله عز وجل:

﴿ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾

(سورة الأنعام: الآية 88)

الهدى وزيادة الهدى:

 ولكن عندنا هدى، وهناك زيادة على الهدى، عندما يختار الإنسان أن يكون مع الله عز وجل يزيده الله هدى، يقول الله عز وجل:

﴿وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى﴾

(سورة مريم: من الآية 76)

﴿إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى﴾

(سورة الكهف: الآية 13)

﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى﴾

(سورة محمد: الآية 17)

 فالهدى المنطلق منك أيها الإنسان، والله سبحانه وتعالى بعدئذ يتولى الزيادة لذلك: أهل ذكري أهل مودتي أهل شكري أهل زيادتي أهل معصيتي لا أقنطهم من رحمتي إن تابوا فأنا حبيبهم وإن لم يتوبوا فأنا طبيبهم ابتليهم بالمصائب لأطهرهم من الذنوب والمعايب "

 

شِوَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ

 

 شيء آخر، يقول ربنا سبحانه وتعالى:

﴿وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ﴾

(سورة الرعد: من الآية 7)

 أيْ: فلان عند فلان دعه وشأنه، ما دام فلان يهديه إلى سواء السبيل، دعه، فإن

 

:

﴿لِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ﴾

 أي الله عز وجل وزع الهداة في مشارق الأرض ومغاربها، وزّعهم في البلد الواحد، فهذا الإنسان أعجبته هذه الدعوة فأحبها، فلا تحاول أن تفكه عنها، حاول أن تأتي إلى المسجد بإنسان ضال، حاول أن تبث الإيمان في إنسان تائه...

﴿وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ﴾

 هذا يهتدي على يد فلان، وهذا على يد فلان، هذا يعجبه فلان، ولا يعجبه فلان، فهناك طباع وأمزجة، وهناك رغبات وميول، لكن لابد أن يكون الهدى ضمن الدائرة التي شرعها الله عز وجل، وما سوى ذلك فضلال في ضلال، ولكن هذا الذي يطمع أن يهتدي الناس على يديه لابد من ثمن باهظ يدفعه، أن تهتدي شيء، وأن يهتدي الناس على يديك شيء آخر...  وربنا عز وجل يقول:

﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا﴾

(سورة السجدة: الآية 24)

مِن ثمنِ الدعوة إلى الله:

الثمن الأول: الصبر في البلاء والامتحان:

 هناك امتحانات، ولابد أن تصبر، فإن لم تصبر فلا تطمع في أن يكون الهدى على يديك، فالصبر أحد الأثمان الباهظة لكي تكون داعية إلى الله عز وجل.

 

الثمن الثاني: الطاعة التامة:

 والطاعة التامة ثمن آخر، لقوله عز وجل:

 

﴿وَإِذْ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا﴾

(سورة البقرة: الآية 124)

 الطاعة التامة في السراء والضراء، في المنشط والمكره، ثمن آخر لأن تكون داعية إلى الله عز وجل.

 

الثمن الثالث: العمل الصالح:

 والعمل الصالح ثمن ثالث:

 

﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنْ الْمُسْلِمِينَ﴾

(سورة فصلت: الآية 33)

 لا تؤثر في أحد إلا إذا كان عملك صالحا يصدق دعوتك.

 

الثمن الرابع: عدم سؤال الأجر:

 

﴿ يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ*اتَّبِعُوا مَنْ لَا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾

(سورة يس: الآية 21)

 فعلامة الداعية الصادق أنه لا يسألك أجرا، لا ماديا، ولا معنويا، لا كبيرا، ولا صغيرا، لا يعلق أهمية إطلاقا إلا على رضوان الله عز وجل.

 

الثمن الخامس: العلم:

 

﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنْ اتَّبَعَنِي﴾

(سورة يوسف: الآية 108)

 ما اتخذ الله وليا جاهلا، لو اتخذه لعلمه، لابد أن تكون على بصيرة، لابد أن تكون الأمور واضحة تماما عندك، لأن زلة العالم كبيرة.

﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنْ اتَّبَعَنِي﴾

الثمن السادس: خشية الله وحده:

﴿الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ﴾

(سورة الأحزاب: من الآية 39)

 إذا كنت كذلك فأبشر، هذا الذي يطمع أن يكون هاديا للناس لابد أن يأتمر بأمر الله تماما، ولابد أن يصبر، ولابد أن يجاهد نفسه وهواه، ولابد أن يعمل صالحا، ولابد أن يترفع عن أي طلب مادي، ولابد أن يكون عالما، لأنه لا سبيل إلى تعليم الناس إلا إذا كان الذي يعلمهم عالما بكتاب الله وسنة رسوله، لأن فاقد الشيء لا يعطيه.
 هذه بعض الأثمان التي يجب أن تدفعها كي تنقل الناس إلى نور الله سبحانه وتعالى، وهناك بشارة تتضح معالمها كلما تقدمت الأيام والسنون، يقول الله عز وجل:

﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾

(سورة الصف: الآية 9)

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018