الدرس : 25 - سورة البقرة - تفسير الآيات 48-54، ساعة الموت هي ساعة الفصل - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الدرس : 25 - سورة البقرة - تفسير الآيات 48-54، ساعة الموت هي ساعة الفصل


1999-01-29

 الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
 أيها الأخوة الكِرام، مع الدرس الخامس والعشرين من دروس سورة البقرة.

إذا انحرف المؤمن عن منهج الله تقتضي رحمة الله أن يسوق له بعض الشدائد كي يعيده إليه :

 مع الآية الواحدة والخمسين وهي قوله تعالى :

﴿ وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ (51) ﴾

 وقبل هذه الآية :

﴿ وَإِذْ نَجَّيْنَاكُمْ مِنْ آَلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ وَفِي ذَلِكُمْ بَلَاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ (49) وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ فَأَنْجَيْنَاكُمْ وَأَغْرَقْنَا آَلَ فِرْعَوْنَ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ (50) ﴾

 أيها الأخوة، بشكلٍ مختصرٍ مُرَكَّز خلق الله الإنسان ليسعده في الدنيا والآخرة، فإذا انحرف عن منهج الله تقتضي رحمة الله أن يسوق له بعض الشدائد كي يعيده إليه، هذا كل ما في الأمر:

﴿ وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (21) ﴾

( سورة السجدة )

 وقال:

﴿ وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ (30) ﴾

(سورة الشورى )

من أشد أنواع القهر أن تُساق المصيبة على يد إنسانٍ مثلك يقهرك:

 لذلك العِلاجات التي يسوقها الله عزَّ وجل لعباده مُنَوَّعةٌ وكثيرةٌ، وعلى درجات، وعلى مستويات، لعلَّ من أشدِّها أن يبتليهم الله عزَّ وجل بظالمٍ يُذَبِّح أبناءهم ويستحي نساءهم يؤكِّد هذا المعنى قوله تعالى:

﴿ قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَاباً مِنْ فَوْقِكُمْ (65) ﴾

( سورة الأنعام: من آية " 65 " )

 الصواعق، والصواريخ:

﴿ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ ﴾

( سورة الأنعام: من آية " 65 " )

 الزلازل، والألغام:

﴿ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ ﴾

( سورة الأنعام: من آية " 65 " )

 لعلَّ من أشدِّ المصائب أن يَقَهَرَ إنسانٌ إنساناً، إذا أتت المصيبة من الله مباشرةً فهي تُقبَل بشكلٍ أو بآخر، أما أن تُساق المصيبة على يد إنسانٍ مثلك يقهرك، فذاك أشد أنواع القهر، ولذلك استعاذ النبي عليه الصلاة والسلام بالله من:

((أعوذ بك من غلبة الدين وقهر الرجال.))

[أبو داود عن أبي سعيد]

 وقد ورد عن سيدنا علي: " واللهِ والله مرَّتين لحفر بئرين بإبرتين، وكنس أرض الحجاز في يومٍ عاصفٍ بريشتين، ونقل بحرين زاخرين بمنخلين، وغسل عبدين أسودين حتَّى يصيرا أبيضين، أهون عليَّ من طلب حاجةٍ من لئيمٍ لوفاء دين "، قيل: " ما الذُل ؟ "، قال: " أن يقف الكريم بباب اللئيم ثمَّ يردُّه ".
 تيمورلنك سُئل مرَّة: " من أنت ؟ " فأجاب إجابة رائعة قال: " أنا غضب الرَّب".

الأقوياء في الأرض عصيٌّ بيدِ الله ينتقم بهم ثم ينتقم منهم :

 حينما يغضب الإنسان يصيح، ويشتم، ويضرب، وينفعل، ويرتجف، ولكن ماذا يفعل الله جلَّ جلاله حينما يغضب ؟ يسوق تيمورلنك، يسوق فرعون:

﴿ وَإِذْ نَجَّيْنَاكُمْ مِنْ آَلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ وَفِي ذَلِكُمْ بَلَاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ (49) وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ فَأَنْجَيْنَاكُمْ وَأَغْرَقْنَا آَلَ فِرْعَوْنَ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ (50) ﴾

(( أنا مالك الملوك، وملك الملوك، قلوب الملوك بيدي، وإن العباد إذا أطاعوني حولت قلوب ملوكهم عليهم بالرأفة والرحمة، وإن العباد إذا عصوني حولت قلوبهم عليهم بالسخط والنقمة فساموهم سوء العذاب، فلا تشغلوا أنفسكم بالدعاء على الملوك، ولكن اشغلوا أنفسكم بالذكر والتضرع أكفكم ملوككم )).

[ أخرجه الطبراني عن أبي الدرداء ]

 الأقوياء في الأرض عصيٌّ بيدِ الله ينتقم بهم ثم ينتقم منهم:

﴿ وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضاً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (129) ﴾

(سورة الأنعام )

 الظالم قهراً يُسلَّطُ على ظالم نفسه كي يقومه.

 

من أشدِ أنواع البلاء أن يُؤَمَّر المترفون ويُمَكَّن الطغاة والظالمون:

 قال تعالى:

﴿ إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعاً يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ (4) وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ (5) وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ (6) ﴾

(سورة القصص )

 إذا عصاني من يعرفني سَلَّطت عليه من لا يعرفني:

﴿ وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا (16) ﴾

( سورة الإسراء: من آية " 16 " )

 وفي قراءة:

﴿ مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا (16) ﴾

 لعلَّ من أشدِ أنواع البلاء أن يُؤَمَّر المترفون، أن يُمَكَّن الطغاة والظالمون، هذا علاجٌ إلهي وهو من أقسى أنواع العلاج، الطبيب مثلاً يعطي المريض دواء عيار خمسة عشر، فيقول له: والله لم أستفد، يقول له: ارفع العيار، في خمسمئة، في ألف، في نصف مليون، في مليون، هذا العذاب الصُعُد، يعطى المستوى الأعلى والعيار الأشد إذا لم يؤثر المستوى الأقل.

 

استحق اليهود غضب الله وعقابه لأنهم كانوا لا يتناهون عن منكرٍ فعلوه :

 أيُّها الأخوة الكرام، يقول الله عزَّ وجل وهو يخاطب بنو إسرائيل وقلت لكم كثيراً في مطلع هذه السورة: نحن مُرَشَّحون أن نقع بالأمراض التي وقع بها بنو إسرائيل، وقد يقال: وقعنا بها، استحق اليهود غضب الله وعقابه لأنهم كانوا لا يتناهون عن منكرٍ فعلوه، ما قولكم ؟ لا يتناهون عن منكرٍ فعلوه، قال عليه الصلاة والسلام:

(( كيف بكم إذا لمْ تأمروا بالمعروفِ ولم تَنْهَوْا عن المنكر ؟ قالوا : يا رسول الله، وإنَّ ذلك لكائن ؟ قال : نعم، وأشدُ، كيف بكم إذا أمرتُم بالمنكر، ونهيُتم عن المعروف ؟ قالوا: يا رسول الله وإنَّ ذلك لكائن ؟ قال: نعم، وأَشدُّ، كيف بكم إذا رأيتُمُ المعروفَ منكراً والمنكرَ معروفاً )).

[أخرجه زيادات رزين عن علي بن أبي طالب ]

 هذا مَرَضٌ خطير يوجب الهلاك، وقد يقع به بعض المسلمين، يأمر بالمنكر وينهى عن المعروف .
 والله الذي لا إله إلا هو من خلال هذه الدعوة المتواضعة لعشرين أو ثلاثين عام تقريباً، والله سمعت آلاف القصص، يأمر بنته أن تُسْفِر وأن تختلط، ينهاها عن أن تصلي، في بيوتات المسلمين يرفض أن يحجِّب زوجة ابنه، لا بد من أن يسير الابن على سير أبيه في التفلُّت، وفي الاختلاط، وفي كسب المال الحرام.
 من أمراض اليهود الذين استحقّوا عليها الهلاك أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد.
 امرأةٌ سرقت فجاء حِبُّ رسول الله يشفع لها عند رسول الله، فغضب النبي أشدَّ الغضب وقال: " يا أسامة أتشفع في حدٍّ من حدود الله ؟ " قال: " اغفر لي ذلك يا رسول الله"، فقال عليه الصلاة والسلام:

((إِنَّمَا أَهْلَكَ الَّذِينَ قَبْلَكُمْ أَنَّهُمْ كَانُوا إِذَا سَرَقَ فِيهِمُ الشَّرِيفُ تَرَكُوهُ وَإِذَا سَرَقَ فِيهِمُ الضَّعِيفُ أَقَامُوا عَلَيْهِ الْحَدَّ وأيم اللَّهِ لَوْ أَنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ مُحَمَّدٍ سَرَقَتْ لَقَطَعْتُ يَدَهَا )).

[مسلم عن عائشة ]

 إذاً هذه الأمراض التي ذكرها الله في سورة البقرة والتي تلبَّس بها بنو إسرائيل، هذه الأمراض من المحتمل جداً أن نقع بها، وقد وقعنا بها، لذلك يبيِّن الله لنا أمراض من سبقونا في أسلوبٌ تربويٌ رائع، وأنتم أيها المؤمنون يمكن أن تقعوا في هذه الأمراض.

 

الناس رجلان قويٌّ ونبي فالقوي يملك الرقاب بقوَّته والنبي يملك القلوب بكماله:

 قال تعالى:

﴿ وَإِذْ نَجَّيْنَاكُمْ مِنْ آَلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ (49) ﴾

 آل فرعون أي من كان على منهج فرعون، من كان على شاكلة فرعون، ليس معنى آل فرعون أقرباءه، فآل النبي من سار على منهجه، فهل يُعَدُّ أبو لهب من آل النبي ؟ لا، هل يعدُّ أبو جهل من آل النبي ؟ لا، ولكن يُعَدُّ سلمان الفارسي من آل بيت النبي، ويعدُّ صُهَيْبُ الرومي من آل بيت النبي، ويعد بلال الحبشي من آل بيت النبي، كل من آمن بالنبي وسار على نهجه واتبع سنَّته القوليَّة والعمليَّة فهو من آله، وكل من شاكل إنساناً وسار على نهجه فهو من آله .
 كما قلت لكم من قبل: الناس رجلان قويٌّ ونبي، فالقوي يملك الرقاب بقوَّته، والنبي يملك القلوب بكماله، وكل الناس تبعٌ إما لقوي أو لنبي، فالموظَّف مثلاً مهما تكن وظيفته متواضعةً بإمكانه أن يفعل شيئاً يُزْعِجُكَ، إذاً هو استخدم قوَّته، فحينما تملك الرقاب بقوَّتك فأنت من أتباع القوي، وحينما تملك القلوب بكمالك فأنت من أتباع النبي.

﴿ وَإِذْ نَجَّيْنَاكُمْ مِنْ آَلِ فِرْعَوْنَ (49) ﴾

 لذلك:

﴿ إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ (8) ﴾

( سورة القصص )

 أنت لن تنجو من عذاب الله إذا فعلت أمراً لا يُرضي الله وقلت: أنا عبد مأمور، من قال لك ذلك ؟ من قال لك إنك عبدٌ مأمور ؟ العبد هو عبد الله فقط، ولا طاعة لمخلوقٍ في معصية الخالق، أن تقول: أنا عبد مأمور وتفعل في الناس ما تفعل هذا كلامٌ مردودٌ عليك، وله بحثٌ طويل في الفقه، لا مجال إلى تفصيلات جُزئياته في هذا الدرس، على كلٍ إن لم تكن قانعاً بهذا الذي تفعله اترك هذا العمل.

 

البطل هو الذي يهيِّئ جواباً لله عزَّ وجل لا لعبد الله:

 قد يقول موظَّف: أنا أعمل بالتموين ويجب عليَّ أن أكتب في اليوم عشرة مخالفات، لعلَّ هذا الإنسان مظلوم، لا يوجد عبد مأمور، افعل قناعتك وانتظر أن يحاسبك الله عزَّ وجل، البطل الذي يهيِّئ جواباً لله عزَّ وجل لا لعبد الله، بل لله:

﴿ وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ (8) بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ (9)﴾

( سورة التكوير )

 يقول: أنا عبد مأمور، لا لست بعبد مأمور، وهذه كذبة تكذبها أنت، الذين هم فوقك لا يرضيهم أن تفعل ما تفعل، لكن أنت تفعل ما تفعل لتبتز أموال الناس وتقول: أنا عبد مأمور، كلام فارغ أنت وحدك المسؤول، إذا لم يعجبك العمل فدعه، أما أن تؤذي الناس وتقول: أنا عبد مأمور، لأن الله عزَّ وجل يقول:

﴿ إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ (8) ﴾

(سورة القصص )

 وقال:

﴿ وَإِذْ نَجَّيْنَاكُمْ مِنْ آَلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ (49) ﴾

 هناك إذلال، فليس هناك حالة ذل أشد من أن يُنْتَهَكَ عرض الإنسان أمامه، شيء فوق طاقة البشر.

 

إيَّاك أن تصل مع الله إلى طريق مسدود فيأتي العقاب الأليم :

 قال تعالى:

﴿ يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ (49) ﴾

 ما قال الله تعالى: ويستحيون فتياتكم، بل إنه قال: نساءَكم، من أجل المُتْعَة:

﴿ وَفِي ذَلِكُمْ بَلَاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ (49) ﴾

 لذلك الدعاء القرآني :

﴿ رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ (286) ﴾

(سورة البقرة: من آية " 286 ")

 والله أيُّها الأخوة هناك مصائب لا يحتملها الإنسان، فوق طاقته، لا تعمل عملاً تصل مع الله إلى طريقٍ مسدود، تصوَّر إنساناً وُضّع ليُشْنَقَ أمام مئة ألف إنسان، مجرم ارتكب جريمة قتل، أو ارتكب جريمة زنا وجريمة قتل فاستحقَّ أن يُعْدَم أمام الناس جميعاً، هو وصل لطريق مسدود قبل أن يُوضَع الحبل في رقبته ليُشْنَق، إذا أحب أن يصبر فليصبر أو لا يصبر، إذا أحب أن يتوسَّل فليتوسَّل، أحب أن يستعطف فليستعطف، أحب أن يبكي فليبكِ، أحب أن يضحك فليضحك، ولكن الطريق صار مسدوداً، إيَّاك أن تصل مع الله إلى طريق مسدود بأن ترتكب جرماً، أن تنتهك عرضاً، أن تأخذ مالاً حراماً فيأتي العقاب الأليم:

﴿ رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ (286) ﴾

(سورة البقرة: من آية " 286 ")

 العقاب أنواع ؛ هناك أمراض مستعصية، أنا أقسم لكم لو أن إنساناً وصل إلى أعلى درجة في الدنيا وأصابه مرضٌ عضال، وعُرِضَ عليه أن يكون في أقل درجة وأن يعافى من هذا المرض، هل يتردَّد لحظة في قبول ذلك ؟ لو كان ملكاً وأصابه مرض عُضال وعرض عليه أن يكون موظَّفاً بسيطاً ضارب آلة كاتبة، هل يتردَّد في قبول هذه الوظيفة المتواضعة جداً على أن يشفى من مرضه ؟ إنه لا يتردَّد، فالذي عافاه الله في نعمةٍ كبرى، المعافى هو في نعمةٍ لا تقدَّر بثمن، قد يصل الإنسان إلى أعلى مرتبة في الحياة ومعه مرض عضال، ماذا يفعل ؟ أطبَّاء العالم كلِّهم تحت تصرُّفه وماذا يفعل ؟ هذا قهر الله عزَّ وجل.

الإنسان حينما يعرف الله في الوقت المناسب ويستقيم على أمره ويخافه يحفظه وينصره:

 أيُّها الأخوة الكرام:

﴿ رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ (286) ﴾

(سورة البقرة: من آية " 286 ")

 هناك أشياء لا تُحتمل، والإنسان حينما يعرف الله في الوقت المناسب، ويستقيم على أمره، وحينما يخافه يرفع الله له ذكره، ويحفظه، وينصره، ويوفِّقه، ويقرِّبه، ويسلِّمه، ويسعده، ويعطيه عطاءً كبيراً:

﴿ وَفِي ذَلِكُمْ بَلَاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ (49) ﴾

 هل تحتمل مرضاً عُضالاً ؟ هل تحتمل فقراً مُدقعاً يحملك على أن تُنَقِّب في الحاوية ؟ هل تحتمل أن تتخلَّى عنك زوجتك وأولادك وأن يلقوك في الطريق ؟ هل تحتمل ذلك ؟ هل تحتمل أن تكون في غيابة السجن سنوات وسنوات ؟ قل:

﴿ رَبَّنَا وَلا تُحَمِّلْنَا مَا لا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا (286) ﴾

(سورة البقرة: من آية " 286")

 إذا كنت لا تحتمل فاستقم على أمر الله، المستقيم له معاملة خاصَّة، والمستقيم له حفظ من الله، والمستقيم له توفيق من الله، والمستقيم له هداية من الله عزَّ وجل، والله جلَّ جلاله يَسْلُكُ به سبل السلام، سبل الأمان، سبل السعادة، سبل الرِفْعَة، سبل التوفيق.

إذا وجد الإيمان فإن المعركة بين الحق والباطل لا تطول لأن الله مع الحق:

 شاهد بنو إسرائيل بأعينهم كيف أن البحر انشقَّ طريقاً يبساً:

﴿ وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ فَأَنْجَيْنَاكُمْ وَأَغْرَقْنَا آَلَ فِرْعَوْنَ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ (50) ﴾

 مُعجزات مُدهشة، صار البحر طريقاً:

﴿ وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ فَأَنْجَيْنَاكُمْ وَأَغْرَقْنَا آَلَ فِرْعَوْنَ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ (50) ﴾

 الله يتدخل أحياناً، وإذا تدخَّل الله تنتهي كل مشاكلنا، ولكن أنت اطلب منه موجبات رحمته، إذا فعلت موجبات رحمته أوجب ذلك أن يتدخَّل الله لصالحك، وتوجد بعض الشواهد في حياتنا، شيء لا يُحتمل صرفه الله عزَّ وجل من عنده، أنا كنت دعوت في خطبة قبل أسابيع: " اللهمَّ انصرنا على أنفسنا حتى ننتصر لك فنستحقَّ أن تنصرنا على عدوِّنا ".
 لأن المعركة بين حقَّين لا تكون، الحق لا يتعدَّد، وبين حقٍ وباطل لا تكون لأن الله مع الحق، وبين باطلين لا تنتهي لأن الله تخلَّى عن الطرفين، الأقوى هو الذي ينتصر، الأذكى ينتصر، ينتصر الذي عنده سلاح أكثر فاعليَّة، ينتصر الذي عنده معلومات أكثر، ينتصر الذي عنده أقمار، ينتصر الذي عنده رصد، ينتصر الذي عنده ليزر، اختلف الوضع، إذا ابتعد الفريقان عن الله عزَّ وجل يكون هناك ترتيب آخر، يكون الفوز نصيب الأقوى والأذكى والذي عنده سلاح أكثر جدوى، أما إذا وجد الإيمان فإن المعركة بين حقٍ وباطل لا تطول لأن الله مع الحق.

 

أغرق الله فرعون ولكنه نَجَّاه ببدنه إلى الشَاطئ لكي يجعله عبرة:

 قال تعالى:

﴿ وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ فَأَنْجَيْنَاكُمْ وَأَغْرَقْنَا آَلَ فِرْعَوْنَ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ (50) ﴾.

 أغرق الله فرعون، ولكنه نَجَّاه ببدنه إلى الشَاطئ، لأنه إذا أغرقه واستقرَّ في أعماق البحر لما صدَّق أحدٌ أنه غرق، لأنه عندهم الإله، قال :

﴿ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى (24)﴾.

(سورة النازعات )

 وقال:

﴿ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي (38) ﴾.

(سورة القصص: من آية " 38 " )

 ولكنَّ الله أراد أن يجعله عبرةً:

﴿ فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ (92)﴾.

(سورة يونس: من آية " 92 " )

 ما قال الله: لتكون آية أي لمن حولك، لكنه قال:

﴿ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آَيَةً (92) ﴾.

(سورة يونس: من آية " 92 " )

المُعجزات الحِسَّية وحدها لا تكفي ما لم يبحث الإنسان عن الحقيقة:

 هناك شخص يقرا القرآن في أمريكا، وهو حديث عهدٍ بالإسلام، يقرأ القرآن متفحِّصاً، فلمَّا وصل لهذه الآية قال: هنا خطأ، كيف يقول الله عزَّ وجل:

﴿ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آَيَةً ﴾

 فاتصل بعالم من علماء المسلمين في فرنسا، فأجابه أن: فرعون موسى موجود في متحف مصر، نفسه موجود، فرعون الذي غرق في عهد موسى مُحَنَّط، وقد أُخِذَ إلى فرنسا لترميم جثَّته، وعاد، وفي فمه آثار فطور بحريَّة، وفي فمه آثار ملوحة، وكل علامات الغَرَقَ بادية على جسمه، وهذا معنى الآية الكريمة:

﴿ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آَيَةً (92) ﴾.

(سورة يونس: من آية " 92 " )

 وقال:

﴿ وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ فَأَنْجَيْنَاكُمْ وَأَغْرَقْنَا آَلَ فِرْعَوْنَ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ (50) وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً (51) ﴾.

 وعد الله عزَّ وجل موسى مع النقباءِ وعلية القوم ليعطيهم المَنْهَج، ماذا فعل قومه في غيبته ؟ اتخذوا من الذهب الذي أخذوه من بيوت فرعون عِجْلاً جسداً، وعبدوه من دون الله، ماذا نستنتج ؟ هذا الذي رأى أن البحر أصبح طريقاً يبساً كيف يعبُدُ عجلاً من دون الله ؟ نستنبط من هذا أن المُعجزات الحِسَّية وحدها لا تكفي ما لم يبحث الإنسان عن الحقيقة، الكون بما هو عليه من دون خَرْقٍ للعادات يُعَدُّ معجزةً وأيَّةَ معجزة، أما هذا الذي يطلب خرقاً العادات، هذا الذي يطلب كرامة !!! هناك طُلاب عِلْم كثيرون يبحثون عـن كرامة، عن منام، عن شيء فيه خرق للعادات !! هذا النظام المستقر، الشمس والقمر، والليل والنهار، المجرَّات، الجبال، السهول، البحار، النباتات، الأطيار، الأسماك، أنواع الخضراوات، المحاصيل، نظام النبات، هذا كلُّه لم يلفت نظرك، خَلق الإنسان ! تبحث عن معجزة ! تبحث عن خرقٍ للعادات !!

أشد أنواع الظلم أن تشرك بالله:

 هؤلاء الذين رأوا البحر أصبح طريقاً يبساً، حينما نجَّاهم الله عزَّ وجل اتخذوا من الذهب عجلاً له خوارٌ وعبدوه من دون الله:

﴿ ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ (51) ﴾.

 إن أشدُّ أنواع الظُلْمِ أن تعبد غير الله، أشد أنواع الظلم أن تشرك بالله، أشد أنواع الظلم أن تعبد إلهاً صنعته بيدك، وهذا ما تجده في كثير من البلاد إلى الآن، تدخل إلى معبد في الهند تجد صنماً ارتفاعه ثلاثون متراً وأمامه أنواع منوَّعة من الفواكه، تسأل: لمن هذه الفواكه ؟ يجيبونك: هو يأكلها في الليل، والحقيقة أن الكُهَّان يأكلونها في الليل، هذا تراه الآن في عصر النور والحضارة كما يدَّعون.
 حينما يؤمن الإنسان بالله يكون قد احترم نفسه، الإنسان حينما يكون عاقلاً يوحِّد، يكون قد عرف قيمته كإنسان، يكون قد كرَّم نفسه، أما حينما يتخذ صنماً ليعبده طبعاً هذا هو الشرك الجَلِيّ، لكنَّ المسلمين والمؤمنين قد يقعون في شركٍ خفي، حينما يتوهَّمون أن المال يحلَّ كل مشكلة، لا، المال لا يحل المشكلات، فإذا اختل نمو الخلايا اختلت في النمو، المال لا يحل المشكلات، وأن تكون في أعلى درجة في الحياة لا تحل مشكلة، الله عزَّ وجل هو الفعَّال، هو القهَّار، هو واهب الحياة، هو المُحيي، هو المُميت، هو الحافظ، هو الناصر، هو الموفِّق، هو الرافع، هو الخافض، هو المعطي، هو المانع، هو الرازق، هو المعز، هو المذل.
 إن الشرك لظلمٌ عظيم، وحينما تتجه لغير الله أو تعتمد على غير الله فقد وقعت في ظلمٍ شديد.

 

من الشرك أن تعتمد على شيءٍ آخر غير الله عزَّ وجل :

 قال تعالى:

﴿ ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ (51) ﴾.

 تصوَّر إنساناً لديه قضيَّة خطيرة جداً، مثلاً لو أخذ الموافقة فهو يربح مئات الملايين، وهذه الدائرة فيها مدير عام الأمر مُناط به وحده، وفيها موظَّفون، وفيها حُجَّاب، وفيها حارس، فإذا وقف هذا الإنسان الذي معه المعاملة أمام الحارس أو الحاجب فترجَّاه، وتضعضع أمامه، وبذل ماء وجهه، وعلَّق عليه الآمال، ثم خاب ظنُّه به، هذا الشرك، هذا الذي تضعضعت أمامه عبدُ مثلك، هذا الذي بذلت ماء وجهك أمامه عبدٌ مثلك، هذا الذي توهَّمت أنه يحلُّ هذه المشكلة لا يستطيع أن يدفع عن نفسه ضراً ولا يجلب نفعاً، فإذا كان الله يأمر سيد الخلق أن يقول لقومه:

﴿ قُلْ إِنِّي لَا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرّاً وَلَا رَشَداً (21) ﴾

(سورة الجن )

 سيد الخلق، وفي آية أخرى :

﴿ قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَلَا ضَرّاً (188) ﴾

(سورة الأعراف: من آية " 188 " )

(( يا فاطمة بنت محمد أنقذي نفسكِ من النار أنا لا أغني عنك من الله شيئاً، لا يأتيني الناس بأعمالهم وتأتوني بأنسابكم، من يبطئ به عمله لم يسرع به نسبه )).

[أخرجه مسلم والترمذي وابن ماجة وأحمد والدارمي عن أبي هريرة ]

 إذاً أشدِّ أنواع الظلم أن تعبد إلهاً آخر غير الله عزَّ وجل، أو أن تعتمد على شيءٍ آخر غير الله عزَّ وجل، ثمَّ يقول الله عزَّ وجل :

﴿ ثُمَّ عَفَوْنَا عَنْكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (52) ﴾

أهمية التوبة:

 أيها الأخوة الكرام، صعبٌ جداً أن تتصوَّروا ديناً من دون توبة، لأن أقل ذنب من دون توبة يقودك إلى أكبر ذنب ثم إلى النار، أما مع التوبة فأكبر ذنب يعفو الله عنك:

(( لو جئتني بملء السماوات والأرض خطايا غفرتها لك ولا أبالي ))

[ حديث قدسي ]

﴿ قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (53) ﴾.

(سورة الزمر )

 وقال:

﴿ نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (49) ﴾.

(سورة الحجر )

 هكذا:

﴿ ثُمَّ عَفَوْنَا عَنْكُمْ (52) ﴾.

 ماذا فعل هؤلاء ؟ فعلوا أشدَّ أنواع الذنوب، أشركوا بالله، عبدوا عجلاً من دون الله، صنعوه بأيديهم وعبدوه من دون الله ومع ذلك باب التوبة مفتوحٌ على مِصراعيه، تصوَّر لو لم يكن هناك توبة ليئس الإنسان من أقل ذنب، لو ارتكب الإنسان ذنباً بسيطاً ولا توجد توبة لسمح لنفسه أن يرتكب ذنباً أكبر، وهكذا إلى أن يفعل كل الذنوب والآثام، وينتهي إلى النار، لكنَّ رحمة الله كبيرة.

 

الله تعالى رَحِمَ أمَّة محمِّد فجعل توبة المؤمنين لا تقتضي أن يقتل بعضهم بعضاً إذا أذنبوا:

 قال تعالى:

﴿ وَإِذْ آَتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَالْفُرْقَانَ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (53) ﴾.

 ثمة توبة، وعفو، وكتاب، وسُنَّة، وعلماء، ودعاة، ومعالجة نفسيَّة، ومعالجة سلوكيَّة، وكل شيء من أجل أن تعرف الله، ومن أجل أن تتصل به، ومن أجل أن تطيعه:

﴿ وَإِذْ آَتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَالْفُرْقَانَ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (53) وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (54) ﴾.

 أيها الأخوة، هذا مما حُمله بنو إسرائيل لأنهم عبدوا العجل من دون الله، وهذا معنى قول الله عزَّ وجل :

﴿ رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ (286)﴾.

(سورة البقرة: من آية " 286 " )

 أي أن الله أمر الذين لم يعبدوا العجل أن يقتلوا من عبد العجل جزاء ارتكابهم أكبر ذنب في الدين، وهو أن تُشرك، لكن الله عزَّ وجل رَحِمَ أمَّة محمِّد صلى الله عليه وسلَّم فجعل توبة المؤمنين لا تقتضي هذا القتل، يكفي أن تقول: يا رب لقد تبت إليك، يقول لك: عبدي وأنا قد قبلت، هذه رحمةٌ كبيرة، ولكن بني إسرائيل كُلِّفوا أن يقتلوا أنفسهم، أن يقتل بعضهم بعضاً، أن يقتل الذين لم يعبدوا العجل الذين عبدوا العجل.

 

إيَّاك أن تعتمد على جهةٍ غير الله فيخيبُ ظنُّك بها وهذا من رحمة الله بالإنسان:

 قال تعالى:

﴿ وَإِذْ آَتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَالْفُرْقَانَ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (53) وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ (54) ﴾

 ما الذي يحصل الآن ؟ إذا أشرك الإنسان ماذا يحصل له ؟ الله عزَّ وجل يخيِّب ظنَّه بهذا الذي عَبَدَهُ من دون الله، اعتمد على ماله، يسوق الله له مصيبةً لا يحلُّها المال، اعتمد على إنسان قريب قوي يلهم الله هذا القريب أن يتخلَّى عنه، يقف منه موقفاً لئيماً، هذه معالجة الله، اعتمد على زوجته وظنَّ أنها تسعده إلى أبد الآبدين، فإذا هي تعامله أسوأ معاملة، اعتمد على ابنه، يسافر ولا يرسل رسالة إلا مرَّة كل سنتين، وقد يتجنَّس ويتزوَّج وينسى أباه، إيَّاك أن تعتمد على جهةٍ غير الله فيخيبُ ظنُّك بها وهذا من رحمة الله بالإنسان، اعتمد على الله، لا على مال، ولا على جاه، ولا على أتباع، ولا على أهل، ولا على زوجة، طبِّق منهج الله واعتمد على الله ولا تعتمد على مخلوقٍ سوى الله فهذا نوعٌ من أنواع الشرك.

كل إنسان خاف الله فيما بينه وبين الله أمَّنه الله فيما بينه وبين الناس :

 قال تعالى:

﴿ فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (54) ﴾

 يقودنا هذا المعنى إلى معنى آخر وهو أن الله جلَّ جلاله يسوق لك أحياناً شدَّةً شديدةً من أجل أن ترمِّم خللاً خطيراً.
 أيُّها الأخوة، من نِعَمِ الله الُكبرى أن شرعنا الإسلامي لا يقتضي من أجل أن تتوب إلى الله أن تقتُل نفسك ولا أن تُقتَل، وهذه رحمةٌ بأمة محمَّد صلَّى الله عليه وسلَّم، ولكن المؤمن العاقل يبتعد عن ذنبٍ خطير، ففي الحياة الآن أمراض غير القتل، فيها أمراض عُضالة، وفيها عاهات، وحوادث سير، فيها فقر مدقع، وفيها تشتيت أسرة، هناك أحياناً ذُل، وأحياناً قَهر، أو فقد حُرِّية، فعند الله معالجات منوَّعة كثيرة جداً، فالمؤمن العاقل هو الذي يحتاط للأمور قبل وقوعها، ويخاف من الله فيما بينه وبين الله، وكل إنسان خاف الله فيما بينه وبين الله أمَّنه الله فيما بينه وبين الناس، هذه قاعدة ؛ مستحيل ثم مستحيل ثم مستحيل أن تخاف الله فيما بينك وبينه ثم يخيفك من أحد، ولكنه يطمئِنُك.

" أمنان وخوفان، لا يجتمع أمن الدنيا وأمن الآخرة، إن خِفت الله في الدنيا أَمَّنك يوم القيامة، وإن أمِنتَ عذاب الله في الدنيا أخافك يوم القيامة ".

 هذا كلام دقيق وخطير، كلام مصيري، وليس الأمر على مستوى أن تقول: والله الدرس ممتع، لا، لا، لا فالأمر أخطر من ذلك، الدرس خطير يتعلَّق بالمصير، المصير الأبدي، وساعة الموت هي ساعة الفصل، وهذه تنتظرنا جميعاً ولا أحد ينجو من هذه الساعة، فبقدر معرفته بالله، وبقدر طاعته، وبقدر إخلاصه، وبقدر عمله الصالح ينجيه الله عزَّ وجل من هذه الساعة العصيبة.

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018