الدرس : 10 - سورة النور - تفسير الآية 31 - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الدرس : 10 - سورة النور - تفسير الآية 31


1988-12-02

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علما، وأرنا الحق حقا وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلا، وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
أيها الإخوة المؤمنون، مع الدرس العاشر من سورة النور، وفي الدرس الماضي تم شرح طرف مما تنطوي عليه الآية الكريمة:

﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ ﴾

(سورة النور: الآية 30)

وآية اليوم هي قوله تعالى:

﴿ وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آَبَائِهِنَّ أَوْ آَبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعاً أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾

(سورة النور)

أصل الخطاب القرآني موجّه للذكور شامل للإناث:

جرت عادة القرآن الكريم على أن الأوامر توجه إلى جماعة الذكور:

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا﴾

(سورة التحريم: من الآية8)

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ﴾

(سورة الحديد: من الآية28)

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾

(سورة المنافقون: من الآية9)

لو تتبعت ما في القرآن الكريم من آيات لوجدت معظمها موجها إلى جماعة الذكور، فما حكم النساء ؟ قال علماء الأصول: النساء مشمولات بكل أمر موجه إلى جماعة الذكور على سبيل التغليب، أي إذا دخل إلى غرفة عشرون بنتا وصبيٌّ واحد تقول: دخل الطلاب، هذا أسلوب التغليب، فإذا كان الفاعل ذكورا وإناثا تستخدم صيغة الذكور في الفعل، فحينما يأمر الله سبحانه وتعالى الإنسان فخطابه وأمره ونهيه موجه إلى جماعة الذكور، هذا الأمر، وهذا النهي، وهذا الخطاب ينطبق على النساء بسبب التغليب، أو ينطبق على النساء بسبب آخر، وهو القياس ما دامت المرأة مكلفة كالرجل فما ينطبق على الرجل ينطبق على المرأة، فهذا الكلام موجه خصيصا إلى الأخوات المؤمنات، أية آية في القرآن الكريم موجهة إلى جماعة الذكور هي موجهة بالقياس أو بالتغليب إلى جماعة النساء، فإذا قرأت المرأة المؤمنة:

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾

فإنها معنية بالخطاب مئة بالمئة وفق علم الأصول، لأن ما يخاطب به الرجال ينسحب على النساء إما بالتغليب، وإما بالقياس، ولكن أحيانا بما أن المرأة قد خلقت بصفات خاصة لتؤدي وظيفة خاصة في المجتمع فللمرأة في القرآن الكريم أحكام خاصة، من هذا المنطلق كانت هذه الآية الكريمة، لأن للمرأة صفات خاصة تؤهلها لأداء وظيفتها في المجتمع، إذاً لها أحكام خاصة، ولكن هذا لا يمنع أن نفهم كما نص عليه القرآن الكريم أن المرأة مساوية للرجل تماما من حيث التكليف، ومن حيث التشريف، فالله سبحانه وتعالى أمرها بالإسلام، إذاً فعليها أن تعرف أركان الإسلام، وأمرها بالإيمان، فعليها أن تعرف أركان الإيمان، وأمرها بطاعة الله ورسوله فيما نص عليه القرآن، وفيما نص عليه النبي عليه الصلاة والسلام، وفيما استنبطه العلماء من النصوص الكلية، وفيما استنبطوه من أحكام فرعية من النصوص الكلية، ولكن هذه الآية التي نحن اليوم بصدد تفسيرها خاصة بالنساء، لأن الله سبحانه وتعالى شرفها - كما قلنا قبل قليل - بالإسلام، وساواها مع الرجل، وشرفها بالتكريم، ولكن جعل لها وظيفة خاصة ؛ جعلها زوجة، وجعلها مرغوباً بها، وجعلها تُخْطَب ولا تخطُب، وأمرها أن تقر في البيت حفاظا على أداء مهمتها، وصونا لما خصها الله به من أن يكون مبتذلا فقال تعالى:

﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ﴾

( سورة الأحزاب: من الآية33)

من أحكام النظر إلى الأجنبي والأجنبيات:

لكن هذه الآية تشير إلى أحكام دقيقة متعلقة بالمرأة فقال:

﴿ قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ (30) وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ﴾

فالحديث الذي كان في الأسبوع الماضي عن غض البصر، أي أن هناك أصنافا من النساء لك أن تنظر إليها، وهن المحارم، وهناك نساء أجنبيات أُمِرْتَ أن تغض البصر عنها، واللاتي أمرت أن تنظر إليهن يجب أن تنظر إليهن ببعض البصر، لا بكل البصر، لا أن تملأ عينيك من محارمك، بل انظر بعض الشيء إلى اللواتي أمرت أن تنظر إليهن، أو أبيح إليك أن تنظر إليهن.

معاني ( مِنْ ) في قوله تعالى: يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ

المعنى الأول: التبعيض:

(من ) للتبعيض، لتبعيض الجهة المبصِرة، ولتبعيض الجهة المبصَرة، هذه الأحكام الدقيقة التي وردت في الدرس الماضي يمكن أن ترد اليوم أيضا بالتمام والكمال، فالمرأة في حياتها مجموعة من الرجال لها أن تنظر إليهم، كالزوج، والأب، والأخ، والابن، وابن الابن، وابن الأخت، وابن الأخ، هؤلاء الرجال لها أن تنظر إليهم، لذلك أمرت بغض بعض البصر.

﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ﴾

المعنى الثاني: غض البصر بملء العين عما أحل الله:

شيء آخر ؛ هذا الرجل الذي أبيح للمرأة أن تنظر إليه لا ينبغي أن تنظر إليه مدققة بملء العين، مكررة مستمرة، بل يجب أن تغض البصر، طبعا الزوج له حالات خاصة في الآيتين، فقط الزوج، وما سوى الزوج يجب أن يكون كما قال العلماء النظر باعتدال، من دون أن يكون هناك استمرار، وتدقيق، ومعاودة، وإملاء العين من المبصر إليه.

﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ﴾

المعنى الثالث: ابتداء الغاية:

والمعنى الثالث لـ(مِنْ) أن المرأة إذا منعت من أن تنظر إلى أجنبي، ونظرت إليه فجأة فالنظرة الأولى لها، والثانية عليها، فأول (مِنْ) يغض البصر عن الأجانب، و(مِنْ) الثانية لإطلاق بعض البصر إلى المحارم، و(مِنْ) الثالثة لو نظرت فجأة إلى رجل فلها الأولى، وليس لها الثانية، هكذا قال بعض الفقهاء.

وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ:

حكام من التبعيضية في الآية السابقة يمكن أن تنسحب بكاملها على الآية اللاحقة:

﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ﴾

وكيف أن الله سبحانه وتعالى اعتبر إطلاق البصر، والتدقيق في المبصر فيه بعد عن الله عز وجل، وفيه غفلة، واتجاه نحو الشهوة المحرمة، كيف أن هذا الأمر لا يليق بالمؤمن، لذلك جاء الخطاب بطريقة الغائب:

﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ﴾

لم يقل الله عز وجل: يا أيها الذين آمنوا غضوا أبصاركم، قال:

﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ﴾

لأن في هذا العمل انحرافا عن الطريق المثالي الذي ينبغي أن يكون عليه المؤمن، ولكن المرأة إضافة إلى أنها مأمورة بغض البصر، أو غض بعض البصر كما ورد في الآية، ومأمورة أيضا بحفظ الفرج ؛ أي بالبعد عن الزنى، وما شاكل الزنى من انحرافات هي أقل من الزنى، أو هي مشابهة للزنى، أو هي أخطر من الزنى، ومصداق ذلك قول الله عز وجل:

﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (5) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ(6)َ﴾

(سورة المؤمنون: الآيات5-6)

مِن أحكام العورة:

إضافة إلى غض بعض البصر، وإضافة إلى حفظ الفرج فهناك أحكام أخرى في هذه الآية، ولكن هناك توجيه آخر ؛ هو أن المرأة لا يجوز لها أن تنظر من المرأة ما بين السرة والركبة، لأن ما بين السرة والركبة عورة للمرأة على المرأة، فلا ينبغي أن تنظر المرأة لغير زوجها، أو لأحد محارمها، أو لامرأة فيما بين السرة والركبة، لأن هذا حد عورة المرأة على المرأة، ولها أن تنظر إلى زوجها كيفما تريد من دون قيد أو شرط، والمحارم لها أن تنظر إليهم بشكل معتدل من دون أن يكون ثمة تبذل، فأحيانا هنالك أسر قد يتجول الأخ في البيت بالثياب الداخلية، فلا ينبغي للمرأة المؤمنة أن تنظر إلى أخيها بهذا الشكل، لأن هذا شكل فيه تبذل مخالف للشرع، فعَنْ جَرْهَدٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ:

(( كَانَ جَرْهَدٌ هَذَا مِنْ أَصْحَابِ الصُّفَّةِ قَالَ جَلَسَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِنْدَنَا وَفَخِذِي مُنْكَشِفَةٌ فَقَالَ: أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ الْفَخِذَ عَوْرَةٌ ))

[البخاري، والترمذي، أبو داود، أحمد ]

حتى المحارم الذين سمح الشرع للمرأة أن تنظر إليهم يجب أن يكون النظر إليهم بوضع مقبول معتدل سليم، ليس فيه تبذل، وليس فيه تكشف، يضاف إلى ذلك أن عورة المرأة على المرأة ما بين السرة والركبة، إذاً الأمر بغض البصر يشمل هذه الجهات الثلاث.

مِنْ ضرورات نظر المرأة والرجل إلى العورة:

يضاف لى ذلك أن المرأة عند الضرورة لها أن تنظر إلى الرجل بفتوى بعض العلماء في حالات الإسعافات، وفي حالات المعالجة، قد تكون هذه الممرضة في ظرف عصيب، رجل في حالة خطرة، فأباح لها الشرع أن تنظر إليه لعلة التطبيب، أو في حالات قاهرة، كما أباح الشرع للرجل أن ينظر إلى المرأة لمجموعة من العلل، منها التطبيب، ومنها الخطبة، ومنها الشاهد، ومنها القاضي، فالقاضي أيضا له أن ينظر إلى وجه المرأة الأجنبية ليعرف هويتها، وكذلك الشاهد، وكذلك الطبيب، ويجوز للمرأة أن تنظر إلى الرجل إذا جاء لخطبتها، فينظر إليها، وتنظر إليه، فعن بَكْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْمُزَنِيِّ عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ أَنَّهُ خَطَبَ امْرَأَةً فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

((انْظُرْ إِلَيْهَا، فَإِنَّهُ أَحْرَى أَنْ يُؤْدَمَ بَيْنَكُمَا))

[الترمذي، النسائي، ابن ماجه ]

يضاف إلى غض البصر:

النهي عن إبداء المرأة زينتها:

﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ﴾

الزينة في اللغة ما يتزين به الإنسان من حلي، أو من خضاب، أو مساحيق، فهذه هي الزينة في اللغة.

﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ﴾

هل يحرم النظر إلى الحلية في السوق ؟!

الآن عندنا سؤال، هل يحرم النظر إلى حلية في السوق ؟ سوار، حلقة، خاتم، هل يحرم عليك أن تنظر إلى سوار امرأة معروض في محل تجاري ؟ الجواب: لا، ليس حراما، فحينما وجه ربنا سبحانه وتعالى المرأة أن تغض بصرها عن الرجال، وألاّ تبدي زينتها المقصود بالزينة الحلي في مواضعها، السوار في المعصم، والعقد في الجيد، والخلخال في الساق، والقرط في الأذن، ولا يبدين هذه الحلي، وهي في مواضعها، فيحرم على المرأة أن تبدي للرجال الأجانب هذه الزينة، وهي في موضعها:

﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ﴾

وكأن القرآن الكريم أراد بالزينة مواقعها ؛ مواقع العقد الرقبة والجيد، فلا ينبغي للمرأة أن تظهر رقبتها وجيدها للأجنبي، مواقع الزينة المعصم فلا ينبغي للمرأة أن يبدو معصمها للأجانب، مواقع الزينة الأذن وصفحة العنق فلا ينبغي للمرأة أن تبدي أذنها وصفحة عنقها للأجانب، مواقع الزينة الساق فلا ينبغي للمرأة المسلمة أن تبدي ساقها وما فيها من خلخال للأجانب.

أنواع الزينة في المرأة: الزينة الظاهرة والزينة الباطنة:

إذا:

﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ﴾

قال بعض العلماء: الزينة زينتان ؛ زينة باطنة، وزينة ظاهرة، زينة مجلوبة، وزينة خلقية، المجلوبة والخلقية الباطنة، والظاهرة مما تعنيه كلمة الزينة.

﴿ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ﴾

أبدى يبدي، بدا يبدو، أبدى يبدي، بدا ثلاثي، بدا القمر إذا ظهر، بدا الشيء إذا ظهر، لكن أبدى رباعي، فيه تعدية، لم يقل الله عز وجل: ولا يبدون، بل قال:

﴿وَلَا يُبْدِينَ﴾

أيْ باختيارها، بإمكانها أن تخفيه، وبإمكانها أن تظهره شيء تابع لإرادتها، يبدي ياء المضارع مضمومة، إذًا الفعل رباعي، ورباعي بدا أبدى فيه تعدية، أبديت الشيء، أو أخفيته، أبديته، وأخفيته.

﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ﴾

إذًا: بإمكانها أن تستر جيدها، وصدرها، ومعصمها، وصفحة عنقها، وساقها، هذا بإمكانها ستره، فهي مأمورة ألا تبدي هذه الزينة، لأنه:

﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ﴾

تفسيرات العلماء لقوله تعالى: وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ

للعلماء في تفسير هذه الآية مذاهب شتى، ولنستمع إلى تفسيرات بعض العلماء لهذه الآية.

﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ﴾

واضحة وضوح الشمس، المقصود مواقع الزينة، كأن هناك مضافاً محذوفاً، ولا يبدين مواقع الزينة، وكلمة يبدي فعل متعد، فالمرأة بإمكانها أن تبديه، وبإمكانها أن تخفيه، ولكن المشكلة في قوله تعالى:

﴿إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾

قول ابن مسعود:

فعن ابن مسعود أنه قال: << إلا ما ظهر منها: الثياب >>.

[تفسير الطبري]

أي أن هذه المرأة ترتدي ثيابا سوداء، فكل من مر في الطريق يراها بهذه الثياب، والتي قد تكون أنيقة، وقد تكون قد اختيرت بشكل جيد، فهذه الثياب ليس في إمكان المرأة أن تخفيه، إنها ترتديه، فابن مسعود يقول: لا خلخال، ولا قرط، ولا قلادة، إلا ما ظهر منه، أي الثياب، فهذه المرأة التي ترتدي ملاءة، أو جلباباً، أو معطفاً، هذا المعطف يبدو للمارة، ويظهر لا محالة، ويستحيل إخفاؤه، كيف تختفي إذا خرجت المرأة من بيتها لأمر هام، إنها ترتدي هذا المعطف، أو هذا الجلباب، أو هذا الرداء، فيبدو هذا الجلباب للناس، إلا ما ظهر منها، أي الثياب، وهذا قول ابن مسعود.

قول ابن كثير:

أما المفسر ابن كثير رحمه الله تعالى فيقول في تفسير هذه الآية: " لا يظهرن شيئا من الزينة للأجانب إلا ما لا يمكن إخفاؤه ".

[تفسير ابن كثير ]

هذا الذي لا يمكن إخفاؤه يسمح للمرأة أن تظهره للأجانب، فهذا الذي يقوله ابن كثير إلا ما ظهر منها أي كالرداء والثياب.

قول آخر لابن مسعود:

قال أبو إسحاق السبيعي عن أبي الأحوص عن عبد الله قال في قوله:

﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ﴾

<< الزينة القرط والدملج والخلخال والقلادة >>.
وفي رواية عنه بهذا الإسناد قال: << الزينة زينتان، فزينة لا يراها إلا الزوج، الخاتم والسوار، وزينة يراها الأجانب، وهي الظاهر من الثياب.

 

قول الزهري:

وقال الزهري: " لا يبدين لهؤلاء الذين سمى الله ممن لا يحل له إلا الأسورة والأخمرة والأقرطة ".

 

 

[تفسير ابن كثير ]

أما الزينة التي يراها الأجانب في الطريق فهي الثياب.

 

﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُن﴾

﴿إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾

ويقول أحد العلماء: إذا كانت المرأة مأمورة بسدل الخمار من رأسها على جيبها لتستر صدرها فهي مأمورة ضمنا بستر ما بين الرأس والصدر وهما الوجه والرقبة، لأن الآية تقول:

﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ﴾

وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ:

الجيب في اللغة فتحة القميص، والخمار غطاء الرأس، وضرب الخمار من على الرأس إلى جيب القميص، أي هذا القميص أسدل من أمام، فغطى الوجه والعنق، فيقول أحد العلماء: إذا كانت المرأة مأمورة بسدل الخمار من رأسها على جيبها لتستر صدرها فهي مأمورة ضمنا بستر ما بين الرأس والصدر، وهما الوجه والرقبة، فإن قلت لامرأة: أسدلي هذا الغطاء من رأسك إلى صدرك، فهذا الإسدال يعني ضمنا أن الوجه والرقبة مستوران بهذا الإسدال، وإنما لم يسدل هنا للعلم بأن سدل الخمار إلى العنق يغطي الوجه والرقبة.

﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ﴾

لأن المرأة في الجاهلية كانت تضع الخمار على رأسها، وتلقيه على ظهرها، وتستقبل الناس فيرى الناس وجهها، ورقبتها، وصدرها، فجاء الأمر بإسدال الغطاء من رأسها لا على ظهرها، ولكن على صدرها، فإذا أسدل الخمار من على الرأس إلى الصدر فقد غطى الوجه، وغطى الرقبة، وهذا المفهوم يقال له في علم الأصول: مفهوم التضمن، أيْ من ضمن هذا الأمر يفهم أن المرأة يجب أن تستر وجهها ورقبتها.
وقال أحد العلماء أيضا: " قد تضمن قوله تعالى:

﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ﴾

أمرًا للنساء بتغطية وجوههن ورقابهن.
ويقول عالم آخر: " إذا كانت المرأة مأمورة بستر ما عليها من الحلي أساور... خلخال.... قرط..... عقد....إذا كانت المرأة مأمورة يستر ما عليها من الحلي عن نظر الرجال الأجانب خشية أن يفتتنوا بها فلأن تؤمر بستر وجهها الذي هو مجمع محاسنها، وسبب الافتتان بها من باب أولى "، فمنظر المعصم، وعليه سوار هل هو أكثر فتنة أم الوجه، وما فيه من محاسن، العينين والخدين، والأنف، والرقبة، والفم، والجبين ؟ يا ترى منظر السوار على المعصم، أو منظر الخلخال في الساق، أو منظر العقد في الرقبة أكثر فتنة من الوجه ؟ إذا كانت المرأة مأمورة بستر ما عليها من الحلي عن نظر الرجال خشية أن يفتتنوا بها فلأن تؤمر بستر وجهها الذي هو مجمع محاسنها، وسبب الافتتان بها من باب أولى وأحرى، والآية جمعت ستر الزينتين، هناك زينة مجلوبة، وهناك زينة خلقية، فالزينة المجلوبة هذا السوار له أشكال، وله أنواع، وله قيم، وله أثمان، وهذا العقد، والخلخال، وهذا القرط، فالآية جمعت الزينتين الزينة المجلوبة، والزينة الخلقية، وهي الوجه، فقال تعالى:

﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ﴾

فزينة الجلب والخلق أمرت المرأة أن تسترها عن الأجانب.

﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ﴾

وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ

بعولتهن أي أزواجهن، وقد ورد في صحيح البخاري حديث عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ:

(( يَرْحَمُ اللَّهُ نِسَاءَ الْمُهَاجِرَاتِ الْأُوَلَ، لَمَّا أَنْزَلَ اللَّهُ:﴿ وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ﴾ شََقَّقْنَ مُرُوطَهُنَّ فَاخْتَمَرْنَ بِهَا ))

[البخاري ]

جاء الإمام ابن حجر العسقلاني وشرح صحيح البخاري في كتاب ضخم جدا سماه فتح الباري في شرح صحيح البخاري، وقال في قولها:

((يَرْحَمُ اللَّهُ نِسَاءَ الْمُهَاجِرَاتِ الْأُوَلَ،:﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ﴾ شَقَّقْنَ مُرُوطَهُنَّ فَاخْتَمَرْنَ بِهَا )) " أي غطين وجوههن ".

[فتح الباري]

إذاً هذه النصوص في شرح هذه الآية توضح أن المرأة لا ينبغي لها أن تبدي زينتها للأجانب، وينبغي أن تضرب خمارها من رأسها على صدرها، مرورا بوجهها.

﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ﴾

أما الزوج فله حكم خاص، فله أن يرى من زوجته ما يشاء، لأنها مباحة له في الأصل.

﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ﴾

ولها أن تظهر أمام أبيها، لكن كما قلنا قبل قليل: لا ينبغي أن تظهر أمام أبيها إلا بثياب الخدمة، وهي التي تستر معظم الجسم، وتبقي ما لابد من إظهاره، كالساعد، والركبة، فما أسفل، وأسفل منها، والرقبة، والوجه، والشعر، ولهذا الأب أن ينظر إلى ابنته، أما أن يراها بأبهى زينة، في ثياب فاضحة تكشف أكثر مما تخفي، فهذا أيضا ليس من الشرع في شيء، فإذا نظر الأب إلى ابنته الشابة لا ينبغي أن ينظر إليها، وهي في أبهى زينة، وقد تكشفت معظم أعضائها، هذا ليس من الأدب العام، ولو كانت ابنته، والأخ لأخته هكذا.

﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا﴾

أما الزوج فبحث آخر.

﴿إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ﴾

فيحق لوالد الزوجة أن ينظر إلى زوجة ابنه.
ولكن في حاشية ابن عابدين، وهي أوسع كتاب في الفقه الحنفي يقول المؤلف: " لا يجوز للرجل أن يخلو بزوجة ابنه الشابة، ولا بالأخت من الرضاعة لأن ذلك مظنة الفساد، ما دام الابن موجودا، فالأمر طبيعي، وهذه الزوجة زوجة الابن أحد محارم الرجل، وله أن ينظر إليها كما قلنا في الدرس السابق بعض النظر، أما الخلوة فمنهي عنها ".
عند السادة الأحناف:

﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ﴾

أي والد الزوج.

﴿أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ﴾

أي ابن الزوج، فيحق لها أن تبدو أمامه.

ومع ذلك فلابد من الحيطة والحذر:

والجدير بالملاحظة بأن الخلوة بين شاب في ريعان الشباب، وبين زوجة أبيه، وقد تكون شابة أيضا يجب أن يحتاط لها، وبشكل أدق أي امرأة، ولو أنها من محارمك إذا نظرت إليها نظرة بشهوة فإن هذه النظرة محرمة، فإذا نظر الإنسان إلى إحدى محارمه اللاتي سمح الشرع له أن ينظر إليهن نظرة ريبة، أو نظرة شهوة فهذا الشيء محرم بشكل ثابت، لكن الأعم الأغلب أن معظم الناس أصحاب الفطرة السليمة الطاهرة لا ينظرون إلى محارمهم إلا نظرة بريئة، كأن ينظر الأخ إلى أخته، والابن إلى أمه، والأخت إلى أخيها، فالأصل في الحياة الاجتماعية أن هناك دماً مشتركاً، وأن هناك موانع للفتنة، ولكن لو كان هناك حالات شاذة، حالات مرضية، وإذا كان هناك نظرة بشهوة إلى إحدى المحارم تصبح هذه النظرة محرمة أيضا.

﴿أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ﴾

الأنواع الأساسية في العلاقات الاجتماعية:

هذه الآية صنفت بحسب الأنواع الأساسية في العلاقات الاجتماعية:

النوع الأول: المصاهرة:

هناك علاقة مصاهرة، وعلاقة المصاهرة يكون البعل، وأبو البعل، وابن البعل، أي الزوج، ووالد الزوج، وابن الزوج هؤلاء الرجال الثلاثة يجوز للمرأة أن تنظر إليهم بحكم الزواج، وبحكم المصاهرة.

النوع الثاني: النسب:

وهناك أصناف خمسة تنظر المرأة إليهم لا بحكم المصاهرة، بل بحكم النسب، وهم الأبناء، والآباء، والإخوة، الآباء أصولا، والأبناء فروعًا، والإخوة محاذاة، فالآباء تعني الآباء وآباء الآباء مهما علا النسب، الأب، والجد، وجد الجد، إلى آخره، والأبناء تعني الابن، وابن الابن، مهما دنا، فمهما علت الأصول، ودنت الفروع فللمرأة أن تنظر إليهم.
ولكن الآية أغفلت العم، والخال، لأن هناك استنباطات من بعض الآيات الكريمة حيث إن الله سبحانه وتعالى سمّى العم أبا في بعض الآيات، و عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

((... يَا عُمَرُ، أَمَا شَعَرْتَ أَنَّ عَمَّ الرَّجُلِ صِنْوُ أَبِيهِ))

[مسلم، الترمذي ]

والعمة كالوالد، فكانت السنة الشريفة المطهرة تفصيلا وبيانا لبعض الآيات، والقرآن الكريم إعجازه في إيجازه، من مكان آخر استنبط النبي عليه الصلاة والسلام أن العم والخال بمثابة الوالد فجاءت السنة، وأباحت للمرأة أن تظهر أمام عمها، وأمام خالها، فأصبح الرجال الذين يسمح للمرأة أن تبدو أمامهم خمسة لعلة النسب، وثلاثة لعلة المصاهرة، فالخمسة الذين يسمح للمرأة أن تبدو أمامهم لعلة النسب هم: الأب، والجد، وجد الجد في بحكم واحد، والابن، وابن الابن، وابن ابن الابن مهما دنوا بحكم واحد، والأخ، والعم، والخال فهؤلاء خمسة رجال بحكم النسب، وثلاثة رجال بحكم المصاهرة مجموعهم ثمانية، يقول الله عز وجل:

﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ﴾

يا أيها النساء المسلمات احذروا كشف العورات أمام غير المسلمات والفاسقات:

لو أن الله سبحانه وتعالى قال: أو النساء لكان هناك إباحة للمرأة أن تبدو أمام كل النساء، ولكن إضافة النساء إليهن.

﴿أَوْ نِسَائِهِنَّ﴾

معنى ذلك أن المرأة غير المسلمة لا يجوز أن تبدو المرأة المسلمة أمامها، لماذا ؟ لِئلا تصفها للرجال، لأنه لا يجوز أن تصف المرأة امرأة لزوجها، فإذا وصفتها فكأنه ينظر إليها، بل ربما كان الوصف فيه مبالغة، لذلك هؤلاء النساء اللواتي يجتمعن مع بعضهن، ثم ينصرفن إلى البيوت فتحدث كل امرأة زوجها عن فلانة، وطولها، ولونها، ورشاقتها، وحركاتها، وسكناتها، ومنطقها، وثقافتها، هذا لا يجوز، وهذا مخالف للسنة، مخالف لنص هذه الآية، لأن الله سبحانه وتعالى قال:

﴿أَوْ نِسَائِهِنَّ﴾

فللمرأة أن تظهر أمام امرأة مسلمة، لماذا ؟ لأن هذه المرأة المسلمة بحسب أوامر الشرع لن تصفها لزوجها، لكن المرأة غير المسلمة ربما وصفتها إلى زوجها، وبالغت في الوصف، فكأن هذا الأجنبي يراها كما هي، هذا حكم المرأة.

رأي آخر في قوله تعالى: أَوْ نِسَائِهِنَّ

وهناك رأي آخر حول هذه الآية، وهو رأي سديد.

﴿أَوْ نِسَائِهِنَّ﴾

أي المرأة التي تثق بها، مسلمة كانت، أو غير مسلمة، فلو أن امرأة مسلمة فاسقة، من عادتها أن تصف النساء لزوجها، فهذه المسلمة الفاسقة المنحرفة لا يجوز للمرأة المسلمة أن تظهر أمامها خوفا من أن تصفها للرجال، هذا رأي آخر، ورأي جمهور العلماء.

﴿أَوْ نِسَائِهِنَّ﴾

أي النساء المسلمات، وغير المسلمات لا يجوز للمرأة المسلمة أن تظهر أمامهن خشية أن يصفنَها للزوج، لكن بعض المسلمات يعرضن أنفسهن في الطريق ليراهن كل إنسان، وهذا الذي وقع المسلمون فيه اليوم، قال تعالى:

﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾

(سورة مريم: الآية59)

الغَيُّ الذي يمكن أن يصيب المسلمين بسبب إضاعة الصلاة، واتباع الشهوات، وليست إضاعة الصلاة تركها، بل إضاعة الصلاة تضييع الخشوع فيها، وتضييع الاستقامة قبلها، وتضييع إتمامها، وتضييع الخشية فيها، هذه الإضاعة.
إذا:

﴿أَوْ نِسَائِهِنَّ﴾

العلة في ذلك ألا تصف المرأة غير المسلمة محاسن هذه المرأة المسلمة إلى غيرها، أو إلى الأجانب، فقد تجلس هذه المرأة غير المسلمة في ناد، أو في مكان عام، وتقول: فلانة جارتي شكلها كذا وكذا وكذا، وتتحدث فكأن كل هؤلاء الرجال قد رأوا هذه العلة.

أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ:

﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ﴾

إياكم أن تظنوا أن المرأة الحرة يجوز لها أن تبدو أمام عبدها، لأن هذا العبد فيه شهوة كما في الرجال الأحرار، ويشتهي هذه السيدة كما يشتهيها الأجنبي، لكن الآية هنا:

﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ﴾

بمعنى الجارية التي عند المرأة المسلمة، هذه الجارية ليست مسلمة، لكن لأنها محبوسة في البيت، وليس لها علاقة مع الآخرين فللمرأة المسلمة أن تبدو أمامها، على كل ملك اليمين ليس الآن في حيز الوجود إطلاقا.

أَوْ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُوْلِي الْإِرْبَةِ مِنْ الرِّجَالِ

التابعون غير أولي الإربة من الرجال كما فسرها بعض العلماء الشيخ الذي فنيت شهوته، أو الأبله، أو أي إنسان ليس له حاجة إطلاقا إلى النساء.

أَوْ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ

أي الطفل الذي لا يعرف الشهوة بعد، ولا يعرف محاسن المرأة، فالمرأة أمامه كأنها أمه بالضبط، فلا يعرف هذا الطفل الصغير من محاسنها شيئا، فللمرأة حينئذ أن تظهر أمامه، أما إذا بدأ يميز بين الجمال والقبح، وبين صفات النساء، ويميز بينها عندئذ لا ينبغي للمرأة أن تظهر أمامه

وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ‌

إذا مشت المرأة في الطريق فلا ينبغي أن تحدث لحركتها صوتا تلفت النظر به إليها، أو إلى بعض مفاتنها، فالمرأة منهية أن تسير سيرا يلفت النظر.

﴿وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ﴾

لذلك كل فعل من أفعال المرأة له صوت يحرم أن تظهره للأجانب، فما قولكم إذا كان صوت أفعالها محرما أن يسمعه الأجانب لئلا يلتفتوا إليها، ما قولكم بصوتها، وصوت المرأة عورة شيء آخر، فما قولكم بالعطر إذا خرجت المرأة متعطرة، فقد خرجت زانية، ولا زالت الملائكة تلعنها حتى تعود، لذلك حمل الفقهاء على هذه الآية العطر، فالعطر يلفت النظر، وهنالك عطور ثمينة جدا، وأخرى غير ثمينة، ولكن كل أنواع العطور تلفت النظر، فالمرأة التي تتعطر في الطريق هذه لا تعرف الله أبدا، ولم تقرأ القرآن، ولم تعرف أحكام النساء في هذه السورة، فأي فعل من أفعالها له صوت يحرم أن تظهره للأجانب، فكيف بصوتها ؟ فكيف بالرائحة العطرة التي تخرج منها ؟ هذا كله محرم.
وهنالك آية أخرى تفيدنا الآن:

﴿يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنْ النِّسَاءِ إِنْ اتَّقَيْتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾

(سورة الأحزاب: الآية32)

يا نساء المسلمات هذا مثَلٌ لكن فاقتدوا:

حتى إذا اضطرت إلى مخاطبة الأجانب، بائع مثلا في الطريق، قاض، طبيب، يجب ألا تخضع بالقول، أن تقول الكلام الذي لابد منه، أن تتكلم الحد الأدنى، وقد علمنا ربنا سبحانه وتعالى في قصة شعيب عليه السلام كيف أن المرأتان ؛ بنات شعيب قالتا كلاما مختصرا مفيدا، قال تعالى حكاية عن موسى عليه السلام:

﴿وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنْ النَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمْ امْرَأتَيْنِ تَذُودَانِ قَالَ مَا خَطْبُكُمَا﴾

فكان جوابهما ؟

﴿قَالَتَا لَا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ﴾

(سورة القصص: الآية23)

لماذا نحن واقفون هنا ؟ نحن ليس من أخلاقنا مزاحمة الرجال، واقفون هنا حتى يصدر الرعاء، أي الرعاة، ولماذا نحن نسقي الغنم ؟ لأن أبانا شيخ كبير، فثمة علة.

﴿قَالَتَا لَا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ﴾

فلما جاءته إحداهما تمشي على استحياء ماذا قالت له ؟ هل أدارت معه حديثا لطيفا ؟ هل سألته عن صحته، وعن أحواله ؟ ماذا قالت له ؟

﴿قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا﴾

(سورة القصص: من الآية25)

ولا كلمة، هذا هو الحد الأدنى، الآن تدخل المرأة إلى المحل فتسأله عن أهله، وعن صحته، وعن أحواله، وعن أولاده، وعن الطقس، وعن … هذا كله كلام فيه خضوع بالقول:

﴿فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾

الحد الأدنى يجب أن تقوله المرأة، إذاً أي صوت لفعل من أفعالها لا يجب أن يسمعه الأجانب، فكيف بصوتها ؟ فكيف بعطرها ؟

﴿وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ﴾

وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ

وقد ختمت هذه الآية وكأن هذا الختام للآيتين معا:

﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾

يبدو أن موضوع غض البصر، وموضوع النساء يحتاج إلى جهد كبير، وانضباط كثير، ويحتاج إلى علم، لذلك فالإنسان المؤمن يتوب إلى الله دائما من كل هفوة، ومن كل نظرة، ومن كل تقصير بدر منه.

﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾

حينما تزل القدم، وحينما تخطف العين، وحينما ينظر من دون أن يشعر، أو حينما يطيل النظرة الأولى، هذه كلها ربما يحتاج الإنسان أن يتوب إلى الله كثيرا، فَعَنْ أَنَسٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:

((كُلُّ ابْنِ آدَمَ خَطَّاءٌ وَخَيْرُ الْخَطَّائِينَ التَّوَّابُونَ))

[الترمذي، ابن ماجه، أحمد ]

فهذه آية اليوم:

﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوْ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُوْلِي الْإِرْبَةِ مِنْ الرِّجَالِ أَوْ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018