الدرس : 11 - سورة النور - تفسير الآيات 31 – 33 - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الدرس : 11 - سورة النور - تفسير الآيات 31 – 33


1988-12-09

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا وزدنا علما، وأرنا الحق حقا، وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلا، وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
 أيها الإخوة المؤمنون، مع الدرس الحادي عشر من سورة النور، وقد وصلنا في الدرس الماضي إلى قوله تعالى:

﴿ وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آَبَائِهِنَّ أَوْ آَبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعاً أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾

(سورة النور)

 أيها الإخوة الأكارم، هذه الآية شُرحت بشكل أو بأخر في الدرس الماضي، ولكن النبي عليه الصلاة والسلام له توجيهات، وتوجيهات النبي عليه الصلاة والسلام يجب أن نأخذ بها، لأن الله سبحانه وتعالى في نص القرآن الكريم، وفي آية محكمة، وبصيغة الأمر الذي يقتضي الوجوب يقول:

﴿وَمَا آتَاكُمْ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾

(سورة الحشر: من الآية7)

من توجيهات النبي عليه الصلاة والسلام:

 إنّ القرآن والسنة هما مصدرا التشريع، فالسنة مصدر رئيس ثانٍ من مصادر التشريع، فالنبي صلى الله عليه وسلم له توجيهات في هذا الموضوع، هذه التوجيهات مستمدة من روح القرآن.

معاني ( مِنْ ) في قوله تعالى: يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ

التوجيه الأول: النهي عن الخلوة بالأجنبية:

 وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن الخلوة، نهى الرجل عن أن يخلو بامرأة أجنبية لا تحل له، وربما كانت هذه المرأة من قريباته، ولكنها ليست من محارمه، ففي حياة الرجل أربعة أصناف من النساء ؛ هناك زوجته، ولها حكم خاص، وهناك محارمه، وهناك قريباته، وهناك النساء الأجنبيات عنه، فنهى النبي عليه الصلاة والسلام المسلم أن يخلو بامرأة أجنبية، أو قريبة ليست من محارمه، ففي حديث صحيح رواه الترمذي عَنْ جَابِرٍ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:

 

(( لَا تَلِجُوا عَلَى الْمُغِيبَاتِ، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ يَجْرِي مِنْ أَحَدِكُمْ مَجْرَى الدَّمِ، قُلْنَا: وَمِنْكَ ؟ قَالَ: وَمِنِّي، وَلَكِنَّ اللَّهَ أَعَانَنِي عَلَيْهِ فَأَسْلَمُ ))

 قَالَ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ فِي تَفْسِيرِ قَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

 

(( وَلَكِنَّ اللَّهَ أَعَانَنِي عَلَيْهِ فَأَسْلَمُ ))

 " يَعْنِي أَسْلَمُ أَنَا مِنْهُ، قَالَ سُفْيَانُ: وَالشَّيْطَانُ لَا يُسْلِمُ.

(( وَلَا تَلِجُوا عَلَى الْمُغِيبَاتِ ))

  وَالْمُغِيبَةُ الْمَرْأَةُ الَّتِي يَكُونُ زَوْجُهَا غَائِبًا، وَالْمُغِيبَاتُ جَمَاعَةُ الْمُغِيبَةِ ".

 

[الترمذي، أحمد]

 ( لا ) ناهية، و( تَلِجُوا ) بمعنى تدخلوا، لا تدخلوا على امرأة غاب عنها زوجها، هذه هي المغيبة، فالدخول عليها خطر عليكم وعليها.

 

 

(( لَا تَلِجُوا عَلَى الْمُغِيبَاتِ، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ يَجْرِي مِنْ أَحَدِكُمْ مَجْرَى الدَّمِ ))

 كم من خلوة أودت إلى خيانة، وكم من خيانة أودت إلى طلاق، وكم من طلاق أودى إلى تشريد أسرة... وهذه كلها أساسها الخلوة، فالنبي صلى الله عليه وسلم نهى المسلم أن يخلو بامرأة لا تحل له.
 وفي حديث صحيح آخر رواه الإمام أحمد عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

 

 

((... مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَلا يَخْلُوَنَّ بِامْرَأَةٍ لَيْسَ مَعَهَا ذُو مَحْرَمٍ مِنْهَا، فَإِنَّ ثَالِثَهُمَا الشَّيْطَانُ ))

 

[أحمد]

 فأحيانا يكون هذا المصعد يحقق الخلوة، لذلك فهناك أناس لا يرتاحون لوجود مصعد في بناء، لأنه إذا دخلت إليه امرأة ربما تحققت الخلوة، ومع ذلك فإنَّ أي مكان تتحقق فيه الخلوة فهو مكان حرمه الشرع، هذا توجيه، هذه الشهوة التي أودعها الله في الإنسان شهوة فعالة، فالشريف هو الذي يأتمر بأوامر الشرع، أما هذا الذي يقول: أنا لا أتأثر، أو أنا أعرف نفسي، أو أنا في حصن حصين، فهذا كلام فارغ لا معنى له، هذا الذي يعتمد على نفسه، ويثق بها، وهو موقن أنها لا تزل، هذا إنسان لا يعرف طبيعة النفس، فالشريف هو الذي يهرب من أسباب الخطيئة، والنبي صلى الله عليه وسلم نهى عن الخلوة، فقد تأتي أخت الزوجة إلى البيت من مكان بعيد، وليست أختها في البيت، فلا ينبغي للزوج أن يستقبل أخت زوجته، ويخلو بها في بيت واحد، هذا لا يجوز، هذا نظام عام، وهكذا أمر الشارع الحكيم، فأي مكان جمعك بامرأة لا تحل لك، وليست من محارمك فهذا المكان يعد خلوة، فلا ينبغي أن يتواجد فيه المسلم.
 أحيانا تكون على موعد مع صديق لك، فتأتيه في الوقت المناسب، يقال لك: تفضل، سيعود بعد قليل، فقل: لا، أنتظره خارجا، أو سأعود بعد قليل، لا تدخل على امرأة في بيت وحيد، قد تكون أنت من أشرف الخلق، ولكن قد يساء بك الظن، يقول الإمام علي كرم الله وجهه: << لا تضع نفسك موضع التهمة، ثم تلوم الناس إذا اتهموك>>.
 عَنْ عَلِيِّ بْنِ حُسَيْنٍ أَنَّ صَفِيَّةَ زَوْجَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَخْبَرَتْهُ أَنَّهَا جَاءَتْ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَزُورُهُ وَهُوَ مُعْتَكِفٌ فِي الْمَسْجِدِ فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ، ثُمَّ قَامَتْ تَنْقَلِبُ، فَقَامَ مَعَهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، حَتَّى إِذَا بَلَغَ قَرِيبًا مِنْ بَابِ الْمَسْجِدِ عِنْدَ بَابِ أُمِّ سَلَمَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَرَّ بِهِمَا رَجُلَانِ مِنْ الْأَنْصَارِ، فَسَلَّمَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ثُمَّ نَفَذَا، فَقَالَ لَهُمَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

 

(( عَلَى رِسْلِكُمَا، قَالَا: سُبْحَانَ اللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ !!! وَكَبُرَ عَلَيْهِمَا ذَلِكَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنَّ الشَّيْطَانَ يَبْلُغُ مِنْ الْإِنْسَانِ مَبْلَغَ الدَّمِ، وَإِنِّي خَشِيتُ أَنْ يَقْذِفَ فِي قُلُوبِكُمَا شَيْئًا ))

 

[البخاري، مسلم]

 لو كان الإنسان شريفا إلى أبعد الحدود، لو أنه واثق في نفسه، المكان الذي يفسر تفسيرات لا تليق به لا ينبغي أن يكون فيه، فالنبي عليه الصلاة والسلام استنباطا من هذه الأحكام، واستنباطا من روح القرآن وجّهنا توجيهات لابد أن نأخذ بها، من هذه التوجيهات عدم الخلوة بامرأة ليست من ذوات المحارم، فلو اطلعتم على كتب الفروع ؛ فروع الفقه، ودقائقه، وتفصيلاته لوجدتم أن زوجة الابن الشابة كما ورد في حاشية ابن عابدين، وهو أوسع موسوعة في الفقه الحنفي أن زوجة الابن الشابة لا يجوز للرجل أن يخلو بها، أي لا يجوز للأب أن يخلو بها إلا في حضرة ابنه، وهي من إحدى محارمه، ولكن في غيبة ابنه اتقاء للشبهات، ونوازع النفس، أي حتى المحارم درجات ؛ الأم، والأخت، والبنت، ولكن بنت الزوجة، وابن الزوج، وزوجة الابن الشابة، هذه أيضا من المحارم، ولكن من درجة ثانية، هذه الدرجة الثانية ينبغي أن يحتاط الإنسان في التعامل معها.

 

التوجيه الثاني: النهي عن مسّ الرجل المرأةَ الأجنبية:

 من توجيهات النبي عليه الصلاة والسلام المستوحاة من روح القرآن الكريم أنه نهى أن يمس الرجل امرأة بيده ليست من محارمه، فَعَنْ أُمَيْمَةَ بِنْتِ رُقَيْقَةَ أَنَّهَا قَالَتْ:

 

 

(( أَتَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي نِسْوَةٍ مِنَ الأنْصَارِ نُبَايِعُهُ، فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ نُبَايِعُكَ عَلَى أَنْ لا نُشْرِكَ بِاللَّهِ شَيْئًا، وَلا نَسْرِقَ، وَلا نَزْنِيَ، وَلا نَأْتِيَ بِبُهْتَانٍ نَفْتَرِيهِ بَيْنَ أَيْدِينَا وَأَرْجُلِنَا، وَلا نَعْصِيكَ فِي مَعْرُوفٍ، قَالَ: فِيمَا اسْتَطَعْتُنَّ وَأَطَقْتُنَّ، قَالَتْ: قُلْنَا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَرْحَمُ بِنَا، هَلُمَّ نُبَايِعْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنِّي لا أُصَافِحُ النِّسَاءَ، إِنَّمَا قَوْلِي لِمِائَةِ امْرَأَةٍ كَقَوْلِي لامْرَأَةٍ وَاحِدَةٍ، أَوْ مِثْلُ قَوْلِي لامْرَأَةٍ وَاحِدَةٍ))

 

[النسائي، ابن ماجه، أحمد، مالك]

 طبعا أن تمس يد امرأة لا تحل لك هذا مدعاة للزنى، أو مدعاة للتأثر، أو مدعاة للإثارة، لذلك لو أن الموقف حرج:

 

(( إِنِّي لا أُصَافِحُ النِّسَاءَ ))

 هذا حكم الشرع، والله أحق أن تخشاه، فقد يستحي الإنسان، قد يعترضه موقف حرج، لكن الله سبحانه وتعالى من خلال سنة النبي عليه الصلاة والسلام لا يرضى أن تصافح امرأة لا تحل لك، فإن واجهت امرأة من ذوات محارمك هذا شيء آخر، ولكن امرأة ليست من ذوات المحارم لا ينبغي أن تمسها أبدا، ولو من قبيل المصافحة، ولو أنها مدت يدها إليك، فليس من تطبيق الشرع أن تصافح امرأة أجنبية، أو ليست من ذوات محارمك، هذا توجيه آخر، فقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم أن يمس الرجل امرأة بيده ليست من محارمه.

 

 

التوجيه الثالث: النهي عن سفرِ المرأة من دون محرَمٍ:

 الآن السفر، كما صرح به الفقهاء، السفر خلوة، لذلك النبي عليه الصلاة والسلام نهى المرأة أن تسافر وحدها، أو أن تسافر مع رجل ليس من محارمها، فَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

 

 

(( لَا تُسَافِرْ الْمَرْأَةُ إِلَّا مَعَ ذِي مَحْرَمٍ، وَلَا يَدْخُلُ عَلَيْهَا رَجُلٌ إِلَّا وَمَعَهَا مَحْرَمٌ، فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أَخْرُجَ فِي جَيْشِ كَذَا وَكَذَا، وَامْرَأَتِي تُرِيدُ الْحَجَّ، فَقَالَ: اخْرُجْ مَعَهَا))

 

[البخاري، مسلم]

 فالسفر مطلق السفر، ومنه الحج، فلا يجوز للمرأة أن تحج، ولا أن تسافر إلا مع زوج، أو ذي محرم، لأن السفر خلوة، هذا هو التوجيه الثالث.
 التوجيه الأول: هو النهي عن الخلوة.
 والتوجيه الثاني: نهى أن تمس يد امرأة لا تحل لك.
 والتوجيه الثالث: نهى عن سفر المرأة إلا مع زوج أو محرم.

 

التوجيه الرابع: النهي عن الاختلاط بين الرجال والنساء:

 فقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن الاختلاط بين الرجال والنساء، لِما فيه من الفساد، فساد ذات البين، وفساد الدين، فالنبي عليه الصلاة والسلام أعفى النساء من وجوب تأدية صلاة الجمعة، لماذا أعفاهن من ذلك ؟ كي لا يختلطن بالرجال، ولماذا أعفاهن من صلاة الجماعة مطلقا ؟ أيضا كي لا يختلطن بالرجال، ولماذا منعت النساء من زيارة القبور، وقد رآهن النبي فعَنِ ابْنِ الْحَنَفِيَّةِ عَنْ عَلِيٍّ قَالَ:

 

 

(( خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَإِذَا نِسْوَةٌ جُلُوسٌ قَالَ: مَا يُجْلِسُكُنَّ، قُلْنَ: نَنْتَظِرُ الْجِنَازَةَ، قَالَ: هَلْ تَغْسِلْنَ ؟ قُلْنَ: لا، قَالَ: هَلْ تَحْمِلْنَ ؟ قُلْنَ: لا، قَالَ: هَلْ تُدْلِينَ فِيمَنْ يُدْلِي ؟ قُلْنَ: لا، قَالَ: فَارْجِعْنَ مَأْزُورَاتٍ غَيْرَ مَأْجُورَاتٍ))

 

[ابن ماجه]

 لأن المرأة إذا ذهبت إلى المقبرة لتزور قبر زوجها، أو أخيها، أو ابنها، وكانت متبرجة، ولم تكن متحصنة بحجاب يمنع أن تظهر مفاتنها، وربما كان صوتها عورة، وبكاؤها عورة، ونشيجها عورة، وما إلى ذلك، لذلك انطلاقا من أن اختلاط الرجال بالنساء يسبب فساد ذات البين، وفساد الدين لم تجب عليها صلاة الجمعة، ولا صلاة الجماعة.
 شيء آخر، إلى الآن في المسجد النبوي الشريف باب للنساء، هذا الباب الذي كتب عليه باب النساء هو قديم جدا، لذلك ورد أن سيدنا عمر نهى الرجال في عهده أن يدخلوا باب النساء لئلا يختلطوا بهن، وإلى اليوم في أثناء الحج والعمرة التي أكرمني الله بهما رأيت النساء في هذا المسجد النبوي الشريف في حيز مستقل عن حيز الرجال، تنفيذا لهذا التوجيه الكريم، فلو صلى النساء مع الرجال فرضاً في مسجد فقد وجّه النبي عليه الصلاة والسلام إلى أن خير صفوف الرجال أولها وشرها آخرها، بينما خير صفوف النساء آخرها وشرها أولها، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

 

(( خَيْرُ صُفُوفِ الرِّجَالِ أَوَّلُهَا، وَشَرُّهَا آخِرُهَا، وَخَيْرُ صُفُوفِ النِّسَاءِ آخِرُهَا، وَشَرُّهَا أَوَّلُهَا))

 

[مسلم، الترمذي، النسائي، ابن ماجه]

 لأن أولها قد يقترب من صفوف الرجال، هذا توجيه آخر في النهي عن الاختلاط.

 

التوجيه الخامس: عدم ملء النساء وسط الطريق ومزاحمة الرجال:

 والنبي عليه الصلاة والسلام له توجيه عندما رأى النساء يحققن الطريق، أي يملأن الطريق، فعَنْ حَمْزَةَ بْنِ أَبِي أُسَيْدٍ الْأَنْصَارِيِّ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ وَهُوَ خَارِجٌ مِنْ الْمَسْجِدِ فَاخْتَلَطَ الرِّجَالُ مَعَ النِّسَاءِ فِي الطَّرِيقِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلنِّسَاءِ:

 

 

(( اسْتَأْخِرْنَ، فَإِنَّهُ لَيْسَ لَكُنَّ أَنْ تَحْقُقْنَ الطَّرِيقَ، عَلَيْكُنَّ بِحَافَّاتِ الطَّرِيقِ، فَكَانَتْ الْمَرْأَةُ تَلْتَصِقُ بِالْجِدَارِ، حَتَّى إِنَّ ثَوْبَهَا لَيَتَعَلَّقُ بِالْجِدَارِ مِنْ لُصُوقِهَا بِهِ ))

 

[أبو داود، الطبراني في الكبير]

 أي لا ينبغي للمرأة أن تزاحم الرجال، وكلكم يعلم كيف أنَّ ابنتي سيدنا شعيب عليه السلام، وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام كانتا واقفتين في زاوية، فسألهما موسى عليه السلام عن السبب، قال تعالى:

﴿ وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنْ النَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمْ امْرَأتَيْنِ تَذُودَانِ قَالَ مَا خَطْبُكُمَا قَالَتَا لَا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ ﴾

[القصص: 23]

 إنّ المرأة المسلمة الشريفة الطاهرة لا تزاحم الرجال، فإذا أرادت أن تصعد إلى مركبة مكتظة يجب أن تقف وقتا طويلا كي تنتظر مركبة لا تزاحم فيها الرجال، لأن ملاصقة أو ازدحام أو تداخل النساء والرجال هذا مما لا يرضى عنه الشرع.
 هذه بعض التوجيهات التي وجهها النبي عليه الصلاة والسلام في شأن العلاقة بين النساء والرجال، و العلماء يقولون: إذا كان الإسلام لا يسمح بالاختلاط في العبادة كالصلاة فلو حاذت المرأة الرجال في الصلاة فالصلاة كلها فاسدة، لأن الإنسان قد ينشغل عن الصلاة بشيء آخر، فإن كان الإسلام قد نهى عن الاختلاط في العبادات فالأولى أن ينهى عن الاختلاط في غيرها، وهذا شيء بدهي جدا، إنه لم يرضَ بالاختلاط في العبادة فكيف في غير العبادة ؟‍‍‍‍‍‍!.
 والآية بعد هذه الآية:

 

﴿ وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾

 

(سورة النور)

استنباطات من قوله: وَأَنْكِحُوا

الاستنباط الأول: توجيه الأمر بالتزويج على الذكور:

 كلمة:

﴿ أَنْكِحُوا ﴾

 بمعنى زوِّجوا، وهذا الأمر الإلهي موجه إلى جماعة الذكور.

 

الاستنباط الثاني: توجيه الأمر بالتزويج إلى أولي الأمر:

 بعض العلماء قال: هذا الأمر موجه إلى الأمة كلها.

 

﴿ أَنْكِحُوا الأَيَامَى ﴾

الاستنباط الثالث: توجيه الأمر بالتزويج وأولياء الحرائر والعبيد:

 وبعضهم قال: هذا الأمر موجه إلى أولياء الأحرار والحرائر، وإلى سادة العبيد والإماء، إما فأن يوجه الأمر إلى الأمة بكاملها، فهذا يعني أنه موجه إلى من يمثلون هذه الأمة، وهم أولو الأمر، لذلك الحدود التي وجه الأمر بها إلى جماعة الذكور، أي إلى كل الأمة هي في الأساس موجهة إلى من يمثل الأمة، وهم أولو الأمر، لذلك إقامة الحدود ليست على آحاد المسلمين، ولذلك هذه الآية تحمل على الآيات السابقة من حيث إن الله سبحانه وتعالى يوجه الأمر إلى جماعة المؤمنين، أو إلى الأمة كلها، بل إلى أولي الأمر الذين يمثلون الأمة في تطبيق أحكام الشرع.
 لذلك فـ:

﴿أَنْكِحُوا﴾

 أمر موجه إلى أولي الأمر أن يُنْكِحوا.

﴿الأَيَامَى﴾

مَن هم الأَيَامَى ؟

 الأيِّم مَن لا زوج له، ذكراً كان أم أنثى، عازباً كان أم متزوجا، أيْ أيّ رجل لا زوجة له، أو أية امرأة لا زوج لها، أيّ شاب أعزب لا زوجة له، أو أيّ رجل غائب، أو افترق عن زوجته لسبب أو آخر، فهو الآن لا زوجة له.

﴿وَأَنكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ﴾

 هذا أمر موجه إلى أولي الأمر، وقد فهم العلماء هذا الأمر أنه على أولي الأمر أن ييسروا سبل الزواج، فتأمين المساكن هو تنفيذ لهذا الأمر، وتأمين الحاجات الأساسية للمتزوجين هو تنفيذ لهذا الأمر:

﴿وَأَنكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمْ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾

الزواج سنة الله في خَلقِه:

﴿الْأَيَامَى﴾

 جمع، مفرده أيِّم، والأيِّم من لا زوج له، ذكراً أم أنثى، عازباً أم متزوجًا، لأن الزواج سنة الله سبحانه وتعالى، وقد بلغ النبي مرة أن بعض أصحابه أزمعوا أن ينصرفوا عن الدنيا، فَعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَقُولُ:

 

((جَاءَ ثَلَاثَةُ رَهْطٍ إِلَى بُيُوتِ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَسْأَلُونَ عَنْ عِبَادَةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَلَمَّا أُخْبِرُوا كَأَنَّهُمْ تَقَالُّوهَا، فَقَالُوا: وَأَيْنَ نَحْنُ مِنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؟ قَدْ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخَّرَ، قَالَ أَحَدُهُمْ: أَمَّا أَنَا فَإِنِّي أُصَلِّي اللَّيْلَ أَبَدًا، وَقَالَ آخَرُ: أَنَا أَصُومُ الدَّهْرَ، وَلَا أُفْطِرُ، وَقَالَ آخَرُ: أَنَا أَعْتَزِلُ النِّسَاءَ، فَلَا أَتَزَوَّجُ أَبَدًا، فَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَيْهِمْ، فَقَالَ: أَنْتُمْ الَّذِينَ قُلْتُمْ كَذَا وَكَذَا، أَمَا وَاللَّهِ إِنِّي لَأَخْشَاكُمْ لِلَّهِ، وَأَتْقَاكُمْ لَهُ، لَكِنِّي أَصُومُ وَأُفْطِرُ، وَأُصَلِّي وَأَرْقُدُ، وَأَتَزَوَّجُ النِّسَاءَ، فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي))

 

[البخاري]

 وفي رواية مسلم عَنْ أَنَس:ٍ

((أَنَّ نَفَرًا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَأَلُوا أَزْوَاجَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ عَمَلِهِ فِي السِّرِّ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَا أَتَزَوَّجُ النِّسَاءَ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَا آكُلُ اللَّحْمَ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَا أَنَامُ عَلَى فِرَاشٍ، فَحَمِدَ اللَّهَ، وَأَثْنَى عَلَيْهِ، فَقَالَ: مَا بَالُ أَقْوَامٍ قَالُوا كَذَا وَكَذَا ؟ لَكِنِّي أُصَلِّي وَأَنَامُ، وَأَصُومُ وَأُفْطِرُ، وَأَتَزَوَّجُ النِّسَاءَ، فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي))

[مسلم]

 لأن الله سبحانه وتعالى عندما خلق الزوجين الذكر والأنثى كان من نتائج هذا الخلق الزواج، قال تعالى:

﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾

(سورة الروم: الآية 21)

الأمر بالزواج للندب:

 توجيه القرآن الكريم، وتوجيه النبي عليه الصلاة والسلام يدعونا جميعا إلى الزواج، فالزواج سنة من سنن النبي، لذلك جاء الأمر هنا:

﴿وَأَنكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ﴾

 ولكن العلماء حملوا هذا الأمر على الندب، فعندنا أمر يقتضي الوجوب، وعندنا أمر للندب، وعندنا أمر للإباحة، وعندنا أمر للتهديد.

﴿فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ﴾

 هذا أمر للوجوب، أما:

﴿وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا﴾

[الكهف: من الآية 29]

 فكلمة:

﴿فَلْيَكْفُرْ﴾

 هذا أمر، ولام الأمر مضافة للفعل المضارع، فكأنه فعل أمر، فهل هذا الأمر للوجوب ؟ لا، ولكنه أمر تهديد، كأن تقول لمن يخالف توجيهاتك: افعل هذا إن شئت، افعل، وانتظر ما سيكون، هل تقول له: افعل من أجل أن يفعل ؟ بل كي لا يفعل، إنك تأمره على طريقة التهديد، فالأمر أحيانا يقتضي التهديد، وأحيانا يقتضي الإباحة، قال تعالى:

﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمْ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنْ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنْ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾

(سورة البقرة: من الآية 187)

 إذا لم يأكل الإنسان في ليلة رمضان فهو لم يخالف، ولأن هذا أمر إباحة، وعندنا أمر وجوب:

﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾

(سورة البقرة: الآية 43)

 وهذا أمر وجوب، وهناك ندب، هناك ظروف معقدة قد يكون الإنسان عازفًا عن الزواج، أو ليس بإمكانه الزواج، أو لديه مانع عن الزواج، فهذا أمر ندب في أصح أقوال العلماء.

 

﴿وَأَنكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ﴾

 فإذا وجهنا هذا الآية إلى أولي الأمر، كان المعنى أن ييسروا سبل الزواج، وإذا وجهت هذه الآية إلى أولياء الفتيات، وأولياء الفتيان، وإلى سادة العبيد والإماء، فهذا الأمر يعني على الأب أن يزوج ابنه إن كان قادرا على إعانته فليفعل، وعلى الأب ألاّ يرد خاطبا فيه صلاح في دينه وخلقه، ولذلك عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

 

((إِذَا خَطَبَ إِلَيْكُمْ مَنْ تَرْضَوْنَ دِينَهُ وَخُلُقَهُ فَزَوِّجُوهُ إِلا تَفْعَلُوا تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الأرْضِ وَفَسَادٌ عَرِيضٌ))

[الترمذي(1084)، ابن ماجه(1967)]

 فالأمر أيضا موجه إلى أولياء الحرائر من الشباب والشابات، وإلى سادة العبيد.

﴿وَأَنكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ﴾

 وكلمة:

﴿مِنْكُمْ﴾

 تعني أن هؤلاء موجهة إلى الأحرار، ومن كن في هذه المرتبة من النساء موجه أيضا إلى من كن في طور العبودية من العبيد والإماء.

 

تسلسل الآيات: حد الزنا – الملاعنة – حديث الإفك – الاستئذان – غض البصر – النكاح

 

 الذي يلفت النظر أن الله سبحانه وتعالى بعد أن حدثنا عن الزنى في أول سورة النور، وبعد أن حدثنا عن أحكام عقوبة الزاني، وحد الزنى، وبعد أن حدثنا عن الملاعنة، وبعد أن حدثنا عن حديث الإفك، وبعد أن وجهنا إلى خطر الخلوة، وآداب الاستئذان، وغض البصر، وإظهار الزينة، بعد كل هذه الموضوعات يأمرنا الله سبحانه وتعالى أن ننكح الأيامى، فما العبرة المستفادة من أن تأتي هذه الآية في هذا الموضع ؟ قال العلماء: إنَّ العبرة أن كل شيء نهى الله عنه له في الإسلام بديل، فالله سبحانه وتعالى حين نهى عن الربا أحل البيع، وحين نهى عن الخمر وشربها أحل عشرات بل مئات الأشربة التي سمح لنا بشربها، وحينما نهى عن السفاح سمح بالنكاح، وحين نهى عن أكل لحم الخنزير سمح بأكل لحم الأنعام، فأي شيء حرمه الله عز وجل له بديل طيب، وكل شيء حرمه الله في الإسلام له بدائل، وقد استنبط بعض العلماء من قوله تعالى:

﴿وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ﴾

(سورة البقرة: من الآية 35)

 فالمنهي عنه محدود جدا، والمباح كثير جدا، وعدد الأشربة التي سمح للإنسان بشربها لا تعد ولا تحصى، ولكن الله نهى عن الخمر، لأنها تذهب العقل، فحينما نهانا عن الزنى، وقذف المحصنات، وحد الحدود، وأقام الموانع، ومنع الخلوة، هذه الموضوعات كلها انتهت بقوله تعالى:

﴿وَأَنكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ﴾

 فالأمر موجه إلى أولي الأمر، لأنهم يمثلون الأمة، لأن الأمر جاء بصيغة جماعة الذكور.

 

حقٌّ على الله إعانةُ الناكح المريدَ للعفاف:

 

 وشيء آخر ؛ من كانت الناحية المادية عقبة أمام تزويج ابنه أو ابنته فليس منا، والدليل أن الله سبحانه وتعالى تكفل لمن يطلب النكاح من أجل العفة أن يعينه، فَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:

((ثَلاثَةٌ حَقٌّ عَلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ عَوْنُهُمُ، الْمُكَاتَبُ الَّذِي يُرِيدُ الأدَاءَ وَالنَّاكِحُ الَّذِي يُرِيدُ الْعَفَافَ وَالْمُجَاهِدُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ))

[الترمذي، النسائي ]

 وقد تسمعون آلاف القصص حول هذا الموضوع، شاب ليس في يديه شيء، ولكنه آثر الزواج إحصانا لنفسه، نرى أن الله سبحانه وتعالى سهل له كل أمر، وذلل له كل المصاعب، وجعل كل شيء يهون أمامه، لذلك الدعاء الشريف:

 

((اللَّهُمَّ لاَ سَهْلَ إِلاَّ مَا جَعَلْتَهُ سَهْلاً))

 

[صحيح ابن حبان عن أنس]

 ويقول الله سبحانه وتعالى:

﴿ فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (5) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (6) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى (7)﴾

(سورة الليل: الآيات 5-7)

 فالتيسير والتعسير لهما أسباب:

﴿ فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (5) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (6) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى (7) وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى (8) وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى (9) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى (10) ﴾

(سورة الليل: الآيات 5-10)

﴿وَأَنكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ﴾

 والأيامى كما قلنا قبل قليل مَن لا زوج له، ذكراً أم أنثى، عازباً كان أم متزوجاً.

 

معنى الصلاح في قوله: وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ

 

 الصالحين يعني أن هؤلاء يصلحون للنكاح، من حيث القدرة والسن، من حيث القدرة الجسدية، ومن حيث النضج الاجتماعي، ومن حيث التمكن الاقتصادي، ومن حيث صلاح الدين، أي أن يصلح سنه، ودخله، ودينه، لذلك الزواج كما قيل رقٌّ، فلينظر أحدكم أين يضع كريمته، لذلك لابد من صلاح الزوج والزوجة، وعلى أولياء الأمور أن يربّوا أولادهم وبناتهم تربية يصلحون معها للزواج، فقد تعلم البنت كل شيء إلا حقوق الزوج، وإلا إدارة البيت، فهذه الزوجة يمكن أن تكون متحذلقة، ولكنها ليست ربة بيت مثالية، وربنا سبحانه وتعالى يقول:

﴿وَأَنكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ﴾

 قال العلماء: " صلاح الدين، أو صلاح الأهلية، أي هل هذا الإنسان أهل للزواج "، قد تسمع بإنسان تزوج في سن مبكرة، وهو غير ناضج، وغير متفقه في الدين، ويحلف بالطلاق لأتفه الأسباب، ويقع في الحرام، ويحتاج لمن يفتي له، ويدخل في دوامة لا نهاية لها، فهذا الشاب غير الناضج اجتماعيا، وغير الناضج دينيا ليس أهلا لأن يقود امرأة، وأن تقود امرأة إلى جادة الصواب شيء يحتاج إلى الحنكة، والصبر، والتروي، فربنا سبحانه وتعالى أشار في هذه الكلمة إلى الصلاح والأهلية.
 هل هذا الشاب أهل لأن يدير بيتاً ؟ هل هو أهل لأن تكون في حوزته امرأة ؟ هل يستطيع هذا الشاب أن يلبي حاجات هذه الزوجة ؟ هل هذا الشاب أهل لأن يؤسس أسرة ؟ هل يستطيع أن يقود أفرادها إلى شاطئ الأمان.

﴿وَأَنكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ﴾

 لم يقل: والصالحين والصالحات، هذا كما قلنا: مِن قبل التغليب، والتغليب أن يغلب حكم الذكور على حكم النساء، أي يجب أن يكون من عبادكم، أي من العبيد الذين فقدوا حريتهم نتيجة الفتوحات الإسلامية، وإمائكم أيضا، وهن النساء اللاتي يقعن أسيرات في الفتوحات الإسلامية.

 

الزواج حلٌّ لمشكلة الإعسار:

 

﴿إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمْ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾

 وكأن الزواج يحل مشكلة الإعسار، وكأن الله سبحانه وتعالى يوجهنا إلى أنه لا ينبغي أن يكون الفقر مانعاً من تزويج بناتنا لمن هم أهل لهذا الزواج، هذا قول النبي عليه الصلاة والسلام:

 

((إِذَا خَطَبَ إِلَيْكُمْ مَنْ تَرْضَوْنَ دِينَهُ وَخُلُقَهُ فَزَوِّجُوهُ إِلا تَفْعَلُوا تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الأرْضِ وَفَسَادٌ عَرِيضٌ))

 

[الترمذي، ابن ماجه]

﴿إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمْ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾

 وكما ورد في بعض الأحاديث:

 

((مَنْ تَزَوَّجَ امْرْأَةَ بِعِزِّهَا لَمْ يَزِدْهُ اللَّهُ إِلاَّ ذُلاًّ، وَمَنْ تَزَوَّجَ الْمَرْأَةَ لِمَالِهَا لَمْ يَزِدْهُ اللَّهُ إِلاَّ فَقْرًا، وَمَنْ تَزَوَّجَ الْمَرْأَةَ لِحَسَبِهَا لَمْ يَزِدْهُ اللَّهُ إِلاَّ دَنَاءَةً، وَمَنْ تَزَوَّجَ امْرَأَةً لَمْ يَتَزَوَّجْهَا إِلاَّ لِيَغُضَّ بَصَرَهُ، أَوْ لِيُحَصِّنَ فَرْجَهُ، أَوْ يَصِلَ رَحِمَهُ بَارَكَ اللَّهُ لَهُ فِيهَا، وَبَارَكَ لَهَا فِيهِ))

 

[الطبراني في الأوسط عن أنس]

 ويقول عليه الصلاة والسلام تنفيذا لهذه الآية:

﴿وَأَنكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ﴾

الحث على مساعدة الشباب في الزواج والشفاعة لهم فيه:

((مَنْ مَشَى فِي تَزْوِيجِ رَجُلٍ حَلاَلاً حَتَّى يَجْمَعَ بَيْنَهُمَا رَزَقَهُ اللَّهُ أَلْفَ امْرَأَةٍ مِنَ الْحُورِ الْعِينِ، كُلُّ امْرَأَةٍ فِي قَصْرٍ مِنْ دُرٍّ وَيَاقُوتٍ، وَكَانَ لَهُ بِكُلِّ خُطْوَةٍ خَطَاهَا أَوْ كَلِمَةٍ تَكَلَّمَ بِهَا فِي ذَلِكَ عِبَادَةُ سَنَةٍ، قِيَامُ لَيْلِهَا، وَصِيَامُ نَهَارِهَا))

(مسند الحارث/زوائد الهيثمي(1/317)]

 قد يكون الإنسان مقصراً في حق نفسه، فيجب أن تسعى في تزويج شاب مؤمن بشابة مؤمنة، هذا السعي من أفضل الشفاعات، أن تشفع بين اثنين في نكاح، ولكن عامة الناس الجهلة يقولون كما تعلمون هذا القول الذي لا يليق بالمؤمن بالبعدِ عن الوساطة في الزواج، أما النبي عليه الصلاة والسلام فيقول:

 

((مَنْ مَشَى فِي تَزْوِيجِ رَجُلٍ حَلاَلاً حَتَّى يَجْمَعَ بَيْنَهُمَا رَزَقَهُ اللَّهُ أَلْفَ امْرَأَةٍ مِنَ الْحُورِ الْعِينِ، كُلُّ امْرَأَةٍ فِي قَصْرٍ مِنْ دُرٍّ وَيَاقُوتٍ، وَكَانَ لَهُ بِكُلِّ خُطْوَةٍ خَطَاهَا أَوْ كَلِمَةٍ تَكَلَّمَ بِهَا فِي ذَلِكَ عِبَادَةُ سَنَةٍ، قِيَامُ لَيْلِهَا، وَصِيَامُ نَهَارِهَا))

 وكأن الله سبحانه وتعالى في هذه الآية وعد المتزوج الفقير بالغنى:

 

﴿إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمْ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾

 بمعنى ألاّ يكون الفقر مانعاً لكم من تزويج فتياتكم أو شبابكم، ومعنى آخر: أيها المتزوج إذا كنت فقيرا لا تجد ما تتزوج به فلعل الله سبحانه وتعالى يغنيك، ثم يأتي قوله تعالى:

 

﴿ وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحاً حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْراً وَآَتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آَتَاكُمْ وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّناً لِتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَنْ يُكْرِهْهُنَّ فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾

 

(سورة النور)

معاني: لَا يَجِدُونَ نِكَاحًا

 كلمة:

﴿لَا يَجِدُونَ نِكَاحًا﴾

 فسرها العلماء على وجهين:

 

المعنى الأول: لا يجدون الزوجة الصالحة:

 إما أنه لم يجد الزوجة الصالحة.

 

 

المعنى الثاني: لا يجدون أسباب الزواج:

 أو أنه لا يجد أسباب الزواج، فإن كان لا يجد أسباب الزواج، وهو الفقر ففي الحديث عَنْ عَلْقَمَةَ قَالَ: بَيْنَا أَنَا أَمْشِي مَعَ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَقَالَ كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ:

 

 

(( مَنْ اسْتَطَاعَ الْبَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ، فَإِنَّهُ أَغَضُّ لِلْبَصَرِ، وَأَحْصَنُ لِلْفَرْجِ، وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ، فَإِنَّهُ لَهُ وِجَاءٌ ))

 

[البخاري(1806)، مسلم(1400) وغيرهما]

 فالذي لا يجد نكاحا، لا يملك المسكن، ولا يملك المال فهذا لا يجد أسباب النكاح، فعليه أن يستعفف حتى يغنيه الله من فضله، أي حتى يفتح الله عليه رزقا حسنا يمكنه من الزواج، وإذا فهمت معنى:

 

﴿وَلْيَسْتَعْفِفْ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحًا﴾

 أي أنك لا تجد الزوجة المناسبة، وحسن اختيار الزوجة شيء مهم جدا، وقد ورد في بعض الأثر أن تزوجوا ولا تطلقوا، فكيف يأتي النص بالنهي عن الطلاق مع أن الله سبحانه وتعالى قال:

 

﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمْ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾

(سورة الطلاق: من الآية 1)

الزواج نعمة فاحذروا الطلاق !!!

 إن القرآن الكريم أباح الطلاق فكيف يأتي هذا الأثر أن تزوجوا ولا تطلقوا، حمله بعضهم على أن الإنسان إذا تزوج عليه أن يبحث عن زوجة لا يحتاج معها إلى الطلاق، أي يجب أن يبحث بحثا جيدا، لذلك للأبناء على الآباء حقوقاً ؛ أولها حسن اختيار أمهم، فاختيار الزوجة شيء مهم جدا، قال عليه الصلاة والسلام:

(( إِيَّاكُمْ وَخَضْرَاءَ الدِّمَنِ، قَالُوا: وَمَا خَضْرَاءُ الدِّمَنِ ؟ قَالَ: الْمَرْأَةُ الْحَسْنَاءُ فِي الْمَنْبَتِ السُّوءِ ))

[مسند الشهاب للقضاعي عن أبي سعيد الخدري]

 فالذي يتسرع في اتخاذ قرار بشأن زواجه ربما عض أصابعه ندماً، وربما اضطر إلى الطلاق، واضطر إلى تشريد أسرة، فالبحث عن المرأة الصالحة يجب أن يكون بحثا مستفيضا، ودقيقا، واسأل، وتحقق، وابحث، وتأمل، ثم قل: وافقت، أم لم أوافق.
 شيء آخر ؛ بعض السلف الصالح كانوا من الكمال حيث إن الزوجة الصالحة هي أثمن ما في الدنيا.
 يروى أن رجلا لقي شريحا، فقال: " يا شريح كيف حالك في بيتك ؟ قال: والله منذ عشرين عاما لم أجد ما يعكر صفائي، أو ينغص حياتي، فقال: وكيف ذلك يا شريح ؟ قال: خطبت امرأة من أسرة صالحة، فلما كان يوم الزواج - يوم الزفاف - وجدت صلاحا وكمالا، فركعت ركعتين شكراً لله على نعمة الزوجة الصالحة، فلما سلمت رأيت زوجتي تصلي بصلاتي، وتسلم بسلامي، وتشكر بشكري، فلما دنوت منها قالت: على رسلك يا أبا أمية، إنني امرأة غريبة، لا أعرف ما تحب، ولا أعرف ما تكره، فقل لي ما تحب حتى آتيه، وما تكره حتى أجتنبه، ويا أبا أمية، لقد كان لك من نساء قومك من هي كفء لك، وكان لي من رجال قومي من هو كفء لي، ولكن كنت لك زوجة على كتاب الله، وسنة رسوله، ليقضي الله أمرا كان مفعولا، فاتق الله فيّ، وامتثل قوله تعالى:

﴿ إِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ ﴾

 قال: ثم قعدت، فألجأتني إلى الخطبة فقلت: أما بعد ؛ فقد قلت كلاماً إن تصدقي فيه، وتثبتي عليه يكن لك ذخراً وأجراً، وإن تدعيه يكن حجة عليك، أحب كذا وكذا، وأكره كذا وكذا، وما وجدت من حسنة فانشريها، وما وجدت من سيئة فاستريها)، وفي الأثر: " إني أكره المرأة تخرج من بيتها تشتكي على زوجها".
 فالنبي الكريم يكرهها، حتى إنّ بعض الفقهاء يقول: لا ينبغي للمرأة التي أعسر زوجها أن تطالب بفسخ العقد بينها وبينه لعلة الإعسار، لأن الله يقول:

﴿إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمْ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾

 إن كان بدء الزواج من الفقر فلأن يستمر به من باب أولى، وقال: وما وجدت من حسنة فانشريها، وما وجدت من سيئة فاستريها، قالت: كيف نزور أهلي وأهلك ؟ قال نزورهم غبًّا، مع انقطاع بين الحين والحين، كي لا يملونا، فقد قالوا: "زُرْ غِبًّا تَزْدَدْ حُبًّا "، قالت: ومن من الجيران تحب حتى أسمح لهن بدخول بيتك ؟ ومن منهم لا تحب حتى لا أسمح لهن بدخول البيت، قال: بنو فلان قوم صالحون، وبنو فلان قوم غير ذلك، وقال شريح، ومضى علي عام عدت فيه إلى البيت، ووجدت أم زوجتي عندنا، فعلمت من ابنتها أنها في أهنأ حال، وقالت يا أبا أمية كيف وجدت زوجتك ؟ قال: والله هي خير زوجة، قالت يا أبا أمية: ما أوتي الرجال شر من المرأة المدللة فوق الحدود، فأدب ما شئت أن تؤدب، وهذب ما شئت أن تهذب، ثم التفتت إلى ابنتها تأمرها بحسن السمع والطاعة ".
 عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:

 

(( الدُّنْيَا مَتَاعٌ، وَخَيْرُ مَتَاعِ الدُّنْيَا الْمَرْأَةُ الصَّالِحَةُ ))

 

[مسلم، ابن ماجه، أحمد]

 مَن هي المرأة الصالحة ؟ هي التي إذا أمرتها أطاعتك، وإذا نظرت إليها سرتك، وإذا غبت عنها حفظتك في نفسها ومالك، فالأمر الإلهي:

﴿وَأَنكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمْ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾

 أما هؤلاء الذين لا يجدون أسباب الزواج ؛ من مسكن، أو مال، أو لا يجدون الزوجة المناسبة، فهؤلاء أمرهم الله سبحانه وتعالى بالاستعفاف، والاستعفاف هو المبالغة في طلب العفة، فعلى هؤلاء المبالغة في غض أبصارهم، وفي البعد عن أماكن الشبهات، وفي صحبة أهل الدنيا، والاستماع إلى ما يبث في نفوسهم من الرغبة في الزواج، فعليهم أن يستعففوا.

﴿وَلْيَسْتَعْفِفْ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحًا﴾

 أي أسباب النكاح، أو المرأة المناسبة.

﴿حَتَّى يُغْنِيَهُمْ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾

 وفي درس قادم إن شاء الله تعالى تأتي الآية الكريمة:

 

﴿ وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحاً حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْراً وَآَتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آَتَاكُمْ وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّناً لِتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَنْ يُكْرِهْهُنَّ فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾

 

(سورة النور)

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018